ذهب لتبسيط المفاهيم النقدية

    17

    عرض/ ضياء باني
    – خفايا النص .. قراءة في نصوص عراقية ” انجيل التجديد في النقد ”
    – ثورة يقودها ” سعد الدغمان ” على التعقيد بالمصطلح والمفهوم النقدي
    في كتابه الذي صدر مؤخرا ، ينتهج الناقد سعد الدغمان اسلوبا مغايرا لما هو متعارف عليه من أساليب النقد الأدبي التي ظلت ولفترات طويلة حكرا على مدارس معينة ، لا يلجها إلا من سار على أسسها في تفكيك النصوص والعمل على استجلاء ما فيها من مضامين ، واقتصرت تلك الممارسة على عدد محدود وأسماء بعينها ( الحديث عن الساحة العراقية) نقرأ لها باستمرار كل ينتمي لمدرسة معينة في النقد لا يحيد عن تفاصيلها ، و تحمل أرائهم النقدية غموضا لا يقل عن ما يرد في قصائد الشعراء أو نصوص بعض الكتاب في القصة والرواية ، و ربما الكثير من المفردات التي تشكل صعوبات لفظية تخلق اشكاليات لدى القارئ ، وقد يساء فهمها في بعض الأحيان.
    لم أجد ذلك المفهوم عند الدغمان وأنا أتصفح كتابه النقدي الذي صدر عن ( دار أمل الجديدة) بسوريا ، حيث أنتهج الناقد أسلوبا مغايرا تماما لما ذكرت في شرح النصوص الأدبية وتبسيط مفاهيمها ، ونهجه ذاك يدلل على اتخاذه طرقا مغايرا لما على الساحة من أسس ، وكل نهج مغاير ” ثورة ” لذلك لا نبالغ إن قلنا أن ” سعد الدغمان ” يقود ثورة كبيرة على الواقع النقدي الذي تم تكريس اسسه و مناهجه ومدارسه منذ عقود طويلة.
    هذه الثورة تتماشى وما نعيشه من تطورات في كل مفاصل الحياة ومفرداته ، فلما لا تكون على لغة التعقيد المتبعة في ( النقد ومدارسه القديمة) ، أي أن التجديد الذي يرمي إليه البعض من النقاد ، رغم أنه لم يكن سوى تأويل في تعاليم بعض المدارس النقدية لم يأتي بما جديد يخدم القارئ ويبسط له المعنى الضمني الذي يقصده الشاعر أو القاص والروائي عبر نصوصه ، والذي ذكره الدغمان واصفا إياه ب ( المعنى في قلب الشاعر)، تلك التي تعبر عما يجول من معان في تفاصيل النصوص الأدبية بمختلف أجناسها ، ومنها يريد القارئ أن يكون على بينة تامة بما أراد الشاعر أو الكاتب أن يوصله له دون تعقيدن أو دون ابتعاد عن المألوف ، أو الطريق الواضح المختصر.
    حيث تجسد المدارس القديمة وروادها ذلك النهج منذ أزمنة ، دون عن مراعاة أن الكثير من القراء لا يحبذون تلك الفلسفة المقولبة التي تعكس شعور التعالي عند بعض النقاد ( مع احترامنا للجميع) بمحاولة تكريس شعور عدم امتلاك القارئ لمساحة الفهم أو عدم ادراكه أبعاد وحدود النص وخفاياه إلا عن طريق ما يستجليه ” الناقد ” من بواطن وخفايا تلك النصوص.
    عملية احتكار الفهم أو تسطيح عقل القارئ ، وفرض ما نريد لم تعد مجدية ، فقد ازاح كتاب الدغمان ذلك الوهم ، المتمثل بتعاليم كنيسة القرون الوسطى ، وعصور الظلام التي لفت أوربا وجعلت من ثورات التنوير ( كفراً وإلحاد) ، وبدلها الناقد سعد الدغمان عبر ما كتب بأسلوب شيق رصين ورشيق في آن معاً ، كل تلك التعاليم والأسس ، بنهج جديد ربما يضع له أسس جديدة تؤطر مسارات ثورته الجديدة على أساليب النقد القديم ، لتكون مبتدأ لعصر النقد المبسط ، كبديل عملي لما كان ، فالحياة مستمرة ، والتطورات متلاحقة ، ومنها تطور المفردة والأسس ، ونحن على أعتاب دعوة جديدة للتبسيط في كل مفاصل الحياة التي باتت معقدة في كل شيء ، ومنها الأدب ومساراته ومنها النقد الأدبي بشكل عام.
    وكي لا يقال بأن الكاتب حصر نفسه في زاوية بعينها ، أو أختص بشكل معين أو نتاج كاتب واحد أو مدرسة معينة ، أختار الدغمان أسماء مختلفة من الوسط الأدبي ، بعضهم يتربع على قمة الإبداع الشعري والروائيين والبعض الأخر من الشباب المبدع. وكان لاختياراته ألق كبير أضفى على صفحات الكتاب متعة وتشويق لا يوصف فمن ذا الذي لا يحب قراءة نتاج الشاعر الأستاذ حميد سعيد ، وكاظم الحجاج ، وساجدة الموسوي ، ومن يرنوا بوجهه عن كتابات علي السوداني وطالب عبد العزيز و سركون بولص والرواد من قامات العراق وأعمدته الذهبية .

    ويقول الدغمان في توضيحه لعمله هذا تضمنته صفحات الكتاب : إن النقد الأدبي مدارس ومذاهب ومعتقدات مثل أي جنس أدبي أو فني، لذا كانت أصوله وطرق أدائه تختلف حسب اختلاف المدرسة النقدية أو المذهب النقدي الذي يعتمده الناقد، وغالبا ما يذهب النقاد إلى طرح مفاهيم يصعب على المتلقي (القارئ العادي) فهمها واستيعاب محتواها، وذلك ناتج من ثقافة واسعة يتمتع بها أولئك النقاد قادتهم إلى أن يرسموا خطوط أعمالهم، ويفكوا عبرها طلاسم النصوص التي يتعرضون لها بالنقد، معرفاً النقد بأنه بناء هادف، إن كان من دون تجريح أو استخفاف بالنص أو كاتبه، وهو عكس ذلك، إن انطلق بغير الهدف الذي من أجله كتب.
    ويبقى لنا أن نقول ختاماً لمقالنا : أن الكتاب ممتع ومشوق ، واني لأشد على يد الكاتب ، واسعى لنصرته في ما سعى ، وأرى ( وهو رأي شخصي) أن يسلط عليه الضوء بشكل مكثف ، ليكون رائداً في مجال التجديد في النقد ، ولا أتفق مع الدكتورة باهرة الشيخلي التي كانت أول من تناول كتاب الدغمان بالتحليل حين قالت بأن الكاتب لم يوفق ، إلا أنها وصفت الكتاب وصفا دقيقا حين قالت : (أنه جدير بالقراءة) ، وانقل هنا نصا من رأي الدكتورة الشيخلي رئيسة تحرير صحيفة الحدث الغراء والذي جاء فيه:
    في كتابه (خفايا النص .. قراءة في نصوص عراقية)، الذي صدر الأسبوع الماضي عن دار “الأمل الجديدة ” بدمشق وضع الكاتب العراقي سعد الدغمان بين بعض المفاهيم التي اعتمدت على مدى عقود ، وباتت أسساً اعتمدها النقاد خارطة طريق لا يحيدون عنها في أعمالهم النقدية ، إلا أنه من (وجهة نظر شخصية)، كما يقول ، لم يلتزم بتك الخارطة ، وانتهج نهجاً موازياً ، وليس مغايراً ، لما كان معتمداً ، إذ سعى ، قدر إمكانه أن يطرح أسلوباً نقدياً بأسس مبسطة مشوقة هادفة ، بعيداً عن أي آثار قد يخلفها الأسلوب القديم في النقد ، وهو ليس استرضاء لنصوص أو أصحابها ما لم تكن بمستوى النص الأدبي ، أو أن لا تعتمد عناصر النص الأدبي بصفة سليمة صحيحة متقنة.
    وتلك شهادة تتوج عمل الكاتب وتثبت أنه نجح في استمالة القراء إلى ما دعى إليه من ثورة في هذا المسار ، ومن يضيء شمعة أفضل بكثير ممن يلعن الظلام.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا