رحيل “توني موريسون” عن المشهد الأدبي .. حاربت العنصرية والعبودية بالقلم !

الخميس 08 آب/أغسطس 2019
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

خاص : ترجمة – بوسي محمد :

تسلحت بالقلم، وقاومت بالفكرة.. فكانت صوت من لا صوت له، وقوة لمن لا حيلة له، أقتحمت الوسط الأدبي ببشرتها السمراء التي منحتها الثقة بالنفس، وبدأت تسطر سطورها الأولى التي تناولت فيها رحلة الأفارقة مع العبودية والتاريخ الاجتماعي للأفارقة الأميركيين بأسلوب إمتاز بلغة أدبية عالية حملت شحنة شجن وكثافة عاطفية مميزة وغنائية تقربه من لغة الشعر.

هي الروائية، المتوجة بجائزة (نوبل)، “توني موريسون”، التي أشتهرت بوصفها أحد أبرز رموز الأدب الأميركي المعاصر؛ وبدفاعها عن حقوق الأقليات، والتي رحلت عن عالمنا، مساء أمس، عن عمر يناهز 88 عامًا، بعد معركة قصيرة مع المرض.

تُعتبر “توني” أول سيدة سمراء تفوز بجائزة (نوبل) عن روايتها، التي دافعت فيها عن حقوق النساء الأفارقة.

في بيان يوم الثلاثاء، أكدت عائلتها والناشر، “Knopf”، أن “توني” توفيت في مركز “مونتيفيوري” الطبي، في “نيويورك”، ليلة الإثنين بعد مرض قصير.

وُلدت “موريسون”، في مدينة “أوهايو” للفولاذ في أعماق الكساد العظيم، وهو بيت أدبي لأصوات الأميركيين من أصل إفريقي، عملت كمحرر مشهور، ثم كروائية؛ من أشهر رواياتها (The Bluest Eye)، و(Song of Solomon and Beloved).

على مدار حياتها المهنية، التي حازت على تكريم؛ من بينها جائزة (بوليتزر) وجائزة (نوبل) ووسام الشرف وميدالية (الحرية) الرئاسية التي قدمها لها صديقها، “باراك أوباما”، في عام 2012، أصبح عملها جزءًا من نسيج الحياة الأميركية كما تم نسجها في مناهج المدارس الثانوية صعودًا وهبوطًا في البلاد.

على الرغم من أن وفاتها تمثل خسارة فادحة، لكن يشعر الشعب الأميركي بالإمتنان لها.

كتابات “موريسون” سلاح في وجه المتنمرين..

ركزت كتابات “موريسون” على تجارب النساء في مجتمعات السود الأميركيين.

وجلبت أعمال كتبتها أمثال؛ (محبوبة) و(العين الأكثر زرقة) و(فردوس) و(حب)، لها جوائز مرموقة أخرى، كجائزة (بوليتزر) وجائزة حلقة نقاد الكُتاب الوطني الأميركية.

وحظيت “موريسون” بإعجاب ومتابعة الكثيرين في مختلف الأوساط العالمية، ومن أبرز المعجبين بأدبها من مشاهير الشخصيات السياسية والفنية العالمية: “هيلاري كلينتون”؛ والممثل، “مارلون براندو”، و”أوبرا وينفري”، والروائية، “مارغريت أتوود”، والروائية والشاعرة الإنكليزية، “إنتونيا سوزان بيات”.

وأوضحت في روايتها التأثير المدمر للعنصرية على المرأة السوداء والطفل.

يوم الثلاثاء، أشاد الكُتاب والسياسيون والممثلون، منهم المرشح الديمقراطي للرئاسة، “بيرني ساندرز”، الذي رثاها عبر حسابه على موقع التدوين العالمي، (تويتر): “اليوم فقدنا أسطورة أميركية. أتمنى أن ترقد في سلام “، في حين كتبت عضوة الكونغرس الديمقراطية، “إلهان عمر”: “تأثرت بأفكار توني موريسون.. رحيلها صدمة بالنسبة ليّ”.

وتتذكر المنتجة التليفزيونية، “شوندا رايمز”، الأديبة الراحلة بهذه الكلمات: “لقد جعلتني أفهم أن (الكاتب) كانت مهنة جيدة. حرصت أن أكون صديقة مقربة إليها، حقًا فهي ملكة”.

ونعى الكاتب العالمي، “روكسان غاي”، قائلًا: “رحيل موريسون خسارة مدمرة لعالم الكلمات، كان عملها بمثابة هدية لكل من حالفه الحظ وقرأ روايتها”.

ووصفت “مارغريت أتوود”، وهي شاعرة وروائية وناقد أدبي وكاتبة ومخترعة ومعلمة وناشطة بيئية، “موريسون”، بأنها: “عملاقة في عصرها وصوتنا، أن صوتها القوي سوف يضيع الآن في عصر تجدد استهداف الأقليات في الولايات المتحدة؛ وفي أماكن أخرى مأساة بالنسبة لبقيتنا”.

يقع المنزل الذي وُلدت فيه “موريسون”، في عام 1931، على بُعد حوالي ميل من أبواب مصنع “لورين” للحديد في “أوهايو” – وهو أول سلسلة من الشقق التي تعيش فيها العائلة، بينما أضاف والدها وظائف غريبة إلى نوباته في المصنع لجعل الإيجار أكثر يسرًا. لقد تحدى مشرفه وتولى وظيفة نقابية ثانية حتى يتمكن من إرسال ابنته إلى الكلية. بعد دراسة اللغة الإنكليزية في جامعة “هوارد وكورنيل”، عادت إلى “واشنطن”، العاصمة، للتدريس وتزوجت المهندس المعماري، “هوارد موريسون”، وأنجبت منه طفلين.

في عام 1965، بعد زواجها بست سنوات، انتقلت إلى ولاية “نيويورك”؛ وبدأت العمل كمحررة. في (سيراكيوز) أدركت أن الرواية التي أرادت قراءتها لم تكن موجودة، وبدأت في كتابتها بنفسها.

وقالت لصحيفة (نيويورك تايمز)، في عام 1979: “كان لدي طفلان صغيران في مكان صغير، وكُنت وحيدة للغاية. كانت الكتابة شيئًا مسليًا بالنسبة لي ليلًا، بعد خلود الأطفال إلى النوم”.

العنصرية طاردت “موريسون”..

روت “موريسون”، في أحد رواياتها، أنها عانت كثيرًا من العنصرية والإضطهاد وهي طفلة صغيرة من معلميها في المدرسة؛ بسبب لون بشرتها السوداء، والتي كادت بسبب هذه المضايقات أن تفقد ثقتها بنفسها.

وأضافت قائلة: “ذات يوم عنفتني معلمتي قائلة لي: لماذا لم تتمتعين ببشرة بيضاء وعيون زرقاء ؟.. ذهبت في خجل وإستحياء لدرجة جعلتني أكره ذاتي، وبعد مرور 20 عامًا مازالت أتساءل كيف يتعلم المرء إهانة غيره هكذا ؟.. من الذي جعلها تشعر أنه من الأفضل أن تكون أبيض بعيون ملونة كي تكون جميلًا ؟.. لماذا الناس يرون الجمال بالشكل واللون ؟”.

خلال السنوات الخمس الماضية، تطلب الأمر منها أن تكتب (بلوست آي)، التي انتقلت إلى مدينة “نيويورك”؛ وبدأت في نشر كُتب “أنغيلا ديفيز” و”هنري دوماس” و”محمد علي”، لكنها لم تخبر زملائها عن خيالها الخاص. خلال حديثها مع مجلة (باريس ريفيو)، في عام 1993، أوضحت “موريسون” أن الكتابة كانت “شيئًا خاصًا.. أردت أن أمتلكها بنفسي”.

في حديثها إلى (الجمهورية الجديدة)، في عام 1981، أوضحت أنها تريد كتابة كُتب تهزم من خلالها “التابوهات السياسية التي أدت لقيام أنظمة ديكتاتورية عنصرية عبر التاريخ”.

قالت: “لهذا السبب لا أرغب في دعوة شخص ما لكُتبي؛ لأنها تحمل دلالة على الثراء الثوري. أردت استعادة اللغة التي تحدث بها السود إلى قوتها الأصلية. وهذا يتطلب لغة غنية، ولكنها ليست مزخرفة”.

بنيت سمعة “موريسون” تدريجيًا عندما صاغت لغة أسرتها وجيرانها في ثلاث روايات أخرى، واستقالت من (راندوم هاوس)، في عام 1983، لتكريس نفسها للكتابة بدوام كامل. في عام 1987؛ نشر فيلم (Beloved)، وهي قصة قوية وضعت في منتصف القرن التاسع عشر لعبد يقتل طفله، عززت مكانتها كشخصية وطنية.

بعد خمسة أشهر على أعمالها الخمس الرئيسة في الخيال، فازت بجائزة (بوليتزر)، ثم تم تتويجها بجائزة (نوبل) في الأدب، في عام 1993. كما فازت بميدالية المؤسسة الوطنية للكتاب، في عام 1996، وميدالية العلوم الإنسانية الوطنية بعد أربع سنوات.

الشجاعة سر نجاح “موريسون”..

وعلى الرغم من أن اسم “توني موريسون” حظي بشهرة كبيرة في مختلف أنحاء العالم، إلا أن اسم “موريسون” الحقيقي، الذي سُميت به عند ولادتها، في 18 شباط/فبراير 1931، هو “كلوي أردَليا وفورد”، وقد حملت “موريسون” اسمها الثاني، “إنتونيا”، نسبة إلى القديس “أنتوني”، عندما تحولت إلى المسيحية الكاثوليكية، في سن 12 عامًا. وقد أختصر أصدقاؤها في جامعة “واشنطن”، لاحقًا، اسمها هذا إلى، “توني”، الذي أشتهرت به.

ورثت عن والدتها شغفها بالأدب، فوالدتها كانت تولي اهتمامًا كبيرًا بالموسيقي، وكانت دافعًا وراء تعلق ابنتها بالأدب عبر الأغاني والحكايات الفلكلورية التي كانت ترويها لها.

واصلت “موريسون” استكشاف التجربة “الأميركية-الإفريقية” – وهو مشروع وصفته لصحيفة (نيويورك تايمز)، في عام 2015، بأنه: “يكتب بدون نظرة بيضاء”. لم تكن خائفة أبدًا من التحدث عن القضايا التي تواجه “الولايات المتحدة”، وعبرت عن سعادتها بفوز “باراك اوباما” بالرئاسة الأميركية، والتي تعتبر هذا الفوز انتصارًا لما نادت به فى ستينيات القرن الماضي بضرورة محو صورة “أميركا العنصرية” تجاه الأقليات، وقد تحقق بصورة أكبر من المتوقع، فبعد أن كانوا يبحثون عن حقوق صار منهم من تولى منصب “رئيس الولايات المتحدة الأميركية”.

كانت العبارة التي ترددها كثيرًا في حواراتها الصحافية: “نحن نموت.. قد يكون هذا هو معنى الحياة.. لكن الأعمال التي نقوم بها هي مقياس حياتنا”.



الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.