السبت 23 أكتوبر 2021
19 C
بغداد

    رغم الانتقادات كان انجاز فرويد في وصف “الشخصية” هاما

    1

     

    خاص: إعداد- سماح عادل

    دائما ما نفكر في معنى كلمة “الشخصية” وكيف تتكون، وما هي المؤثرات التي تؤثر عليها، وقد نجد بعض الإجابات فيما قدمه “فرويد”عالم النفس الشهير، الذي حرص على تقديم تقسيم شهير للشخصية ومراحل تكوينها منذ بداية الحياة وحتى النضج، وعلى الرغم من الانتقادات التي وجهت لنظرية فرويد وإنتاجه الفكري إلا أن التعرف على منجزه يفيد من يسعى لفهم صحيح ل”الشخصية” ولعلم النفس.

    ماهي “الشخصية”..

    تعريف الشخصية: موضوع الشخصية من أهم الموضوعات التي تمت دراستها في كافة فروع علم النفس، وهذا الاهتمام كان نتيجته ظهور ميدان جديد ومستقل في علم النفس وهو “علم نفس الشخصية”، ومع أنّ مصطلح الشخصية شائع ومتداول، إلّا أنّه من أعقد المصطلحات التي يحاول علماء الاجتماع وعلماء النفس إيجاد تعريف له، وقد ظهرت عدّة تعريفات لا يمكن القول عن واحدة منها صحيحة وباقي التعريفات خاطئة.

    لأنّ مسألة الشخصية مسألة افتراضية بحتة، ويمكن تعريف الشخصية بأنّها تنظيم ثابت نسبيًا يتكون من مجموعة الخصال والصفات والطباع المتنوعة الموجودة في الشخص باستمرار، والتي تجعله متميزًا عن غيره، وكما أنّها تنعكس على تفاعله مع البيئة والأشخاص والمواقف، سواء في فهمه وإدراكه لهم، أو في كل المشاعر والسلوكيات التي يظهرها خارجيًا، ويضاف إلى ذلك قيمه وميوله ومواهبه والأفكار التي يمتلكها والتصورات الشخصية، وهكذا يمكن فهم الشخصية.  كما أنّ هناك عدّة عوامل تؤثر في الشخصية منها، الوراثة والنضج وأساليب التنشئة خاصة خلال مرحلة الطفولة.

    مكونات الشخصية عند فرويد..

    يعدّ فرويد من أهم علماء النفس الذين أثروا وبشكل كبير في مفاهيم علم النفس، وهو مؤسس مدرسة التحليل النفسي، وقد توصّل فرويد إلى أنّ الكبت هو مصدر المرض النفسي لدى المريض، والكبت هو صراع بين رغبتين متضادتين، ولهذا الصراع نوعين؛ صراع يدور في دائرة الشعور، وبه يفكر الفرد ويتحكم في نفسه للاختيار بين إحدى الرغبتين وترك الأخرى، وهذه هي الطريقة للخروج من الصراع دون حدوث أضرار نفسية، أمّا النوع الآخر هو كبت وصدّ إحدى الرغبتين عن الوعي من دون التفكير في الحكم، لتستقر في اللاوعي، واللاوعي هو العقل اللاواعي الذي تتمركز فيه الذكريات والدوافع الجنسية والمحفزات غير المرغوبة، وهو أشبه بمستودع مظلم يؤثر بالإنسان دون أن يشعر به.

    وتقوم نظرية فرويد في التحليل النفسي على عدد من المفاهيم من أبرزها مفهوم الشخصية، حيث يرى فرويد أنّ الشخصية تتكون من ثلاث مكونات رئيسية؛ وهي (الأنا والهو والأنا الأعلى)، وإنّ هذه المكونات أساسية لتحديد شخصية الفرد ويمكن شرحها كالآتي:

    الأنا: هو مركز الشعور وهو المشرف على الجهاز الحركي الإرادي، كما أنّه مركز الإدراك الحسي الخارجي والداخلي، وتقع على عاتقه مهمة الدفاع عن الشخصية، فهو يعمل على إحداث التوافق والتكامل بين الشخصية والبيئة، ويعمل أيضًا على حل الصراعات بين مطالب الهو ومطالب الأنا الأعلى، فهو يعمل كمحرّك منفّذ للشخصية وله جانبان شعوري ولا شعوري، وكما أنّه يركّز على وجهين، وجه يطل على الدوافع الغريزية والفطرية في الهو، والوجه الآخر يطل عن طريق الحواس على العالم الخارجي.

    ومن خلال هذين الوجهين يعمل على التوافق بين مطالب الهو والظروف الخارجية، فهو يعمل في ضوء مبدأ الواقع، فيحفظ ويحقق قيمة للذات، ويحافظ على التوافق والاندماج الاجتماعي للشخصية، وينمو هذا الجزء المهم من الشخصية عن طريق الخبرات التربوبة والاجتماعية التي يتعرض لها الفرد منذ فترة الطفولة وحتى فترة الرشد.

    الأنا الأعلى: يقول فرويد عن الأنا الأعلى بأنها “مستودع المثاليات”، والأنا الأعلى تمثّل الضمير والمعايير الاجتماعية والأخلاقيات، والتقاليد، كما أنها تمثّل القيم والخير والصواب والحق والعدل والحلال، وهو بمثابة رقابة وسلطة داخلية، فالشخص من خلال الأنا الأعلى يراقب نفسه بطريقة لا شعورية إلى حد كبير، وينمو الأنا الأعلى مع نمو الفرد ويتأثر نموه بالوالدين خاصة أو من يحل محلهم كالمربين، وأيضًا يؤثر به الشخصيات المحبوبة والتي يعتبرها الفرد قدوة له.

    وأيضًا المثل الاجتماعية لها أثر كبير وكلما زادت خبرات الفرد في ثقافة المجتمع يتهذب الأنا الأعلى بشكل أكبر، كما أنه يعمل عكس عمل الهو بل هو ضابط له ويكفّه عن إشباع رغباته من خلال الأنا.

    الـ هو: وهو أقدم قسم في الشخصية عن فرويد، ويولد مع الإنسان، فهو منبع الطاقة الحيوية والنفسية للفرد الذي يولد وهو مزوّد بها، وهو يضم الغرائز والدوافع الفطرية؛ كالدوافع الجنسية والعدوانية، لذا هو يحتوي على كل ما هو ثابت في تركيب الجسم، كما أنه يمثل النسخة البدائية للشخصية قبل أن يهذبها المجتمع بقيمه، وهو جانب لا شعوري عميق، كما أنّه لا إرادي، ولا يوجد صلة بينه وبين العالم الواقعي، فهو لا يعي المنطق، بل تسيطر عليه اللذة والألم.

    ويندفع لإشباع رغباته بعجلة في أيّ صورة وبأيّ ثمن، وتعمل الأنا الأعلى والأنا على كبحه.

    نظرية التحليل النفسي..

    نظرية التحليل النفسي لفرويد هي نظرية تدرس تنظيم الشخصية وآلية تطور الشخصية، وقد ظهرت هذه النظرية في آواخر القرن التاسع عشر على يد سيغموند فرويد، ولكن توالت التعديلات بعدها حتى ظهرت النظرية بشكل كامل في الثلث الأخير من القرن العشرين، وبعد فترة من وفاة فرويد أصبحت النظرية تواجه العديد من الانتقادات والخلاف والرفض؛ بسبب توجهاتها الجنسية في تحليل المرض النفسي.

    وقد قسّم فرويد تكون الشخصية إلى عدة مراحل وتكون تلك المراحل كالآتي:

    المرحلة الفمية: تبدأ المرحلة الفمية منذ ولادة الطفل وحتى إتمام عامه الأول، ويكون المصدر المبدئي للمتعة هو الفم فيشبع رغباته من خلال مصه لصدر الأم فيشبع حاجة الطعام والمتعة، وعند ظهور الأسنان يلجأ الطفل إلى العض للحصول على المتعة، وإن الآباء الذين يحرمون أطفالهم أو يبالغون في إشباع رغباتهم يعملون على تكوين عدد من الاضطرابات لدى الطفل من وجهة نظر فرويد، ومن الاضطرابات التي يمكن أن تحصل في هذه الفترة هي التعلق القلق عند الطفل بالأم ويصبح اعتماديًا جدًا عليها، كما أنّه إن كانت العلاقة ضعيفة ومتوترة بين الأم والطفل فهذا يطوّر لدى الطفل مشاعر عدم الأمان وانعدام الثقة بالنفس والخوف من الحب والثقة بالآخرين.

    المرحلة الشرجية: تمتد هذه المرحلة من عمر السنة وحتى عمر الثلاث سنوات، ومن وجهة نظر فرويد فإنّ المنطقة الشرجية تصبح العنصر الأهم في تكوين الشخصية، فمن خلال هذه المرحلة مطلوب من الطفل إتمام بعض المهارات كتعلم الاستقلالية والإحساس بالقدرة الشخصية، وأن يتعلم كيف يدرك مشاعره السلبية ويتعامل معها، وأن يواجه مطالب الوالدين، كما أنه يجب أن يتعلم كيف يتعامل مع الاحباطات الناتجة عن استكشافه للأمور التي حوله، وكما وأن الموضوع الأساسي هو قدرته على التحكم بعضلة الإخراج.

    ففي هذه المرحلة يكون الوالدين ولأول مرة يتعاملان مع الطفل بشكل جدي، حيث يبدأ الأهل بتدريب الطفل على استخدام الحمام لضبط عملية الإخراج، ويمكن أن يؤدي التعامل غير الصحيح مع الطفل إلى تطوير بعض الأمراض النفسية؛ كوسواس النظافة كأحد أنواع الوسواس القهري، ويقول فرويد أنّ الآباء يجب أن يدعوا الأطفال يعيشون التجربة بأخطائها ويتعلمون من ذلك، وأن يشعروا أنّهم محبوبون رغم أخطائهم.

    المرحلة القضيبية: تبدأ من سن الثالثة وحتى سن السادسة ويصبح النشاط الجنسي أكثر وضوحًا وشدة، وتصبح الأعضاء الجنسية هي الأساس، ويستمتع الطفل باستكشاف جسمه ولمسه، ويقول فرويد بأنّ الصراع هنا يكمن من خلال كبت المشاعر الجنسية المحرمة التي يطورها الطفل نحو الأب والأم.

    ولهذه المشاعر دور أساسي في التكيف والتطور الجنسي اللاحق، وفي هذه المرحلة يبدأ الضمير بالتطور ويتعلم الطفل المعايير الأخلاقية، وقد يؤدي التلقين الجامد والترهيب من قبل الوالدين على سيطرة الأنا الأعلى في المستقبل، فيصبح لديه مشاكل تكيفية لاحقة.

    المرحلة القضيبية تنقسم إلى قسمين:

    الأول المرحلة القضيبية للذكر: وتسمى “عقدة أوديب”.

    والثاني المرحلة القضيبية للأنثى: وتسمى “عقدة إليكترا”.

    مرحلة الكمون: تبدأ من عمر ست سنوات وحتى الثانية عشر، وفي هذه المرحلة تكون مكونات الشخصية الهو والأنا والأنا الأعلى قد تكونت تقريبًا، وبعد أن يجتاز الطفل مشاكل المرحلة القضيبية والضعوطات المجتمعية يتمتع الطفل بفترة من الراحة النسبية في مرحلة الكمون، ولأنّ الطفل يغادر المنزل إلى المدرسة في هذه المرحلة، فإن التنشئة الاجتماعية خارج الأسرة والعلاقات الاجتماعية تكون محور هذه المرحلة.

    ولم ير فرويد أنّ مرحلة الكمون خالية تمامًا من الدوافع الجنسية، ولكن يتخذ التعبير عنها اتجاهين:

    الأول: الرد المعاكس، كالاشمئزاز والشعور بالعار.

    والثاني: التسامي، وتحويل الطاقة الجنسية إلى قضايا جمالية.

    المرحلة التناسلية: وتبدأ المرحلة من سن الثانية عشر وحتى سن الثامنة عشر، ويتحرك بها الفرد نحو المرحلة الجنسية من جديد، ويطور المراهقون الاهتمام في العلاقات الغرامية والجنسية نحو الجنس الآخر، ويعتقد فرويد في نهاية هذه المرحلة أنّ الشباب يهدفون إلى أن يصبحوا بالغين وناضجين.

    ويتضح ذلك من خلال قدرة الشباب على الحبّ والعمل، ومن وجهة نظر فرويد فإنّ الرضا والإشباع الناتج عن الحب والعمل أمر مهم في حياة الإنسان، وهو أكثر أولوية وديمومة، ولكن لم يهتم فرويد بمشاكل البالغين كثيرًا كما اهتم بمشاكل الست سنوات الأولى من حياة الفرد.

    افتراضات..

    تطرح نظرية فرويد عدة افتراضات:

    – السلوك هو نتيجة لصراع داخلي، بين دوافع اللاوعي (الأقوى تأثيرا)، والرغبات والحاجات.

    – السلوك يعكس بطريقة خفية دوافعنا الداخلية.

    – نفس السلوك يكون نتيجة لدوافع مختلفة، تختلف باختلاف الأوقات. وتختلف من شخص لآخر.

    – قد يكون الناس مدركين للدوافع الداخلية التي تقودهم، ولكن غالبا لا يدركون.

    – يحكم السلوك مقدار الطاقة التي يمتلكها الفرد، مع مقدار ثابت نسبيا من الطاقة المتاحة في وقت ما.

    ­- الهدف من أي سلوك هو الرضى (التخفيف من التوتر أو تحرير طاقة أو المتعة بحد ذاتها).

    – الغرائز الجنسية والعدوانية هي المحركات الرئيسية للبشر.

    – التعبير عن هذه الدوافع سيؤدي إلى صراع مع متطلبات المجتمع، وبالتالي للحصول على الارتياح الذي يقدمه التعبير عن تلك الدوافع لابد من البحث عن طرق أخرى للتعبير عنها.

    – من أهم الغرائز أيضا لدى الإنسان، غريزتي البقاء (ايروس) والموت (ثاناتوس).

    – السعادة تكمن في العلاقات الإنسانية الناجحة، والنجاح في العمل.

    الإدراك..

    يقسم فرويد الإدراك لثلاث مستويات:

    1. الوعي (يمثل ما نحن مدركون له).
    2. ما قبل الوعي (ما يمكن إدراكه لو اجتهدنا لذلك).
    3. اللاوعي (ما لا يمكننا إدراكه إلا تحت ظروف معينة)، مثلا من خلال المعالجة النفسية التي تهدف إلى السبر في أعماق اللاوعي وإدراكه.

    أكد فرويد أن للشخصية هيكل معين، ويساهم في بنائها العوامل الثلاثة التي سبق ذكرها. حيث يشكل اللاوعي الهوية والأساس البيولوجي للشخصية، بينما الوعي (الذي يتكون خلال السنة الأولى من عمر الطفل) يشكل الأساس النفسي للشخصية. والأنا العليا (التي تتكون خلال السنة الثالثة وحتى الخامسة من عمر الطفل) تشكل الأساس الاجتماعي والأخلاقي للشخصية.

    الهجوم على نظرية فرويد..

    انتقدت نظرية فرويد في التحليل النفسي من قبل الكثير من العلماء والباحثين وغيرهم، ومن أبرز هذه الانتقادات: إنّ آراء فرويد ما هي إلّا فرضيات وآراء لم يتم إثباتها كباقي الحقائق والمبادئ النفسيّة عن طريق التجربة والملاحظة العلميّة . كما فسّر فرويد السلوك الإنسانيّ من جانبٍ واحد، حيث وضع محددات السلوك البشريّ حسب أبعاد ومعايير الدوافع الجنسيّة.

    وأيضا تأثرت آراء فرويد بالحالات المرضيّة حتى قام بتعميمها وإسقاطها على الحالات السويّة والسليمة، وقام بدراسة السلوك الإنسانيّ السويّ عن طريق تجاربه مع الحالات الشاذّة. كما انتقد استخدامه للأساطير اليونانيّة كصور مجازية يشرح عن طريقها النفس البشريّة.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا