راهنية الطرح والأحداث في رواية “أسلاك شائكة” ل”مصطفى لغتيري”

     

    كتب: عبد الرحيم التدلاوي

    تطرق رواية “أسلاك شائكة “للمبدع  المغربي مصطفى لغتيري موضوعا قليلا ما تمت معالجته، ويتعلق الأمر بقضية العلاقة المتوترة بين الجارين الشقيقين: المغرب والجزائر، توتر أدى إلى حرب الرمال، وما نتج عنه من مآسي وبخاصة طرد الآلاف من المغاربة من الجزائر رغم أنهم أسسوا لأنفسهم هناك أسرا، وساهموا في اقتصاده وثقافته، وكونوا روابط أسرية لم تشفع لهم في البقاء، بل تم طردهم بشكل مهين مخلفين في أنفس المرحلين آلاما وجراحا…

    وإذا كانت لوحة الغلاف الأمامية مشكلة من صورة تجسد الشرخ المحدث بفعل الطرد، حيث نشاهد أسرة مفصولة قسرا بأسلاك شائكة مزقتها حيث يحمل اب ابنته وهو يقف من الجهة المخالفة للجهة التي تقف فيها زوجته وهي تحمل طفلتها، وبينهما أسلاك دموية مانعة. يؤكد بعد التمزق الدموي العنوان المكتوب باللون الأحمر؛ فإن الغلاف الخلفي يأتي لإلقاء الضوء على تيمة الرواية؛ إنه عبارة عن مقتطف من قراءة في العمل بقلم المرحوم الناقد إبراهيم الحجري يقول:

    اتجه المبدع إلى مساءلة موضوع حساس ويومي يثقل كاهل الإنسان المغربي والجزائري بانعكاساته الإنسانية السلبية. وهو إغلاق الحدود المغربية الجزائرية الذي لم يسبق التطرق إليه روائيا من قبل على مستوى المغرب العربي.

    إن الغلاف الخلفي يفسر بشكل ما صورة الغلاف الأمامي ويشير إلى تيمة الرواية الأساس.

    تتكون الرواية من تسعة فصول مختلفة الحجم، وتتمدد جميعها على مدى 81 صفحة من القطع الصغير، ومن منشورات غاليري الأدب في طبعتها الثالثة سنة 2018.

    فما الأحداث التي تضمنتها تلك الفصول؟

    الفصل الاول: يتحدث فيه عن الحياة الهادئة والسعيدة التي كان يحياها “احميدة” المواطن مغربي الذي أوصله حبه للتجارة والترحال إلى الاستقرار بالجزائر، خاصة حين التقى  ب”الزاهية” فقرن مصيره بمصيرها، وامتهن الفلاحة بدل التجارة حيث انشغل بالأرض التي ورثتها “الزاهية” عن والدها المقاوم الذي رعاها باستمرار رغم الظروف.

    ينتهي هذا الفصل بملخص له يقول السارد فيه بلسانه ما شعر به احميدة:

    لم يكن يتصور أبدا أن تتطور الأمور بهذه السرعة، في يوم واحد تنتقل حياته من النقيض إلى النقيض. كان يحيا في ظل الاستقرار والأمل والحلم بحياة أفضل، تفتح احضانها واسعة لضمه إليها، ينتظر ابنه القادم بلهفة، فإذا به يجد نفسه ملقى نحو مصير مجهول لا ملامح تحدده، شعر وكأنه يحيا بين براثن كابوس مقيت، تمنى أن يستفيق في كل لحظة، ويتخلص من سطوته، لكن هيهات، كل دقيقة تمر تشعره بأن ما يعيشه حقيقة مرة، لا راد لها. ص 32.

    فصل يجمع بين الأمل والألم، بين الفرح والترح، ويجمع بين ولادة الطفل وولادة الحرب، حرب أجهضت فرصة فرحة تعبر عن ميلاد يوم مشرق يعلن عن انصهار حقيقي بين الشعبين، لكن واقع الحال يفتت هذا الأمل، ويزيد من الفجوة بين البلدين.

    الفصل الثاني:  رحلة الذهاب إلى المستشفى من القرية لتنجب زوجته الابن المحلوم به؛ رحلة شاقة ستبصم نفسه بالمعاناة وبخاصة لما كان عائدا بمتطلبات الانجاب ليعترض سبيله عسكري ويقوده إلى المخفر ومنه إلى الحدود حارما إياه من فرحة ميلاد ابنه وسلامة زوجته. فبينما كان “احميدة” يهيم في أحلام يقظته حول الضيف الذي سيحل بينهم قريبا “المهدي” يأتي هادم اللذات؛ أي هزيمة الجزائر ليتم إصدار قرار ترحيل المغاربة المقيمين بها إلى بلدهم المغرب محطما بذلك القرار الأرعن تلك الأحلام .

    الفصل الثالث: سيظن احميدة أن كل ما وقع ما هو إلا سوء تفاهم سرعان ما سيذوب ليعود إلى أسرته، لكن وبتوالي الأحداث سيدرك استحالة تحقق أمنياته، فيقرر البحث عن عمل يقتات منه، بعد أن وجد نفسه يصارع المجهول. يلتقي بحارس في ورشة للبناء يوفر له كوخا، سيعمل فيه على توفير الشاي وبعض الطعام للعمال، الذين يشتغلون بالورش .

    الفصل الرابع: يخصص للحديث عن الزوجة التي ما فتئت تزور الحدود بهمة محبة لزوجها عساها تظفر منه بنظرة لكن حراس الحدود يقفون حائلا دون تحقيق رغبتها بل يتم تهديدها بالسجن إن هي عادت إلى فعلتها.

    الفصل الخامس: يحصل “أحميدة” على عمل جديد، إذ أصبح سائقا لشاحنة تنقل مواد البناء، الأمر الذي ملأ قلبه بالسعادة؛ وقد ظل مواظبا على الذهاب إلى الحدود حيث الجموع الغفيرة التي فرق بينها وبينأ اقاربهما شؤم السياسة يحذوه أمل رؤية أسرته وابنه بالأخص.

    الفصل السادس:  لعل أبرز حدث في هذا الفصل هو انتهاؤه بموت”الزاهية”، بعد أن برمت من الانتظار، وفقدت الأمل في أن ترى زوجها “احميدة”ثانية هي التي ما فترت همتها من زيارة الحدود؛ لكن رؤيتها لابنتها وهي تكبر بعيدا عن أبيها فاقم من معاناتها وكان سببا مهما في وفاتها.

    الفصل السابع : سيصير احميدة سائق شاحنة وبذلك ستتحسن ظروفه، وستبقى زوجته “الزاهية” وابنه”المهدي” ملازمين له في ذاكرته وقلبه يستحضرهما باستمرار. في هذا الفصل سيلتقي ب”راضية”، التي هي الأخرى تم ترحيلها إلى المغرب، تاركة زوجها وأبناءها في البلد المضيف.

    الفصل الثامن أو التماثل بين القضية الفلسطينية والصراع بين الأشقاء:  يشير الكاتب، هنا،  إلى القضية الفلسطينية حيث قام الجيش الإسرائيلي بتحصين الحدود بأسلاك شائكة. هذه القضية  التي بدت شبيهة بقضية المغاربة مع الجزائريين، بيد أن الاختلاف يمكن في أن الصراع يجري بين الأشقاء لا بين الأعداء. لعل في التماثل رسالة ترمي إلى نقد التباعد بين الأشقاء مما أفضى إلى ضياع فلسطين؛ لو عمل العرب على خلق وحدتهم بدل التنابذ والتنافر لما تمكن العدو من اختراقنا.  تقرر”المهدية” بعد متابعتها للمشاهد، الذهاب إلى الحدود الفاصلة بين الشعبين، لعلها تستطيع التعرف على والدها. كانت “المهدية” تحدق في رجل يرتدي لباسا أزرق، شعرت بحدسها أنه والدها ولكن جارتهم التي رافقتها لم تستطع التعرف عليه، لطول المدة التي مرت على رؤيته. ولعل اختيار الجارة بدل الأم أو الجدة كان بغاية خلق مزيد من الألم النابع من الانفصال؛ إذ لو صاحبت المهدية امها أو جدتها لتمكنت من التعرف على أبيها وحققت إشباعا مؤقتا لعاطفة الأبوة. فيما كان احميدة في الجانب الآخر بلباسه الأزرق يلوح بيديه حيث لا يدري؛ فقد تصل تلويحته لابنته في الطرف الآخر.

    الفصل التاسع والأخير والذي يمن وسمه بالصدمة، حيث يقترح الحارس على “احميدة” الزواج، لكنه يرفض ويؤكد له أن الحدود ستفتح يوما ،وسيعود إلى زوجته وابنه. يشعر هذا الحديث  الرجل بحاجاته البيولوجية، التي نسيها لكثرة انشغاله بالعمل. ينيم ضميره ويتوجه ليلا إلى أحد بيوت الدعارة  وهو في أبهى حلة وكأنه ذاهب لحفل زفاف، هناك حيث سيلتقي ب “راضية” فيعدل عن قراره، ويخرج وهو يتساءل “يا ترى هل لاقت الزاهية المصير نفسه؟” لم يكن هروبه من الفعل بفعل استيقاظ ضميره، بل لخوفه من أن تكون زوجته قد وقعت في ما وقعت فيه راضية. إنه التماثل المفضي إلى تعديل السلوك، ونبذ الفعل.

    فمن هي راضية؟

    إنها عنوان آخر لما عاناه المبعدون نتيجة حرب عبثية أدى ضريبتها الأبرياء؛ فراضية هي الوجه الآخر لنكبة احميدة وتكرار مؤلم لما عاشه وتذوق مرارته.

     

    بعمق إنساني ولغة شفيفة وواضحة تناولت الرواية انعكاس قرار سياسي أرعن على العلاقات الاجتماعية والنفسية للأشخاص من خلال قصة احميدة، الذي كان ضحية حرب لا ناقة له فيه ولا جمل، فأدى ضريبتها بتمزق أسرته رغم أنه كان يؤمن وبصدق وعفوية بمتانة الروابط التي تجمع الشعبين الشقيقين: تداعى في ذهنه أنه لا يمكن لإخوة اشتركوا في الدم والأفراح والأتراح، وتعاونوا معا لطرد المحتل أن يحقدوا على بعضهم البعض إلى هذه الدرجة. كان العسكري يوجه خطوات احميدة في الاتجاه الصحيح. ص 28.

    لقد كان احميدة بعفويته وصدق مشاعره مدركا أن هذه الحرب لا منتصر فيها.. الجميع منهزم.. وها هي علامات شؤم جديدة تلوح في الأفق، ولابد من أن ترتفع أصوات العقلاء للحيلولة دون وقوع حرب أخرى سيكون فيها الخاسر الشعبان الشقيقان.

    تكون رواية “أسلاك شائكة” كما قال الكاتب عنها قد اقترحت -من خلال تناولها موضوع إغلاق الحدود بين المغرب والجزائر- مسألة المصالحة بين الثقافي والسياسي وتعاونهما من أجل حل المشاكل الإنسانية اليومية”. ولعل هذا الطرح هو الذي قاد مخرجا  إلى تحويلها عملا سينمائيا أثار جدلا بين المبدع والمخرج حول حقوق الملكية.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا