حدود التأثير ومستقبل الدور: الدور الروسى فى الشرق الأوسط

الأربعاء 11 نيسان/أبريل 2018
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

إعداد/ مصطفى محمد صلاح
كان لانهيار الاتحاد السوفيتي آثارًا انعكست على صعيد السياسة الخارجية الروسية واستراتيجياتها وسماتها، كما انعكست على واقع السياسة الدولية عمومًا والتي نجم عنها تفرد السياسة الدولية بقطب أوحد هو الولايات المتحدة الأمريكية. هذه الآثار في ظل الأزمات الداخلية الاقتصادية منها والسياسية التي عصفت بالاتحاد السوفيتي وورثتها روسيا عنه جعل عملية صياغة الاستراتيجية الروسية في إطارها الخارجي ذات تناقضات ما بين الواقع الجديد والواقع السابق، وما بين الإمكانيات الجديدة ومتطلبات عملية التنمية الداخلية والإصلاحات المناطة بأي قيادة سياسية قادمة. والأن تحتل روسيا أهمية خاصة، ليس فقط لأنها لا تزال قوة عالمية عظمي بالمعيار العسكري، وبمعيار المساحة، والموارد الاقتصادية، والقدرات الكامنة العلمية والتكنولوجية، ولكن نظرًا لما شهدته، خلال السنوات الماضية، منذ تولي فلاديمير بوتين رئاستها عام 2000م من خطوات جادة للعودة إلى مسرح السياسة العالمية، بعد سنوات من تفكك الإمبراطورية.

ولروسيا أهمية مضاعفة، بالنظر إلى ما تمثله من ميراث الامبراطورية السوفيتية التي ظلت تحتل مكانة القطب العالمي، في ظل عالم ثنائي القطبية لأكثر من نصف قرن. وعلى الرغم من حقيقة انتهاء صراع القطبية، وظهور عالم تعاوني جديد مختلف ومغاير، لا تزال المواقف الروسية في مجلس الأمن تغازل البعض. وفي السنوات الأخيرة، تبنت روسيا مواقف في سياستها الخارجية أحيت التطلعات بعودة التوازن إلى قمة العالم. إن روسيا بمنظورها الجديد تبحث عن توازن فى إطار نظام دولى متوازن فى تعدد القوى. خاصة فى ظل حالة ضعف قبضة الولايات المتحدة الأمريكية على أرضية هذا العالم، وصعود قوة أخرى دولية كالصين والهند والبرازيل وغيرها والتى باتت تشكل قوى تتقاسم النفوذ وتأخذ من مساحة الولايات المتحدة.

§ عودة روسيا إلى الشرق الأوسط

يبدو أن التطورات المتسارعة فى العالم تعيد رسم خرائط العلاقات بين روسيا ومنطقة الشرق الأوسط، فلم يكن التاريخ أبدًا مجرد مراحل وطويت صفحاتها، لكنه يعود بقوه ليعيد نفسه ليقدر لدولة مثل روسيا أن تعود لممارسة دورها المعتاد كإحدى القوى الدولية ذات الثقل فى النظام الدولى؛ حيث باتت أحد العناصر الأساسية المشكلة لهذا النظام، وبرغم الخسائر التى قد أوقعت بها، فإنها كسبت استعادة قوية لمعظم الدور المفقود فى ذلك النظام الدولى الذى لم يعد يتحمل قوة واحدة تهيمن على مجرياته. وقد وقعت منطقة الشرق الأوسط بما فيها من تطورات فى القلب من هذا الدور.

ففي السنوات القليلة الماضية، عاد الروس إلى نقاط شائكة عديدة في منطقة الشرق الأوسط، فأصبح لهم القول الفصل فيها. أقاموا تحالفات جديدة وضمت لائحة أصدقائهم قادة يختلفون في السياسة والمصالح حتى العداء في ما بينهم، لكن الكلّ اجتمع على قاعدة المصالح مع روسيا. حيث قدّم الروس نموذجًا أكثر قوة وإصرارًا ووضوحًا اجتذب حلفاء قدماء وحاليين لأمريكا، وأعداء لها في الآن نفسه.

تاريخيًا لم يحظ الشرق الأوسط باهتمام روسيا لذاته، بقدر ما استخدمته روسيا للحصول على مكاسب محتملة ضد الغرب، أو لتحسين الوضع الداخلى الخاص بها. روسيا لم تكن كما كانت عليه خلال الحرب الباردة، وهى الأن فى عهد بوتين ركزت روسيا فى المقام الأول على الدعم السياسى والدبلوماسى لحلفائها الرئيسيين عبر الأسلحة والطاقة والتجارة والسلع. ومع ذلك فإن الشرق الأوسط لا يزال هشًا، وروسيا لا تحتاج فعل الكثير حتى تؤكد نفوذها فيه، خاصة فى سياق ينظر إلى تراجع التأثير الغربى فى المنطقة. ويمكن القول أن روسيا تحت حكم بوتين احتفظت بعلاقات جيدة مع معظم إن لم يكن جميع دول الشرق الأوسط سواء على مستوى الحلفاء أو الخصوم التقليديين منهم. فمنذ بداية التسعينيات وتفكك الإمبراطورية الروسية العظمى وبداية حدوث تقلص جغرافى أصبح لدى روسيا وقيادتها حلم جيوسياسى بتعميق التأثير والوجود فى الفضاءات التى كانت تشكل عمقًا جيواستراتيجى للاتحاد السوفيتى سابقًا أو التى كانت ضمن حدوده، ولعل هذا ما يفسر التواجد الروسى القوى فى كل الفرص السانحة أمامه، ذلك ليس السبب الوحيد فقط، بل أن شخصية الرئيس الروسى فلاديمير بوتين والتى تعكس فى سماتها حلم يرواده والذى وظف كل الإمكانيات الروسية لخدمة مشروع روسيا قيصرية على ما كانت عليه من قبل ولكن اليوم بثوب يتناسب والتحديات الإقليمة والدولية وقدرة أكبر ومقدرة على الاستمرار، ولعل ذلك ما نلاحظه الأن فى روسيا من خلال نظره المجتمع الروسى إلى دولته برغم المشاكل الاقتصادية التى تواجهها إلا أنها أصبحت ذات وجود مؤثر على خريطة السياسة العالمية. فقد عادت روسيا لتلعب دورًا فاعلًا ، وتتخذ مواقفًا واضحةً في العديد من القضايا الدولية والإقليمية، ساعدها في ذلك وجود قيادة روسية شابة متطلعة وواعية للأولويات الوطنية وقادرة على تنفيذ سياسات الدولة بكفاءة.

§ دوافع الدور الروسى فى منطقة الشرق الأوسط

كما ذكرنا من قبل بأن الوجود الروسى فى منطقة الشرق الأوسط لم يكن لذاته بل كان عاملًا مساعدًا فى بعدين مهمين أولهما: تحقيق مكاسب داخلية على مستوى الاقتصاد والاستقرار الداخلى الروسى، وثانيهما: هو دعم ومساندة الحلفاء البحث عن حلفاء جدد وتشكيل خريطة من العلاقات التى تخدم المصالح الروسية فى المنطقة فى المقام الأول.

ويمكن إجمال هذه الدوافع على النحو التالى:

1) تسعى روسيا وفى إطار النظام الدولى الحالي إلى محاولة خلق تحالفات إقليمية ودولية وتطوير الروابط مع الحلفاء الجدد وذلك لإعتبارات متعلقة بإعادة رسم خريطة النظام الدولى فى إطار من العمل الجماعى الذى افتقده النظام الدولى خاصة بعد انهيار الكتلة السوفيتية وانفراد الولايات المتحدة وسيطرتها على المجالس الدولية والتى نسجت خيوطها لتمرير سياساتها دون الاعتبار لباقى الدول.

2) إن منطقة الشرق الأوسط تظل الحاضن الاقتصادى الأكبر بما يحتويه على مقدرات نفطية وثروات متعددة لجذب الاستثمارات العربية وخاصة الخليجية للتغلب على الأزمات الاقتصادية الروسية، بالإضافة إلى ذلك الموقع الجيوسياسى الهام للسيطرة على مجريات السياسة العالمية، فإقليم الشرق الأوسط يظل المفتاح الأكثر تأثيرًا فى مجريات السياسة العالمية.

3) الدافع الروسى المتعلق بصفقات توريد الأسلحة فى المنطقة وضحض الوجود الغربى المكثف فى المنطقة وتوجيه البوصلة تجاه روسيا لضمان تأمين حلفاءها وضمان استمرار ولائهم. حيث تشكل هذه المنطقة ساحة متوترة من التفاعلات التى قد تغير موازين المنطقة فى لحظات. فضلًا عن التحديات المتعلقة بمواجهة الإرهاب والتى أثبتت روسيا أنها حليف قوى قادر على مواجهته فى حال ظهوره.

4) محاولة روسيا لجلب بعض القوى الدولية المتناغمة معها فى طموحها للحضور بقوة على الساحة الشرق أوسطية وذلك لإبعاد الدول الأخرى المنافسة وتضييق لمساحة الوجود الغربى فى المنطقة وفى هذا الإطار تحاول روسيا مع الصين التواجد بكثافة كلا عبر أدواته سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو عسكرية، بما يضمن لهم نصيب الأسد فى الملفات الموجودة على الساحة وما يستجد.

5) العمل على إنهاك الولايات المتحدة الأمريكية وذلك عن طريق مزاحمتها فى الملفات المثارة فى المنطقة وذلك عن طريق استدراج الولايات المتحدة لإنهاكها فى الكثير من ملفات المنطقة وتشتيت انتباهها وذلك لمحاولة التغلب عليها فى العديد من الملفات الإقليمية. حيث واجهت روسيا الاستراتيجية الأمريكية الرامية إلى احتوائها باستراتيجية قائمة على التحرك العسكرى المباشر لضمان مصالحها.

ويتضح من ذلك أن الاستراتيجية الروسية تخضع لمجموعة من المحددات التى تشكل فى مجملها أساسيات صنع هذا الاستراتيجية وقد شملت دوافع ومحددات داخلية وأخرى خارجية نابعة من المصالح الاستراتيجية لروسيا الاتحادية فى الشرق الأوسط والتى تبقى فيها مؤسسة الرئاسة بقيادة الرئيس بوتين هى أبرز المحددات وأقواها فاعلية فى صنع السياسة الخارجية الروسية. هذه النقاط تعنى أن روسيا عاقدة العزم على الحضور الفعال إذا ما تطلبت مصلحتها القومية ذلك، خاصة فيما يتعلق بالمساومات السياسية مع الولايات المتحدة الأمريكية خاصة فى ظل الخلافات بينهم حول العديد من قضايا المنطقة.

§ السياسة الروسية فى الشرق الأوسط

لا يمكن فهم الدور الروسى دون فهم حركة التفاعلات التى تنسجها السياسة الخارجية الروسية فى المنطقة وذلك من خلال تشريح تفاعلاتها مع الدول وكذلك المنظمات الدولية وخريطة تحالفاتها. وفي الحديث عن المصالح والسياسة الروسية في الشرق الأوسط، تطول اللائحة بين الاقتصاد والسياسة والاستراتيجيا، لكن الواضح فى المجمل أن موسكو قد سحبت البساط بشكل واضح على الساحة من واشنطن.

1) المستوى السياسى

جاءت السياسة الروسية بتوجهات جديدة بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين كنهج جديد لا يمكن وصفه بالتغير كليًا عن ما سبقت عليه عليه ولكن يمكن القول بأنها باتت أكثر حرصًا على إعادة الوجود الروسى خاصة فى المناطق التى تشكل مواقع نفوذ سابقة منذ سقوط الاتحاد السوفيتى. ويمكن تفسير العلاقات السياسية الروسية بأنها جاءت مناوئة فى معظم مخرجاتها للتوجهات الأمريكية. فى رغبة من روسيا بإنشاء نظام عالمى ديموقراطى أو بالأدق متعدد الأقطاب.

وعلى ذلك تباينت السياسة الروسية تجاه العديد من القضايا فى منطقة الشرق الأوسط والتى كانت فى معظمها مناهضة للسياسة الأمريكية. فالسياسة الروسية فى المنطقة العربية كالسياسة الروسية تجاه محيطها الجغرافى القريب فى آسيا وأوروبا الشرقية.

فمنذ زمن بعيد كانت روسيا مشغولة البال ببناء تحالفات مع البلدان الواقعة إلى غربها وجنوبها الغربى فى ظل حالة شعور بعدم الأمان على خلفية خروج هذه الدول بعد انهيار الاتحاد السوفيتى والذى كان بسببه تناقص النفوذ الروسى على الساحة العالمية.

وقد تبلور استمرار إصرار روسيا على الإبقاء على نطاق مصالح ونفوذ لها فى الخارج القريب، حتى فى ظل الأزمة الأوكرانية بدت روسيا أيضًا مهددة بصفة خاصة فى ظل تنامى علاقات جيرانها بالاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة. وعلى الرغم من وقوع ثانى إطاحة بزعيم أوكرانى مفضل لدى روسيا خلال عقد واحد من الزمن فقد أثار هذا غضب الروس، مما دفع الروس لضم جزيرة القرم، وهو ما يفسر الشعور الروسى بعدم الأمان وميلها للهيمنة على محيطها المجاور إنما يمثل خلفية أساسية لفهم السياسة الروسية المعاصرة.

على خلاف الموقف الروسى من الأزمة السورية حيث بدت روسيا محركًا فاعلًا فى مجريات الأمور، وواثقة خطواتها، حيث عملت روسيا على تعميق تحالفاتها مع النظام السورى وحافظت على علاقات ودية مع النظام التركى المناهض للأسد، كما عمقت علاقاتها السياسية مع طهران الحليف الأكبر للنظام السورى، وجاءت سلسلة الاجتماعات والمؤتمرات فى أستانة وسوتشى بجانب محادثات جينيف ليكلل الوجود الروسى بالنجاح فى ظل رفض أمريكى وغربى لوجود النظام الروسى بقيادة الأسد، كما ساندت موسكو دمشق فى العديد من المحافل الدولية وبلورت الحلول السياسية التى تتناسب وخياراتها مع المصالح الروسية وحلفاءها. وتُعَدّ سوريا بلدًا محوريًا بالنسبة إلى التطلّعات الروسية الجيوسياسية، إذ تحتفظ البحرية الروسية بقاعدة عسكرية لإعادة التموين والصيانة في ميناء طرطوس السوري. هذه القاعدة الاستراتيجية تضمن السيطرة الروسية

فثمّة هدفان استراتيجيان كبيران هما الدافع وراء التدخّل الروسي في الصراع السوري. الهدف الأول هو تحدّي هيمنة الولايات المتحدة في الشؤون العالمية، فيما الهدف الثاني هو مساعدة نظام الرئيس السوري بشار الأسد الذى يمثل أقرب الحلفاء للنظام الروسى.

وبالنسبة إلى إيران والتى تشكل عائق أمام توجهات السياسة الأمريكية فى المنطقة خاصة فيما يتعلق ببرنامجها النووي، كان لروسيا حضور بارز فى هذا الشأن حيث وفي السياق ذاته، وضع بوتين الاتفاق الذي جرى التوصل إليه في يوليو عام 2014م، حول الملف النووي الإيراني. إلا أن مساعي بوتين لتغير نهج السياسة الأميركية، وتحديدًا أن تتعامل واشنطن مع موسكو كشريك في الشأن الدولي، لم تأت بالنتائج المرجوة، فقد كانت روسيا تحقق تقدمًا في مجال لعب دور محوري حاسم في القضايا الدولية الحساسة، كما وأخذت عبر دورها في الأزمة السورية بصورة رئيسية تحتل الصدارة في الحراك السياسي الدولي، إذا كانت في المحادثات مع واشنطن أو مع الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن مواقفها في مجلس الأمن الدولي. ويمكن القول أن روسيا عززت وجودها فى المنطقة وذلك عن طريق التعاون مع كل من القوى التى تمثل خطًا معارضًا لسياسات واشنطن هناك، بجانب ذلك عززت روسيا علاقاتها الثنائية مع مصر والسعودية وغيرها من الدول التى تمثل قوى إقليمية كبرى فى المنطقة.

وبعد النجاح الروسى الإيراني فى سوريا ومحاصرة المشروع الأمريكي، يتجه الثنائى الروسى الإيراني إلى توسعة مروحة التعاون فى الفضاءات الأخرى كالتعاون العسكرى والاقتصادي إلى جانب مزاحمة الولايات المتحدة فى الملفات الإقليمية، لإنهاء عصر القطب الأمريكي الواحد، حيث أصبح هذا الثنائى أمرًا واقعًا فى الشرق الأوسط.

وشهدت العلاقات الروسية مع مصر تطورات على صعيد العلاقات السياسية والعسكرية حيث تتعامل مع مصر منذ عام 2001م حيث شهدت مصر زيارتين من الجانب الروسى وكذلك إلى الجامعة العربية وكان هدف زيارته إظهار النوايا وعكست رغبة القيادة الروسية فى إحياء التعاون مع الدول العربية فى شتى المجالات. وبعد أحداث 30 يونيو وقفت روسيا دعمًا للدولة المصرية حيث فقدت مصر علاقاتها بروسيا خاصة وأن روسيا أعلنت فى 2003م حظر جماعة الإخوان المسلمين بسبب اتهامها بدعم التمرد شمال القوقاز، وشهدت البلدان زيارات على مستوى الرؤساء أو الوفود العسكرية كما تم توقيع عدد من الاتفاقيات بين البلدين منها إنشاء محطة الضبعة النووية، وتعزيز سبل مواجهة المخاطر الناتجة عن انتشار الإرهاب والتطرف، حيث اتفق الجانبان على أهمية تعزيز الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب.

كما أيد بوتين خطة الرئيس السيسي لتولى الحكم فى مصر، وعلى الجانب الآخر كان الكريملين يتطلع لتعزيز العلاقات مع مصر لضمان نجاح مؤتمر جنيف للسلام المتعلق بسوريا، على اعتبار أن السيسي هو خليفة الرئيس عبدالناصر الذى يقف أمام الغرب الامبريالى بالقومية العربية.

وفى ليبيا وقف الرئيس الروسى فلاديمير بوتين ضد تدخل حلف شمال الأطلسى فى ليبيا، فبعد أن كانت قد استعادت لنفسها موطىء قدم في ليبيا في نهاية التسعينات من القرن الماضي أُقصيت روسيا منها لفترة من الزمن بعد التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي والإطاحة بالعقيد معمر القذافي سنة 2011م.

ولعل زيارة القائد العسكري الليبي خليفة حفتر لحاملة طائرات روسية بمثابة دفعة رمزية له وتذكرة دخول روسيا مجددًا لليبيا وفي الوقت نفسه أظهرت اهتمام موسكو بالقيام بدور أكبر في المنطقة في أعقاب تدخلها في سوريا ويتمتع حفتر بعلاقات وثيقة مع بعض الدول العربية، كما عمل على تعزيز صداقته مع روسيا فزار موسكو مرتين لطلب العون في حملته المناهضة لفصائل الإرهابيين.

وكانت زيارته للحاملة أدميرال كوزنتسوف في البحر المتوسط أبلغ استعراض لدعمه من جانب روسيا حتى الآن، ويقول محللون إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ربما يهتم أيضًا باستعادة نفوذ بلاده في ليبيا، فقد كان الزعيم الليبي السابق معمر القذافي حليفًا قديمًا للروس.

وفى العراق عارضت روسيا الاحتلال الأمريكي وإنه يمكن تسوية القضية العراقية بالطرق السلمية، كما طالبت بإلغاء الحظر الجوى فى شمال وجنوب العراق وإيقاف الغارات الأمريكية والبريطانية على العراق، ووصفت روسيا الاحتلال الأمريكي بالانتهاك المباشر للقانون الدولى، كما رفض بوتين ما أسمته الولايات المتحدة بمفهوم محور الشر الذى طرحه جورج بوش فى وصفه العراق وإيران وكوريا الشمالية. كما أن روسيا كان لها دور مهم في تسليح العراق لمواجهة داعش، وقد ترافق ذلك مع بروز سياسة روسية خارجية واضحة المعالم تقوم على تفعيل دور روسيا على الصعيد الإقليمى والدولى بحيث لا تخضع لهيمنة أو ابتزاز.

ولعل هذه التطورات تشكل عاملًا مهمًا وحاسمًا فى فهم النهج الروسى فى السياسة الخارجية وعلى وجه التحديد النهج الروسى فى الشرق الأوسط.

2) المستوى الاقتصادى والعسكرى

لقد كان للسياسة الخارجية الروسية فى ظل حكم الرئيس بوتين عواقب اقتصادية كبيرة على النمو الاقتصادى الذى تشهده روسيا فى الآونة الأخيرة بمثابة دعامة هامة لتأكيد ذاتها، فشهد الاقتصاد الروسى قوة دافعة على المستوى الداخلى وزيادة صادرات روسيا من النفط والغاز الطبيعى كان بمثابة دفعة أخرى وحاسمة الأهمية للنمو، فقد شهدت فترات حكم الرئيس بوتين باستثناء حالة الركود العالمى فى عام 2009م، نموًا اقتصاديًا قياسيًا أدى إلى دفع البلاد إلى حالة من الاستقرار الداخلى وأتاح لها مساحة حركة كبيرة على المستوى الخارجي.

فبعد الانهيارات الداخلية والاقتصادية التى مرت بها روسيا الاتحادية بعد سقوط الاتحاد السوفيتى، تراجع بشكل ملحوظ الدور الاقتصادى لها، فلم تكن قادرة على اللحاق بركب الدول الكبرى، ولعل هذا النجاح الملحوظ على المستوى الاقتصادى أعاد لروسيا دورها الريادى فى المنطقة.

وتمثل المنطقة العربية سوقًا استهلاكيًا ذو قدرة استعابية كبيرة للصادرات الروسية من السلع الاستراتيجية والمعمرة كالآلات والمعدات والأجهزة والشاحنات والحبوب، ففي عام 2006م بلغ حجم التبادل التجارى بين روسيا والدول العربية 5.5 بليون دولار، وتأتى مصر والجزائر والمغرب فى مقدمة الشركاء التجاريين لروسيا.

وعلى سبيل التعاون والتبادل الاقتصادى بين روسيا ودول الشرق الأوسط سعت روسيا لزيادة تعاملاتها، حيث تعمل روسيا على زيادة علاقاتها مع إيران والسعودية ومصر وتركيا حيث بلغ حجم التبادل التجارى بين روسيا وإيران، فبحسب الإحصائيات الرسمية الروسية، تطور حجم الصادرات الروسية إلى إيران من 250 مليون دولار أميركي عام 1995 إلى مليار ومئتي مليون دولار عام 2013. في الجهة المقابلة، عرفت الصادرات الإيرانية إلى روسيا تحسنًا لكنه لا يصل إلى حجم العلاقة بين البلدين، فقد انتقل الرقم من 27 مليون دولار عام 1995م إلى 433 مليون دولار عام 2013م. وقد اتفق الجانبان على الرفع من قيمة التعاون التجاري بينهما من حوالي مليار وستمئة مليون دولار إلى 15 مليار دولار. كما تم توقيع بداية عام 2015م مذكرة تفاهم لتعزيز تعاونهما العسكري والدفاعي، تنص على توسيع التعاون العسكري بين البلدين والتعاون في مجال التدريب العسكري وتنظيم مناورات مشتركة ودعم الأمن الإقليمي والدولي ومكافحة ما يسمى الإرهاب والتطرف والميول الانفصالية. وفى نفس العام أعلن السفير الإيراني فى روسيا عن رغبة البلدين لتعزيز التجارة الثنائية بين البلدين لتصل إلى 70 مليار دولار.

وبالنسبة لتركيا تعتبر روسيا المورد الرئيسي لتركيا للغاز الطبيعي المستورد حيث تعتمد أنقرة على موسكو في حوالي نصف وارداتها من الغاز الطبيعي، وفي المجال التجاري وصل حجم التبادل التجاري بين الدولتين وفق آخر الإحصاءات إلى نحو ثلاثة وثلاثين مليار دولار، واتفقت موسكو وأنقرة على بناء أول محطة نووية في تركيا في مدينة مارسين بغلاف مالي يُقدّر باثنين وعشرين مليار دولار لتوليد الكهرباء حيث ستشارك شركة روساتوم الروسية في إنشاء المحطة. وصل حجم الاستثمارات الروسية المباشرة في تركيا منذ بداية العام إلى سبعمائة وخمسة وخمسين مليون دولار، وهو ما يضع موسكو في المركز الرابع عالميًا من حيث حجم الاستثمارات الأجنبية في تركيا. وجاءت روسيا في هذا المركز بعد كلّ من اسبانيا، والولايات المتحدة الأميركية ثمّ هولندا. كما أنجزت تركيا وروسيا اتقاقًا لشراء منظومة صواريخ “إس 400 الروسية” فى تحد كبير أمام حلف الناتو التى تدخل فى عضويته تركيا والذى بشأنه يعمق ويعزز الوجود الروسى اقتصاديًا وعسكريًا.

وتعتبر مصر من أهم المقاصد السياحية للسياح الروس. أما الاستثمارات المباشرة المتبادلة بين الدولتين فإنها شديدة التدنى ولا تتناسب مع الإمكانات المالية لروسيا ولشركاتها، ولا مع فرص الاستثمار الهائلة المتاحة فى مصر. وإذا بدأنا بالعلاقات التجارية المصرية-الروسية فسنجد أنها تطورت كثيرًا فى السنوات الأخيرة، لكنها تبقى أقل كثيرا من الإمكانات المتاحة لتطوير هذه العلاقات.

ويمكن القول أن هناك تحسن فى العلاقات الاقتصادية مع مصر بشكل ملحوظ فى السنوات الأخيرة، كما نمت التجارة بين البلدين إلى ما يقارب 50% خلال هذه الفترة، لتصل إلى أكثر من 4.5 بليون دولار عام 2014م، وهو ما يعنى أن روسيا تقدم ما يصل إلى 40% من دخل مصر، وعلى الرغم من حادثة إسقاط الطائرة الروسية بفعل عمل إرهابى، كما أنمصر ستحصل على أنواع مختلفة من الأسلحة الروسية في مقدمها منظومة صواريخ من طراز إس 300، وبوك وتور إم وان، في صفقة يبلغ إجماليها حوالى 3 بلايين دولار وفى تطور آخر عقدت مصر وروسيا مناورات عسكرية بحرية فى الإسكندرية، عوضًا عن سماح مصر لروسيا باستخدام قواعدها والواقع أن بوتين يعتبر التوسع البحرى الروسى أولوية هامة بما فى ذلك استعادة الوجود البحرى الروسى فى البحر الأبيض المتوسط وتحالفه مع مصر سيحقق له هذا الغرض. إن روسيا ومصر اتفقتا على تطوير وتوسيع التعاون العسكري الفني بينهما… وتدرسان إمكانية إقامة منطقة تجارة حرة مع الاتحاد الجمركي الذي تقوده موسكو، والذي يضم أيضًا روسيا البيضاء وكازاخستان، ولعل زيارة الرئيس بوتين إلى القاهرة مؤخرًا عملت على زيادة التفاهمات ومساحة التوافق بين البلدين.

ويضاف إلى كل ذلك أن دول الشرق الأوسط هم أكثر الزبائن لشراء السلاح الروسى حيث تعتبر سوريا أكبر المستوردين للسلاح الروسى، حيث زودت موسكو دمشق بمعدات عسكرية تصل إلى 26 مليار دولار كما ساهم الاتحاد السوفيتى سابقًا فى بناء الترسانة الكيميائية السورية، عوضًا عن ما حددته روسيا تجاه سوريا فى شأن إعادة الإعمار بقيمة مئتي مليار دولار، والتي سترعاها روسيا مع كوريا الشمالية والصين وإيران. إضافة إلى التنقيب عن الغاز والنفط في البحر، والذي كانت قد بدأته موسكو بموجب اتفاق مع وزارة النفط السورية بقيمة 90 مليون دولار.

وفى عام 2012م وقع الكرملين على صفقة مع الحكومة العراقية تصل قيمتها إلى 4 مليار دولار، ويعد هذا الاتفاق أكبر صفقة تمت بدفعة واحدة فى عهد بوتين، حيث ساهم هذا الاتفاق فى جعل العراق ثانى أكبر مشتر للأسلحة الروسية.

كما اتفقت السعودية وروسيا خلال زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود إلى موسكو فى أكتوبر 2017م، على توريد عدد من أنظمة التسليح، حيث وقعت وزارة الدفاع السعودية مع روسيا عقودًا لتوريد نظام الدفاع الجوي المتقدم (S-400)، وأنظمة (Kornet-EM)، وراجمة الصواريخ (TOS-1A)، وراجمة القنابل (AGS-30)، وسلاح (كلاشنكوف AK- 103) وذخائره. ووقعت السعودية مذكرة تفاهم مع روسيا لزيادة توطين الصناعات العسكرية.ويمكن القول بأن طرق الرياض أبواب موسكو عبر مطرقة صفقات التسليح والشراكة الاقتصادية يهدف إلى نية السعودية توسيع دائرة علاقاتها الخارجية مع روسيا بعد موجات المد والجذر في العلاقات بين الجانبين.

لعل تلك العوامل السابق ذكرها مهدت الطريق لروسيا لاستعادة جزء كبير من دورها على الساحة الدولية، وتنطلق روسيا فى هذا الدور من الحفاظ على مصالحها فى مناطق نفوذها الرئيسية والعمل على فتح أطر جديدة للعلاقات فى الفترات القادمة.

المراجع

1- إيغور دولانويه، ليبيا: الورقة الروسية الجديدة، أورينت، بتاريخ 23 شباط (فبراير) 2017، على الرابط:

http://orientxxi.info/magazine/article1731

2- هيفاء زعيتر، كيف جمع الروس الأعداء معا واستعادوا نفوذهم فى الشرق الأوسط، بتاريخ 15/2/2017، رصيف 22، على الرابط:

https://raseef22.com/politics/2017/02/15/%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%B0%D8%A8%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%82%D8%A8/

3- محمد أحمد أبو سعدة، تنامى الدور الروسى فى المنطقة الإقليمية،بتاريخ 8 مايو 2014م، على الرابط:

http://www.howgaza.org/arabic/2010-05-07-06-29-38/2010-05-07-07-01-31/418-2014-05-08-13-20-21.html

4- نجاح مدوخ، تاسيتسة الخارجية الروسية تجاه منطقة الشرق الأوسط فى ظل التحولات الراهنة : دراسة حالة سوريا 2014/2014، أطروحة ماجيستير، طلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة محمد خيضر، بسكرة، 2015م

5- عامر عبدالفتاح أحمد، السياسة الخارجية الروسية تجاه ليبيا وسوريا وأثرها على التحولات والتنمية السياسية فى البلدين منذ عام 2011- 2014، أطروحة ماجيستير، كلية الدراسات العليا، جامعة النجاح الوطنية، فلسطين، 2015م.

6- أوليسيا وآخرون، السياسة الخارجية الروسية فى السياقين التاريخى والحالى، مؤسسة راند، 2015م، على الرابط: www.rand.org/t/peu144

7- عز الدين عبدالله أبو سمهدانة، الاستراتيجية الروسية تجاه الشرق الأوسط، دراسة حالة القضية الفلسطينية 2008 – 2008، أطروحة ماجيستير، كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية، جامعة الأزهر، فلسطين.

8- آنا بورشيفكايا، روسيا فى الشرق الأوسط: الدوافع والآثار والآمال، مركز إدراك للدراسات والاستشارات، بتاريخ 22 مارس 2016م

9- رزسيا تبحث عن دور فى ليبيا عبر بواية حفتر، العين، بتاريخ 17/1/2017م، على الرابط:

https://al-ain.com/article/russia-libya-khalifa-haftar

10- باسم راشد، المصالح المتقاربة: دور عالمى جديد لروسيا فى الربيع العربى، مكتبة الإسكندرية، وحدة الدراسات المستقبلية، 2013م.

11- ديميترى تيرنين، المصالح الروسية فى سوريا، معهد كارنيجى، بتاريخ 14 يونيو 2014م، على الرابط: http://carnegie-mec.org/2014/06/11/ar-pub-55899

12- الناصر دريد سعيد ولقمان حكيم رحيم، دوافع التدخل الروسى فى الأزمة السورية، مجلة جامعة التنمية البشرية، المجلد 2، العدد 4، ديسمبر 2016م، ص ص 75-106.

13- طه عبدالواحد، روسيا القوة العالمية وقيادة بوتين، جريدة الشرق الأوسط، العدد 13911، بتاريخ 29/12/2016م، على الرابط:

https://aawsat.com/home/article/817456/%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A7-%C2%AB%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9%C2%BB-%D9%88%D9%82%D9%8A%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A8%D9%88%D8%AA%D9%8A%D9%86

المصدر/ المركز العربي للبحوث والدراسات



الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.