ثقافة الإحالة ومأزق الحرية

الأربعاء 27 كانون ثاني/يناير 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

خاص : بقلم – د. رضا خالد :

مفكر تونسي؛ له العديد من الداسات الفكرية في الحركات الإسلامية

الثقافة العربية ثقافة إحالة على جملة تؤيد موقفًا أو تحسم خلافًا. قد تكون الجملة المعنية آية أو جزء من آية أو حديثًا منسوبًا للنبي أو قولاً سالفًا لخليفة أو صحابي أو تابعي أو فقيه أو متكلم أو صوفي.

وقد تكون بيت شعر أو مثلاً سائرًا.

فالمهم أن يستشهد بها لتقوم مقام الدليل والحُجة القاطعة والبرهان الذي لا يجادل.

تقوم ثقافة الإحالة بديلاً عن مقارعة الحُجة العقلية بحُجة عقلية تقابلها. وتعتمد على الذاكرة وقوة استحضار الشاهد بدل التفكير المبني على ربط منطقي بين المقولات الصادرة عن هذا الطرف أو ذاك.

وهي ثقافة تستدعي التكرار أكثر من الإبتكار والحفظ أكثر من التحليل والاستنتاج. بل إنها تأنف الجديد لخروجه عن المألوف وتمرده على القول المكرس.

وإذا كانت ثقافة العصر تتخذ شعارًا لها؛ إن لم يكن قولك يحمل جديدًا فكلامك لا يفيد شيئًا، فإن شعار ثقافة الإحالة هو إن كان قولك جديدًا لم يقله أحد من السابقين فلا فائدة في الاستماع إليك.

لذلك يصعب على من تربى على ثقافة الإحالة أن يفهم خطابًا مجردًا من كل إحالة. ومن هنا نفهم كيف أن رجلاً مثل “الشهرستاني” تم نقده على كتابه (الملل والنحل) بحُجة أن الكتاب خلا من الإحالة إلى آية أو حديث.

ونفهم كيف ظلت (مقدمة ابن خلدون) مهملة قرونًا طويلة، وكيف عانت كتب فلاسفة المسلمين من الغربة في ديار الإسلام.

ولذلك تروج كتب الإحالة وتزدهر خطابات من يرددون ولا يجددون ويكررون ولا يبتكرون. ويصعب على من قطع مع الإحالة أن يجد أذانًا صاغية. بالمقابل يسهل على أبطال الإحالة ترويض النفوس وتوجيه الضمائر لأن الإحالة لها قوة القداسة وجبروت التاريخ وغطرسة التقليد.

في ظلها ينتفي الفكر النقدي، فالمطلوب ليس فحص ما يقال بل الإذعان والتسليم.

فثقافة الإحالة تصنع جنودًا طيعين لمعارك حقيقية أو وهمية وتحشدهم ضد الخصوم بمناسبة وبغير مناسبة.

ولربما أحرزت انتصارًا هنا أو هناك. لكنها خسرت مسبقًا أم المعارك وأشرفها، أعنى بذلك معركة الحرية والكرامة.

فلا تحرر ولا تقدم ولا عزة يمكن أن تتحقق بأناس سلموا عقولهم وارتضوا أن يساقوا كما تساق الأنعام.



الانتقال السريع

النشرة البريدية