الأحد 27 نوفمبر 2022
18 C
بغداد

    حين تثور النساء.. تمرد على الحجاب في إيران

     

    خاص: إعداد- سماح عادل

    تظاهر آلاف المحتجين في شوارع إيران بعد وفاة “مهسا أميني” 22 عاما. فقد احتجزت شرطة الأخلاق في إيران الفتاة بتهمة “ارتداء الحجاب بطريقة خطأ”، وبعد وفاتها، نزل الإيرانيون للاحتجاج على تدخل الدولة في حياة المواطنين، وطالبوا باستقالة الحكومة. ووقعت اشتباكات مع الشرطة، أسفرت عن مقتل أكثر من 40 شخصا وإصابة العشرات.

    هامش أمان..

    كان رأي المحلل السياسي “فرهاد إبراهيموف” أنه “يتمتع النظام السياسي الإيراني بهامش أمان كبير، فقد حدثت مثل هذه الاحتجاجات في البلاد خلال “الثورة الخضراء” سنة 2009.

    بدرجة ما، تعلقت الاحتجاجات بحرية النساء في وضع غطاء على رؤوسهن، كما جرت مظاهرات بهذا الحجم في 2018 و2019 و2021. لكن تلك الاحتجاجات لم تكن تهدف بجدية إلى الإطاحة بالنظام، وكان الناس يخشون حينها التحدث بصراحة عن الحاجة إلى تغيير النظام. لذلك، من الآمن القول إن أحد أركان الجمهورية الإسلامية، وهو في هذه الحالة، لباس المرأة، تلقى ضربة جدية. ما يزال يتعين على السلطات حل هذه القضية، حتى بعد انحسار حركة الاحتجاج في البلاد، حيث لا يُعرف ما إذا كانت هذه التجمعات وأعمال الشغب ستتكرر في المستقبل أم لا”.

    وأشار “إبراهيموف” إلى أن أولئك الذين يشاركون في التجمعات المؤيدة للحكومة أيضا يعتقدون بأن على السلطات تحرير قضية ارتداء النساء للحجاب، أي إعطاء كل امرأة إيرانية الحق بأن تقرر بنفسها ما إذا كانت سترتدي غطاء الرأس، أم لا. تدرك السلطات أنها إذا قدمت تنازلا واحدا على الأقل للمتظاهرين، فسوف يتذوقون طعم النصر ويطرحون شروطا جديدة، من خلال التظاهرات والشغب. أما في ما يخص العلاقات مع روسيا، فموسكو لا تتدخل في الشؤون الداخلية للجمهورية الإسلامية. كل ما يحدث في إيران وليد نزاعات سياسية داخلية”.

    إساءة معاملة..

    يذكر أنه خلال تلك التظاهرات التي اشتعلت في سبتمبر الفائت قد أشعلت بعض النساء النار في أغطية رؤوسهن  وقد وامتدت التظاهرات إلى مدن مختلفة. وقد توفيت “مهسا”، في المستشفى بعدما بقيت هناك 3 أيام وهي في غيبوبة، إثر نقلها من مقر الحجز.

    وكانت مهسا بصحبة شقيقها في طهران عندما اعتقلت من قبل “شرطة الأخلاق”، التي اتهمتها بمخالفة القواعد التي تفرض على المرأة تغطية شعرها بالحجاب وباقي جسدها بالملابس الفضفاضة. وذكرت تقارير أن “مهسا” تعرضت للضرب على الرأس بهراوة من ضباط “شرطة الأخلاق” وأن رأسها ارتطم بإحدى السيارات التابعة لهم. ونفت الشرطة أن تكون هناك إساءة معاملة قد طالتها. وقالت إنها تعرضت لـ “سكتة قلبية مفاجئة”. لكن عائلتها قالت إنها كانت تتمتع بلياقة بدنية ولم تكن تعاني أي مشاكل صحية.

    وأثار الإعلان عن وفاة مهسا، التي تنحدر من محافظة كردستان في شمال غربي إيران، موجة من الاعتراضات، بدأت من مسقط رأسها، حيث قتل 3 متظاهرين الاثنين، بعدما فتحت الشرطة النار على المتظاهرين. وذكرت تقارير أن بعض النساء خلعن الحجاب (غطاء الرأس) في جنازة مهسا، احتجاجا على إجبارهن على ارتداء الحجاب. وهتف المشيعون في الجنازة ضد النظام الحاكم وقالوا “الموت للديكتاتور”، وأظهرت مقاطع فيديو بعد ذلك قوات الشرطة وهي تطلق النار على حشد من الناس.

    أكبر احتجاجات..

    كان رأي “علي فتح الله نجاد الخبير” في الشأن الايراني في جامعة بيروت أن :”هذه أكبر احتجاجات منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2019. التحركات الوطنية السابقة كانت تقودها الطبقات العاملة وأثارها تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، لكن الشرارة هذه المرة كانت اجتماعية- ثقافية وسياسية. لم يتوقع النظام أن يؤدي اعتقال مواطنة ووفاتها إلى إثارة انتفاضة وطنية”.

    وأضاف: “تمثل الحركة الحالية قطيعة مزدوجة مقارنة بحركة عام 2009 التي تميزت بمطالب سياسية للطبقة الوسطى، وبمطالب عام 2019 التي أثارها غضب الفئات الشعبية. الظروف الحالية في إيران تشير إلى اتجاه لتوحيد المجموعتين”.

    وقت حساس..

    وتأتي التظاهرات أيضا في وقت حساس للغاية بالنسبة للنظام الذي أضعفته العقوبات الاقتصادية الدولية المرتبطة ببرنامجه النووي. والمفاوضات للعودة إلى اتفاقية فيينا لعام 2015 والمعروفة باسم “خطة العمل المشتركة الشاملة” الشرط الأساسي لرفع العقوبات، في طريق مسدود منذ عدة أشهر.

    هذا وقد أظهرت لقطات غير مسبوقة متظاهرين يضرمون النار في صورة القائد السابق لفيلق القدس في الحرس الثوري قاسم سليماني، أحد رموز النظام الذي تحول الى شخصية أسطورية منذ اغتياله في العراق بايدي الأميركيين في كانون الثاني/يناير 2020. كما قاوم النشطاء قوات الأمن بحيث رفضت النساء ارتداء الحجاب بينما احرقت سيارات الشرطة.

    وقال دبلوماسي أوروبي “أعتقد أنه سيكون هناك تشدد في النظام، سيدفعهم ذلك أيضا إلى عدم إظهار أي مرونة بشأن خطة العمل الشاملة المشتركة”. وأضاف “هذه التظاهرات ستعرض استمرارية النظام للخطر. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2019 لم يترددوا في إطلاق النار على المحتجين ولا أرى ما سيردعهم هذا العام”.

    وكالعادة حجبت السلطات الإيرانية الوصول إلى الإنترنت لمنع نشر الصور والدعوات إلى التظاهر. ويقول موقع NetBlocks ومقره لندن الذي يراقب عمليات حجب الإنترنت في جميع أنحاء العالم، إن قيودا فرضت للوصول إلى تطبيق انستغرام موقع التواصل الاجتماعي الرئيسي الوحيد المتاح في إيران.

    وقالت “سلوى الغزواني  مديرة منظمة المادة 18 مكتب شمال إفريقيا والشرق الأوسط، للدفاع عن حرية التعبير: “إن رد فعل النظام “هو نفسه في كل مرة.عدد لا يحصى من حالات الوفاة اثناء الاحتجاز وقتل المتظاهرين وغيرها من الانتهاكات والجرائم الصارخة. هذا الأمر يعكس تفاقم الإفلات من العقاب في البلاد واللجوء إلى مستويات أعلى من العنف لقمع الانتقادات والاحتجاجات”.

    واشنطن تفرض عقوبات..

    وأعلنت واشنطن فرض عقوبات اقتصادية على شرطة الأخلاق الإيرانية والعديد من المسؤولين الأمنيين لممارستهم “العنف بحق المتظاهرين” وكذلك على خلفية وفاة الشابة”مهسا أميني” بعد اعتقالها. وأعلنت وزيرة الخزانة الأميركية “جانيت يلين” في بيان أن هذه العقوبات تستهدف “شرطة الأخلاق الإيرانية وكبار المسؤولين الأمنيين الإيرانيين المسؤولين عن هذا القمع” و”تثبت الالتزام الواضح لإدارة بايدن- هاريس لجهة الدفاع عن حقوق الإنسان وحقوق النساء في ايران والعالم”.

    وسلطت وكالة ” أسوشييتد برس” في تقرير نشرته، الضوء على تنامي ظاهرة الفتيات اللاتي يتحركن في شوارع العاصمة الإيرانية طهران دون حجاب. ورصد مراسل الوكالة نحو 20 امرأة في الشوارع دون حجاب على مدار تسعة أيام، لا سيما في المناطق الراقية من طهران.

    وتحدثت فتاة إيرانية، اشترطت عدم ذكر اسمها خشية التعرض للعقاب، قائلة: “يجب أن اعترف أنه أمر مخيف فعليا، دون شك”، مضيفة: “إنهم يلاحقوننا، لكنهم لا يستطيعون الإمساك بنا. ولهذا السبب نؤمن بأن التغيير قادم”. واختارت العديد من النساء الأخريات الابتعاد عن التحدي الصريح، وذلك باستخدام الأوشحة الملونة الفضفاضة والتي تظهر قدرا كبيرا من الشعر.

    وتنتشر بين الفينة والأخرى على شبكات التواصل فيديوهات تظهر فتيات إيرانيات يتحدين قيد الحجاب الإجباري، وهو ما يعرضهن في كثير من الأحيان إلى الضرب الشديد على أيدي عناصر الشرطة.
    انقسامات حادة..

    في الوقت الذي تشهد فيه أكثر من 80 مدينة إيرانية احتجاجات عارمة تنديدا بممارسات شرطة الأخلاق، حرك النظام الديني أنصاره لمظاهرات مضادة داعمة لارتداء الحجاب محتكما للشارع في مواجهة مضادة لموجة سخط شعبي.

    مظاهرات مناوئة للنظام وأخرى داعمة له تكشف حالة الانقسام في المجتمع الإيراني حول الحجاب مظاهرات مناوئة للنظام وأخرى داعمة له تكشف حالة الانقسام في المجتمع الإيراني حول الحجاب. ووصف المجلس المحتجين بـ”المرتزقة الذين أهانوا القرآن الكريم والنبي وأحرقوا مساجد وعلم الجمهورية الإسلامية المقدس ودنّسوا حجاب النساء والأماكن العامة ومسّوا بالأمن العام”، وفق ما نقلت عنه “إرنا”.

    ونقل التلفزيون الإيراني الرسمي صورا من طهران وتبريز وقم وحمدان وأصفهان والأهواز وغيرها بدت فيها أعداد ضخمة من المتظاهرين تسير في الشوارع، وقد حمل كثيرون منهم أعلاما إيرانية وصور مرشد الجمهورية الإسلامية علي خامنئي.

    وقال الجيش الإيراني في بيان اليوم الجمعة إنه “سيتصدى للأعداء” لضمان الأمن وذلك في تحذير هو الأشد حتى الآن للمحتجين الغاضبين الذين خرجوا في أنحاء البلاد. واعتبر أن “هذه الأعمال اليائسة جزء من إستراتيجية خبيثة للعدو هدفها إضعاف النظام الإسلامي”، مضيفا أنه “سيتصدى لمؤامرات الأعداء المختلفة بهدف ضمان الأمن والسلام لأولئك الذي يتعرضون للاعتداء ظلما”.