براغماتية الإيمان

    محمد كريم إبراهيم – محلل وكاتب عراقي
    عقل الإنسان الطبيعي مبرمجٌ من الولادة للتأقلم بشكل مميز مع بيئتهِ الفوضوية, حيث كل فعل من قبل البيئة يقابله رد فعل مناسب من قبل الخلايا العصبية في الدماغ. وهذا قبل أن يتعلم الفرد أي شيء عن الحياة أو يخوذ تجارب فيها للتعلم من الأخطاء, حيث أنه يورث هذه التصرفات كما يورث الشعور بالجوع عند انعدام الاكل. وهذا ما يمكن ان يكون الايمان في دماغنا, أداةٌ ورثناه للتكيف مع قضايا الحياة ولمعالجة بعض المشاكل التي تظهر من أدوات أخرى في الدماغ (كالشك والمنطق) التي تمنعنا من تحريك عضلاتنا للقيام بما هو محتمل بأن ينفعنا.
    لماذا الحاجة إلى تعريف جديد للإيمان؟
    أغلب التعاريف المعاصرة للإيمان هي إما دينية أو لغوية. على سبيل المثال، يُعرف فلاسفة التحليليون الايمان بأنه: سلوكٌ يأخذ بعض الافتراضات حول العالم على أنها صحيحة (1). بمعنى أن المؤمن يتصرف كما لو أن الشيء الذي يؤمن به حقيقي. هذا التعريف، على الرغم من كونه صحيحًا، فهو في الواقع غير مجدي، تمامًا مثل إعطاء اسم لحيوانك الأليف حتى تتمكن من تعريفه في ذهنك. لا يمكننا فعل أي شيء به وبالكاد يرتبط بعلم النفس الفعلي وعلم الأعصاب.
    علاوة على ذلك، فإن الشخص المؤمن قد يصبح واعيًا من ايمانه و”يدرك” بأنه يملك فكرةً قد تكون خاطئة أو غير مثبتة, مما يؤدي به الى فصل هذه الأفكار عن الحقائق المثبتة التي لا يشك فيها. وهذا يعني إن تعريف الايمان أعلاه سينهار لان شخص لا يضع بعد الان ايمانه مع حقائقه (أي انه وعي بأن الايمان ليس مثل الحقيقة). بكلمات أخرى, بمجرد أن يكون المؤمن واعيًا من إيمانه, فهو سيخسر ايمانه طبقًا لهذا التعريف.
    هناك العديد من التعريفات الأخرى للإيمان التي لن أخوض فيها لأن الكثير منها يعتمد على الميتافيزيقيا. ما نحتاجه هنا هو تعريف يشمل جميع أنواع الايمان (العادي، الديني، فلسفي) ويمكن التعامل معه علميًا ومنطقيًا وبراغماتيًا.
    ماذا نعني بالبراغماتية؟
    إن تقييم الإيمان من حيث فوائده للمؤمن هو أفضل طريقة لدراسته (فوائده في هذا الدنيا بالطبع). لأننا سنكون قادرين على فهم نوع التأثير الحقيقي على كل من المستوى الفردي والمجتمعي ، بالإضافة إلى القدرة على التحكم في الايمان وتعديله سيضع التعريف في اختبار علمي. لدينا الان الحاجة إلى ربط الايمان بالعلوم العصبية والنفسية أكبر من أي وقت مضى, يمكننا فقط تخيل عدد المشاكل التي سنقدر على حلها في عالمنا إذا أنشأنا قاعدة علمية رصينة للإيمان وحددنا منطقته في الدماغ. لكن مع ذلك يجب علينا أولاً قبل أن نبدأ بالعلم التفكير في فلسفة الإيمان.
    تحاول البراغماتية أساسًا فحص كل نظرية مجردة أو فكرة من أجل رؤية تطبيقاتهم العملية في العالم الحقيقي، ما هو حقيقي بالنسبة للبراغماتيين هو ما هو مفيد، وما هو موجود هو ما يمكن تجربته وله تأثير معقول على حياتنا (2). هذه الفلسفة القاسية تلغي العديد من الافتراضات “غير المجدية” من حياتنا وتترك فقط ما يستفيد منه الشخص بالفعل. تعتبر البراغماتية أن العديد من العلوم والفنون عديمة الفائدة لنا كبشر. معلومات لا يمكننا العمل بناءً عليها مثل معظم معارفنا الفلكية، ومعظم أدبنا (خاصة الشعر)، وكذلك معظم معتقداتنا. ولكن كيف يمكننا أن نجعل الإيمان نفسه ينجو من اختبار البراغماتية ونجد استخدامًا عمليًا حقيقيًا فيه؟ هذا ما تحاول المقالة فعله.
    عالمٌ من الاحتماليات
    بيئة الإنسان لطالما كانت عشوائية, فيها الكثير من الاحداث الغير المتوقعة, حيث لا يدري المرء أي مرض سيصاب به وأي كارثة قادمة اليه وأي شر ينتظره. صحيح إننا مع مرور الزمن طورنا من انفسنا ومن بيئتنا لكي نجعلها اقل فوضويةً وأصلح للعيش واقل خطرًا لكننا لا زلنا نعيش في عالم الاحتماليات, كل شيء وراد ويُعطى له نسبة احتمالية حدوثه: مثلًا الوصول من البيت إلى مكان العمل هي احتمالية, حيث هناك احتمالية أنني سأموت في الطريق أو أغير من مساري لسبب او لآخر ولن أصل إلى المكان ابداً. أو مثلًا حينما احضر الشاي هناك احتمالية انه سينسكب علي ويحرقني. وهذه النسب الاحتمالية هي في الغالب مجهولة بسبب كثرة تشعبات وتعقيدات الانظمة المتضمنة. كيف إذًا نحضر الشاي كل يوم ونذهب إلى العمل بالرغم من معرفتنا إن هناك نسبة جيدة لموتنا عند اتخاذ مثل هكذا قرارات؟ هنا يأتي دور الإيمان في حياتنا.
    يُعرف الإيمان كاتخاذ قرارات وفعل أفعال في ظرف معلومات غير كافية عن حصيلة ذلك القرار أو الفعل. سنأتي في شرح علاقة الدين بالإيمان لاحقًا لكننا هنا نركز على الايمان بكل شيء (سواء طبيعية أو ما وراء الطبيعة). لذلك, لولا الإيمان لما استطعنا ان نقوم بكثير من الأفعال أو حتى اتخاذ ابسط القرارات مثل اكل الطعام مع وجود احتمالية اختناقنا أو تسممنا به. من المهم الذكر إن الإيمان لا يتواجد في خضم معلومات معروفة عن احتمالية الاحداث او عند وجود دليل إضافي واحد للخيار الأول اكثر من الثاني, مثلاً: لو عُرض علي استثمار وكنت اعلم ان فيه احتمالية نسبة الخطورة 20% واحتمالية نسبة الربح 80%, فإني منطقيًا يجب أن اختار الدخول الى هذا الاستثمار, لا يحتاج الأمر إلى الايمان بأنني سأربح بل أعلم إن لدي فرصة اكبر للربح. وكذلك عندما يكون هناك دليل زائد على فعالية الشيوعية اكثر من فعالية الاشتراكية, هنا يتوجب علينا منطقيًا أن نلتمس الشيوعية.
    ويجدر الذكر إن نسبة الاحتماليات التي نعرفها عن شيء ما ليست بالضرورة تبعدنا عن الايمان نحو المنطق المطلق, وذلك لأن الشخص يحتاج إلى أن يؤمن بنفسه كونه من النسبة الخاسرة او الرابحة لكي يقرر بالدخول الى عالم الاحتماليات (أي هل هو مقتنع بأن حظه جيد أم سيء). أما الأدلة فهي عادةً لا تأتي بمقاس واحد حتى نقارن اعدادها في الطرفين, الأدلة هي أنواع وقد يمتلك طرف الاخر واحدًا من الأدلة ذات عيار ثقيل يطيح بعشرات الأدلة مجتمعةً في الطرف الثاني.
    خاصية الوفاء للمعتقد عن المؤمنين
    في الواقع إن للإيمان خاصية أخرى وهو الإيمان بالطرف ذات احتمالية قليلة أو ذات ادلة قليلة بالنسبة للطرف الآخر آملًا في المستقبل أن ينقلب الموازين وتخرج أدلة مساندة لإيمانه من حوض معلومات غير مستكشفة. وهذا بمعنى الكلمة هو الوفاء بالإيمان وعدم ترك الطائفة في حال خسارته (أملًا أن تكون تلك الخسارة مؤقتة), ولهذا ترى بعض المؤمنين متمسكين بإيمانهم حتى لو أتيتهم بأدلة واحتماليات تناقض الشيء الذي يؤمنون به, ولهذا ترى إن الشخص الذي عمل حادث في طريق ما يرجع للذهاب منه إيمانًا أن الحادث لن يتكرر بعد. هذه القدرة الإيمانية هي مضادة للمنطق, فمنطقيًا عليك تبديل المواقف والطوائف عدة مرات تزامنًا مع المعلومات الجديدة المضادة لطائفتك, لكن هذه ستكون مرهقة جدًا لدماغ الإنسان (وهو بمثابة بناء مبنى بشكلٍ ثم هدمه وبناءهِ بشكل آخر مرارًا وتكرارًا), فقد وجد الدماغ وسيلةً لكي يمشي عكس التيار قليلًا من أجل حفظ الطاقة العقلية من الهدر.
    السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف يعرف المرء بأن معلوماته غير كافية عن موضوع ما, لكي يقرر الايمان به أو تحكيمه إلى المنطق؟ الشك هو الذي يجعلنا نعلم بأن معلومتنا غير كافية للاستناد عليه في القرارات: عندما نشكُ في المعلومة المقدمة إلينا للسيارة المراد شراءها, فهذا يعني إن هناك معلومات أخرى عنها غير مكشوفة لنا من قبل البائع. أو مثلًا عندما تشعر المرأة بالشك من خيانة زوجها فإنها لا تستطيع أن تواجهه بتلك المعلومات القليلة وهي تعلم إنها تحتاج إلى أدلة أخرى لإثبات موقفها. الإيمان إذًا هنا هو قيام المشتري بشراء السيارة بالرغم من عدم كفاية المعلومات عنها أو قيام الزوجة بمواجهة زوجها حتى وإن لم تكن تمتلك أدلة ضده (فهي تؤمن بأنه خائن).
    الإيمان هو ترياق لمنّطِقنا
    الإيمان هو موروث أكثر مما هو مكتسب, فهو موضوع في الدماغ لكي يمنع قطع افعالنا بسبب وجود شكوك في دماغنا لقلة المعلومات عن حدث معين. الإيمان هو ترياق المنطق في العقل, يحاول بقدر الإمكان السيطرة على تصرفات الإنسان دون اللجوء إلى المنطق كثيراً, وذلك كما لاحظنا لو احتكم العقل الى المنطق بشكل مطلق لما قدر الإنسان على اتخاذ اتفه القرارات. وبهذا نقول إن كل إنسان يؤمن بشيء ما, لا يوجد أي شخص اطلاقا من دون ايمان يتصرف بصرفة من منطقه ومعلوماته في كل صغيرة وكبيرة.
    يتقوى الإيمان بالتجارب مع مرور الزمن, فإن وصولي إلى مكان عملي كل يوم يجعلني أؤمن أكثر بأنني سأصل غدًا ايضًا سالمًا اليه. بتكرار الفعل مرات عديدة يكون المرء ذات ثقة متينة بإيمانه, على عكس التجارب التي تثبت عكس ايمان الفرد فهذه تقلل من ايمانه وتجعله شاكًا به. كل معلومة جديدة تدخل الدماغ تُغير بشكل او بآخر من درجة الإيمان. مثلًا, عندما يقول لي أحد إن مقبض الشاي منكسر, فسوف اشك بإيماني في عملي للشاي مثل البارحة. والعكس صحيح عندما تكون المعلومات مُدعمة لموقف الايمان فسوف تزداد ثقة الرجل بإيمانه, مثل عندما نجد دليلًا اخر على وجود الديناصورات, يزداد ايماني بعد ذلك بتواجدهم في الأرض. الايمان واقعٌ إذاً في الطرف الأوسط ما بين منطقين: منطق عند انعدام التام للإيمان, ومنطق عند ما وراء الايمان التام.
    أي بمعنى كلما ازدادت تجاربنا مع الأشياء التي نؤمن بها, ازدادت ثقتنا بحقيقتها, بل يتحول بعد حين تلك الأشياء الايمانية الى الأشياء المنطقية ليتسنى لنا الاعتماد عليها اكثر واضبط. مثلاً, الذهاب لأول مرة من المنزل الى مكان العمل يحتاج الى ايمان قوي من العقل حتى يخاطر المرء بالذهاب دون ضمان منطقي لوصوله. وبعد مرور فترة من الزمن واكتشاف الرجل المؤمن عدة معلومات عن الطرق والازدحامات والأنظمة التي تدخل في المعادلة, لن يعتمد بعدها على الايمان للذهاب الى مكان عمله بل على المنطق فيقول: انا جربتُ الطريق ودرست الأنظمة فيها واليوم ليس بغريب عن الأمس (أي لم يحصل شيء جديد اليوم ليغير من المعادلة مثل انقطاع الطريق وغيره) فإذا انا وصلتُ الى العمل الأمس, ما الذي يمنعني من الوصول اليه اليوم. وهذا صحيح منطقيًا حتى تُضاف معلومة جديدة على المعادلة فتغيرها وترجع الإيمان من جديد إلى العقل ليحتله بدلًا عن المنطق.
    السببية والوجودية (ليس مذهب الوجودية بل وجود كائن ما) هي من الفلسفيات الأساسية التي يتدخل إليها الايمان والمنطق. بغياب معلومات كافية عن السبب والمسبب, يبدأ العقل بالإيمان بأنه هناك ربط ما بين حدثين تتلو احداهما الاخر (مثلًا الايمان بأن الملائكة تحرك السحاب). وكذلك الأمر للوجودية حيث غياب معلومات كافية عن وجود كائن معين يدعو الايمان الى التدخل بشأنه (مثل الايمان بوجود دب ذات لون احمر). السببيات والوجوديات التي لا يمكن اثباتها بالدليل, تبقى بعيدة عن المنطق وقريبة عن الايمان: ومثالها الأعظم هي وجودية الله حيث لا يمكن لأي أحد أن يكتسب معلومات كافية وكاملة لإثبات وجود الله بالمنطق, ولهذا يتواجد الايمان في المسألة. لكن فور تجميع الأدلة, يذهب الإيمان بعيدًا ويبدأ اليقين بالاستقرار. بالرغم من ان التعمق الكثير بالإيمان يجعل المؤمن عميًا للأدلة المُقدمة ضد الشيء الذي يؤمن به.
    يصاب بعض الناس بأمراض نفسية متعلقة بقلة الإيمان أو بكثرته: فبقلة الإيمان يظهر نوع من مريض نفسي يحتكم الى المنطق فقط لا يقوم بأي مجازفات حتى لو كانت النتيجة في الأخير لصالحه, تراه لا يقدر على اتخاذ القرارات بسهولة (ابسط القرارات مثل اختيار مطعم ونوع الاكل) وهو وسواس الى درجة يشك بنفسه كثيرًا لا يمتلك أي ثقة بنفسه ولا يقدر على تجاوز هذه الشكوك للقيام بأي شيء. اما كثرة الإيمان تؤدي الى الغرور والمخاطرة بكل شيء (عادة يصبح صاحبه مقامرًا) مؤديًا حياته إلى الدمار بسبب الجهل (عدم دراسة الوضع جيدًا قبل الفعل او اتخاذ قرار) والتهور والاحتكام إلى “القلب” بدل “العقل”. العلاج لهذه الأمراض النفسية هو الوسطية في الإيمان, إذا كان الشخص منطقيًا إلى درجة الإعاقة علمناهُ معنى براغماتية الإيمان, وإذا كان مفرط في إيمانه قدمناهُ على المنطق وفضائله.
    ربما يجدر الذكر إن الإيمان لا يقتصر على تحفيز تصرفات نحو ذلك الشيء المؤمن, بل هناك ايمان يجعلنا نتصرف بعيدًا عما نؤمن به, مثلاً إيمان الرجل بوجود الجن في خارج منزله يدفعه الى عدم الخروج من بيته خوفًا من السوء. أي إن هناك إيمان راغب وإيمان راهب, أحدهما جاذب والآخر نافر, الإيمان بأنني لو ذهبت من ذلك الطريق الى قمة الجبل سوف أموت هو ما ينفرني لعدم الذهاب منه.
    كيف سيؤثر هذا المفهوم للإيمان على الدين؟ لا يؤثر عليه كثيرًا في الواقع, لكن ما نحتاج أن نعترف به هو القفزة الايمانية للفيلسوف كيركغارد. حيث إننا لا نستطيع بعد الآن أن نبرر الايمان بالمنطق لانهما لا يتوافقان معًا, علينا أن نقفز قفزة عمياء من المنطق الى الايمان. الشخص الذي يؤمن بالله يصلي له ويقوم بالشعائر الأخرى ويتخذ قرارات دينية آملًا فوزه بالجنة في الأخير أو بركة الله في الدنيا, وهو يفعل كل ذلك غير متيقن في البداية من حصوله على مكافئات, لكن مع الأيام وعدة ممارسات لهذه الشعائر, يتقوى الإيمان حتى يصل الى ذروته ثم يتراجع مجدداً ويبدأ عندها المنطق بالدخول, فيقوم الدماغ بأن الله موجود منطقيًا لا محالة, وجوده ووجود الشمس يصبح سواء في عقل المؤمن, وذلك لأن الايمان قد تحول الى منطق. وينبثق من هؤلاء طائفة عنيدة متحجرة العقل لا تريد أن تعترف بخطئها ويغير رأيها مهما قدمت من ادلة ضدها, لأن الأدلة في ظنهم يجب أن يتوافق مع رأيهم (كما قلنا سابقًا تحول الايمان الى المنطق).

    يوضح الرسم البياني أعلاه كيف يتطور الإيمان في عقل المؤمن. تبدأ العملية برمتها مع عدم وجود معلومات أو القليل من المعلومات المهملة حول موضوع ما ، والذي ينكر التفكير المنطقي اعتباره صحيحًا. ثم شيئًا فشيئًا ، مع تزايد كمية المعلومات حول الموضوع ، يبدأ تكوين الايمان بالازدهار بينما تقل تداخلات المنطق في تحليل المعلومات. ثالثًا، ترتفع درجة الايمان حتى تصل إلى قمتها، ثم تبدأ سريعًا في النزول حيث تتحول هذه المعلومات / التجارب (والايمان المتشكل حوله) إلى حقائق بشكل منقطي في الدماغ.
    ملاحظة جانبية صغيرة واحدة: لا يتشكل الإيمان أبدًا في الأنظمة البسيطة التي تحتوي على قدر ضئيل جدًا من المعلومات ، ويجب أن يكون النظام دائمًا معقدًا ولا يمكن استيعاب المعلومات الموجودة بداخله تمامًا من قبل عقل المؤمن.
    يعلم علم الاعصاب لحد الان كيف يتواجد الايمان في دماغ الانسان. لعل الدوائر العصبية تستعجل في عمل ارتباطات مباشرة مع الدوائر الأخرى المتشابهة معها في التركيب, أو لعل الدوائر العصبية في الذاكرة تتفق مع الدوائر العصبية التحليلية لتطلُق معًا نحو الدوائر التي تتخذ القرارات وتسيطر بالعضلات متجاوزين دوائر الشكوكية والوعي المثبطة للأفعال. مهما يكن ميكانيكية عمله, فإنه بلا شك موجود في دماغنا منذ ولادتنا وتلعب المنفعة من نتيجة القيام بتلك الأفعال الايمانية دورًا مهمًا في تكوين الايمان من أصله. والعواطف أيضًا تدخل في صناعة الإيمان: يكون المقامر اكثر ثقة بنفسه وإيمانًا بفوزه عندما يكون سعيدًا, والعكس الصحيح عندما يكون كئيبًا ينزل من ايمانه بفوزه وقد لا يقوم بالمقامرة بعده. وكذلك المسألة عند الشخص الذي يريد الانضمام الى دين معين حيث مشاعره في ذلك الوقت اما يدفعه للإيمان او يمنعه عن ذلك.
    في الأخير, يبدو إننا لن نهرب من الايمان ابدًا, مهما تطورت علومنا ومعارفنا, لا بد من وجود شيء من الكون نجهل جزء منه أو يجهله الفرد. لا بد لحياتنا أن تسير وللقرارات أن تُتخذ في وقتها حتى وإن كانت معرفتنا قليلة عن اتجاه هذه القافلة ومصيره. كل فعل نفعله أو قرار نتخذه من دون أدلة كافية يعني إننا نؤمن بنتائجه, ولك أن تتخيل كم عدد القرارات والافعال البسيطة التي نفعلها كل يوم مؤمنين بنتائجه بالرغم من عدم ضماننا لصحته ومنفعته.

    المراجع:
    Primmer, Justin (2018), “Belief”, in Primmer, Justin (ed.), The Stanford Encyclopedia of Philosophy, Stanford, CA: The Metaphysics Research Lab, archived from the original on 15 November 2019, retrieved 19 September 2008.
    Stuhr, J. (Ed.) Pragmatism and Classical American Philosophy: Essential Readings and Interpretive Essays. New York: Oxford University Press, 1999.
    Starbird, M. (April 17, 2017). Our Random World—Probability Defined. https://www.thegreatcoursesdaily.com/random-world-probability-defined/
    https://dictionary.cambridge.org/dictionary/english/doubt
    DeAngelis, T. (2004, April). Are beliefs inherited? Monitor on Psychology, 35(4). http://www.apa.org/monitor/apr04/beliefs.
    Alastair Hannay & Gordon D. Marino, eds. (2006). The Cambridge Companion to Kierkegaard. Cambridge University Press. ISBN 978-0-521-47719-2.