رجال وكلاب

    سلاسة السرد ودقة الصياغة في رواية ” رجال وكلاب ”
    تعد رواية « رجال وكلاب » من المنجزات السردية الفارقة في المتن المغربي والعربي لأديب مغربي يمتلك مقدرات إبداعية غنية أفرزت نتاجا قصصيا موسوما بالغزارة والتنوع في جنس الرواية و القصة (القصيرة والقصيرة جدا) بما راكمه من إصدارات تنهل من معين فياض ومتجدد.
    وهي رواية تنماز بسلاسة سرد تتواشج فيه الأحداث بالشخوص لبناء عمل روائي يرهص بالتأسيس لإواليات منجز ذي خصوصيات وملامح يطبعها الاختلاف والتجديد . فرغم هيمنة أنا السارد على مجريات الحكي وتوجيهها إلا أنه ما تفتأ تبرز شخصيات بشكل ملفت ووازن في رسم معالم القص مما يجنبها مغبة السقوط في مأزق رتابة السرد وخطيته كأبناء العم الذي هاجر إلى فرنسا : ” أبناء عمي كانوا متعجرفين، يتعاملون مع الجميع باحتقار ، ينطقون اللغة الفرنسية بطلاقة ” ص 50 ، فرغم ما يبدو من تصميم مرسوم ومخطط له من طرف الراوي في تحديد شخوص الرواية إلا أن أبناء العم القادمون من بلاد المهجر ( فرنسا ) يشذون عن هذا النهج السردي من خلال سلوكيات تنم عن تعال وازدراء محكوم بما تلقوه من مبادئ ثقافية وقيمية في بلد يختلف جذريا وجوهريا عن موطنهم الأصلي لتبرز « تيمة » الهجرة بحمولاتها النوعية ( خارجية وداخلية) ومدلولاتها الفكرية والاجتماعية كمكون حضاري ووجودي داخل المتن الروائي ، فالهجرة الخارجية يجسدها العم الأصغر الذي هاجر إلى فرنسا : ” عمي الأصغر يدعى أحمد هاجر إلى فرنسا.. لم نعد نراه إلا خلال العطل الصيفية …” ص 50 ، بينما تتمثل الهجرة الداخلية ، وبشكل معاكس ، في عم آخر جذبته ( نوستالجيا ) حنين جارف بالعودة إلى القرية بعد أن ضاق ذرعا بأجواء المدينة جراء ما عاناه من معوقات أثرت على مسار حياته : ” أحد أعمامي لم ينجح في التأقلم مع أجواء المدينة … وفي الأخير قرر القيام بهجرة معاكسة ، فكانت وجهته قريته الأصلية ” .
    ورغم أن الرواية قصيرة (78 صفحة من الحجم المتوسط) فإنها غنية ب «تيماتها» وموضوعاتها مما يؤكد قدرة الكاتب على تكثيف مرن وسلس يكسب منجزه ميزات نوعية تثري نسيجه الدلالي والجمالي ، وتشرعه على آفاق قراءة تأويلية تتوسل بقارئ يسهم في بناء رؤية مُنتجِة تشذ عن نمطية العلاقة المألوفة بين كاتب / قارئ ، مُنتِج / متلقي في طابعها المحدود والمُحدَّد، وصياغتها الأحادية المتفردة وأحيانا المهيمِنة . فالقارئ يشغل مهمة وازنة في صناعة الحكي ، بحيث يصير لازمة تتكرر في جل فصول الرواية وتفاصيلها : ” اسمح لي ، – قارئي المفترض – ، أن أعود إليك لنفكر سويا فيما حدث …” ص 48 لما يكتسيه من قيمة سردية كجزء أساسي ومكوِّن فعال داخل منظومة رؤية إبداعية تتغيا التأسيس لكتابة تروم خلق علائق مختلفة الطبيعة والمقصديات مقارنة بالأشكال المعهودة في مواضعاتها الثابتة ، وإن كان لحضور القارئ مقامات متباينة تتأرجح بين الجسامة : ” هكذا ، أيها القارئ المفترض ، أورطك في هذه المهمة ” ص 13 ، والتماس العذر والمسامحة : ” عفوا إن كنت أثقلت عليك أيها القارئ ” ص 49 ليغدو تموقع القارئ مؤثرا وفعالا ومُنِتجا في سيرورة الرصد بمختلف تحولاته ومتغيراته : ” لا أدري – قارئي المفترض – إن كنت قد استنتجت شيئا مما أشركتك في حكايته … ” ص 77 لما كشف له الراوي من أوراق ، وما أسر له من هواجس وانشغالات : ” لم أخف شيئا ذا بال … كشفت لك نفسي بدون مساحيق … ” ص 77 ، قارئ يصر الراوي على إخراجه من قوقعة التلقي الاتكالي : ” أنصحك بأن تتخلى عن سلبيتك ” ص 58 ليصبح مُنتِجا في اجتراحه لفعل كتابة تنشد كشف الخبايا ، والإفصاح عما تضمره الطوايا : ” بادر إلى الوقوف أمام نفسك ، وخذ قلما وورقا ، وابدأ في سرد تفاصيل حياتك ” ص 78.
    وإلى جانب شخصية القارئ المفترض التي تؤسس لمكسب إبداعي مبني على الإشراك والمبادرة تبرز شخصيات مقرونة بأحداث ذات طابع غرائبي كالجد الذي حذا به حزنه الشديد على وفاة كلبه الذي كانت تربطه به علاقة ألفة ومودة إلى الحلول بمكانه لما خلفه لديه من فراغ نفسي ووجداني نتج عنه شرخ عاطفي وذهني ساهم بالزج به في دركات الحمق والخبل : ” هكذا مارس جدي رغبته الغريبة في التماهي مع الكلب بكل حرية … أخذ يتناول الطعام بواسطة فمه مباشرة … الماء كذلك يلعقه كالكلب … ” ص 18 في تقمص لسلوكيات غريبة وشاذة تقليدا لكلبه الميت : ” يقعي بما يشبه الكلب والحبل حول عنقه ” ص 19 ، حتى آل لنهاية مأساوية مريعة : ” إلى أن وجد في صباح أحد الأيام ميتا … فلا أحد يعرف حق المعرفة مدى الإشباع الذي حققته له كلبيته” ص 21 نهاية كانت لها امتداداتها المشينة على أفراد عائلته التي ألصق بها لقب ( بنو كلبون ) وتعقبه وملاحقته لهم رغم محاولة التخلص منه بشتى الوسائل والطرق . والأب الذي تحيط به أحداث غريبة عبر حلم اختزلت تفاصيله صور انتقام رهيبة : ” كان أبي تحت ثقل الكيس الضخم الذي يحمله ، فجأة ينبثق كلب ضخم بشع الخلقة ، ثم لا يلبث أن ينخرط في مطاردته … يخر أبي ساقطا ، ينكفئ على وجهه ، فينهشه الكلب بكل شراسة ” ص 56 ، ليصرف الطفل بعض معاناته من الحرمان بتعويض نفسي ومعنوي ، عبر الحلم ، من سلوكيات أب قاس ومستبد : ” لم أتوقف ليلتها عن البكاء … لم أستوعب السبب الذي جعل أبي يحرمني من امتلاك الجرو ” ص 55 أب لم تسلم الأم أيضا من تسلطه وعدوانيته : ” كان يثور فيها أبي فينهال على أمي بالضرب ، كان يشتمها بكلام بذيء … ” ص37 ليظل الحلم متنفسا ومعبرا لإطا لة وتحيقق أماني يستعصي بلوغها في الواقع : ” وأعوض ما لا أمتلكه في الحقيقة ، بامتلاكه في الأحلام ” ص 58 . كما يشكل موضوع الشعوذة تمظهرا راسخا في منظومة وعي وقناعة فئات عريضة من مجتمع تسوده الأمية ، ويعمه الجهل : ” ذهبت عند فقيه القرية راغبة في جلب تميمة ، تذهب عن أبيها ما حل به … اكتفت بإخباره بأن أباها يعاني من حلول الجن في جسده … ” ص 18، فالفقيه تخول له صلاحية وسلطة تصرف قد يغدو أرعنا أحيانا : ” اقتحمت الغرفة فإذا بها تجد العمة عارية من ثيابها ، والفقيه يجلدها بسوط ، وعلامات الانتشاء واللذة بادية على سحنته” ص 29 ، ومنها من يتخذ أشكال طقوس احتفالية : ” انخرط الرجال والنساء في رقص غريب يسمى « الجذبة» ” ص 41 التي تبلغ ذروتها بإطالة مراتب خارقة من الجلد والتحمل : ” فإذا به على حين غرة ، يأخذ سكينين كبيرين ، ثم يشرع في جرح نفسه بهما، ولا يتألم ” ص 42، وبمقابل موضوع الشعوذة يبرز الجانب الثقافي ارتباطا بشخصية الراوي ومدى انكبابه على القراءة بنهم عارم لإشباع رغبته المتزايدة في التثقيف والتحصيل : ” التهمت كتبا بلا حصر” ص 71 فتأثر بتيارات فكرية كالوجودية : ” استهوتني الفلسفة الوجودية إلى أبعد الحدود ” ص 72 ، وقد اتسعت دائرة ثقافته لتشمل فن الرسم والتشكيل : ” حبي للفن انبعث من جديد … شاركت في بعض المعارض … لاقت لوحاتي بعض الاستحسان ” ص 72 . لتظل الرواية مطبوعة بالتكثيف الذي يعكس قدرة الكاتب على توظيف العديد من « التيمات » والموضوعات داخل نسق روائي مختزل ( رواية من 78 صفحة بحجم متوسط ) دون بروز فجوات أو شروخات في بناء سلس ومحكم بعناصر أغنت زخم الحكي ، ونوعت أبعاده وتجلياته من «مونولوغ» : ” حدثت نفسي بأن أتجاهل الأمر من أساسه ” ص 6 ، أو : ” قلت مخاطبا ذاتي ” ص 7 ، ووصف : ” الشمس ترسل أشعتها المتكاسلة ” ص 6 ، ” كان معلمي في اللغة العربية رجلا فظا كبيرالجثة ، له شارب طويل ” ص 46 ، ونفحة رومانسية حالمة اخترقت نسيج الحكي وتغلغلت في ثناياه : ” تحتضنني وإياها المروج الخضراء بأزهارها الزاهية الألوان ” ص 53. فضلا عن رصد وتتبع لحالة السارد وما عرفته من تحول موسوم بالخيبة والانتكاس : ” جمعت كل لوحاتي وأوقدت فيها النار … إنها تافهة كصاحبها ، فتخلصت منها …” ص 64 ، إلى وضع يشي بالاستقرار والاستقلال : ” حافظت على تأدية الصلاة ، لكنني هفوت إلى أن أكون لنفسي كيانا مستقلا ” ص 71 ،مما أضاء له معالم خارطة طريق نحت محدداتها تكوينه الشخصي الزاخر بمكونات ثقافية وفنية وروحية.
    كما أثارت الرواية الموضوع الاجتماعي بحمولاته النفسية والمادية وما تفرزه من أوضاع مزرية لفئة مستخدَمين زُجَّ بهم في أدران العوز والضياع : ” فلقد وجد الكثير من العمال أنفسهم عاطلين عن العمل ، معرضين ، جراء ذلك لكل ضروب التشرد والفاقة ” ص63.
    فتعدد « تيمات» وموضوعات رواية مصاغة في قالب موسوم بالتكثيف والاختزال يُعسِّر مأمورية دراستها بتمحيص واستفاضة ، ونتمنى أن نكون قد لامسنا ، من خلال هذه الورقة ، بعض جوانبها ، وقاربنا جزءا من مكوناتها .

    عبد النبي بزازـ المغرب
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الكتاب : رجال وكلاب ( رواية)
    ــ الكاتب :مصطفى لغتيري
    ــ المطبعة : مطبعة بلال ـ فاس ( طبعة ثانية 2020)