جمعية غيرنزي للأدب وفطيرة قشر البطاطا.. ولادة حياة جديدة من فوضى الحرب

الخميس 28 كانون ثاني/يناير 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

 

خاص: قراءة- سماح عادل

رواية (جمعية غيرنزي للأدب وفطيرة قشر البطاطا) للكاتبتين  البريطانيتين (ماري آن شيفر وآني باروز) تحكي عن الحرب العالمية الثانية، وتداعياتها على الإنسان، لكن في حكي يحوي كثير من التفاصيل والمشاعر الإنسانية، ويصور كيف تم تجاوز وحشية الحرب بالتكاتف الإنساني.

الشخصيات..

جولييت آشتون، البطلة، وهي كاتبة بريطانية شابة، اشتهرت بكتابة المقالات، وكان لها كتاب شهير عن تأثير الحرب العالمية الثانية على بريطانيا، يبدأ في مراسلتها شاب من جزيرة غيرنزي التابعة للحكم البريطاني، مبديا إعجابه بكتابها ثم تتعرف على هذه الجزيرة ومعاناتها وقت الاحتلال الألماني النازي لها.

دوزي آدمز: هو الشاب الذي يعيش في الجزيرة والذي أرسل رسالة إلى جولييت، وهو مزارع بسيط يعيش وحده، لكن لديه مجموعة من الأصدقاء الذين جمعتهم ظروف الحرب.

ماركام لينو ليدز: شاب أمريكي ثري، يعجب بجولييت ويسعى للزواج منها لكنها ترفضه في النهاية رغم وسامته وأناقته وثرائه.

سيدني: الناشر وصديق جولييت، ويعد بمثابة أخيها الأكبر حيث توفى والداها هي صغيرة ووجدت في سيدني وأخته عائلتها الجديدة.

صوفي: أخت سيدني، تعرفت عليها جولييت حين أودعها عمها إحدى المدارس الداخلية وأصبحت صديقتها المقربة الوحيدة.

اليزابيث: سيدة طيبة، تعاون الجميع في جزيرة غيرنزي وتساعدهم، ويتم القبض عليها بسبب مساعدتها لأحد العمال وتودع في معسكر اعتقال نازي وتموت رميا بالرصاص.

وشخصيات أخرى داخل الرواية.

الراوي..

تتميز الرواية أنها تعتمد بشكل كلي على الرسائل، لذا فهي تعتمد في الحكي على تعدد الأصوات، حيث تحكي جميع الشخصيات من خلال رسائلهم المتبادلة، والحكي بضمير المتكلم، وكل يحكي عن أحداث مرت وعن الحرب وتأثيراتها، ويستنتج القارئ مشاعرهم وانفعالاتهم وما يشعرون به.

السرد..

الرواية مميزة، محكمة البناء، تقع في حوالي 330 صفحة من القطع المتوسط، يعتمد السرد على الرسائل المتبادلة بين الشخصيات وهذا أحد تفاصيل تميز الرواية، حيث حكي محايد لكنه محمل بكثير من المشاعر والأحاسيس والأفكار التي يستنتجها القارئ من الخطاب الخاص للرسائل، وقد استعانت الرواية بيوميات إحدى الشخصيات التي تسعى لأن تكون محققة بوليسية لسد فجوات في السرد. والنهاية سعيدة، والسرد في مجملة يتناول موضوع الحرب بشكل ايجابي.

تناول هادئ..

تتميز الرواية بأنها تحكي عن الحرب بطريقة شيقة وإنسانية، فهي لا تعدد التفاصيل الوحشية وتفاصيل القتل والذبح والمعاناة مثل روايات أخرى بحيث تحتشد التفاصيل الوحشية محدثة صدمة للقارئ ومعاناة ربما، وإنما تتناول تداعيات الحرب بهدوء وسلاسة وحزن لكنه حزن هادئ، حيث تحكي الشخصيات في الرسائل بحياد تام، عن حرب انتهت ومرت، وأناس تم قتلهم في معسكرات الاعتقال مثل إليزابيث أو تعرضوا لمعاملة وحشية وظلوا على قيد الحياة مثل ريمي، أو عانوا الجوع والعوز مثل باقي الشخصيات على جزيرة غيرنزي الذين عانوا من شح المواد الأساسية من طعام وصابون وملابس.

“جولييت آشتون” شابة عانت من فقدان والديها وهي في سن صغيرة وعاشت مع صديقة لها، وعملت في محل لبيع الكتب، ثم وعن طريق المصادفة أصبحت كاتبة مقالة شهيرة في لندن ثم نشر لها كتاب ناجح عن الحرب العالمية الثانية وتأثيرها على بريطانيا. تحكي عن تحطم شقتها التي أحبتها لأنها تطل على النهر في لندن واضطرارها للعيش في شقة أخرى مؤجرة، وهي تكسب جيدا من الكتابة. تأتيها رسالة من شاب في جزيرة غيرنزي يعبر عن إعجابه بكتابها ويسألها عن مؤلف آخر شهير ومن هنا تبدأ التعرف على ما فعله الألمان ب جزيرة غيرنزي وسكانها حين يشير في كلامه إلى جمعية للأدب أنشئوها وقت الحرب.

وحشية الألمان..

ثم تفكر في الكتابة عن تلك الجمعية ويراسلها باقي أفراد الجمعية لتتكشف الحقائق، ونعرف تفاصيل وحشية الألمان الذين احتلوا الجزيرة بعد هروب الانجليز ورفضهم الدفاع عنها. ويجد سكان الجزيرة أنفسهم تحت رحمة الألمان القساة، وهم مزارعون لا يجيدون الدفاع عن أرضهم أو الحرب، وتعرض عليهم بريطانيا إيواء أطفالهم، وهذه معاناة حيث يضطرون إلى ترك اطفالهم وتسفيرهم في سفن إلى بريطانيا قبل مجيء الألمان.

ثم يحرمون من الطعام حيث يحصي الاحتلال الألماني الخنازير والدجاج والحيوانات التي يربونها، كما يحصون الزرع وينهبون كل ذلك ويتركون القليل لسكان الجزيرة ليعيشون منه، ويحرمون من أبسط أساسيات الحياة الإنسانية من صابون للاغتسال أو ملابس أو أحذية، ويعيشون طوال سنوات الحرب في جوع شديد حتى أنهم في وقت أصبحوا لا يجدون الملح.

لكن الفقر والجوع يساهم في اقتراب السكان من بعضهم البعض، وظهور روح التكاتف والتعاون بينهم، حتى أنهم يساعدون عمال السخرة الذين يجلبهم الألمان إلى الجزيرة للقيام بالأعمال الشاقة.

وتتميز إليزابيث برقة القلب حيث تساعد الجميع، وتحاول التقريب بين الجميع وهي صاحبة فكرة إنشاء جمعية الأدب بعد أن أمسكهم الألمان وهم خارج منازلهم بعد حفلة شواء سرية لأحد الخنازير المهربة، فابتكرت تلك الفكرة ليتخلصوا من عقاب الألمان وتصبح الجمعية أشبه بجماعة دعم للناس، يتقابلون ويقرأون ويتبادلون الأحاديث ويدعمون بعضهم البعض.

منهم المرأة العجوز الوحيدة، والشابة التي لم تتزوج والرجل الذي فقد ابنته وتبقى له حفيد، والسكير الذي يعاني من الوحدة، والخدم الذين تركهم الأغنياء وهربوا، والمزارعين الذين يحاولون بناء حياتهم بعد تخريب الألمان.

ماتت إليزابيث في معسكر اعتقال ألماني لأنها غضبت من ضرب إحدى الحارسات لفتاة ضعيفة فهاجمت الحارسة، وقد أطلقوا عليها الرصاص تاركة طفلة صغيرة كانت قد أنجبتها نتيجة علاقة حب مع جندي ألماني تعرفت عليه في جزيرة غيرنزي.

وهنا تتطرق الرواية لنقطة هامة وهي أن بعض الجنود الألمان لم يكونوا قساة القلوب، بل منهم من كان يتعامل بإنسانية مع أهالي الجزيرة، يترك بضع حبات البطاطا تسقط من عربات تحميل الطعام، أو يترك بعض قطع الفحم.

منهم من كان يساعد السكان في بعض الأعمال الشاقة مثل كريستيان الذي أحبته إليزابيث، فليس كل الجنود قساة وإنما هم يعانون أيضا من الجوع ومن تخبط قرارات السادة، ومنهم من ينضم إلى صفوف الحرب مجبرا على ذلك، ويود لو تنتهي الحرب لكي يعيش حياة إنسانية.

ولادة من رحم الموت..

يتولى أفراد جمعية غيرنزي للادب رعاية طفلة إليزابيث بعد أن تم القبض عليها لأنها ساعدت طفلا من عمال السخرة، وكلهم يعاملونها بود. ثم تقرر جولييت أن تذهب إلى الجزيرة لكي تكتب عنها عن قرب لكنها تصبح واحدة منهم، تحبهم ويحبونها وتحبها طفلة إليزابيث حتى أنها تقرر أن تربيها كطفلتها، وترفض الزواج من الأمريكي الثري لأنه يتبين لها أنه قاسي القلب وأناني.

وتقع في حب دوزي ولا تعرف هل هو مهتم بها أم ماذا. وبعد وقت طويل من الحيرة تكتشف أنه يبادلها نفس المشاعر وتطلب الزواج منه لتنتهي الرواية بزواجهما.

الرواية تحكي عن إمكانية تجاوز الحرب رغم وحشيتها، فهي في النهاية ستنتهي، ويمكن ترميم الخراب والفوضى كما ترمم البيوت المهدمة ويعاد تصليحها، كذلك القلوب الجريحة بفقدان أقرباء أو أصدقاء يمكن ترميمها، ويمكن التعامل مع المصائب بود وتعاون ورحمة، فالأطفال الذين تركهم آبائهم نتيجة لفقدانهم في الحرب يجدون أهالي آخرين يعطونهم الرعاية والحنان والاهتمام، والعجائز يجدون من يساعدهم. أجادت الكاتبتين البريطانيتين في تصوير أن الحرب ووحشيتها ليست نهاية العالم وإنما هناك إمكانية لولادة حياة جديدة بعد انتشار الموت والخراب.



الانتقال السريع

النشرة البريدية