التحفظات الدولية حول اتفاقية سيداو

الأربعاء 07 حزيران/يونيو 2017
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

رشا العشري

تعد اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) أهم صك دولي لحقوق الإنسان من أجل حماية حقوق المرأة في جميع أنحاء العالم. وهي أيضًا واحدة من معاهدات الأمم المتحدة الرئيسية لحقوق الإنسان، التي تم تقديم أكبر عدد من التحفظات عليها. ونظراً لأن التحفظات البعيدة المدى على معاهدات حقوق الإنسان تضر بالحماية الفعالة لحقوق الإنسان، فإن ذلك أدى إلى نشوء مناقشة بشأن ضرورة تطبيق نظام تحفظات على تلك المعاهدات التي تسمح بالحماية الفعالة لنزاهتها.

وتهدف هذه الدراسة إلى المساهمة في البحوث الأكاديمية المتعلقة بالتحفظات على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وذلك بدراسة تطور عملية التحفظ على معاهدة حقوق الإنسان من منظور مقارن منذ دخولها حيز النفاذ حتى الوقت الراهن. ومن خلال هذا التحليل، تهدف الدراسة إلى تحديد الاتجاهات والتحولات في هذه الممارسة على مر الزمن، مما يسمح بإجراء تقييم أكثر تفصيلاً للعدد المتزايد من التحفظات غير المتوافقة، والتقدم الذي أحرزته اللجنة نحو اتباع نهج أكثر نشاطاً بشأن التحفظات، واستعداد الدولة المتزايد للاعتراض على التحفظات التي تجدها غير متوافقة.

ومنذ أن دخلت اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة حيز النفاذ في عام 1981، كانت أهم صك دولي لحماية حقوق المرأة في جميع أنحاء العالم. فأحكامها البعيدة المدى تغطي جميع جوانب حياة المرأة، من مشاركتها السياسية وحياتها العامة إلى التعليم والعمالة والصحة وحتى الزواج والحياة الأسرية. وبالإضافة إلى ذلك، ينص بند عدم التمييز في الاتفاقية على فهم واسع جدا للتمييز ضد المرأة، مشيرا إلى “أي تمييز أو استبعاد أو تقييد يتم على أساس الجنس”. ومما لا شك فيه أن التحفظات على الالتزامات الأساسية لمعاهدة حقوق الإنسان تضر بالتنفيذ الفعال لحقوق الإنسان وحمايتها. غير أن صياغة الدول للتحفظات التي تتنافى مع موضوع وهدف معاهدات حقوق الإنسان ما زالت ممارسة مشكوك فيها اليوم. وأدت الحاجة إلى حماية أفضل لنزاهة معاهدات حقوق الإنسان بسبب الخصائص الخاصة لهذه المعاهدات، والتي أدت إلى تطورين هامين في مجال التحفظات على معاهدات حقوق الإنسان، وهي ظهور مبدأ الفصل من ناحية، والدور الأكثر نشاطا التي تضطلع بها هيئات المعاهدات من ناحية أخرى.

من ثم كان من الضروري مراعاة اتجاهين هامين، وهما: التطورات الهامة في مجال التحفظات على معاهدات حقوق الإنسان بصفة عامة؛ وقابلية التحفظات غير المتوافقة، وتقييم عدم توافق الهيئات المنشأة بالمعاهدات. ولما كانت هذه التطورات تهدف أساساً إلى تحسين حماية حقوق الإنسان من خلال تطبيق قواعد إجرائية وجوهرية مختلفة لتقليل ومنع التحفظات غير المتوافقة، فإن هذه المادة تهدف أيضا إلى تحديد الصلات المحتملة بين هذه التحولات والتحولات في التحفظات على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

العلاقة بين معاهدات حقوق الإنسان ونظام التحفظات المدون في اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969.

المعاهدات المتعلقة بحقوق الإنسان ونظام تحفظات فيينا

تعتبر معاهدات حقوق الإنسان من المعاهدات الدولية الهامة، وذلك بسبب بعض الخصائص المميزة لها. حيث فندت “محكمة العدل الدولية” في “فتواها الصادرة” عام 1951 على “التحفظات” بشأن اتفاقية منع ومعاقبة جريمة الإبادة الجماعية ، والتي تنص على أن: لا تملك الدول المتعاقدة في هذه الاتفاقية أي مصالح خاصة. بل تتضمن المصلحة المشتركة، ألا وهي تحقيق تلك المقاصد السامية التي هي علة وجود الاتفاقية. ونتيجة لذلك، فإن اتفاقية من هذا النوع لا يكون الحديث فيها عن المزايا الفردية أو عيوب الدول، وبعبارة أخرى، فإن معاهدات حقوق الإنسان ذات أهمية بالنسبة لمواطني الدول، لا للدولة نفسها. آخذا في الاعتبار الحاجة إلى نظام أكثر مرونة للتحفظات، والحفاظ على توازن مثالي بين الحقوق والواجبات.

وقد تحركت محكمة العدل الدولية بعيداً عن قاعدة الإجماع، وأدخلت نظام تحفظات جديد، كان في وقت لاحق مدون في “اتفاقية فيينا” لسنة 1969 حول قانون المعاهدات، وقد وفرت أحكامها المتعلقة بالتحفظات (المواد من 19 إلى 23)، عند التوقيع أو التصديق، القبول، الموافقة أو الانضمام إلى معاهدة، إبداء العديد من التحفظات، باستثناء ثلاث حالات:

(أ) التحفظ محظور بموجب المعاهدة؛ (ب) المعاهدة تنص على أنه يجوز أن توضع تحفظات محددة ليس من بينها التحفظ المعني،؛ (ج) إذا تعارض التحفظ مع موضوع وغرض الاتفاقية.

إلا أن نظام التحفظات في معاهدة فيينا كان موضع انتقاد، نتيجة عدم تقديم لائحة تنظيمية شفافة للتحفظات على معاهدات حقوق الإنسان، لا سيما فيما يتعلق بتحديد التعارض واﻵثار القانونية المترتبة عليه. أيضاً انعدام المصلحة المباشرة للدول. وفي “فتوى الإبادة الجماعية في” عام 1951، اختارت محكمة العدل الدولية نظام أكثر مرونة للتحفظات بهدف الجمع بين حرمة المعاهدات والمشاركة على نطاق واسع. وذلك للتوازن بين الالتزامات والحقوق في معاهدات حقوق الإنسان. لذلك يتم التركيز بشدة على الطابع العالمي لمعاهدات حقوق الإنسان، مما يسمح لتحفظات بعيدة المدى.

تحديد عدم توافق التحفظات: مع دور أكثر نشاطاً لهيئات رصد المعاهدات

في عام 1951، اختارت محكمة العدل الدولية تقييم توافق التحفظات مع موضوع وهدف الدول الأطراف على حدة. خاصة وأن دور الهيئات المنشأة بالمعاهدات لم يكن ذات الصلة في وقت “يرى أن الإبادة الجماعية” كما في العديد من المعاهدات المتعددة الأطراف في مجال حقوق الإنسان لم تكن موجودة حتى الآن. ولذلك كانت هناك محاولات لتكييف نظام التحفظات إلى أطر محددة لمعاهدات حقوق الإنسان.

وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، حدث تحول تدريجي نحو هيئات المعاهدات التي تدعي أهليتها لتحديد مدى توافق التحفظات، بدلاً من الدول الأطراف. ومنذ قضية بيليلوس أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، اكتسبت شعبية التحفظات غير المتوافقة، مما أدى إلى التزام الدولة المتحفظة بالمعاهدة ككل. نفس الموقف الذي اعتمدته محكمة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان في “فتواها” بشأن القيود المفروضة على عقوبة الإعدام، وبالتالي فإن هذا النهج يضع الحاجة إلى حماية نزاهة الاتفاقية فوق إرادة الدولة بعدم الالتزام بأحكام معينة، وذلك بقطع تحفظها غير المتوافق عن صك التصديق.

وممارسات الدول تبين أن عدد قليل منها قد اعترضت على الفكرة الناشئة بشأن اختصاص هيئات لتقييم مدى توافق التحفظات. فعلى سبيل المثال لم تنسحب سويسرا من الاتفاقية الأوروبية على الرغم من أنها كانت مهددة في البداية للقيام بذلك، وذلك لقرار اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان بشأن قضية جواتيمالا، أيضا قبول الفتوى الصادرة عن محكمة الدول الأمريكية لحقوق الإنسان فيما يتعلق بقضة عقوبة الإعدام، حيث انتقدت صراحة ثلاث دول هم الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا رأي لجنة حقوق الإنسان في القرار رقم 24 فيما يتعلق بتلك العقوبة، وملاحظاتهم فيما يتعلق بالأثار القانونية المترتبة على عدم التوافق بدلاً من اختصاصه لإجراء هذا التقييم. فضلاً عن القلق لاستخدام الفعل ” تحديد” فيما يتعلق بمهام اللجنة نحو وضع التحفظات؛ وفيما يتعلق بمهامها المبينة في المادتين 40 و 41 من العهد والمادة 5 من “البروتوكول الاختياري”، فإنه، مع ذلك، يمكن ذكر على وجه اليقين أن “اللجنة المعنية بحقوق الإنسان” لا تملك صلاحية اتخاذ قرارات ملزمة، بما في ذلك المتعلقة بالتحفظات.

مبدأ قابلية الفصل

لم تحتوي معاهدات حقوق الإنسان على أحكام بشأن التحفظات التي تخضع للقواعد التكميلية في “اتفاقية فيينا” و”قانون المعاهدات”. فعلى الرغم من وجود ما يتعارض مع موضوع تحفظ المعاهدة وغرضها فإن الدول الأطراف لا تبدي اعتراض بسبب عدم الاهتمام، والافتقار إلى القدرات أو الدوافع السياسية، إلا أن الاعتراض لا يحول دون بدء نفاذ المعاهدة، ومن ثم يظل هذا الاعتراض محدود، بالتالي فإن مبدأ قابلية الفصل يتحرك بعيداً عن قواعد فيينا في الآثار القانونية المترتبة على التحفظات. وهو ما ظهر جلياً في قضية بيليلوس، حيث قالت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن التحفظ غير الصحيح يمكن أن يكون قاطع لإرادة الدولة في أن تصبح طرفاً في المعاهدة، أو قد تظل الدولة المتحفظة طرفاً دون الاستفادة من التحفظ.

كما اعتمدت “اللجنة المعنية بحقوق الإنسان” هذا الرأي في تعليقها العام رقم 24، مشيراً إلى أن “النتيجة الطبيعية لتحفظ غير مقبول طبقاً للعهد لن تكون سارية المفعول في جميع الأطراف المتحفظة. وقد أثار ذلك المبدأ (مبدأ قابلية الفصل) انتقادات حادة من قبل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، حيث رأت الولايات المتحدة أن المبدأ يختلف مع الممارسة القانونية ويفتقر لمبادئ وشروط واضحة؛ أما فرنسا، فقد أشارت إلى أن الاتفاقات تخضع لقانون المعاهدات، استناداً إلى موافقة الدول. كما أن التحفظات هي الشروط التي توليها الدول لتلك الموافقة.

اتفاقية “القضاء على جميع أشكال التمييز” ضد “المرأة” (سيداو CEDW)

كانت الخطوات الأولى لتلك “الاتفاقية”، عام 1963، عندما اعتمدت “الجمعية العامة” (GA) القرار رقم 1921، والذي طلبت فيه المجلس الاقتصادي والاجتماعي دعوة اللجنة المعنية “مركز المرأة” لإعداد مشروع إعلان الذي يجمع في معايير دولية صك واحد يعبر عن المساواة في الحقوق بين الرجال والنساء. وبالرغم من إعلان الجمعية العامة الرامي إلى تنفيذ الأحكام ذات الصلة من ميثاق الأمم المتحدة، الذي ينص على المساواة في الحقوق بين جميع الأشخاص بغض النظر عن جنسهم. وزيادة الوعي بأهمية وضع المرأة في المجتمع، إلا أنه لا يزال هناك على الرغم من تلك الصكوك المختلفة، تمييز واسع النطاق ضد المرأة، إذ يشكل انتهاكا لمبدأين المساواة في الحقوق واحترام كرامة الإنسان، بل ويعد عقبة في ممارسة حقوقها السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها.

وقد تم إقرار المعاهدة الملزمة عام 1972 لأحكام الإعلان، وبعد سبع سنوات، اعتمدت الجمعية العامة اتفاقية “القضاء على جميع أشكال التمييز” ضد المرأة، ودخلت حيز النفاذ في 3 سبتمبر 1981، والتي هدفت إلى تنظيم جميع جوانب حياة المرأة مقارنة بالمعاهدات السابقة، حيث أقرت بحقوق الإنسان والحريات الأساسية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية، مع ضرورة الحفاظ على هذه الحقوق وفقاً للمادة (1) من الميثاق.

مدى توافق التحفظات للجنة المعنية بالقضاء على أشكال التمييز ضد المرأة

نجد أن اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة ليست لديها صلاحيات ملزمة فيما يتعلق بتحديد مدى توافق التحفظات. وعلاوة على ذلك، من الأهمية أن تأخذ في الاعتبار الفرق بين التقييم الذي أجرته الهيئات المنشأة بمعاهدات الأمم المتحدة، مثل “اللجنة المعنية بالاتفاقية”، والقرارات التي تتخذها الهيئات الإقليمية مثل المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

وتبين النظرة العامة لمعارضة اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة أنها أصبحت أكثر نشاطا فيما يتعلق بتقييم عدم توافق تلك التحفظات، وإن لم يكن إلى حد يقارن بالنهج النشط الذي اعتمدته اللجنة المعنية بحقوق الإنسان. والصيغة التي استخدمتها اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة في تقريرها لعام 1995 عن المؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة يعكس اهتمامها الأولي فيما يتعلق باختصاصها في هذا الصدد. وعلى الرغم من أنها لم تعرب عن اتفاقها مع ادعاء الهيئات الأخرى المنشأة بموجب معاهدات فيما يتعلق بضرورة تغيير نظام التحفظات وتقييم عدم توافق الدول منفردة، فإن عملها يدل على تحول تدريجي نحو تحديد أكثر اتساقا لعدم توافق التحفظات في بياناتها، والتوصيات العامة، والملاحظات الختامية.

وقد انعكس هذا التحول بشكل خاص في القرار 41 /1، عندما اعترف صراحة باختصاصه في تحديد جواز التحفظات. وبعبارة أخرى، اضطلعت لجنة القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة بدور أكثر نشاطا فيما يتعلق بالتحفظات، وتعرب اليوم عن آرائها بشأن هذه المسألة لدى الدول الأطراف. وأكدت من جديد بقوة وباستمرار أهمية الأحكام الأساسية للاتفاقية وضرورة قيام الدول الأطراف بسحب تحفظات غير متناسبة في أوقات مختلفة، ولا سيما منذ أواخر التسعينيات. وتؤكد توصياتها العامة الأخيرة لعام 2010إلى عام 2013 (رقم 28 ورقم 29) أن التحفظات على المادتين 2 (حظر التمييز في الدساتير والتشريعات الوطنية) و 16 (الحياة الأسرية) من الاتفاقية غير مسموح بها، والتي ربما تقوم على أساس ديني أو ثقافي، من ثم فهي تتعارض مع موضوع وغرض الاتفاقية، وذلك غير جائز بموجب المادة 28، الفقرة 67/2 من الاتفاقية، مع ضرورة سحبها أو تعديلها. وتبين أيضا أن مسألة التحفظات لا تزال في مقدمة جدول أعمال اللجنة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن العديد من الدول الأطراف الأخيرة تضع تحفظات عامة، مما يجعل من المستحيل تحديد مدى التزام هذه الدول بالامتثال لأحكام المعاهدة. وبما أن هذه التحفظات أصبحت أكثر إشكالية منذ بداية القرن الحادي والعشرين، فمن الواضح أن اختصاص هيئات المعاهدات المنشأة حديثا لتحديد عدم توافق التحفظات، لم يكن له أثر كبير على الدول الأطراف الجديدة في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة. ومع ذلك، يمكن القول بأن قرار اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة بشأن عدم توافق التحفظات كان له أثر إيجابي على الدول التي صدقت على الاتفاقية خلال العقدين بعد دخولها حيز النفاذ. وقد أدى عملها إلى سحب الكثير من التحفظات وتعديلاتها منذ التسعينات، فضلا عن زيادة هائلة في الاعتراضات التي قدمتها الدول الأطراف الأخرى.

لجنة القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة في مواجهة التحفظات:

بيانات وتوصيات اللجنة بشأن التحفظات

اعتمدت اللجنة في بادئ الأمر، نهجاً بديلاً إزاء العدد الكبير من التحفظات المنافية. وكان من أسباب ذلك تلقي اللجنة عام 1984 من أعضاء الأمم المتحدة “للشئون القانونية”، مهام تفيد تحديد عدم توافق التحفظات”، ومنذ عام 1987 شجعت الدول على الحد من تحفظاتها ودعا إلى إعادة النظر في تلك التحفظات بهدف سحبها. حيث اعتمدت اللجنة التوصيات العامة رقم 4 (1987) ورقم 20 (1992) بشأن التحفظات، ودعت إلى سحب فقرات معينة من التحفظات على المادة 16 بشكل عام، والتوصية رقم 21 المتعلقة بالمساواة في الزواج والعلاقات الأسرية (1994). وفي عام 1995، أوضحت اللجنة أيضًا موقفها بشأن التحفظات في تقريرها عن “المؤتمر العالمي الرابع” المعني بالمرأة، والتي ركزت على التحفظات المتعلقة بالمادة 2، والتي تنص على أن “بعض التحفظات الواقعة تبدو متعارضة مع موضوع الاتفاقية وغرضها”.

على سبيل المثال، أعربت اللجنة عن قلقها إزاء التحفظات التي أبدتها جمهورية كوريا، وفرنسا، وبنغلاديش. حيث قررت اللجنة خلال استعراض العديد من التقارير الدورية، أن التحفظات على المواد 2 و 7، 9 و 16، فضلاً عن التحفظات العامة، لا تتفق مع موضوع الاتفاقية وغرضها، مما أوجب سحبها.

تحليل التحفظات على اتفاقية القضاء على أشكال التمييز ضد المرأة

1. عدد التحفظات التي أبدتها عند التصديق أو الانضمام إلى الاتفاقية
مع ظهور مبدأ عدم الفصل أنشأت تحفظات على معاهدات حقوق الإنسان. وتبين مقارنة بين عدد من التحفظات التي ابدتها الدول عند انضمامها للاتفاقية، ففي الفترة من عام 1980 إلى عام 1990، أصبحت مائة دولة طرفا في الاتفاقية، منها 38 دولة أبدت تحفظا، خمسة عشر أخرى أبدت تحفظات تتعلق فقط بالمادة 29 (1) من الاتفاقية، وبالمقارنة، من عام 2002 إلى عام 2012، أصبحت 20 دولة طرفاً في “الاتفاقية”، التي لا تقل عن نصف أبدت تحفظًا.

2. أنواع التحفظات وأسبابها
فالعديد من الدول، على سبيل المثال، وضعت تحفظاً على المادة 29 (1) فيما يتعلق بالإحالة إلى التحكيم، وقد سمحت محكمة العدل الدولية للدول إبداء التحفظات على تلك الفقرة، مثال التحفظ في المملكة العربية السعودية، حيث تقول أنه “في حالة التناقض بين أي من أحكام الاتفاقية وقواعد الشريعة الإسلامية، فإن المملكة ليست ملزمة بالامتثال لأحكام الاتفاقية”. هنا بالرغم من أن اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة (سيداو) اعترفت بالتحفظات التي قدمت من الدول العربية والإسلامية إلا أنها لم تقبلها لأنها غير مقبولة من وجهة نظر الاتفاقية، لتعارضها مع الطبيعة العالمية، بالتالي كان من الضرورى مراعاة خصوصية الدولة وثقافتها. خاصة وإن هناك من يرى ان اتفاقيات حقوق الانسان ذات رؤية غربية، وإن الدول المستقلة لم يتم أخذ رأيها في تلك الاتفاقيات.

كما أن تحفظات الدول العربية على سيداو تتعارض مع الوفاء بالتزاماتها في تطبيق معاهدات أخرى انضمت إليها سابقاً ؛ “الشرعة الدولية لحقوق الإنسان” إذ إن معظم الدول العربية المنضمة إلى سيداو قد سبق لها المصادقة على العهد الدولي الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية وأصبحت بذلك مطالبة بتطبيق جميع مقتضياته خاصة أنها لم تتحفظ على المادة 23 منه، والتي تنص على المساواة بين الجنسين داخل الأسرة.

عدد الاعتراضات من قبل الدول الأطراف

للدول الأطراف خيار قبول التحفظ-صراحة أو ضمنا-أو إبداء اعتراض عليه، بالتالي يمكن أن يستبعد دخول الاتفاقية حيز النفاذ بينها وبين الدولة المتحفظة. وتدرك اللجنة نفسها وتقدر الأثر الإيجابي الذي يمكن أن يؤديه استخدام هذا الإجراء في تشجيع الدول علي السحب؛ ان الغالبية العظمي من الدول الأطراف في اتفاقية (سيداو) لا تصوغ باستمرار اعتراضات علي التحفظات غير المتوافقة. ولم تقدم الدول الأخرى اعتراضات علي التحفظات الا 24 من بين 187 دولة طرفاً في الاتفاقية. وقد صاغا معا 223 اعتراضا علي التحفظات التي أبدتها 36 دوله طرفا. وبعبارة أخرى ، وبما ان 72 دوله في مجموعها صاغت تحفظا علي الاتفاقية ، فان الاعتراضات لم تقدم الا إلى نصفها. بالاضافه إلى ذلك، فان العديد من الدول المعترضة تعترض علي تحفظ واحد تجده منافيا للتحفظات، ولكنها لا تتفق مع التحفظات الأخرى، التي تري الدول الأطراف الأخرى انها غير متوافقة.

وفي الفترة من 1980 إلى 1990 ، صاغت 7 دول 49 اعتراضا علي تحفظات غير متوافقة. وفي الفترة من عام 2002 إلى عام 2012 ، صاغت 23 دوله معا 116 اعتراضا. وبذلك ازداد عدد الدول المعترضة ثلاث مرات. والزيادة في الاعتراضات ملفتة للنظر أيضا بالنظر إلى أن عددًا أقل بكثير من الدول قد صدّق علي الاتفاقية في الفترة من عام 2002 إلى عام 2012.

تعديل التحفظات والأثر التمكيني لهذه الاعتراضات بالنسبة للمرأه في الدولة الطرف.

حددت بعض الدول المعترضة تقريبًا أن التحفظ الذي تعترض عليه يتنافى مع موضوع المعاهدة والغرض منها. وامتنعت أربع دول فقط عن القيام بذلك: وهي الدانمرك، فرنسا، وبريطانيا، وايرلندا الشمالية. حيث يبين تحليل لمضمون الاعتراضات أن دوافع الدول لصوغ اعتراض تتفاوت وتتطور مع مرور الزمن. وقد أصبحت الدول أكثر تحديداً بكثير في اعتراضاتها، وكثيرا ما كانت تحدد أسباب الاعتراض. ومن بين الاعتراضات التي أبديت بين عامي 1980 و 1990 ، لم توضح سوي ألمانيا والمكسيك والنرويج، انها وجدت التحفظ العام مداه غير واضح. أما المكسيك هي وحدها المحددة في جميع اعتراضاتها علي أن التحفظ سيؤدي حتما إلى التمييز ضد المرأه في الممارسة العملية.

وأخيرًا ، أشارت الدانمرك فقط في اعتراضها علي التحفظ الذي أبدته الجماهيرية العربية الليبية باعتبار أنه لا يجوز للدولة المتحفظة أن تحتج بأحكام قانونها الداخلي كمبرر لعدم تنفيذ المعاهدة. ومن جهة أخرى ، حددت جميع الدول المعترضة ، في الفترة بين عامي 2002 و 2012 ، في عده اعتراضات أو كلها، أن التحفظ الذي أبدته هو مدي عدم وضوحه. كما أشارت 11 من أصل 23 دولة معترضة في واحدة أو أكثر من اعتراضاتها إلى أن التحفظ سيؤدي إلى حالة تمييز ضد المرأة في الممارسة العملية. أيضاً – فنلندا، النرويج، وبولندا -القول بأن الدولة المتحفظة لا يجوز لها أن تحتج بالقانون الداخلي كمبرر لعدم الامتثال لاحكام الاتفاقية. وتبين الاعتراضات منذ عام 2000 ، أن التحفظ يتنافى مع الأحكام الأساسيه للاتفاقية. ويتضح من الاعتراضات المقدمة أن الدول المعترضة تنظر أيضا بصوره متزايدة في التحفظات غير المتوافقة بحيث تكون قابله للفصل. وفي الواقع ، فان 71 من الاعتراضات التي قدمت منذ عام 1980 تتبع ضمنيا أو صراحة نهج القابلية للتجزئة. وقد صاغتها 15 دوله من الدول ال 24 المعترضة.

خاتمة

تبين النظرة العامة لمكافحة اللجنة المعنية باتفاقية القضاء علي جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، أنها أصبحت أكثر نشاطا فيما يتعلق بتقييم عدم توافق التحفظات، وقد كررت التأكيد بحزم علي أهميه الأحكام الأساسيه للاتفاقية وضرورة قيام الدول الأطراف بسحب التحفظات غير المتوافقة. وبالرغم أن التوصيات العامة الأخيره (رقم 28 ورقم 29) التي تشدد فيها علي أن التحفظات علي المادتين 2 و 16 من الاتفاقية غير مسموح بها، فيما يتعلق بالآثار المترتبة علي التحفظات غير المتوافقة ، فإن اللجنة لم تكن صريحه مثل بعض الهيئات التعاهدية الأخرى. والواقع أنه أهمل معالجة مسألة الآثار القانونية المترتبة علي التحفظات غير الجائزة كليه.

يمكن القول بأن تقرير اللجنة “المعنية بالقضاء علي أشكال التمييز ضد المرأة” بشأن عدم توافق التحفظات كان له أثر إيجابي علي الدول التي صدقت علي الاتفاقية خلال العقدين التاليين لدخولها حيز النفاذ. وقد أدي عملها إلى مزيد من السحب والتعديل في التحفظات منذ تسعينات القرن العشرين، فضلاً عن زيادة هائله في الاعتراضات التي أبدتها الدول الأطراف الأخرى. وعلي الرغم من أن عدد الدول الأطراف التي أبدت اعتراضات علي التحفظات التي لا تتفق معها، فإنها لا تزال محدودة جداً.

علي الرغم من أن الهيئات المنشاة بالمعاهدات والعلماء قد جادلوا بأن تقييم توافق التحفظات ليس مهم بالنسبة للدول، فإنه لا يمكن إنكار أن العديد من الدول قد اضطلعت بمسؤوليتها في النظام الحالي للتحفظات بالاعتراض عليها وتوضيح آثارها، ولعل التعايش بين هذين الشكلين لا يشكل بالضرورة إشكالية، وإنما يعتبر فرصه يمكن أن تصبح فيها الدول والهيئات المنشاة بموجب المعاهدات دليلاً مفيداً ومكملاً لبعضها البعض. لتؤكد في النهاية على أن حقوق المرأة هي جزء من منظومة حقوق الإنسان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مصدر الدراسة

Marijke De Pauw , “Women’s rights: from bad to worse? Assessing the evolution of incompatible reservations to the CEDAW Convention”, Utrecht journal of International and European Law (Brussel: Igitur Publishing ,Volume 29/Issue 77, Article), pp. 51-65.

file:///C:/Users/mtm/Downloads/49-49-1-PB.pdf

خاص بــ كتابات



الانتقال السريع

النشرة البريدية