السبت 26 نوفمبر 2022
20 C
بغداد

    دور الإعلام في تشكيل الرأي العام، حدود الحرية والمسؤولية

    عرض كتاب الدكتور عبد الحميد الصائح
    دور الإعلام في تشكيل الرأي العام، حدود الحرية والمسؤولية
    أ.د. جعفر عبد المهدي صاحب
    أوسلو – مملكة النرويج
    خلال وجودنا في لندن، في سبتمبر الماضي، أهدى لنا الدكتور عبد الحميد الصائح كتابه الموسوم (الإعلام وتشكيل الرأي العام، حدود الحرية والمسؤولية) الدار العربية للعلوم ناشرون. ولأن مادة الكتاب تقع ضمن دائرة اهتمامنا الشخصي، إذ قمنا بتدريس مادة الرأي العام طيلة أكثرمن عقدين من الزمن في أقسام العلوم السياسية في العديد من الجامعات الليبية، لذا فتحت شهيتنا لإلتهام مادة الكتاب، ونلخص قراءتنا في كتابة عرض له.

    يضم الكتاب 344 صفحة موزعة على مقدمة، إضافة الى ثلاثة فصول، الفصل الأول ( الإعلام والرأي العام، الإطار النظري) والفصل الثاني ( دور الإعلام في تشكيل الرأي العام) والفصل الثالث (الإعلام العربي والفضاء الإعلامي الجديد) والحقت في نهاية الكتاب أربعة ملاحق مهمة لموضوع الدراسة.

    قرأنا الكتاب قراءة متأنية ومركزة وباشتياق باحث أكاديمي يرغب في استمرار تغذية رصيده المعرفي التخصصي، ضمن حقل العلوم السياسية، فوجدنا فيه زاداً علمياً ذا قيمة أكاديمية مرموقة دفعتنا أن نوصي زملائنا رؤساء أقسام العلوم السياسية وأقسام الصحافة والإعلام في مختلف جامعاتنا العربية أن يعتمد هذا العمل ككتاب منهجي أو مرجعي في تلك الأقسام.

    رغم قراءتنا لجميع صفحات الكتاب إلا إننا سوف نستعرض بالتفصيل الفصل الأول منه على اعتبار أن (الإطار النظري) هو بارومتر قياس قيمة الكتاب من الناحية الأكاديمية الصرفة. وسوف نستأنف عرض بقية الفصلين مستقبلاً إذا توفر الوقت اللازم واستقرت حالتنا الصحية، ولكننا نعيد القول بأن استعراض الفصل الأول هو الأهم بالنسبة لنا وللقاريء المتخصص والقاريء العادي الذي يود أن يستطلع مادة الكتاب.

    يتناول المؤلف في مقدمة الكتاب مشكلة البحث وأهداف البحث ومنهجيته المعتمدة وحدوده وأهميته ثم يعرج على تقديم خطة دراسته.

    وفيما يتعلق بمشكلة البحث، يوجزها الدكتور الصائح، في أنها تكمن في دراسة وتحليل موضوعات تأثير الإعلام في تشكيل الرأي العام والتي يمكن إيجازها في السؤال المحوري التالي: كيف يمكن دراسة وتحليل موضوعات تأثير الرأي العام في تشكيل الرأي العام؟. وهناك أسئلة فرعية تتفرع من السؤال المحوري المذكور آنفاً، (ص 19) وهي خمسة:

    1- ما هو متغير التأثير والاستجابة في صناعة الرأي العام؟

    2- ما دور الإعلام من متغير التأثير والاستجابة في صناعة الرأي العام؟

    3- ما هو الاختلاف الحاصل في عناصر العملية الإعلامية كالمرسل والمستقبل وقناة التوصيل والرسالة، في ظل متغيرات الإعلام الجديد؟

    4- كيف يواجه الرأي العام والإعلام معاً التحديات التي يشهدها العالم العربي؟

    5- هل يمكن للإعلام العربي التعامل مع التحديات التي تواجه المجتمعات العربية بحيادية وموضوعية وفق المعايير الدولية ومواثيق الشرف الإعلامي؟

    أما أهداف البحث فقد حددها الباحث بسبعة أهداف:

    1. تتبع مستجدات وقدرات العملية الإعلامية.

    2. تشخيص قدرة الإعلام العربي على استعادة قوته.

    3. طرق قياس التقارب بين أخلاقيات العمل الإعلامي مقابل قيم الرأي العام.

    4. انعكاس الواقع السياسي العربي على الإعلام العربي ومشكلاته (سيطرة رأس المال، اللاواقعية، التسييس).

    5. دور الفضائيات والقوانين المنظمة التي تجعل الإعلام يسهم بشكل أساسي في تشكيل الرأي العام.

    6. بيان العلافة بين الجمهور والرسالة الإعلامية وتأثيرها على صناع القرار السياسي.

    7. دراسة ظلال ما يسمى بالربيع العربي على علاقة الرأي العام. (ص 20).

    وحدد الباحث منهجية بحثه في استخدامه المنهج الوصفي التحليلي جنباً الى جنب مع المنهج التاريخي. وفي تناوله دراسة الفضائيات العربية فقد استخدم منهج دراسة الحالة. (ص 20).

    وأشار الدكتور الصايح الى حدود الدراسة الزمانية للفترة من 2011 حتى 2016. أما الحدود المكانية تصبح واضحة من خلال دراسة عينات المواقف الإعلامية العربية وتحديداً قضايا ما يسمى بالربيع العربي والإرهاب والعلاقات العربية الدولية.

    الفصل الأول: وهو الفصل التمهيدي ينقسم الى مبحثين يتبع كل مبحث أربعة مطالب. خصص المبحث الأول للتعريف بالإعلام وماهية الإعلام، وتصنيفه حسب وسيلة الاتصال، أو حسب موضوعه وأسلوب تقديمه. ثم ينتقل المؤلف الى عناصر تكوين العمل الإعلامي ثم يعرج على أهداف تنظيم العمل الإعلامي. (ص 25-62).

    أما المبحث الثاني فقد تناول مفهوم الرأي العام من خلال تعريفه وتصنيفه وعناصره وخصائصه وطريقة تكوينه ووظائفه وقياسه. (ص63-89).

    وسوف نستعرض الآن مفردات الفصل الأول، ونبدأ في تناول الدكتور عبد الحميد الصائح لتعريف الإعلام حيث تطرق الى الدلالة اللغوية لهذه المفردة ومرادفاتها مثل وسائل الاتصال Communication ومشتقات الفعل (علم) . وأخيراً ينتهي المؤلف الى القول بأن ” كثرة التعريفات الاصطلاحية لا تبعد جميعها عن كون الإعلام معلومات تعمل على مساعدة الأفراد والجماعات من خلال الاتصال والتفاعل الذي يتم بينهم”.

    ويبدو أن المؤلف قد تبنى تعريف الإعلام من خلال دوره التنويري ” ويقصد به الأخبار عن أي مضمون يعمل على تنوير المستقبلين ورفع الغشاوة عن أعينهم ومساعدتهم على صناعة القرار المناسب”.

    ونلاحظ من خلال التعريفين المذكورين أن المفردات “المفتاحية” المشتركة فيهما (معلومات، أخبار) وجذرهما متقارب (علم و أخبر) ووحدة الهدف (مساعدة، تنوير)، في حين أن التعريف الثاني خص صناع القرار تحديداً دون الجمهورمن المستقبلين. ولكن المؤلف يعود الي كلمة الإعلام ويحدد معناها بأنها “تدل على الوسائل نفسها حيث تقفز الى مخيلنتا الوسائل المسموعة والمرئية كما تقفز الوسائل المطبوعة عن استخدامنا الصحافة”. (ص 27).

    ويستشهد المؤلف بقول الدكتور سامي ذيبان بأن الإعلام” عبارة عن عملية تبدأ بالحصول على مجموعة من المعلومات المهمة وصياغتها على شكل خبر صحفي، وتمر بمرحلة النقل والتعاطي والتحرير، ومن ثم النشروالإطلاق عبر الوكالة أو الإذاعة او الصحيفة وغيرها”. (ص27). ومن هذا التعريف يستنبط الدكتور الصائح بأن المقصود بالإعلام هنا جميع الوسائل من صحف ومجلات وإذاعة وتلفزيزن. وبحكم دورها في المجتمع من خلال التوثيق فأنه يعد مصدراً من مصادر التاريخ.

    وقد راق لنا شخصياً تعريف مكثف جامع ومانع عندما قال الدكتور عبد الحميد الصائح بأن الإعلام هو ( التأثير عبر المعلومة)، (ص28). وفي حياتنا الأكاديمية غالباً ما شددنا على ضرورة أن يكون التعريف بعيداً عن الترهل والتوسع وجامعاً مانعاً بنفس الوقت. فمثلاً كنا ميالين لتعريف علم الاقتصاد بكلمة واحدة هو (علم الندرة)، وفي أحد المؤتمرات الدولية الأكاديمية قمنا بتعريف العولمة تعريفاً مختصراً بأنها ( صورة العالم كما يحلو أن يراها صانع القرار الأمريكي) وقد تبنى المؤتمر هذا التعريف.

    ويختتم المؤلف هذا المطلب بتبنيه تعريفاً واضحا يتماشى مع سياق كتابة الأطاريح الجامعية فيذكر أن الإعلام ” هو عملية إيصال المعلومات بهدف التأثير، ويقوم على ركائز ثابتة ونتائج تفاعلية متغيرة الركائز تتمثل بالمرسل، المستقبل، الرسالة، والوسيلة والنتائج التي يحددها نوع الوسيلة، وهدف الرسالة، ووعلاقة المرسل بالمستقبل وبيان أثر المحتوى في نهاية الأمر. (ص29).

    وتحت عنوان تصانيف الإعلام يبدأ المطلب الثاني من المبحث الأول إذ صنّف المؤلف الإعلام الى:

    التصنيف حسب وسيلة الإتصال ويشمل خمسة أنواع ( الإعلام الذاتي ، الإعلام الشخصي، الإعلام الجماعي، الإعلام الجماهيري، الإعلام الاداري)، (30-34). لنتوقف عند النوع الخامس وهو الإعلام الإداري، أي الاجراءات التي تنتقل بها خطوات اتخاذ القرار من موظف الى موظف آخر في المؤسسة. أما طبيعة التنظيم الاداري داخل المؤسسة الإعلامية، فهناك ثلاث نظريات مؤثرة,هي:

    1- النظرية التقليدية: تقوم هذه النظرية بتوزيع الأدوار في العمل وبموجب التخصص الدقيق مع وضوح مركزية السلطة ضمن هرم الهيكل التنظيمي المعتمد. ويؤخذ على هذه النظرية بأنها تتجاهل الموقف الإنساني في السيطرة والتوجيه والتهديد بالعقوبات، ولا تميل الى مشاركة الفئة الدنيا من العاملين ضمن طاقم اتخاذ القرار(ص34).

    2- النظرية الإنسانية: وهي تقابل بالضد النظرية السابقة التي تنظر الى العاملين في المؤسسة بأنهم يكرهون العمل ولا يتحملون المسؤولية، في حين ترى النظرية الإنسانية عكس ذلك، فحين يتم الاهتمام بالعامل وتحسين ظروف عمله والاهتمام بسعادته، لك يجعله محباً لعمله، وسيؤثر إيجاباً على الدافعية في الأداء نحو الأحسن. ونود أن نضيف الى ما ذكره المؤلف بخصوص هاتين النظريتين، فنرى إنهما يستمدان أسسهما من نظرية العقد الاجتماعي بخصوص طبيعة الفطرة الإنسانية، إذ يرى بعض فلاسفة العقد الاجتماعي بأن الإنسان شرير بالفطرة كما يعتقد توماس هوبز، في حين يرى جان جاك روسو العكس،عندما أقر بأن الإنسان خيّر بالفطرة.

    3- نظرية الاحتمالات: وحسب قراءتنا، لما كتبه الدكتور الصائح ، يمكن أن نطلق على هذه النظرية تسمية النظرية التوافقية، التي تجمع بين محتوى النظريتين التقليدية والإنسانية. حيث جاء بأن هذه النظرية ترى لكل عمل مناخاً يرتبط بأهدافه وبنائه الهيكلي ونوع العاملين فيه. فالنطام المناسب هو ما يتوافق مع طبيعة العمل واحتياجات العاملين المشاركين. (ص35).

    تصنيف الإعلام حسب موضوعه وأسلوب تقديمه، وينقسم الى سبعة أنواع هي (ص 35-47):

    أولاً- إعلام العلاقات العامة: يتناول المؤلف ثلاثة تعريفات للعلاقات العامة، الأول تعريف قاموس وبستر (Websters New Collegiate Dictionary). والثاني تعريف (ميلتون فريدمان Milton Freidman) والثالث الذي قال عنه المؤلف أنه من أشمل التعريفات وهو الذي قدمه عالم الاجتماع المتمرس ريكس هارل (Rex Harl) الذي يذكر فيه بأن ” العلاقات العامة هي وظيفة إدارية مميزة تساعد في تأسيس خطوط اتصال وتعاون متبادل والمحافظة عليها بين المؤسسة وجمهورها وتشمل كذلك إدارة المشاكل والقضايا، وتساعد الإدارة على أن تظل دائماً على معرفة بالرأي العام والاستجابة له “. ومع تزايد الاهتمام بالرأي العام ظهرت أهمية التوجه نحو تكوين آراء عامة في الوسط الجماهيري، وأصبحت أي مؤسسة انتاجية أو خدمية تسعى لمعرفة الرأي العام بها وكيف تؤثر بجمهورها لمصلحة المؤسسة ذاتها.

    ثانياً- الإعلام السياسي: يرجع المؤلف علاقة الإعلام بالسياسة الى القرن الرابع قبل الميلاد ( عصر المدرسة السوفسطائية) وهي تلك الجمهرة من المعلمين الذين كان هدفهم تعليم الناس فن الجدل كي يناقشوا أمورهم في الجمعية العامة للمدينة. وأخذ مفهوم الإعلام السياسي يتطور بالتدريج عبر العصور الى أن وصل الى مراحل متقدمة بعد الحرب العالمية الثانية.

    ثالثاً- الإعلام الدعائي: ينتهي، سرد عدة تعاريف للدعاية، بتعريف (توينس) الذي يرى الدعاية ( Propaganda)بـانها ” إثارة الرأي العام على نطاق واسع بغرض نشر الأفكار دون الاعتبار لصدقها أو دقتها). وهنا تظهر مكيافيلية الإعلام الدعائي لعدم دقة المعلومة التي تبلور مادة الدعاية، وهذا يعني ارتباطها بالأكاذيب واستخدام الاستمالات العاطفية، وتجاهل المنطق والعلم. ومنذ النصف الثاني من القرن العشرين أصسحت الدعاية مبنية على مجموعة من القوانين الدقيقة والمحددات الصارمة التي جرى اختبارها حتى لا تفقد قوتها وفعاليتها وتأثيرها في ظل العولمة وثورة الاتصالات العالمية. وتنقسم الدعاية (من حيث المضمون والأسلوب والمصدر) الى دعاية سوداء ودعاية بيضاء ودعاية رمادية. والدعاية (من حيث الموضوع) فتنقسم الى دعاية تجارية ودعاية أخلاقية ودعاية سياسية. ويقصر بعض الكتاب مفهوم الدعاية على الدعاية السياسية فقط، أما الشكل التجاري فيسمى إعلان، أما الشكل الأخلاقي أو الإجتماعي أو الديني رسالة أو تبشير.

    رابعاً- الإعلام التعليمي: تطرق المؤلف الى تعريف التربية والتعليم، وقارن بينهما وبين الدعاية من حيث الهدف، وخلص الى نتيجة مفادها أن التربية تهدف الى نقل التراث الاجتماعي عبر الأجيال، أي نتمية شخصية المواطن وخلقه واستقلاليته في الرأي، في حين تهدف الدعاية الى تضييق خيارات الرأي وتغريرهم لاتخاذ موقف سريع. ويرى البعض أن التمييز الأساسي بين التعليم والدعاية ينبغي أن يكون في أسلوب العمل لامن حيث الهدف.فالتعليم عمل عميق وطويل الأجل أما الدعاية فإنها عمل سطحي ويرتبط بظروف طارئة. ومهما يكن الأمر فأن الإعلام التربوي الناجح لابد أن يستند على العناصرالإعلامية الأساسية وهي المرسل (الأستاذ) والرسالة (مادة التدريس) والمستقبل (الجمهور) والقناة (الأداة المستخدمة في نشر الرسالة).

    خامساً- الإعلام الإخباري: وهو الإعلام الذي لا يهدف الى التأثير على خيارات المستقبل. وهذا ما يميزه، من حيث الهدف، عن الإعلام التربوي والإعلام الدعائي. وهنا يتحدث المؤلف بما ينبغي أن يكون، ولكنه يعرج مستدركاً بقوله بأن الواقع العملي للإعلام الأخباري يختلف عما كان في السابق، فنظراً لتشابك المصالح أصبح الخبر لايخلو من التزييف والتلفيق والتدليس، وخصوصا إذا كان مرتبطاً بالجوانب الأسياسية والاقتصادية. ويعدد الدكتور الصائح سمات الإعلام الإخباري:

    – أن يكون هدفه تزويد المتلقي بالمعلومة الصحيحة دون قصد التأثير على خياراته.

    – أن تنقل المعلومات بموضوعية دون تدخل.

    – أن لا تكون صياغة المعلومة بشكل يؤدي الى معنى يفسد حيادية نقل الخبر.

    – أن تكون المعلومة صحيحة كاملة غير مبتورة أو محرفة.

    – أن يتجنب المرسل العبارت الموحية لترك انطباع سلبي أو إيجابي.

    – أن يبتعد عن التعليق على المعلومة.

    – أن يتم التحري عن المعلومة وذكر الأسماء والتواريخ.

    – أن يتم نقل كل جوانب الحدث، لتكون بحوزة الأطراف المشتركة.

    – أن يصاغ الخبر ببساطة يتيح للجميع فهمه.

    – أن يكون الخبر لايوحي الى تورية ضبابية أمام المتلقي.

    – أن يكون الحرص على إكتمال الخبر لكونه صالحاً للإجابة على أكبر قدر من الأسئلة مثل، من؟ ماذا؟ متى؟ أين؟ لماذا؟ كيف؟

    ويعود المؤلف ليؤكد بأن عالم اليوم الذي تتشابك فيه المصالح يجعلنا أن نقول بأن وسائل الإعلام الإخبارية أصبحت أفرب الى الإعلام الدعائي.

    سادساً- الإعلام التنموي: وهو الإعلام الذي يعمل على المعرفة والوعي الذي يؤدي الى خلق الظروف الاجتماعية والثقافية والنفسية والتي تجعل الجمهور مستجيباً للخطط والبرامج التنوية. ومن أسباب ظهور الإعلام التنموي، الفجوة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية، التنافس بين القطبين في مرحلة الحرب الباردة، التراكم العلمي وظهور مراكز البحوث الإعلامية المتخصصة واسهامها في التغيير الإيجابي التنموي في كافة المجالات. وهنا نحن نضيف الدور الهائل للمكتب الإعلامي التابع لمنظمة الأمم المتحدة الذي أعطى أهمية قصوى لموضوع التنمية البشرية، ومن بين وسائل إعلامه التنموي العديدة، إصدار تقرير التنمية البشرية سنوياً منذ عام 1990. وتحت عناوين فرعية يتطرق فيها المؤلف الى استراتيجية الإعلام التنموي والتنمية السياسية والإصلاح السياسي والإصلاح والتحديث.

    سابعاً- الإعلام الدولي: وهو وسيلة من الوسائل المتعدده للسياسة الخارجية لدولة ما، والذي يهدف الى تحقيق مصلحتها الوطنية قبل كل شيء. أو هو تزويد الجماهير في الدول الأخرى بالمعلومات الصحيحة لغرض إقناعهم بعدالة قضاياها، لكي تتبنى تلك جماهير، في الدول الأخرى، مواقف تلك الدولة، أي بهدف خلق صورة إيجابية خارج حدودها الإقليمية، وإقناع الرأي العام العالمي بسلامة موقفها إزاء القضايا الدولية. أن التعدد في تحديد مفهوم الإعلام الدولي أدى الى حيرة بعض الباحثين بسبب بعض الصعوبات التي دونها الدكتور عبد الحميد الصائح وهي:

    – تداخل الإعلام بالدعاية الدولية.

    – التداخل بين الإعلام وسائل الاتصال الحديثة.

    – تقلص الفروق بين الإعلام الدولي والمحلي نتيجة الترابط بين بين الإعلام ووسائل الاتصال والمعلوماتية وذلك بفضل التطور التكنولوجيا.

    – الإعلام الدولي هو حقل باحثين من مختلف التخصصات مما يؤدي الى نتائج متعددة حول المفهوم موضوع البحث.

    أما سمات الإعلام الدولي فهي:

    – تلجأ الدولة الى نشرالمعلومات التي تحسن صورتها خارج حدودها الإقليمية. (ص48).

    – تنحو الدولة لتفسير مواقفها إزاء المشكلات الدولية لتؤكد على سلامة تلك المواقف.

    – التصدي للدعاية المضادة للدولة خارج أراضيها.

    وأخيراً يذكر المؤلف عوامل نجاح أو اإخفاق الإعلام الدولي لدولة ما،(ص48-49) وهي:

    – التخطيط العلمي المنظم.

    – ضرورة التناغم التام بين الإعلام الدولي وماكنة صنع السياسة الخارجية.

    – أن يتحرر الإعلام من لغة العواطف باتجاه لغة المصالح الكفيلة بخلق علاقة المنفعة وأدوات الارتباط بالمصالح.

    – ضرورة الاندماج والتنسيق الكامل بين الإعلام الخارجي والمجالات الداعمة الأخرى مثل: عملية التبادل الثقافي والسياسة السياحية والانتاج الحضاري وسياسة المعونات الاقتصادية وتقديم المعونات الفنية.

    تصنيف الإعلام حسب الملكية:

    ملكية الدولة: وهي ثلاثة أنماط، (ص49-51) الأول ملكية الدولة وسيطرة الحكومة مباشرة على وسائل الإعلام إدارة ووتعيناً وتحديداً للسياسة التحريرية، كما هو في الصين الشعبية. النمط الثاني الملكية غير المباشرة، حيث تكون ملكيتها لهيئة غير حكومية ، تتدخل الدولة بشكل غير مباشر في اختيار اعضاء الهيئة ورسم سياسة المؤسسة وتعيين الإدارة العليا. والنمط الثالث هو نمط الخدمة العامة إذ تكون الملكية للدولة ولكن المؤسسة مستقلة عن النظام السياسي، مثل اليبي سي BBC البريطانية.

    الملكية الخاصة: ويشمل هذا النمط عدة أنواع منها، ملكية الأفراد، والملكية الحزبية، وملكية العاملين في الإعلام ، والملكية التعاونية.

    وينتقل المؤلف الى المطلب الثالث الذي يتضمن العناوين التالية: عناصر تكوين العمل الإعلامي، وهي المرسل والمستقبل والرسالة وقناة التوصيل. وعنوان أخير حول ردود الفعل على الرسالة (رجع الصدى)، (ص52-55).

    – المرسل: قد يكون المرسل فرداً أو أكثر أو شركات. تتكون الفكرة في ذهن المرسل ويتم تحويل تلك الفكرة الى رموز، كأن تكون كلمات أو صور أو أشارات أو غيرها، واختيار الصياغة التي تسهل على المتلقي فهم الفكرة الدائرة في ذهن المرسل ببساطة وبدون تعقيد.

    – الرسالة: وهي الفكرة المصاغة على شكل رموز والتي تحتوي على مضامين فكرة المرسل. وتعتمد فاعلية الرسالة على تحكم المرسل في حجمها، والابتعاد عن التعقيد.

    – قناة التوصيل: وهي الأداة التي يتم من خلالها إرسال الرسائل من المرسل الى جمهور المستقبلين، سواء كانت صحفاً أو مجلات أو إذاعات أو تلفزة أو اتصالاً مباشراً عن طريق الخطب والمحاضرات والمطبوعات والمنشورات أو يكون اتصالاً وجهاً لوجه.

    المستقبل يستلم الرسالة من قناة التوصيل فتصطدم بحواسه الخمسة، وتقوم أحد تلك الحواس استلهام الرسالة وتحويلها من رموز الى معان، عندها يدرك المستقبل المضامين التي رغب المرسل من ايصالها إليه.

    – رد الفعل على الرسالة: ويطلق عليه رجع الصدى، وبه تكتمل دائرة الاتصال وبهذه الحالة يصبح المستقبل مرسلاً، لذا يطلق عليها البعض بالتغذية العكسية. وهناك نوعان من الاستجابة، وهي الاستجابة العلنية والاستجابة المستترة. الأولى واضحة وعامة أما الثانية يصعب اكتشافها وهي استجابة خاصة.

    المطلب الرابع: أهداف تنظيم العمل الإعلامي

    هناك عدة نظريات رسمت معالم تلك الأهداف، وأبرزها:

    نظرية السلطة (Authoritartian Theory): وهي تسبق، من الناحية التاريخية، كل النظريات الخاصة بالإعلام الحديث ( ص 56). وجوهر هذه النظرية أن الحاكم أسمى من الشعب، وأن الشعب في خدمة الحاكم، ويحق له هو وحده دون غيره في تحديد المعلومات التي تذهب للشعب. وظهرت هذه النظرية في إنجلترا في القرن السادس عشر وهي تعتمد على نظريات أفلاطون ومكيافللي ، التي تعتقد بأن الشعب غير مؤهل لتحمل المسؤولية فهي ملك الحاكم حصراً. ومن خصائص هذه النظرية بأن الشخص الذي يعمل في الإعلام يعد عمله امتيازاً منحته إياه السلطة الحاكمة، وعليه الالتزام أمام السلطة لا أمام الشعب. وقد استمر تطبيق هذه النظرية قرنين كاملين حتى قيام الثورة الفرنسية عام 1789.

    نظرية الحرية (Freedom Theory): وترتبط هذه النظرية بالنظام الديموقراطي، ينص فحواها، أن من حق الفرد أن يطلع على الحقيقة، ويهتم بمعرفتها، دون تدخل السلطة الحاكمة، وأن تبقى الدولة في حدود وظيفتها الأساسية وهي حراسة القانون العام وأن توفر للشعب الأمن الداخلي والخارجي، وتنفيذ إرادة الشعب حسب خياراته. ومعلوم أن النظرية الليبرالية تستند على مبدأ حرية الفرد (دعه يعمل دعه يمر). وبذلك يكون الفرد حراً بنشر ما يعتقد عبر وسائل الإعلام . وترفض هذه النظرية الرقابة على وسائل الإعلام. وعلى العكس من ذلك فأن وسائل الإعلام المختلفة هي التي تقوم بمراقبة السلطة الحاكمة وأصحاب النفوذ في المجتمع.(ص57)

    نظرية المسؤولية الاجتماعية ( Social Responsibillity Teory): ظهرت هذه النظرية بعد الحرب العالمية الثانية في الولايات المتحدة الأمريكية كرد فعل على النظرية الفردية وسوء استخدام مفهوم حرية الفرد على حساب مصلحة المجتمع، حيث أصبح هدف الإعلام صناعة تهدف الى الربح فقط. ويرى أصحاب هذه النظرية بأن من واجب وسائل الإعلام تنوير الرأي العام من جهة ومراقبة الحكومة من جهة أخرى، والى التوازن مابين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع عبر مقولة (حريتك تنتهي حين تبدأ حقوق الآخرين). فالحرية حق وواجب ومسؤلية لذا على وسائل الإعلام أن تضع معايير مهنية للقيام بعملها مثل الصدق والموضوعية والدقة. وأن تكون وسائل الإعلام تعددية ليتم طرح أكبر عدد من وجهات النظرفي المواضيع التي تهم مصلحة المجتع.(58-60).

    النظرية الاشتراكية (Socialisim Theory): تستند الماركسية في نظريتها الشاملة الى المادية الجدلية والمادية