الجمعة 20 مايو 2022
32 C
بغداد

    تاريخ الطباعة.. ما بين القوالب الطينية والخشبية والآلات البدائية

     

    خاص: إعداد- سماح عادل

    ظهرت الطباعة بطبع الكلمات والصور فوق الورق أو النسيج أو المعادن أو أي مواد أخرى ملائمة للطبع فوقها، وتتم بالنسخ بطريقة ميكانيكية من خلال الطبع من سطح بارز، فكان يتم قديما الختم بالحجر وهذا يعدّ أقدم طرق الطباعة التي عرفت لدى البابليين والسومريين والإيبلاويين والأوغارتيين والأكاديين والحضارات في سوريا القديمة وبلاد ما بين النهرين، وكان هدفها الاستغناء عن التوقيع على المستندات والوثائق والمعاهدات أو كرمز ديني، وكانت الطريقة الأولى أختام يطبع بها فوق الطين أو حجر يخدش أو ينقش سطحه، كذلك كان حجرة دائرية تغمس في الصبغة السائلة أو الطين ليطبع بها فوق سطح ناعم ومستو، لطبع ما كتب عليها كصورة متطابقة عكسيا ومقابلة كما في حضارات الجزيرة السورية، وتم استعمال الأختام الطينية المنقوشة بتصميم بسيط، منذ سنة 5000 ق. م، وكانت تطبع على الأبواب المخصصة لحيازة وحفظ السلع، واختلفت أشكالها كتلك التي وجدت مغطاة بنقوش الحيوانات أو بأشكال أو أسماء ملكية.

    كما تم العثور عليها على الأكياس والسلال التي كانت تنقل بنهري دجلة والفرات في سوريا والعراق. وفي عام 3500 ق م.تم اختراع الختم الأسطواني ويظهر هذا الحجر الأخضر والذي طوله 3.9 سنتيمترا والذي يعود تاريخه إلى 2300 ق. م كما في “ماري عى” الفرات الأوسط. وعليه الآلهة من ذكور وإناث وتم التعرف عليهم من خلال خوذاتهم ذوات القرون كالإلهة عشتار وإله الشمس شمش وإله الماء إنكي يتبعه وزيره.

    وبين سنتي 2000 و1800 ق. م ازدهرت التجارة بين بلاد الرافدين والهند عبر الخليج، وكان من بين أهم التجارات أختام العلامات الدائرية التي عرفت بالأختام الممهرة بالحيوانات، وكانت مصنوعة من الحجر الناعم، وكان لها نتوء مثقوب لتعليقها.

    كما وجدت أختام كرمة يرجع تاريخها للأسر المصرية 12-15، ومن بينها أختام محلية الصنع مصنوعة من العاج، أو العظم أو الصلصال مسطحة أو جعرانية الشكل أو محفورة بأنماط زخارف هندسية شبكية قائمة على المثلثات المحفورة. ووجدت أختام المكاتب الإدارية في القصر وبالقرب من بوابات المدينة. وهي أختام مصرية الصنع، متماثلة مع تلك التي تمَّ الكشف عنها في المواقع النوبية، والتي ترجع للنصف الثاني من المملكة الوسطى تصاميم زهرية أو لوالبية أو ألقاب أو أسماء لبعض صغار الموظفين أو من ذوى المناصب العليا في الحكومة مثل نائب الحاكم أو المبعوث الملكى. كما وجدت أختام مغطاة بنقوش حيوانات أو بأشكال أو أسماء ملكية يرجع تاريخها للأسرة المصرية 15. وفي كرمة اكتشفت أختام تسلط الضوء على العلاقات التي كانت متطورة بين كرمة ومصر.

    الصينيون..

    عرف الصينيون الطباعة، حيث اشتغلوا بها في نهاية القرن الثاني الميلادي، حيث توفرت لديهم العناصر الثلاثة اللازمة للطباعة، وهي: الورق وكيفية صناعته، والحبر، وأسطح لحمل النصوص المنحوتة، وقد وجدت كتب كلاسيكية منحوتة على أقراصٍ رخامية، تعود للفكر البوذي،وكانت طريقة الطباعة لديهم هي طباعة الكتلة، حيث كانوا يغطون قطعة الخشب بالحبر، ثمّ يضغطون بها على الورق، وأول كتابٍ طُبِع بهذه الطريقة هو الماسة سوترا The Diamond Sutra، في عهد أسرة تانغ في عام 868.

    في القرن الحادي عشر الميلادي حدث تقدم كبير في الطباعة الخشبية، حيث قام فلاح صيني اسمه بي شنغ Pi Sheng بتصميم أول طابعةٍ متحركة في العالم، ولا تتوافر معلومات كثيرة عنه، لكن كان له أسلوب بارز في الطباعة، تضمن إنتاج مئات الحروف المنفصلة وقد تمّ توثيقه بشكلٍ جيد من قبل معاصريه، وخاصة العالم شن كو Shen Kuo، الذي سجل أن الحروف التي اخترعها “شنغ” كانت مصنوعة من الطين المخبوز، وكان الحبر الذي استخدمه عبارة عن مزيجٍ من الشمع، ورماد الورق، وصمغ الصنوبر.

    الدولة الفاطمية..

    وترجع بعض الوثائق المطبوعة المكتشفة في “جنيزة القاهرة” إلى القرن الثامن الميلادي، واستمرت الطباعة في الدولة الفاطمية خصوصا لطباعة الأحراز والأذكار، ثم منعت السلطات العثمانية الطباعة بالحروف العربية لاعتبارها حروفا مقدسة، ولكنها في بدايات القرن السابع عشر سمحت بها مرة أخرى، هذا ويذكر المؤرخون بأن أول مطبعة عربية أنشأت في التاريخ الحديث قد أنشأت على يد الموارنة في لبنان سنة 1610 ميلادية وهي مطبعة دير قزحيا جموب مدينة طرابلس وكانت تستعمل الحروف السريانية والعربية، بينما استعملت مطبعة دير مار يوحنا الصايغ التي أنشأت في الشوير في لبنان عام 1733 ميلادية الحروف العربية وكان مؤسسها هو عبد الله زاخر أصله من حماة بسوريا.

    الطباعة الحديثة..

    “يوهان غوتنبرج” مخترع ألماني عرف باختراعه حروف الطباعة وتطويرها ويعد مطور علم الطباعة، ولد في مدينة مينسي بألمانيا في 1398م . وصمم الحروف المصقولة والمنفصلة بعضها عن بعض، والتي يمكن ربطها وشدها فتتكون منها جميعاً كتلة واحدة توضع فوقها الصفحات، وللاسف لم يكسب “غوتنبرج” من اختراعه للطباعةً مالا، وحتى عندما طبع الكتاب المقدس نسى أن يسجل اسمه على صفحات الكتاب. وقد استغرقته المشاكل والعمل. استهدف “غوتنبيرغ” الإسراع في عملية الطباعة، وقد قام بكسر القطع الخشبية إلى مكوّنات فردية من حروفٍ كبيرة، وحروفٍ صغيرة، وعلامات الترقيم وغيرها، وصنعها من المعادن، واستخدم زيت بذر الكتان والرماد كحبر، واختلف عن سابقيه ممن ساهموا في تطوير الطباعة في أنه نقل الحبر من الرموز المتحركة إلى الورق، وبالتالي أصبحت الكتب تنتج بكمياتٍ كبيرة.وكانت الطباعة باستخدام اختراع غوتينبرغ بطيئةً، حيث كان الكتاب يجمعون الحروف باليد، ويمكن للعمال المهرة تجميع ألفي حرف في الساعة الواحدة.

    قام “أيرل أوف ستانهوب” حوالي سنة 1800 م بصنع أول مطبعة كل أجزائها من الحديد، وقام “فريدريتش كوينج” باختراع مطبعة ذات أسطوانة تدار بالبخار عام 1811 م بألمانيا، وكانت الأسطوانة الدوارة تقوم بضغط الورق على الحروف المصفوفة على سطح الآلة المستوي.

    استعملت صحيفة التايمز اللندنية مطبعة ذات أسطوانتين دوارتين تعمل بالبخار لأول مرة عام 1814م وتنتج 1100 نسخة في الساعة.

    في عام 1846 م اخترع الأمريكي “ريتشارد هو” المطبعة الدوارة، فكانت حروف الطباعة تثبت في أسطوانة دوارة بينما تقوم أسطوانة أخرى بإتمام الطبع، واستطاعت النماذج الأولى من المطابع إنتاج 8000 صفحة في الساعة، ثم أنتجت نماذج لاحقة منها 20000 نسخة في الساعة.

    وتمكن الأمريكي “وليم بولوك” عام 1865 م من الطباعة على أطوال ورقية متصلة مخترعا بذلك المطبعة الدوارة فائقة السرعة، التي تعمل بنظام الإمداد الورقي المتصل.

    تمكن “أوتمار مارجنتيلر” من تسجيل براءة اختراع مطبعة “اللينوتيب “بسبك سطر كامل من الحروف المصفوفة في قطعة واحدة من المعدن. وتمكن الأمريكي “تولبرت لانستون” عام 1887 م من اختراع مطبعة المونوتيب التي تسبك وتصف الحروف في قطع منفصلة.

    ولكن الكمبيوتر في وقتنا الحالي يمكنه ترتيب العدد نفسه من الأحرف في حوالي ثانيتين، وما يتمّ طباعته حول العالم في الثانية الواحدة يزيد عن ما تمت طباعته خلال القرنين الخامس والسادس عشر الميلادي.

    ولم تكن هناك طباعة في المنطقة العربية غير الطباعة بالقوالب الخشبية مع بداية القرن الميلادي العاشر، وظهرت أول حروف طباعة عربية على يد “مارتن روث” عام 1468 م الذي طبع ترجمة لكتاب “برنارد برايدنباخ ” عن رحلته إلى الأماكن المقدسة، وكانت المحاولة الثانية في إسبانيا عام 1505 م بصدور كتاب وسائل تعلم قراءة اللغة العربية ومعرفتها، وفي عام 1516 م نشر كتاب “المزامير” بخمس لغات من بينها العربية، والمحاولة الثالثة كانت طبع الإنجيل عام 1591 م، وفي لبنان طبعت المزامير بالعربية عام 1610 م، وأول مطبعة أنشئت بها عام 1751 م، وسبقتها تركيا حيث ظهرت أول مطبعة عام 1727، شريطة أن لا يطبع فيها القرآن الكريم، وكانت حلب أول مدينة سورية تدخلها الطباعة ثم انتقلت إلى دمشق.

    في العراق حديثا..

    دخلت الطباعة متأخرة بسبب ظروف الحكم العثماني القاسية فيه آنذاك، حيث أنشأت أول مطبعة حجرية في الكاظمية عام 1821م ولكن الطباعة ظهرت بشكل حقيقي عام 1856 م عندما أسس الرهبان الدومينيكان مطبعة لهم في الموصل وأنشئوا فيها قسما خاصا بالتجليد والتذهيب، وفي عام 1869 أنشأ الوالي العثماني مدحت باشا مطبعة الولاية لطبع جريدة البلاد الرسمية باللغتين العربية والتركية وهي مطبعة تجارية إلا أنها أهملت فيما بعد لفترة من الزمن ولم تطبع سوى الصحيفة الحكومية.

    في مصر حديثا..

    ظهرت أولى طابعة في مصر أثناء الحملة الفرنسية، وهي طابعة أحضرها نابليون عام 1798 ميلادي والتي عرفت بطابعة البروبوجاندا أي الدعاية لأن نابليون أراد من خلالها استمالة المصريين إليه عن طريق الدعاية، وكانت هذه الطابعة تطبع منشورات ومراسيم الحملة وقد عرفت هذه الطابعة بأسماء مختلفة، مثل الطابعة الشرقية أو الطابعة الشرقية الفرنسية ولما استقرت أصبحت تعرف باسم الطابعة الأهلية وقد خرجت هذه المطبعة من مصر مع خروج الحملة الفرنسية منها عام 1801، وبقيت مصر خالية من المطابع حوالي عشرين عاما حتى أنشأ محمد علي باشا عام 1821 مطبعة بولاق، التي نشر فيها جريدة الحكومة الرسمية الوقائع المصرية كما نشر فيها المنشورات والمراسيم الحكومية والكتب المدرسية والعسكرية، إلى جانب الكتب العربية القديمة أو الكتب التي أمر بترجمتها إلى اللغة العربية.

    وقد بلغ عدد الكتب التي طبعتها هذه المطبعة فيما بين عامي 1822- 1830 م نحو خمسين كتابا ارتفع في نهاية عام 1850 إلى ثلاثمئة كتاب في مختلف الموضوعات الأدبية والتاريخية والفنية، وفي مصر أنشأت المطبعة الأهلية القبطية عام 1860 م وبعد ذلك بستة أعوام أنشأ عبد الله أبو السعود مطبعة وادي النيل.

    في اليمن حديثا..

    ظهرت أولى المطابع في اليمن عام 1877م عندما استوردها السلطان عبد الحميد الثاني في مارس 1877م. وأمر بإصدار صحيفة صنعاء كصحيفة رسمية لولاية اليمن، وصدرت صحيفة أسبوعية في 1878 م تصدر كل ثلاثاء وكانت أول صحيفة رسمية في شبه الجزيرة العربية بهدف خدمة المصالح الحكومية، ظهرت في بادئ الأمر في 4 صفحات ثم في 8 صفحات، كما اهتمت بالأخبار العالمية وسياسة الإمبراطورية وأهم الاكتشافات العلمية.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا