رواية سخط..  قسوة موت الشباب في حروب أمريكا الاستعمارية

الأربعاء 11 تموز/يوليو 2018
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

 

خاص: قراءة- سماح عادل

رواية “سخط” للكاتب الأمريكي “فيليب روث” ترجمة “خالد الجبيلي” إصدار “منشورات الجمل” تنتقد المجتمع الأمريكي الذي يدفع بشباب في عمر الزهور إلى حروب وحشية، حيث يقتلون بفظاعة وهم لم يعيشوا حياتهم بعد، ولم يفهموا الحياة ولم يفهموا أنفسهم.

الشخصيات..

ماركوس ميسنير: البطل، شاب في عمر الثامنة عشر، تخرج من الثانوية في مدينته الصغيرة والتحق بجامعة قريبة، لكنه ونتيجة لمضايقات والده انتقل إلى جامعة أخرى في ولاية بعيدة، وطرد منها بعد ذلك ثم التحق بالجيش وقتل في الحرب الكورية بطريقة وحشية.

ميسنير: والد البطل، يعمل جزار للحوم التي تذبح على الطريقة اليهودية،  رجل يهودي غير متعلم يعيش مع ابنه الوحيد وزوجته، كان عاقلا وقويا يدير أمور عائلته بحكمة وروية، لكن ما أن كبر ابنه ودخل إلى الجامعة حتى أصابه الجنون خوفا من فقدان ابنه، وذلك بعد أن قتل شابين من نفس عائلته، ولدين لأخين له في الحرب العالمية الثانية، وأصبح خائفا على ابنه من أن يقتل هو أيضا بأية طريقة ويفقده. ورغم ذلك هو أب طيب ومتفاني، استطاع أن يوفر لابنه مصاريف الجامعة التي قرر أن ينتقل إليها، رغم أن تجارته بدأت تخسر بعد افتتاح سوبر ماركت في مدينته وبيعه للحوم رخيصة. سيموت بعد وفاة ابنه بعام نتيجة لحزنه الشديد عليه.

الأم: أم البطل، سيدة قوية تساعد زوجها في عمله بالجزارة، لديها عضلات من تقطيع اللحوم وحملها، لا تشتكي أبدا فهي راضية بحياتها، لكن عندما يصاب الوالد بالجنون تفكر في طلب الطلاق، وتتراجع لكي تعقد مع ابنها اتفاق بأن يترك الفتاة التي يتقرب إليها، في مقابل بقاءها مع والده. وستعيش طويلا بعد موت ولدها وزوجها، لكنها ستظل حزينة علي فقدها ولدها.

أوليفيا هوتون: فتاة في عمر الثامنة عشر، زميلة البطل في الجامعة، هي ابنة طبيب وأرقى طبقيا من “مارك”، يقتربان لبعض الوقت وسيعرف البطل أنها كانت مدمنة كحول وقد تعافت، وأنها دخلت مصحة نفسية بعد محاولة انتحار فاشلة، لكنه سيحبها كثيرا ويتألم لفقدها حين ترحل من الجامعة، بعد أن تصاب بانهيار عصبي ويكتشف أنها حامل.

بيرترام فلوسير: شاب شرير، كان شريك ل”مارك” في غرفة الجامعة، وكان يضايقه ويضايق الجميع، وحين رحل “مارك” من الغرفة ظل يضايقه وعبث بأشياءه وحطمها.

المشرف كودويل: مشرف في الجامعة، بطل في لعبة رياضية وهو مسيحي متزمت دينيا وسلطوي، سيكون سببا مباشرا في أزمة “مارك” حين يقرر طرده من الجامعة بعد اكتشافه خطأ ما قام به “مارك”.

سوني كوتلر: شاب يهودي، زميل ل”مارك”، وسيم وينتمي لطبقة أرقى من طبقة “مارك”، يحل كل الأمور بثقة وثبات، وسوف يقنع “مارك” بأن يؤجر أحدا ليذهب بدلا منه إلى الكنيسة التي تفرضها الجامعة على كل الطلاب، وسيكون في ذلك هلاكه.

إلوين إريس: رفيق “مارك” في غرفة في الجامعة، يدرس ليصبح مهندسا، كان يتعامل مع “مارك” بتعالي وتجاهل، من أسرة غنية ولديه سيارة يأخذها معه في الجامعة، سيموت بسبب هوسه بسيارته حيث سيقودها في أحد الأيام التي تتساقط فيها الثلوج وسيصطدم بالقطار.

الراوي..

الراوي هو البطل “مارك”، يحكي عن نفسه وعن أبويه وعن الجامعة وزملائه فيها، وحتى حين يقتل سيظل يحكي وهو تحت تأثير المورفين بعد أن يقطع جزء كبير من جسده، ثم يتدخل راوي آخر عليم في نهاية الرواية ليخبر القراء بمصير “ماركوس” ومصير أبويه من بعده، كما سيخبر هذا الروي القراء عن انتفاضة أخرى حدثت في الجامعة بعد ذلك بعشرين عاما.

السرد..

السرد يتميز بلغة ساخرة تهكمية، التكرار فيه يبغي التأكيد على أفكار الراوي، يعتمد على التشويق بنسبة صغيرة حيث سيخبر الراوي القراء بموته في منتصف الرواية، لكن السرد في مجمله يعتمد على تصاعد الأحداث وتأثيرها على البطل الذي لازال في مرحلة المراهقة، وعلى أعتاب الرجولة يحاول فهم عالمه المحيط، الرواية تقع في حوالي 176 صفحة من القطع المتوسط.

مأساة الشباب الأمريكي..

ترصد الرواية مأساة الشباب الأمريكي في بداية خمسينات القرن العشرين، بعد سنوات قليلة من انتهاء الحرب العالمية الثانية التي قتل فيها الكثير من الشباب، ثم حرب كوريا التي حاربت فيها القوات الأمريكية بجانب كوريا الجنوبية وضد كوريا الشمالية والقوات الصينية، في حرب ضد الشيوعية كما كان يعلن في ذلك الوقت، حيث قتل في تلك الحرب التي انتهت في 1953 آلاف من الشباب الأمريكي في عمر الزهور، والذين لم يبدأوا حياتهم بعد. ويرصد الكاتب أيضا كيف أن هؤلاء الشباب كانوا يرسلون إلى الكهوف في كوريا مسلحين ببنادق واهية لا تحميهم، وغير مدربين بشكل جيد، في مواجهة القوات الصينية والكورية التي كانت كثيرة العدد وتستخدم القتل بالأسلحة البيضاء وبالتلاحم المباشر، مما كان يخلف كثير من الضحايا الأمريكيين الذين يموتون بطرق وحشية بشعة.

ليس هذا فقط وإنما كان الهاجس لدى الأسر الأمريكية ولدى المراهقين الأمريكيين في فترة الخمسينات هو أنهم سوف يرسلون إلى القتل حتما، وكانوا يسعون إلى تغيير مصيرهم الوحشي ذلك بالتفوق في الدراسة والالتحاق بالجامعة، لأن القانون في ذلك الوقت كان يقضي بتجنيد كل الشباب الذكور في عمر الثامنة  عشر والتاسعة عشر غير الملتحقين بالجامعات، كان ذلك هو الهاجس الكبير لدى “ماركوس” ولدى والده أيضا، ولذلك كان “ماركوس” يحرص على التفوق الدراسي ولا يهتم بسواه، لكنه رغم ذلك لم يسلم من مصيره المحتوم، بسبب سلسلة من المفارقات لم يكن له يد فيها.

أول شيء كان هوس أبوه وخوفه المتزايد من فقدان ابنه، حتى أنه أصبح يتعامل مع ابنه بغضب شديد، مما حدا ب”ماركوس” إلى الهرب من جامعة قريبة من البيت في مدينة “نيوآرك” في ولاية “نيوجيرسي”، تلك المدينة التي تأوي كثير من اليهود ومن الإيطاليين وجنسيات أخرى، إلى جامعة “واينزبرغ” في وسط الغرب الأمريكي ولاية “أوهايو” حتى يبتعد عن مضايقات أبيه المتزايدة.

لكنه يصدم بوجود قواعد صارمة وخانقة في تلك الجامعة يفرضها المشرف ومدير الجامعة، ذلك السياسي الجمهوري الذي يطمح بالترشح إلى الرئاسة، ومن ضمن تلك القواعد فرض الذهاب إلى الكنيسة مرة كل أسبوع، حتى بالنسبة للطلبة اليهود الذين أصبحت الجامعة تقبلهم في السنوات الأخيرة لالتحاق “ماركوس” بها. وأحس “ماركوس” بالضيق من تلك القاعدة، ليس لأنه يهودي متشدد، وإنما لكونه ملحد لا يحب الأديان وصرامتها. وسينصحه صديق له بأن يؤجر طالبا آخر ليذهب إلى الكنيسة بدلا منه، وسيشي به هذا الطالب إلى المشرف السلطوي، الذي بدوره سيطرد “ماركوس” من الجامعة ليذهب إلى التجنيد الإجباري، ويقتل بوحشية  في كوريا، وهو مازال في عمر التاسعة عشر.

انتفاضة الطلاب..

ترصد الرواية أيضا انتفاضة قام بها الطلاب الذكور في عام 1951 في جامعة “واينزبرغ”، لكنها كانت انتفاضة صبيانية، حيث اقتحم بعض الفتيان الحمقى القسم المخصص للفتيات، وعبثوا بأشياءهن الحميمية، في يوم كانت فيه الثلوج تسد الطرق، لكن سرعان ما تغلبت الجامعة ومديرها على تلك الانتفاضة، وقامت بطرد طلاب كثيرون. وفي نهاية الرواية يحكي الراوي العليم عن انتفاضة أخرى حدثت بعد عشرين عاما 1971، قام بها طلاب منظمون، ذكور وإناث، ووجهوا انتفاضاتهم إلى إدارة الجامعة، محاولين التخلص من القواعد الصارمة والخانقة، وبالفعل استطاعوا إلغاء القاعدة المتعلقة بذهاب الطلاب إلى الكنيسة.

الرواية رائعة تنتقد في لغة ساخرة المجتمع الأمريكي في الخمسينات، حيث ينتقد “ماركوث” سخرية الطلاب منه ومناداته باليهودي، ومعاملته بازدراء فقط لكونه يهوديا، حتى من قبل الجامعة نفسها التي قبلت بوجوده فيها. وتنتقد السلطة أيضا التي أدخلت شعبها في حروب كثيرة في نصف قرن.

الكاتب..

“فيليب روث” كاتب، وروائي، وكاتب سيناريو، وأستاذ جامعي، وكاتب مقالات، وكاتب خيال علمي، ولد في 1933 وتوفى عام 2018، اشتهر وحصد الاهتمام مع بدايات عام 1959 عندما كتب رواية «وداعا كولومبوس»، وهي صورة عن الحياة اليهودية الأمريكية، والتي حصل بها على جائزة الأمريكية القومية للكتاب والرواية. وهو أهم الكتاب في الولايات المتحدة في جيله: فقد حصل مرتين على جائزة الكتاب الوطني، ومرتين على جائزة النقاد الوطنية للكتاب، وثلاث مرات على جائزة PEN / فولكنر. وحصل على جائزة بوليتزر للعام 1997.



الكلمات المفتاحية
رواية سخط لفيليب روث

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.