“دولة الإرهاب”: في فلسطين.. وما بعدها

الأحد 19 آب/أغسطس 2018
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

عرض/ محمد الأسعد
نديم غورسيل: حين كان الغرب يعرف تاريخ الإسلام جيّداً
يفتتح الباحث البريطاني توماس سواريز كتابه المعنون “دولة الإرهاب: كيف قامت إسرائيل الحديثة على الإرهاب” (ترجمة محمد عصفور، “المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب”، الكويت، مايو 2018) بتصريح صحافي صادر عن منظمة الإرغون الصهيونية الإرهابية في 13 نيسان/أبريل 1948، تعليقاً على مذبحة قرية دير ياسين التي هاجمتها هذه المنظمة مع منظمات أخرى ساندتها، وجرى فيها وضع رجال ونساء وأطفال هذه القرية الفلسطينية في صف طويل وجرى تصويرهم وذبحهم. يقول التصريح في معرض الزهو بما قام به أفراد هذه المنظمة “.. ننوي أن نهاجم ونحتل ونحتفظ بالأرض إلى أن نحصل على أرض فلسطين وشرق الأردن كلها لنجعلها إسرائيل الكبرى، وهذا الهجوم هو الخطوة الأولى”.

وطيلة السبعين عاماً الماضية ظل يُنظر إلى هذه المذبحة، الأشهر بين مذابح الإرهابيين الصهاينة، على أنها حادث منعزل، إلا أن هذا الكتاب الجديد يُظهر في ضوء الوثائق السرية الموجودة في الأرشيف الوطني البريطاني كيف أن استخدام زعماء الحركة الصهيونية للإرهاب بكل أنواعه، وخاصة قتل المدنيين الفلسطينيين في البيوت والطرقات والأسواق والمزارع، كان منظماً ومتواصلا بلا توقف في فلسطين وفي بلاد أخرى، بما فيها البلدان الأوروبية، وكانوا يرونه ضرورة لتحقيق أهدافهم، ضد الفلسطينيين وضد كل من يعارض أهدافهم حتى وإن كانوا يهوداً.

“يتطلب تفكيك الظلم العودة إلى عام 1947 وليس عام 1967”
كما تدحض العودة إلى الوثائق السرية الكثير من الأساطير التي تأسست على قواعدها دولة الإرهاب الصهيوني في مخيلة الكثير من شعوب بلدان العالم، وخاصة عالم الغرب. وبهذا يقدم الكتاب “أول تحليل شامل ومتماسك للعنف والإرهاب اللذين مارستهما الحركة الصهيونية، وبعد ذلك “إسرائيل”، ضد الشعب الفلسطيني” على حد تعبير الألماني إيلان بابيه الذي غادر الأسطورة وكيانها منذ سنوات وأقام في بريطانيا أستاذاً في إحدى جامعاتها.

جدّة الكتاب ليست فقط في أن الكثير من الوثائق التي يكشف عنها لم ينشر من قبل، أو في أنه يتناول تاريخاً غير معروف بشكل كامل بين العامين 1917 و1956 ، بل في أنه يتابع وقائع هذا التاريخ بالتفصيل إلى درجة أن صفحاته البالغ عددها 514 صفحة في اللغة العربية يمكن أن تُقرأ كما لو أنها ثبتٌ بآلاف الهجمات الصهيونية الإرهابية على السكان والبيوت ومحطات القطارات والأسواق ومخافر الشرطة .. وكل علائم الحياة في فلسطين.

يحدد الكاتب منذ البداية طبيعة الصراع على أرض فلسطين بدقة بالغة؛ فهو ليس صراعاً بين جماعتين من عرقين مختلفين، هما العرب واليهود، كما هو شائع، بل هو اغتصاب فلسطين بالقوة من قبل الحركة الصهيونية التي هي ليست سوى حركة استيطان استعماري أوروبية تنحدر في أصولها من الحركات القومية ذات النزعة العنصرية.

ومن هذا المنطلق ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام، يحمل الأول عنوان “أراضي شعب آخر”، وفيه استهلال ذو طابع سياسي يشير إلى واقعة أن واضعي الخرائط الأوروبيين حتى أثناء الثورات العلمية بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، وضعوا فلسطين في إطار توراتي على رغم تعطشهم للحصول على آخر المعلومات الجغرافية. وعمد البريطانيون التابعون لصندوق استكشاف فلسطين إلى صياغة مسوحاتهم (الخرائط وأسماء الأماكن الجغرافية) بعقلية توراتية، أي لم تكن الأرض الواقعية هي المهمة في نظرهم، بل ما يقوله النص التوراتي.

وفي القرن العشرين جرى تداول الأسماء التوراتية الملصقة بالتضاريس الأرضية على أنها أدلة تدعم عمليات الاستيلاء الصهيونية. وكان الاحتلال العسكري البريطاني لفلسطين وتصريح الخارجية البريطانية بنيّتها إنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين فاتحة تمكين للاستيطان الاستعماري في الأرض الفلسطينية.

وكان واضحاً أن هدف الحركة الصهيونية التي منحها البريطانيون سلطة تكوين ما يشبه حكومة ظل “تجريد السكان غير اليهود في فلسطين من كل شيء” كما جاء في تقرير اللجنة الأميركية المسماة لجنة كنغ/كرين في العام 1919، وهو تقرير ظل محجوباً حتى العام 1922، أي إلى أن زوّد الرئيس الأميركي ولسون صحيفة “نيويورك تايمز” بنسخة منه. وقبلت لجنة بيل البريطانية في العام 1937 التي جاءت لبحث أسباب ثورة الفلسطينيين “ادعاء الصهاينة أن اليهود ينتسبون إلى قومية قديمة بالدم، وأن لهم حقوقاً تمنحها لهم التوراة”، واقترحت تقسيماً لفلسطين.

وفي الوقت الذي كان فيه الجيش البريطاني يستخدم الفلسطينيين دروعاً بشرية لحماية جنوده من هجمات الثوار، كان ينشئ في المستعمرات الصهيونية كيانات الصهاينة الإرهابية المدربة ويمدّها بالسلاح.

ومع نهاية العام 1938، كان البريطانيون قد أتموا وظيفتين من ثلاث وظائف كما يقول مؤلف هذا الكتاب؛ الأولى ترسيخ حركة الاستيطان الاستعماري، وتمكينها من الحصول على اعتراف دولي، وما يشبه الاستقلال الذاتي، والثاني قمع ثورة الفلسطينيين ضد تهجيرهم من أراضيهم، أما الثالثة فكانت مرحلة جعل البريطانيين يمثلون دور “محتلّين” للمستعمرات الصهيونية، ليتمكن المستعمرون الصهاينة من جعل حرب السيطرة واقتلاع الفلسطينيين من أراضيهم حرب تحرير.

في هذه المرحلة نشطت أشهر المنظمات الصهيونية الإرهابية، إرغون وشتيرن والهاغانا، في الهجوم بالقنابل على الأسواق والحافلات ودور السينما والمقاهي والطرقات، وإرسال الطرود البريدية المفخخة، وزرع الألغام الأرضية، وقطع الطرقات وقتل أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين، بل وتفجير سفن تحمل مهاجرين يهوداً كانت تتجه إلى أماكن أخرى بعيداً عن فلسطين.

“هذه، من غير رتوش، هي حقيقة “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني”
في القسم الثاني، وعنوانه “سقوط الفاشية ونهوضها”، يتابع المؤلف أنشطة هذه المنظمات الإرهابية خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، وتعاونها مع النازيين الألمان والفاشيين الإيطاليين، واغتيال مسؤولين بريطانيين بسبب مواقفهم وتحذيرهم الغرب من “دعم إنشاء نمط من العصابات النازية التقليدية التي تتسبب بكل ذلك الرعب والدمار في فلسطين” كما جاء على لسان اللورد موين الذي اغتالته منظمة “ليهي” في القاهرة فيما بعد.

في هذه السنوات ومع اقتراب استسلام ألمانيا، تصاعدت عمليات الإرهاب، وأعلن بن غوريون، زعيم واحدة من هذه العصابات: “علينا أن نستوطن في كل بقعة من الأرض تقع تحت سيطرتنا فوراً، وينبغي أن نأتي بالمهاجرين من كل البلاد وبكل السبل”.

وفي ظل حالة الإنهاك التي خلفتها الحرب، اندفع الصهاينة للسيطرة على كل مكان في فلسطين، وخاصة الأماكن الحساسة، وقتل وتهجير سكانها بكل طريقة في متناولهم، فتعرضت خطوط الاتصالات للقطع والتخريب، وقطعت أنابيب البترول، ونسفت الجسور، وحدث سطو على البنوك، وكان سكان المستعمرات يقفون في وجه أي محاولة لملاحقة الإرهابيين من قبل الشرطة، وتمنع سلطات الاحتلال البريطانية من جانبها هذه الشرطة من التحقيق في الجرائم الإرهابية، أو استخدام السلاح حين تهاجمها عصابات المستوطنين المستعمرين.

ويكشف الكتاب عن محاولات الصهاينة إرهاب اليهود الرافضين المجيء إلى فلسطين، وخاصة بعد أن تبيّن أن الذين لا يمانعون في الذهاب إلى فلسطين بعد انتهاء الحرب لا تتجاوز نسبتهم 15% في أفضل التقديرات على رغم جهود الدعاية الصهيونية طوال سنوات عديدة، ولهذا شن الصهاينة حملة ثلاثية الأبعاد، هدف أولها التغلغل في مخيمات اللاجئين المعدة للناجين من الحرب وعزلهم وإجبارهم على القدوم إلى فلسطين، وهدف الثاني تخريب أي ملاجئ آمنة تتوفر لهم، وتمثل الثالث باختطاف الأيتام اليهود الذين تبنتهم عائلات أوروبية. ولتنفيذ هذه الحملة فجر الصهاينة قطارات وفنادق في أوروبا خلال العام 1947.

القسم الثالث والأخير من الكتاب، وعنوانه “موطئ قدم”، مكرّس بفصليه الأخيرين للسنوات التي اعقبت صدور قرار تقسيم فلسطين. عن هذا القرار يقول المؤلف: “لو أن الهيئة العامة للأمم المتحدة التزمت في 29 نوفمبر 1947 بالمبادئ التي ينص عليه ميثاقها لهزمت القرار رقم 181 الذي حرم الفلسطينيين من حق تقرير المصير وكافأ الإرهاب الصهيوني الذي ظل يتعاظم على مدى سنوات، ولكن إدارة ترومان استعملت كل اشكال الضغط المباشر وغير المباشر للحصول على أغلبية الثلثين لقرار غير ملزم أوصى بتقسيم فلسطين إلى بلدين ناشئين يكون الأكبر منهما من نصيب الأقلية اليهودية، والأصغر للأغلبية الفلسطينية”.

ولم يكن قرار التقسيم بالنسبة للصهاينة إلا موطئ قدم كما يقول المؤلف بدليل تأكيد لبن غوريون أمام اللجنة التنفيذية الصهيونية في العام 1937 حين كان يتم تداول مقترح التقسيم “أننا سنلغي التقسيم بعد تأسيس الدولة ونتوسع لنضم فلسطين كلها”. وسبق كل هذا ما جاء في خطاب للأميركي كيرميت روزفلت في خطاب أمام طلبة الكلية الحربية الوطنية في واشنطن في العام 1948، من أن “الأميركيين لايدركون مدى الرفض الذي يواجه التقسيم بصفته حلاً نهائياً لدى الصهاينة في فلسطين، ولا الاعتقاد السائد بينهم بأنهم لا يمكن أن يكتفوا بفلسطين كلها فقط، بل سيأخذون شرق الأردن، وجزءاً من سورية ولبنان وأجزاء من العراق وأجزاء من مصر أيضاً”.

ويظهر هذا الكشف، وبالطبع كما يكشف تطوّر الأحداث في ما تبقى من سنوات القرن العشرين وصولا إلى أيامنا هذه، كم كان فهم العرب لقرار التقسيم، الخدعة بتعبير المؤلف، وفهمهم للحركة الاستيطانية/الاستعمارية ساذجاً. الإنجاز الأكبر لهذه الحركة يلخّصه المؤلف في الفصل الأخير بهذه السطور”لقد تمثل الإنجاز الأكبر لدولة الاستيطان في حصولها على حصان طروادة المعروف بتفاهمات أوسلو، وهي تفاهمات منحتها الموافقة الرسمية على ما فرضته بالقوة”.

أما الحل، فيرى المؤلف بعد هذه الرحلة المعمقة أنه “يتطلب تفكيك الظلم، ليس بالعودة إلى العام 1967، بل إلى العام 1947، والتصالح مع الحقيقة بالعودة إلى أحداث 1914/1917، فلم تكد الحركة الصهيونية، وهي حركة قومية عنصرية، تضع أنظارها على فلسطين بصفتها دولة استيطان تقوم على دعوى الأحقية الجينية، حتى أصبح الوصول إلى نتيجة غير هذه المأساة التي نراها في عناوين الصحف في هذه الأيام مستحيلا، أي أصبح الإرهاب، وهو العنف الموجه ضد المدنيين، هو الوسيلة الوحيدة التي يمكن بواسطتها إخضاع شعب راسخ الجذور، وتجريده من إنسانيته، وإخراجه من أرضه. هذه، من غير رتوش، هي حقيقة الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني”.
المصدر/ العربي الجديد



الكلمات المفتاحية
دولة الإرهاب فلسطين

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.