تركيا الأمة الغاضبة

الأربعاء 29 آذار/مارس 2017
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

مقدمة
يهتم المؤلّف بالنظام السياسي للحكم التركي الحالي تحت قيادة رجب طيب أردوغان منذ أن اعتلى حزب العدالة و التنمية مقاليد تسيير شؤون الدولة. فقد أعطى شهر نوفمبر 2002 أملا للجماعات الإسلامية في مختلف بلاد العالم العربي والاسلامي إمكانيةتولى الحكم حزب إسلامي اطلق انصاره عليه “حزب المحافظين المعتدلين”. كانت الانتخابات منعطفا واملا في المنطقة وانموذجا مختلفا، مثلما أعطت الثورة الإسلامية في إيران من قبلُ الأمل في تلك البلاد سنة رغم انها مثّلت حدثا طارئا على السّياسة الدولية سنة 1979.
نهايات الدولة العثمانية وقيام الجمهورية التركية
حكم السلاطين العثمانيون من العاصمة “القسطنطينية” وعلى مدى خمسة قرون تقريبا آسيا الصغرى والبلقان وجزءا كبيرا من العالم العربي، وحينما بلغت قوة الإمبراطورية ذروتها في القرن 16، استطاعت التمدد من النمسا والمجر إلى رومانيا والقِرم في أوروبا والجزائر في جنوب المتوسط ص60. تأثر العالم العثماني أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين بالهزائم العسكرية و خسارة أجزاء من ارض الدولة. فالإمبراطورية الإسلامية تحققت في بعض الدول الأوروبية وبدت عاجزة أمام النزعة التوسعية العدوانية للقوى الاستعمارية الصاعدة. فقدت هذه القوة تفوقها، فلم تعد تكنولوجيتها العسكرية القديمة قادرة على الصّمود في وجه الجيوش الأوروبية الأكثر تقدما، وفشلت قاعدتها الزراعية في المنافسة مع التوسع الرأسمالي الأوروبي النشيط في بداياته. ومع السلطان سليم الثالث، وبالتزامن مع الثورة الفرنسية، دخل عصر الإصلاح ومفردات الحداثة إلى الأراضي العثمانية ص61-79 . وشهدت الفترة من (العشرينيات-1946م) نشأة الجمهورية التركية عام 1923م تحت قيادة “مصطفى كمال أتاتورك” التي سرعان ما تحولت إلى دولة حزب واحد تسلطية، ولكنها ذات أجندة تحديثية مثيرة. على مستوى الاصلاح التشريعي صيغت القوانين بلغة حديثة، و عنيت بعض القوانين الجديدة بمسائل ذات الطابع الرمزي الى حد بعيد مثل قانون غطاء الراس لسنة1925 الذي حظر ارتداء. غير ان الاكثر تاثيرا كانت تلك القوانين الكثيرة التي بدا تطبيقها في منتصف العشرينات، و استهدفت اعادة تشكيل عالم الحياة اليومية للمواطنين بما يتماشى مع مجتمع علماني حديث. ففي مارس 1927 تم إغلاق جميع المدارس الدينية ليحل محلها نظام تعليم رسمي علماني موحد، و لكنه لم يصل إلا إلى شريحة صغيرة في المجتمع ص73. وتم إغلاق كل الاخوانيات الصوفية و التكايا. وتم إدخال التوقيت الدولي و التقويم الميلادي بالغاء عطلة الجمعة الإسلامية وإحلال يوم الأحد الراحة المسيحي محلها. وحل التقويم الجريجوري محل التقويم الهجري و التوقيت الأوروبي محل التوقيت التركي المبني على الصلوات و الذي أصبح جزءا من الماضي. وفي عام 1928 تم حظر استخدام الخط بالحروف العربية.ص76 ص78 تمكنت الثورات التي قام بها النظام الكمالي من بناء خطاب الحداثة القومية الذي لا يزال مهيمنا على المجادلات في تركيا حتى اليوم و ان كان بدرجة متناقصة غير أن الإصلاحات لم تخلق أول الأمر سوى طبقة رقيقة من الحداثة انحصرت غالبا في الطبقات المتوسطة الحضرية بغرب تركيا و تم التعبير عنها في القيم التسلطية لدكتاتوريات العصر. ص86 مع نهاية الحرب العالمية الثانية، أدركت النخب نفسها مدى الحاجة إلى التغيير حيث شعروا بالتطويق من جانب روسيا السوفييتية الستالينية، فضلا عن تنامي السخط الشعبي على النظام فتخلوا عن سلطاتهم الدكتاتورية و فتحوا الطريق أمام إجراء انتخابات تنافسية مفتوحة. غير أن الدولة الحارسة الموازية استمرت في تحريك الخيوط من وراء المسرح من خلال حملات العنف الجمهوري المنظّم أو في شكل انقلابات عسكرية وضغوط غير مباشرة على الحكومات المنتخبة و تباطأت التنمية الصناعية في ظل العنف المتصاعد و عدم الاستقرار. و لكن البلد يتغير تغيرت كبيرا من خلال الهجرة الكبيرة من الريف إلى المدينة. كماأصبحت تركيا في تلك الفترة بلدا ممزقا تفاقمت فيه صراعات كثيرة من جراء التدخلات غير المكترثة من جانب الدولة الحارسة .ص103
الانقطاع عن الوعد
الفرصة الضائعة 1980-1991. مثّلت سنة 1989 الحدث الأكبر في تاريخ أوربا الشرقية، بل من أعظم اللحظات المحددة لتاريخ العالم. فقد قادت إلى انهيار ايديولوجية و نظام عالمي قائم على القطبية الثنائية. وكانت تركيا جزءا من هذه اللحظة التاريخية وحتى ولو بالصدفة. ففي 9 نوفمبر 1989 سلَّم الجنرال “كنعان أيفرين” قائد انقلاب سبتمر السلطة إلى الرئيس المنتخب ديمقراطيا “تورجوت اوزال” كأول مدني على الإطلاق يتولى هذا المنصب منذ تأسيس الجمهورية. ص106 تمثلت الديناميكية الرئيسية لهذا العصر في الصراع بين فاعلين اثنين: حكومة “تورجوت أوزال” المنتخبة، وحزب “الوطن الأم” الذي يترأسه من ناحية، والدولة الحارسة (الجيش والقضاء والبيروقراطية وممثليهم في الحقل السياسي) من ناحية أخرى. وقد تشكل هذا الصراع وفق 3 عوامل مهمة: الحكم الرسمي للجيش في الفترة (1980-1983م)، وقبضه على السلطة حتى سقوط الجنرال “إيفرين” كرئيس عام 1989م، وهو ما ضمن تقليص صلاحيات الحكومة. و ثانيها احتضان “أوزال” بخلفيته الأيديولوجية في الإسلام السياسي للحظات التحول الإسلامي للجنرالات. و ثالثها توطيد “أوزال” سلطته في الثمانينيات واقترابه من تحدي الجنرالات، فقد بدأ يظهر ميلا للحكم المتسلط والسياسات غير الليبرالية، إلى جانب الفساد السياسي والمحسوبية. و قد “تمكن “أوزال” عبر تحقيق معدلات نمو تجاوزت 5% من خفض معدل التضخم من ثلاثة أرقام إلى رقم واحد، والأهم أنه فتح الطريق أمام نشوء طبقات اجتماعية جديدة”.ص108-119
وضع الجنرالات خطة كاملة تقريبا لعودة الحكم المدني بعد ثلاث سنوات من الحكم العسكري المباشر وذلك بإجراء انتخابات بين ثلاث أحزاب منهما حزبان انشأها المجلس العسكري. أما الحزب الثالث الذي سمح له مجلس الأمن القومي بالمنافسة ولو فقط من أجل المظهر الديمقراطي للمنافسة فكان “حزب الوطن الأم “و الذي بدا اقل من أن يفسد حسابات الجنرالات. و لكن انتخابات ديسمبر 1983 جاءت مفاجأة مفزعة لهم، حيث فاز الرجل الوحيد الذي لم يروا انه مناسب لتولى المنصب، و هو التكنوقراطي ووزير الاقتصاد المؤقت في سنوات الانقلاب “تورجوت اوزال” و الذي حصل على 45 % اصوات الناخبين رغم انه كان الخيار الوحيد الذي لم يشجعه الجيش ص119. فمن خلال تقليص التدابير الحمائية، وإنهاء احتكارات الدولة، سهل نشوء طبقة جديدة من الرأسماليين الصناعيين في مدن الأناضول، وتم استثمار رأسمال كبير في بضعة مراكز للإنتاج الصناعي في إسطنبول وما حواها، و”أزمير” و”أطنوة”، ومن ثم عرف برأسمال إسطنبول. هناك تحول آخر لم يؤد فحسب لتغيير الاقتصاد التركي وإنما مشاعرها أيضا وهو ما حدث في قطاع السياحة. فبعدما كان نشاطا هامشيا أواخر السبعينات وتعثر بسبب أوضاع التناحر السياسي، و حيث بلغ إسهام هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي حوالي 200 مليون دولار امريكي فقط و لكن ايرادات السياحة في عام 989 وصلت إلى 3 مليارات دولار عام 1989 وتضاعف عدد المنشات السياحية لتبلغ اكثر من 1000. أما عدد الزائرين فقد تضاعف ثلاث مرات من 1.5 مليون زائر إلى 5 ملايين زائر سنويا .ص 121- 123فقد كانت معظم المدن الأناضولية مراكز للتجارة، وتستضيف في أحسن الأحوال مشروعات صناعية مملوكة للدولة، كان من أدوارها خلق فرص العمل.لم يكن للجنرالات من صديق سوى الجيش الأميركي وحلف الناتو، بيد أن “أوزال” بمجرد أن أصبح في السلطة اهتم شخصيا بالسياسة الخارجية، وسعى لاستعادة وضعية تركيا دوليا خطوة خطوة بعد الدمار الذي لحق بها، فأعاد الانفتاح على العالم العربي الذي فشل الحكم العسكري في الاحتفاظ به، خاصة فيما يتعلق بالتجارة الثنائية وتصدير الخدمات، في صورة شركات التشييد التركية. وأخذت العلاقات مع أوروبا بوجه عام بالتحسن ولكن ببطء .ص129-131
فعندما شعر “اوزال” بعدم قدرة السلك الدبلوماسي التركي على الانخراط في سياسة هجومية في الحرب الباردة بادر شخصيا بإنشاء وكالات حكومية لتكون قنوات لانخراط تركيا مع البلدان المجاورة و ما بعدها ص134 .مع ذلك ، لم يستطع” اوزال” احتواء الحرب الكردية وما عرفته من انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، كما لم يملك القوة الكافية لمحاسبة جلادي انقلاب سبتمبر. وعندما انتخب رئيسا، حكم البلاد من خلال رئيس وزرائه التابع “يلديران اكبولوت” ولكن تحتم عليه فيما بعد أن يتنازل عن الكثير من سلطاته عندما خسر حزب الوطن الام انتخابات 1991 . وقد ظل يحاول حتى وفاته عام 1993 من اجل دفع تركيا نحو الانخراط النشيط مع البلدان المجاورة. غير أن السياسة في تركيا وقعت في التسعينات مرة أخرى تحت قبضة الجيش و بروز طبقات اجتماعية جديدة ستلعب دورا أكثر أهمية في قادم السنين .ص138
العِقد الضّائع
هي سنوات مرّت منذ هزيمة حزب اوزال” الوطن الام ” في انتخابات 1991 حتى النصر الانتخابي الذي حققه حزب العدالة و التنمية في نوفمبر 2002. اذ ان تحرير الاقتصاد التركي والانفتاح الحذر في المجال السياسي و انخراط “اوزال” النشط في عالم ما بعد الشيوعية الذي نشأ بعد 1989 و تراجع الجيش و الدولة الحارسة .كل عمليات التطبيع المعتدل هذه تم قطعها . بدلا منها اختارت الحكومة الائتلافية الضعيفة التواطؤ مع الجيش و المافيا و مئات القتلة المأجورين بهدف واضح هو محاربة حزب العمال الكردستاني و شن حرب والإرهاب الفعليين ضد مواطنيها. ص139
شهد “العقد الضائع” (1991-2002م) ثماني حكومات ائتلافية، وحكومتي حزب واحد لم يدم عمر الواحدة منهما خمسة أشهر. وفي الواقع، فإن كل الحكومات كانت محدودة الفاعلية، حيث أصبح البرلمان في أنقرة مسرحا لاقتتال سياسي عقيم، ولتقاسم المالية العامة بين المحسوبيات المختلفة. أدار الجيش والشرطة الحرب ضد حزب العمال الكردستاني الانفصالي، ولكن هذه الحرب تحولت باطراد إلى حرب ضد الشعب الكردي ككل. واستهدفت التنظيمات السرية، مثل المركز الدّركي للاستخبارات ومكافحة الإرهاب، والفرقة الخاصة، إلى جانب القتلة المأجورين ومقاتلي حزب الله الذي ترعاه الدولة وحراس القرى. كما استهدفت المثقفين والمعتدلين الذين يمكن أن يلعبوا دور الوسيط بين مطالب الحد الأقصى التي رفعها حزب العمال الكردستاني، خاصة مطلب الاستقلال وبين إصرار الدولة التركية على وحدة التراب.ومن ثم، فإن عمليات القتل خارج القانون، والتدمير الكلي للقرى، وانتهاكات حقوق الإنسان قد بلغت مستويات لم تعرفها تركيا منذ الفظائع التي ارتكبت أوائل القرن العشرين. لقد غلب على العقد من نهاية حكومة الوطن الأم بعد الانقلاب و حتى الائتلاف الثلاثي برئاسة “أجاويد” العودة القوية لحراس الجمهورية و تدخلهم في السياسة و المجتمع. و نتيجة لهذا انشق المجتمع الى شقين المحافظات الكردية التي حُكمت بحالة الطوارئ القاسية و الشق الثاني في بقية المحافظات التي عرفت سياسة ديمقراطية. ولكن كان يمتد اليها احيانا عنف حالة الطوارئ. عمليا لم يكن بإمكان احد الإفلات من الاعمال الوحشية التي انتشرت في تركيا بالحرب و السلوك التعسفي للدولة هذا في وقت لم تكن تركيا قد شفيت بعد من جراح الارهاب المصاحب لانقلاب 1980. ص185
غير ان التآمر لم ينجح. فمع نهاية العقد كان البلد مستعدا للسير في مساره الطبيعي فاتخذت خطوات حذرة باتجاه الاصلاح تحت قيادة ائتلاف ثلاثي متنافر. و قد عاشت تركيا في سنوات الثلاثية الرهيبة من 1999 إلى 2003 زلزال مرمرة الذي لم يكتف بقتل قرابة 40 الف . و إنما دمر ايضا قلبها الصناعي و عاشت انهيار كاملا لاقتصادها و نظامها المصرفي و الإذلال العام لكل طبقتها السياسية التي افتضح فسادها و عجزها عن تحدي إملاء الجنرالات و ليست هناك مبالغة في القول في تبدد ثقة الشعب في وطنهم الذي عرفوه. و كلما تعمقت الأزمة تزايدت ضغوط المواطنين من اجل التغيير. ص 186.
العدالة والتنمية 2002-2007
بالانتخابات لاغير، التي خلقت في نوفمبر 2002 لحظة حاسمة. ففي ضربة واحدة ، فقد 90 % من أعضاء البرلمان مواقعهم. كما فشلت كل الأحزاب البرلمان السابق في تخطي عتبة 10 % اللازمة للتمثيل. و ادى هذا التغيير شبه كامل في النخب السياسية الى نشأة برلمان من حزبين فقط. فحصل الشغب الجمهوري بقيادة “دينيس بايكال” على ثلث مقاعد البرلمان بنسبة 20 % تقريبا من الاصوات . اما الفائز الاكبر فكان الوافد الجديد حزب العدالة و التنمية الذي قطع قادته صلاتهم بحزب السعادة الاسلامي بعد حظره عام 2001. و قد حصل الحزب على بقية مقاعد البرلمان بنسبة 35% من الاصوات. و سيشكل قائدا هذا الحزب المشهد السياسي في العقد التالي، و هما “عبدالله غول” الذي ظل رئيس وزراء مؤقتا حتى حل محله “رجب طيب اردوغان” رئيس حزب العدالة و التنمية وعمدة اسطنبول السابق عن حزب الرفاه عقب انتخابات تكميلية انتظمت في مارس 2003. كما تولى غول جدول وزارة الخارجية ثم انتخب رئيسا للجمهورية عام 2007 ص 190. ولد اردوغان في حي قاسم باشا باسطنبول الذي يقطنه المهاجرون الفقراء القادمون من بلدة “ريز” على البحر الاسود. و قد اضطر منذ الصغر لان يكسب قوته فباع عصير الليمون و الفطائر في الشوارع ، بينما كان يلعب كرة القدم في أوقات فراغه في أندية شبه احترافية. تلقى تعليمه في مدرسة الامام الخطيب و هو ما يفسر شعوره الشخصي بالحزن عندما اعتبرت هذه المدارس بعد تدخل الجيش عام 1997 مراكز للرجعية الدينية. أصبح نشِطا في “اتحاد الشباب الوطني” الذي انشاه “حزب السلامة الوطني” برئاسة “اربكان” في منتصف السبعينات، و بدا عمله السياسي مبكرا عام 1983 مع تأسيس حزب الرفاه وحقق نصرا كبيرا حينما انتخب عام 1994 لمنصب عمدة اسطنبول ص 200. و بالرغم من ان الايديولوجية الاسلامية قد شكلت اردوغان و نشاته على تقاليد الرؤية الوطنية، فان صعوده كان قصة نجاح اقرب الى الحلم الامريكي وليس الراديكالية الاسلامية. و مع ذلك وصفته برقية صادرة من السفارة الامريكية في انقرة بانه يتبنى مواقف تتسم بالزهو المتعجرف و يمتلك طموحا لا حدود له ينبع من الاعتقاد بان الله قد اصطفاه لقيادة تركيا كما يملك نزعة انعزالية متسلطة ص.201
إن الفرصة السانحة التي تحققت عام 2002 و التي شهدت فترة قصيرة من التوافق بين حكومة العدالة و والتنمية وحزب المعارضة الرئيسي، قد أحدثت حالة من الحيوية الثقافية و السياسية لم يسبق لتركيا ان شهدتها. اذ اطلقت الطاقات الثقافية و الفنية على نحو لم تعرفه تركيا في ماضيها الحديث كما تشكل احساس جديد بالتاريخ يتجاوز نزعات الدولنة الكمالية القومية والاختزالية الماركسية. وبدا الانضمام الى اوربا والوعد بحياة افضل امرا ممكنا الى جانب التصدي لشياطين الماضي. الا ان المشاعر المعادية لتركيا في الاتحاد الاوروبي سرعان ما خلقت ستارة الدخان التي تجمع تحتها الكماليون لمهاجمة ايه سياسة موالية لاوروبا لما تشكله من تحد لهيمنة الدولة الحارسة وطالت الاغتيالات لاسكاتهم ثم تنظيم التظاهرات الجماهيرية بهدف منع العملية الديمقراطية من الاستمرار في مسارها الطبيعي . وخبت فرصة عظيمة في خضم فوضى العنف في احتلال مركز المسرح . فكما حدث في الماضي قاموا بتشغيل شبكات سرية للمتامرين والقتلة وحثوا كبار الكتاب على الاضطلاع بخداع المجتمع بالنيابة عنهم واستغلوا المخاوف الموجودة عند الرجال والنساء العاديين لاقحامهم في انشطة ذات التحالف غير ان المخططات لم تؤد الى النتائج المتوقعة، فقد انتخب حزب العدالة و التنمية ثانية و دخل فترة ثانية و لكن مع عبدالله غول رئيسا ورجب طيب اردوغان رئيسا للوزراء. وإذا كانت هناك نقلة مفارقة في هذا التاريخ فانها تتمثل في الاثر العكسي لامر الجنرالات وفق صوت عدد كبير لصالح حزب العدالة والتنمية، بما يظهر العزم على منع اللاعبين غير المنتخبين من الاستمرار في المسلك التدخلي الذي اعتادو عليه ص. 231-232
وقد كانت مخرجات هذا التتويج السياسي للدولة التركية عبر نظامها الذي سيطر عليه إسلاميون ليبراليون، أَن واصل الاقتصاد التركي نموه بمعدله القياسي 7 %. لم تحقق الازمة المالية العالمية سنة 2008 سوى اضرار مؤقتة. و لكن مجالين مهمّين للصراع ظلاّ في مركز الاضواء . اولهما كان تطور المسالة الكردية التي ظلت تراوح مكانها و لم تنجح في الوصول الى نهاية سعيدة، و ثانيهما كان البروز القوي لتركيا كلاعب اقليمي في ظل وزير الخاريجية “احمد داود اوغلو” الذي لم يتردد في تجاوز بعض الخطوط الحمراء الامريكية الاوروبية و خاصة فيما يتعلق بالعلاقات مع ايران و سوريا و اسرائيل. و اصبح التساؤل الكبير هو عما اذا كان محور تركيا يتحول و ذلك عندما وقعت عدة ازمات بين تركيا و اسرائيل الى مستوى خلافي كبير. و كانت النتيجة هي انهاء الشراكة الاسرائيلية التركية التي بدات في عهد “اوزال” مع حرب الخليج الاولى ص. 235
خاتمة
رغم كون حزب العدالة والتنمية قد دخل في حالة تحد صريح للدولة الحارسة، فإن سياستها في المحافظات الكردية وإزاء ممثلي الحركة القومية الكردية وحزب المجتمع الديمقراطي لم تختلف اختلافا كبيرا عن سياسات الدولة الحارسة القائمة على التحكم والتخويف، غير أن سياسة “الانفتاحات” على الأكراد أولا والعلويين ثانيا قد أحدثت تحولات مطردة للسياسات ص.237- . وكان من نقاط الانطلاق المثيرة في الانفتاح على الأكراد بدء برنامج تعليم الكردية. وقد حققت سياسة الانفتاح هذه بعض الانقطاعات المهمة عن عقود من السياسات القمعية، كما أوجدت منتديات جديدة للتباحث بشأن الهوية الكردية واحتياجات الأكراد، رغم الحرص على عدم الظهور بمظهر المستسلم للمطالب القومية التركية ص247. كما قامت السياسة الخارجية التركية باتخاذ مسار ثابت وواضح وناجح، فقد طبّق “أوغلو” في الممارسة الخارجية مبدأ انخراط تركيا مع العالم في الألفية الجديدة، وأطلق على هذا المبدأ اسم “العمق الإستراتيجي”، وقد بني على فكرة جغرافيا جديدة لعلاقات حسن جوار وتبادل اقتصادي ص250.
المنذر شريّط
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
معلومات عن الكتاب

–الكتاب: تركيا الأمة الغاضبة
–المؤلف: كِرم أوكتم
– –عدد الصّفحات: 283
–الناشر: سطور الجديدة، القاهرة
–الطبعة: الأولى 2012
المصدر/ مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسيّة



الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.