خسارة أردوغان الكبرى .. قراءة في مؤشرات ودلالات نتائج الانتخابات البلدية التركية

الثلاثاء 25 حزيران/يونيو 2019
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

إعداد/ مصطفى صلاح
شهدت تركيا في 23 يونيو 2019، عملية الإعادة لانتخابات بلدية إسطنبول بعدما تم إلغاء النتائج السابقة والتي أكدت فوز مرشح المعارضة وحزب الشعب الجمهوري أكرم إمام أوغلو، وأقرار مرشح الحزب الحاكم، بن علي يلدريم، بتقدم منافسه بعد فرز معظم الأصوات.

وتمثل إسطنبول وجهة اقتصادية وسياسية مهمة لتركيا لما تمتلكه من إمكانيات اقتصادية وسياسية وأن من يسيطر عليها يتيح له ذلك السيطرة على العديد من مجريات الأحداث الداخلية والخارجية التركية، لما تمثله من ثقل استراتيجي في محوري السياسة والاقتصاد، والتي وصفها أردوغان بأن نتائج الانتخابات تمثل “مسألة حياة أو موت”، في ظل شعار من يفوز في إسطنبول يفوز بتركيا، بل أن الأمر امتد تلحويل انتخابات إسطنبول البلدية إلى استفتاء حول شخصه، وبالتالي دفع المعارضة لحشد قواها لتوجيه ضربة له، بعد حال هزيمة مرشحه.(1)

دلالات الفوز

هناك العديد من من المؤشرات المنعكسة على الأوضاع الداخلية والخارجية التركية خاصة بعدما فاز مرشح المعارضة أوغلو في نتائج انتخابات بلدية إسطنبول، والتي تحظى بأهمية كبيرة خاصة بالنسبة لحزب العدالة والتنمية والرئيس التركي رجب طيب أردوغان بصورة خاصة، وفيما يلي أبرز الدلالات المنعكسة من فوز المعارضة، على النحو التالي: (2)

1) تراجع أهمية الحزب في العديد من المناطق الجغرافية الهامة داخل تركيا وخاصة المدن الكبرى، مثل أزمير وأنقرة العاصمة التركية، بالإضافة إلى إسطنبول التي تستحوذ على أهمية كبرى في الناتج القومي التركي من حيث العوائد الاقتصادية.

2) أن السيطرة على إسطنبول من جانب حزب المعارضة وتحالفه الأمة، يأتي بعد محاولات أردوغان وحزبه إعادة الانتخابات هناك من خلال ممارسة الضغوط على المجلس الأعلى للانتخابات في الطريق الذي يخدم مرشح حزب العدالة والتنمية بن علي يلدريم، ومن ثم فإن هذا الأمر سينعكس على مصداقية الحزب في الشارع التركي الذي قد يمتد إلى حدوث انقسامات وانشقاقات داخلية تؤثر على مسار حركته.

3) لم تنجح المقاربة السياسية والدينية التي وظفها حزب العدالة والتنمية في تحقيق طموحاته التي يسعى إلى تحقيقها، فبعدما كان يستخدم الحزب المشاريع الاقتصادية في الترويج لسياساته؛ خاصة بعدما تجمدت المشاريع التنموية على غرار تأجيل افتتاح مطار اسطنبول الجديد، على وقع الركود الاقتصادي الكبير، بالتزامن مع حدوث ردة كبيرة على صعيد الديموقراطية وحقوق الإنسان.

4) تمثل انتخابات بلدية إسطنبول بمثابة استفتاء شعبي مصيري على المشهد السياسي التركي، سواء فيما يتعلق بالحراك السياسي الذي تتبناه المعارضة منذ إقرار النظام السياسي وفوز حزب العدالة والتنمية، وتفرده بالسيطرة على السلطة السياسية والعسكرية، أو فيما يتعلق بقدرة حزب العدالة والتنمية على إعادة التموضع من جديد مع تلك التغيرات السياسية الداخلية.

5) إن الانتخابات المحلية في تركيا جاءت بالمجمل انتصارًا لحزب المعارضة الرئيسي حزب الشعب الجمهوري وتحالفه تحالف الأمة؛ حيث تمثل هذه النتيجة انتكاسة كبيرة للرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه العدالة والتنمية الحاكم، الأمر الذي يعكس رؤية الشارع التركي حول جدية مشروع الحزب الحاكم وتغيير بوصلته تجاه القوى السياسية الأخرى، والذي تجلى بصورة واضحة في العديد من المدن ليس فقط إسطنبول بل أيضًا أزمير وأنقرة.

6) يمكن أن يزاحم الوجه الجديد أكرم إمام أوغلو الرئيس التركي الحالي رجب طيب أردوغان على شعبيته، بل ومواجهته في الاستحقاقات السياسية الانتخابية القادمة، الأمر الذي يمثل تهديدًا مباشرًا، وذلك بعدما أثبت استحقاقه مرتين متتاليتين على ثقة الناخب التركي، نظرًا لتراجع شعبية أردوغان بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردية.

سياسات ارتدادية

تمثل هذه الهزيمة الضربة الأولى التي تلاقاها حزب العدالة والتنمية وحليفه حزب الحركة القومية بزعامة دولت بهتشلي منذ أكثر من 25 عامًا، والتي جرى فيها التصويت في 39 دائرة بإسطنبول، تشمل نحو 31 ألف صندوق اقتراع، ويحق لنحو 10.5 ملايين ناخب التصويت في هذه الانتخابات.

فبعد انتكاسة حزب أردوغان، في الانتخابات البلدية التي أجريت قبل نحو ثلاثة أشهر في 31 مارس 2019، وضع الرئيس التركي وحزبه كل ثقله في المعركة الجديدة، بعد أن ألغيت النتائج الأولى، لضمان فوز مرشحه في إسطنبول، إلا أن الأمر لم يسير كما يتوقع أردوغان وحزبه، وجاءت النتائج لتؤشر على فوز مرشح المعارضة برغم حالة السيطرة الكاملة التي يفرضها النظام التركي الحالي على مجريات الأحداث، وتأميم الحياة الداخلية وتراجع معدل الحرية وحقوق الإنسان، خاصة وأن قرار إعادة الانتخابات تلقى انتقادات دولية واتهامات بتراجع الديمقراطية، وبث أيضًا القلق في الأسواق المالية.

ولم تتوقف الاتهامات التي وجهها أردوغان إلى أمام أوغلو؛ حيث اتهمه بالتحالف مع الداعية التركي فتح الله جولن الذي يعيش في المنفى في الولايات المتحدة وتتهمه أنقرة بتدبير انقلاب فاشل في 15يونيو 2016، كما أن أردوغان دائمًا ما يربط بين قوة سيطرته على السلطة باستقرار وتوسع شعبيته في مدينة إسطنبول التي رأس بلديتها في 1994، مشددًا على أن الأمة التركية باقية في إسطنبول، ولن يتمكن أحد من تحويل هويتها مجددًا، ليؤكد أنه إذا تهاوت تلك المدينة أو سقطت، سقط معها كل تركيا.(3)

وبرغم كل تلك السياسات، إلا أنه للمرة الأولى مُنذ العام 2002، تلقى أردوغان ضربة قوية في الانتخابات المحلية؛ حيث أظهرت تراجعًا في شعبية العدالة والتنمية وتنظيمه وتأثيره على الرغم من التحالفات السياسية التي عقدها حزب العدالة والتنمية التُركي وزعيمه رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان مع أحزاب أخرى، وكذلك التعديلات في قانون الانتخابات، كي توافق مصلحته.

سيناريوهات مستقبلية

شكل الفوز الذي حققه مرشح المعارضة أوغلو نقطة محورية وفاصلة في تداعياتها على مستقبل حزب العدالة والتنمية الحاكم بصورة خاصة والحياة السياسية التركية الداخلية والخارجية بصورة عامة، الأمر الذي يلقي الضوء من جديد على خريطة الأوضاع المستقبلية وفيما يلي أبرز تلك السيناريوهات:

السيناريو الأول: يفترض هذا السيناريو تحقيق مزيد من النجاحات الميدانية للأحزاب المعارضة في مواجهة حزب العدالة والتنمية الحاكم، والذي بدوره سينعكس على حركة ومسار الحزب داخليًا وخارجيًا إلى حد قبوله بنتائج هذه المرحلة وما ستفرضه الوقائع السياسية الجديدة، وامتدادًا لهذا فمن المحتمل أن يتم الكشف عن العديد من قضايا الفساد في إسطنبول والتي يشار إلى العديد من قيادات الحزب وعائلة أردوغان بالتورط فيها، الأمر الذي يضع الحزب الحاكم في مرمى المعارضة بصورة مباشرة والذي سيؤدي بالضرورة إلى تراجع شعبيته، خاصة وأن هذه الملفات تأتي بالتزامن مع العديد من الضغوط الاقتصادية التي تتعرض لها تركيا على المستويين الداخلي والخارجي ولعل آخرها ما أعلنته دول الاتحاد الأوروبي خلال انعقادها في بروكسل في 21 يونيو 2019، حول اعتزامها فرض عقوبات اقتصادية على تركيا في ظل تزايد نشاطاتها العسكرية في منطقة شرق المتوسط، مع تراجع سعر الليرة وارتفاع معدل التضخم والبطالة.

السيناريو الثاني: يفترض هذا السيناريو تحقيق تعاون حذر بين حزب العدالة والتنمية الحاكم، وبين الأحزاب المعارضة وخاصة حزب الشعب الجمهوري فيما يتعلق بالتنسيق المشترك تجاه الملفات الخلافية مثل تراجع مستوى الحريات، ومؤشرات الديموقراطية، وتأميم المجال العام، خاصة بعد السياسات المتبعة من جانب الحزب التي أظهرت نيته الحقيقة تجاه تركيا وفق مشروعه السياسي والاقتصادي.

السيناريو الثالث: يفترض هذا السيناريو عدم اعتماد مقاربات سياسية وعسكرية راديكالية من جانب الحزب الحاكم في التعامل مع النشاطات الحزبية، وفتح المجال العام أمام حركة التفاعلات الداخلية، مما يفرض سياقات جديدة يعيد من خلالها حزب العدالة والتنمية رؤيته للمشهد السياسي الداخلي والخارجي.

المراجع

1) من يفوز في إسطنبول يفوز بتركيا”.. إعادة حاسمة لانتخابات البلدية في العاصمة الاقتصادية، على الرابط:

http://cutt.us/kBBU2

2) مصطفى صلاح، الانتخابات البلدية التركية .. الدلالات الداخلية والانعكاسات الخارجية، على الرابط:

http://www.acrseg.org/41162

3) بلسان أردوغان.. ماذا تعني خسارة انتخابات إسطنبول؟، على الرابط:

http://cutt.us/FXrSy
المصدر/ المركز العربي للبحوث والدراسات



الانتقال السريع

النشرة البريدية