اليمن من الثورة إلى قبضة الجماعة الحوثية

الاثنين 26 آب/أغسطس 2019
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

اليمن من الثورة إلى قبضة الجماعة الحوثية … دراسة في دور العصبية القبيلة من منظور نظرية “العصبية” لابن خلدون
إعداد/ عبد اللطيف حيدر
يرى ابن خلدون في نظريته العلمية لطبيعة تكوين العمران البشري، أنّ العصبية هي أساس حتمي للوصول إلى الحكم ومن ثم الحفاظ عليه. وبالتالي هي الأساس لأي محاولة لتغييره واستبداله بنظام حكم آخر؛ ذلك أن العصبية، والتي تتجلى في صورة القبيلة، هي أداة أساسية في القدرة على مجابهة النظام الحاكم والسعي إلى انتزاع السلطة بالغلبة القهرية. وقد شكّلت نظرية العصبية أحد أبرز ملامح الفكر السياسي لابن خلدون الذي قضى معظم حياته ناشطاً في البلاط السياسي للملوك والأمراء والنخب الحاكمة. ولكن إلى أي مدى لا تزال نظرية ابن خلدون للعصبية فاعلة وقادرة على تفسير الظواهر السياسية والاجتماعية برغم الإختلاف الجذري الحاصل بين تلك الحقبة الزمنية التي بنى ابن خلدون عليها نظريته والقرن الواحد العشرين في مختلف المجالات بعد حوالي 7 قرون من عمرها؟ وقد أثارت سيطرة جماعة الحوثي على السلطة في اليمن أواخر العام 2014 اهتمام الباحثين والدارسين والسياسيين في محاولة لتفسير تمكّن الجماعة المسلحة من الإستيلاء على الدولة بقوة السلاح. وهل أنّ مقومات هذا الصعود تعتمد على بشكل أساسي على القدرات العسكرية والمعنوية للجماعة بمفردها أم أن هناك عوامل أخرى ساعدت في وصولهم إلى السلطة؟ وهل يمكن القول هنا أن هذه الحالة تمثل صورة معاصرة للعصبية الخلدونية كونها قائمة على التعصب للنسب الهاشمي في محاولة لاستعادة الإرث التاريخي ومجد الحكم في السلالة الهاشمية التي فقدتها في ستينيات القرن الماضي؟ ومن هذا المنطلق تسعى الورقة إلى اختبار مدى قابلية نظرية ابن خلدون ” العصبية” في تفسير قدرة جماعة الحوثي، التي تعتبر أقلية في اليمن، في الإستيلاء على السلطة بقوة السلاح في 21 سبتمبر 2014.

ابن خلدون ونظرية العصبية

قبل الشروع في تناول نظرية ابن خلدون للعصبية فإن هناك حاجة للتعريف بشخصية ابن خلدون ونبذة تاريخية عن حياته ومسيرته وملامح فكره السياسي. فهو عبد الرحمن أبو زيد ولي الدين بن خلدون، فاسمه عبد الرحمن، وكنيته أبو زيد، ولقبه ولي الدين، وشهرته ابن خلدون (1). كما يعود نسبه إلى أصل يماني حضرمي وهذه الصفة أضافها إلى اسمه في فاتحة كتاب العبر حيث يقول ان اسمه عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي(2). وولد ابن خلدون في تونس في رمضان سنة 732هـ (1332م)، وقد بدأ في حفظ القرآن وتجويده في مساجد تونس حيث كانت المساجد حينذاك أهم مواطن التعليم، وكان أبوه معلمه الأول، حيث كانت تونس حينئذٍ مركز العلماء والأدباء في بلاد المغرب ومنزل رهط من علماء الأندلس الذين رحلوا إليها بعد أن شتتتهم الحوادث، وقد تتلمذ على أيديهم وقرأ القرآن وجوده بالقراءات السبع ودرس العلوم الشرعية من تفسير وحديث وفقه على أصول المذهب المالكي(3). كما أنه درس على أيديهم من لغة وصرف وبلاغة وأدب، ثم درس المنطق والفلسفة والعلوم الطبيعية والرياضية فيما بعد(4). وقد حدث حدثان خطيران أعاقا مسيرة ابن خلدون العلمية هما: انتشار مرض الطاعون في معظم انحاء العالم الشرقية والغربية فتنقل بين مختلف بلدان العالم الإسلامي وبعض البلدان الغربية، والحدث الآخر هو هجرة معظم العلماء والأدباء من تونس إلى المغرب الأقصى. وهاذان الحدثان كان لهما دوراً مهماً في حياته، حيثُ جعلاه يتوقف عن نشاطه العملي ويتطلع إلى تولي الوظائف العامة والإشتراك في شؤون السياسة وانتهاج الخط الذي كان عليه أجداده وكثير من قدامى أسرته. فأخذت تلك الإهتمامات في الوظائف الحكومية والمغامرات السياسية قسطاً كبيراً من وقته ونشاطه طوال خمس وعشرين سنة من حياته (من سنة 751 – 776ه).(5)

وردت كلمة العرب عند ابن خلدون بأكثر من معنى وبأكثر من موقف حول صفات العرب وطباعهم حيثُ بدا في بعضها وكأنّه يهاجم العرب ويصفهم بأوصاف سلبية مثل الوحشية، وبعدهم عن الصنائع، والخراب، والجهل، وعدم السعي لطلب العلم. كما أن مصطلح العرب غير ثابت عندهُ، فتارة يصفهم بالبدو، وتارة بالبدو والحضر وأخرى بالحضر. وتعد هذه من ضمن الإنتقادات التي وجهت له، حيث يرى منتقدوه أنه حط من شأن العرب وتغافل دورهم في تطور المجتمعات والعلوم(6). بينما هناك مواضع أخرى أشاد ابن خلدون فيها بالعرب البدو والحضر واتجاههم الى الصنائع والعمران وإلى عصبيتهم التي كان يعدها هي المحرك للمجتمع، فقد عدّ الصراع العصبي هو المحرك للمجتمع، وأن العصبية هي السعي نحو تحقيق الدولة(7). وعلى أية حال تبدوا الإشكالية لدى ابن خلدون، فيما يتعلق بالعرب، في عدم تحديد من العربي الذي يقصده، إضافة الى عدم مراعاته لسنة التحول والتغيير البشري في السلوك والممارسة مع متغيرات العصور.

تعدّ العصبية الظاهرة الأبرز عند ابن خلدون فهي في نظره الصورة التي تعكس المجتمع البدوي، والقوة القادرة على حفظ الترابط في المجتمع القبلي. كما أنها القوة اللازمة للوصول الى الحكم والحفاظ عليه، والذي يمثّل الهدف الأهم للعصبية في المجتمعات القبلية. كما يرى أنها تمثّل الرابطة العضوية التي تربط ذوي القربى والأرحام ببعضهم. كما تعتَبر نظرية ابن خلدون في العصبية على أنها النظرية الأولى في الفكر الإجتماعي(8).

والعصبية كما يراها ابن خلدون هي عصبية النسب والقرابة حيث يقول في سياق حديثه عن أحياء البدو:” لا يصدق دفاعهم وذيادهم إلا إذا كانوا عصبية وأهل نسب واحد، لأنهم بذلك تشتد شوكتهم ويُخشى جانبهم؛ إذ نعرة كل أحد على نسبه وعصبيته أهم.. والنعرة على ذو أقربائهم وأرحامهم موجودة في الطباع البشرية”(9). كما يستشهد بذلك في عصبية أخوة يوسف حينما استبعدوا هزيمتهم وهم عصبة واحدة. وبالتالي فإن العصبية لدى ابن خلدون هي التي ترتكز على النسب ولحمة القرابة، وهنا فالعصبية هي التي يكون بمقدورها الغلبة، حيث أنّ الرياسة لا يمكن الوصول اليها إلا بالغلبة حيث يقول:” ولما كانت الرياسة إنما تكون بالغلب وجب أن تكون عصبية ذلك النصاب أقوى من سائر العصبيات ليقع الغلب بها وتتم الرياسة لأهلها”(10). وبذلك يرى ابن خلدون في العصبية أهم القوانين الإجتماعية التي يجب أن يتبعها كل ذي شريعة ودعوة دينية كما يرى أنها ” إذا بطلت بطلت الشرائع”(11). ويشير عزمي بشارة أن الملك هو الغاية التي تجري اليها العصبية عند ابن خلدون: ” وأما الملك فهو التغلب والحكم بالقهر وصاحب العصبية إذ بلغ الى رتبة طلب ما فوقها فإذا بلغ رتبة السؤدد والاتباع ووجد السبيل الى التغلب والقهر لا يتركه، لأنه مطلوب للنفس ولا يتم اقتدارها عليه إلا بالعصبية التي يكون بها متبوعاً فالتغلب الملكي غاية العصبية”(12).كما يشير بشارة الى تفريق علي الوردي في كتابه دراسة في طبيعة المجتمع العراقي أن ثمّة تناقضاً بين الدولة والقبيلة حيث أن القبيلة أساس الدولة فلا دولة بلا عصبية، لكن بشارة ينتقده في ذلك حيث يرى أن تحليله يتناقض مع مقولة ابن خلدون تلك، فالدولة التي يقصدها ابن خلدون هي السلالة، أما الدولة التي يتحدث عنها الوردي فهي كيان سياسي للمجتمع كله(13). وهنا يظهر التفريق بين مفهومي الدولة والقبيلة وهما كما نرى متناقضين كما ذهب الى ذلك بشارة حيث يرى أن حكم السلالة هو النموذج القديم للدولة، والذي يختلف عن النموذج الحديث القائم على كيان المجتمع كله.

إذاً يتضح من ذلك أن ابن خلدون يرى في العصبية ظاهرة طبيعية حتمية في الوصول الى السلطة والحفاظ عليها، بما تتمتع به العصبية من قوة ومنعة وترابط. وإن كان واجه الكثير من النقد في ذلك كون العصبة والتعصب والعصبية جاءت في سياق منبوذ في الإسلام، كما جاء في الحديث النبوي عندما ذكرت العصبية قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “دعوها فإنها منتنة”. ولكن على أية حال، فإننا سنسعى إلى إسقاط هذا الفهم على الحركة الحوثية وسيطرتها على الدولة اليمنية بقوة السلاح، ونسعى من خلال هذا الإسقاط إلى اختبار مدى صحة النظرية وصلاحيتها في تفسير الظواهر الإجتماعية والسياسية في العصر الحالي. ومحاولتنا هذه ليست الأولى فقد تم اجراء اختبار للنظرية من قبل عدة باحثين منهم غلنر وخلدون النقيب. ويرى في ذلك عزمي بشارة أن أي محاولة لإسقاط نظرية ابن خلدون لدراسة الحالة العربية هي محاولة خاطئة(14). كما يشير في ذلك إلى محاولة باحثين مثل ليون ت. غولدسميث (15)، ومن قبله الفرنسي ميشيل سورا تطبيق نظرية ابن خلدون على دراسة حالة صعود العلويين باعتبارهم أقلية للحكم في سوريا، معتبراً أن لولا وجود مؤسسات دولة أخرى مثل الجيش والحزب والمنظمات والقوى الحزبية لما نفعت أي عصبة أو جماعة في السيطرة على دولة حديثة(16). وهنا كما يرى بشارة فإن الدولة القديمة تختلف عن الدولة الحديثة بوصفها حكم سلالة معينة بعد أن تغلبت عصبيتها على غيرها، فالعصبيات من هذا النوع عدو الدولة، أما الدولة الحديثة فتقوم على تمثيل كيان المجتمع عموماً، ولا تقوم على عصبية، وهنا فالدولة تنشئ العصبية لتستخدمها، وليست العصبية تنشئ الدولة(17). ويذهب أغلب الباحثين الإجتماعيين أن نظرية ابن خلدون لم تعد صالحة لتفسير الظواهر الحالية؛ وذلك يعود إلى اختلاف أدوات العصر ووسائله، واختلاف العناصر الأساسية التي بنى ابن خلدون عليها نظريته. ولكننا سنقوم بإجراء اختبار النظرية على الحالة الحوثية التي تنطلق من مخيلة النسب الهاشمي؛ كون ابن خلدون يعتبر النظرية حقيقة علمية في تفسير طبيعة التفاعل السياسي والاجتماعي في أي مجتمع.

المفهوم السياسي للقبيلة

يفرق عبد الله الغذامي في تناوله للقبيلة بين مفهومي القبيلة والقبائلية، حيث يرى أن القبيلة هي قيمة اجتماعية وثقافية نشأت لضرورة معاشية وبيئية وهي مصطلح محايد، بينما القبائلية هي عبارة عن مصطلح متحيز وغير محايد فهي تأتي قبالة تعبيرات مثل المذهبية والشعوبية والطائفية. حيث يرى أن هذه التعبيرات لها مضامين سلبية وتحمل دلالات اقصائية، بما تتضمنه من حمولات حادة في التفريق بين البشر(18). ويبدو أن هذا التفريق يعود إلى محاولة التمييز بين القبائلية كهويات متعددة وبين القبيلة ككيان موحد وبنية سياسية واجتماعية. كما تعرف القبيلة لدى إيفانز-بريتشارد على أنها “الفاعل في النسق السياسي الذي تحدد ملامحه الظروف الايكولوجية والمعاشية (الفلاحة والرعي)” وهذه الظروف هي التي تعمل على تحديد أشكال العلاقات وأنواعها، كما يرتكز هذا النسق على القرية كوحدة صغرى يتم النفوذ السياسي فيها بحسب شبكة المصاهرات. أما غيلنر الذي يركز في دراسته على القبيلة المغربية والذي يتفق مع إيفانز- بريتشارد في منحى التحليل الإنقسامي، حيث يعرف القبيلة على أنها ” وحدة اجتماعية تشبه الجزيرة، خصوصاً في مستوى الوعي الثقافي.. فالقبيلة تعتبر بهذا المعنى مثل المجتمع المستقل أخلاقياً” كما أنه استخدم مفهوم القبيلة بالإشارة إلى التجمعات اللغوية والثقافية وهو المعنى الذي يستخدمه الفرنسيون في معنى “الإثنية”(19). ويتضح من هذين التعريفين أن هناك عدم وجود تمييز بين مفهوم المجتمع الصغير، وبين القبيلة ككيان قائم على النسب وعلاقات القربى، بل أن التعريفين ينحصران على تجمع سكاني يتميز بلغة وثقافة مشتركة، حيث أن هناك تجمعات سكانية صغيرة كانت أم كبيرة عبارة عن قبائل مختلفة وقد لا تلتقي بالضرورة. إذن نعود إلى تعريف ابن خلدون للقبيلة كونه محل الإسقاط والدراسة حيث يرى بو طالب أن القبيلة عند ابن خلدون لا تتحدد فقط بما يجمع بين أعضائها من روابط الدم، بل إن الإطار الحقيقي للقبيلة لدى ابن خلدون فهو النسب في معناه الواسع والرمزي وما يمثله من أشكال التحالف والولاء والانتماء(20). وهذا التعريف قد نختلف في مدى دقته حيث أن ابن خلدون في تعريفه للعصبية يستند بشكل أساسي على عصبية الدم وعصبة القرابة، لكنه حينما تحدث في سياق فصل اختلاط الأنساب، كما يحتج به التعريف، لا يعني خروج دائرة النسب بل أن هذا الاختلاط والتزاوج ينصهر ويترابط في بعضه على أساس علاقات القربى والمصاهرة. ويؤكد ذلك بشارة حيث يرى أن العصبية التي يقصدها ابن خلدون هي عصبية القبيلة وبطونها القوية المتنافسة(21).

البنية الفكرية وطبيعة التكوين لجماعة الحوثي

قبل تناول طبيعة التكوين للجماعة الحوثية من المهم إعطاء لمحة عن طبيعة بنية المجتمع اليمني بصور عامة، حيث يمكن ترتيب التنظيم الإجتماعي القبلي كما هو قائم اليوم* من ناحية المراتب الإجتماعية إلى خمس مراتب، وكل مرتبة تضم فئات اجتماعية محددة. وهي:

المرتبة الأولى: تضم مشايخ القبائل وتقوم على أساس وراثة المشيخة والزعامة القبلية.

المرتبة الثانية: وتضم فئة “السادة”** و “القضاة” و “الفقهاء”. تقوم فئة السادة على أساس العرق والنسب والمركز الديني، كما تقوم المرتبتان الأخيرتان على درجة التفقه في علوم الدين، والقدرة على حل المنازعات.

المرتبة الثالثة: وتضم ثلاث فئات متقاربة ومتداخلة هي فئة الأعيان “العقّال”*** وفئة ” أمناء” القرى، وفئة جمهور القبيلة.

المرتبة الرابعة: وتضم الفئات الحرفية والمهنية التي ينظر إليها المجتمع على أنها مهن وضيعة ولا يسمح لرجل القبيلة القيام بها، وهي ” فئة الصناع وفئة الجزارين، والحلاقين، والدواشين”.

المرتبة الخامسة: وتضم فئتين هما ” الأخدام” و ” اليهود”(22).

ولكون الدراسة السابقة التي تناولت هذا التقسيم تبدو قديمة حيث أجريت في مطلع التسعينات، فإنه من الممكن القول أن هذا الترتيب طرأ عليه متغيرات كثيرة، وتماهى التفاوت بين المراتب بشكل كبير؛ بفعل ارتفاع نسبة الوعي وانتشار التعليم والمعرفة، ونشوء متغيرات جديدة عملت على تغيير معايير التصنيف الإجتماعي مثل دخول التيارات السياسية والجماعات الإسلامية والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، والتي سعت جميعها إلى إحداث تغييرات جوهرية في بنية المجتمع. وبالرغم من كل ذلك إلا أن حمولة النظام الإجتماعي السابق لا زالت حاضرة وإن كان ذلك بنسب متفاوتة. وقد أعادت الجماعة الحوثية منذ استيلاءها على السلطة في 2014 بعض هذه التمايزات الى الواجهة، وأحيت الكثير من النعرات القبلية والمذهبية والهوياتية وغيرها بعد أن كانت خاملة قبل ذلك.

إذن عند تناول “جماعة الحوثي” في سياق تكويني فنحن أمام مصطلح مركب له عدة أبعاد، فهو يتضمن بعداً قبلياً من ناحية، وبعداً سياسياً ودينياً من جانب أخر. ويجب هنا التفريق بين هذه الثلاثة الجوانب. فهي جماعة دينية لها معتقدات دينية قائمة عليها، ولها دوراً سياسياً فهي تمارس العمل السياسي من خلال أحزاب سياسية تستخدمها في الظروف المناسبة لاحتياجاتها مثل حزب الحق. وقد بدا من تكويناته انحيازه للسادة الهاشميين، فرئيسه أحد كبار علماء صعدة (مجد الدين المؤيدي) وأمينه العام أحمد الشامي، ومعظم قادته من الهاشميين الزيديين كما أنه صار يمثل الطائفة الزيدية(23). إضافة إلى ما يسمى لديها “المكتب السياسي” الذي نشأ مؤخراً بعد تمكنهم من الوصول إلى السلطة، وهو الموكول إليه بقيادة الحركة السياسية للجماعة وقبلها “تنظيم الشباب المؤمن” والذي كان له وجه سياسي. كما أن لها بعداً قبلياً قائماً على سلالة النسب، حيث تدعي أنها سلالة تنحدر من النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ويشكّل متخيل النسب هنا ما يسمى ب “الهاشميون” وهو البعد القبلي لعصبية للجماعة.

الهاشميون/ متخيل النسب

يحتل الهاشميون قمة هرم بنية التركيب الإجتماعي في اليمن. ويعود ذلك لعاملين هما: الإنتماء السلالي والمذهب الديني(24). ويدعي المنتمون للهاشمية انحدارهم إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وعلى أحقية أبناء علي ابن ابي طالب من زوجته فاطمة الزهراء في الإمامة. وقد أعطى لهم هذه النسب وفقاً للمذاهب الشيعية الحق الديني لحكم المسلمين(25). ينظر إلى السادة الهاشميين الموجودين في المناطق القبلية التي تسكنها قبائل “حاشد وبكيل” باعتبارها خارجة عن التكوين الاجتماعي والسياسي القبلي؛ ذلك لأنهم ليسو من نفس النسب القرابي السلالي(26). أي أنهم من ناحية النسب القبلي ينتمون الى العدنانيين عبر الشمال، بينما ينتمي عرب اليمن إلى قحطان الجنوب(27). كما أن الذين ينتمون إلى فئة الهاشميين ليسوا جميعهم في إطار المذهب الزيدي، بل إن هناك الكثير من الأسر الهاشمية تنتمي الى المذهب الشافعي لاسيما في المناطق الجنوبية والوسطى، لكنها لم تكن تملك نفس الحظوة التي يملكها هاشميي المناطق الزيدية الشمالية(28). ومن هذه المناطق الشمالية منطقة “صعدة” – أقصى شمال اليمن- تحديداً هي منطقة تمركز جماعة الحوثي والحاضن الرئيس للجماعة.

وهنا ثمّ ما ينبغي الإشارة اليه، حيث أن التكوين الفكري والعَقَدِي لدى جماعة الحوثي يعيدنا إلى التفريق أيضاً بين “الزيدية” و “الإمامية”؛ ليتضح تجلي الجانب الفكري لدى الحركة الحوثية. حيث أن هناك فرق بين الزيدية والإمامية الإثنى عشرية، فالرافضة لا يقرون بإمامة زيد ابن علي حين كان الإمام المعتمد جعفر الصادق، بينما الزيدية لا يقرون به (جعفر الصادق) ولا لمن بعده من الأئمة الإثنى عشر. والإمامة عند الرافضة أصل من أصول الدين يكفر منكرها. كما يختلف الزيدية عن الرافضة في مسألة العصمة فهي عند الرافضة لازم من لوازم الإمامة، بينما الزيدية لا تقول بالعصمة ولكن بالإجتهاد(29). وتعد الجماعة الجارودية أحد الجماعات الإثنى عشرية والتي ينسب إليها الإمام الهادي والذي يعد مؤسس الدولة الزيدية في اليمن، ويتضح من نصوصه أنه يعتقد اعتقاد “الجارودية التي ترى أن الإمامة لا تخرج من البيت الفاطمي، وفكر الحوثي لا يخرج عن الجارودية ويتضح ذلك من كتابات بدر الدين الحوثي ومحاضرات حسين الحوثي المتأثرة بفكر الإمام الهادي(30).

إذن من الناحية الفكرية والعقدية فإن الجماعة الحوثية تستند على فكر الفرقة “الجارودية”، والتي هي أحد الفرق الشيعية، وبذلك فهي تتميز عن الزيدية في بعض معتقداتها. ولكن من الملاحظ أن جماعة الحوثي تمكنت من حسم المعركة لصالحها عند صعودها إلى السلطة بقوة السلاح في العام 2014، وعملت على توظيف مختلف التيارات الفكرية الزيدية بدعوى استعادة الدولة الهاشمية التي سُلبَت منهم في ستينيات القرن الماضي عند إعلان النظام الجمهوري. وقد تحول اتجاه تنظيم الشباب المؤمن الى العمل العسكري المنظم بعد تولي حسين الحوثي قيادة الحركة الحوثية 1992 وأضفى عليه صفة السرية وغيّر أسلوبه الفكري والثقافي إلى الأسلوب العسكري لتحقيق أهداف الحركة والتي منها إعادة حكم الإمامة التي أطاحت به ثورة 1962، وأخرى مرتبطة بأجندات إقليمية ودولية(31). وبالتالي فقد استطاعت الجماعة فرض وجودها على الساحة الهاشمية الفكرية والسياسية وحظيت بدعم كبير منها في سبيل معركتها في الوصول إلى السلطة، حيث يلعب متخيل النسب الهاشمي عنصراً حاسماً في ذلك.

على أية حال، بإمكاننا هنا أن نخرج بتعريف اجرائي محدد للظاهرة الحوثية بما يساعدنا على ضبط المصطلح بدقة خلال هذه الدراسة، حيث تعرف الجماعة الحوثية على أنها عبارة عن تنظيم فكري سياسي مسلّح أعلن عن نفسه في العام 1990 باسم تنظيم ” الشباب المؤمن”، كإطار تربوي وثقافي وسياسي (ضمنياً)، وتركز اهتمامه على احتواء وتربية الشباب بدراسة العلوم الشرعية، مستنداً في ذلك على أنشطة ثقافية مصاحبة تنطلق من الرؤية المذهبية الزيدية – غالباً-، ومن ثمّ تحول الى تنظيم عسكري مسّلح لاحقاً(32). ويلاحظ أن التعريف هنا اقتصر على الظاهرة باعتبارها كياناً أو تنظيم مؤطر في كيان سياسي وثقافي معين دون أن يتطرق إلى الأبعاد التي تؤسس لهذا التنظيم والرؤى الفكرية والجذور العرقية والسلالية التي تعد عنصراً أصيلاً في تكوين جماعة الحوثي باعتبار النسب الهاشمي وأحقية الحكم والوصول إلى السلطة، وإن كان التكوين الخارجي والإطار التنظيمي ليس أكثر من وسيلة من وسائل التكوين ولكنها ليست الأساس هنا. وبناءً على هذا يمكن القول أنّ هذه التركيبة المعقدة لجماعة الحوثي بكل تداخلاتها الفكرية والقبلية والدينية والسياسية هي التي شكلت الإطار الخارجي للجماعة، وبالتالي عند دراستها ينبغي تفكيك كل هذه العناصر ودراسة طبيعة الدور الذي يلعبه كل عنصر على حده. إلا أن متخيل النسب يحتل المركز الرئيس في فكر الجماعة معززاً بالمعتقد الديني القاضي بأفضلية النسب النبوي الشريف وأحقيته بالحكم.

دور المتخيل القبلي في طبيعة الصراع

يرى غولدسميث، في دراسته للطائفة العلوية في سوريا وقدرتها على التحكم في السلطة بالرغم من أنها تمثل أقلية في المجتمع السوري، أن كثير من العلويين ينظرون إلى حكم الأسد باعتباره رمزاً لحصولهم على المساواة في المجتمع السوري بعد قرون من التهميش وعهد من الإضطهاد(33). وهنا يمثل عنصر المظلومية عامل مشترك بين الطائفة العلوية في سوريا وبين جماعة الحوثي في اليمن، حيث تنزع جماعة الحوثي في خطابها وسلوكها إلى رفع شعار المظلومية والإقصاء المتعمد من قبل النظام السياسي السابق، ومثقلة بحَمل إرث تاريخ الصراعات بين الدولة الامامية منذ سقوطها في الستينات مروراً بالحروب الست مع نظام علي صالح، وانحسار وجودهم في الفضاء السياسي والفكري لصالح تيارات سياسية وفكرية أخرى. فضلاً عن الإهمال المتعمد من قبل النظام السابق لمحافظة صعدة التي هي معقل الجماعة الرئيس. وهذا فعلياً عمل على خدمة الجماعة بأن منحها منطقة ذاتية استخدمتها الجماعة كمخبر للإعداد والتكوين العسكري والفكري وغيره. كما يمكننا هنا أن نميز بين طرح غولدسميث وبين الحالة اليمنية، حيث أن غولدسميث استند أساساً على تكوين طائفي واضح ومحدد. والفرضية الرئيسية في بحثه أنه بالإمكان توسيع نظرية ابن خلدون في العصبية لتشمل الطائفة، وهذا النموذج ككل يرفضه بشارة بشدة(34). بينما جماعة الحوثي، وإن كان لها توجهاتها الطائفية الواضحة، إلا أنها تحاول أن لا تكون هي الدولة بل تسعى إلى أن تكون هيئة مرجعية للدولة كما تسعى إلى أن تتلبس في جسم الدولة في محاولة لمحاكاة حزب الله في لبنان، حيث أنها تحاول الإندماج في المجتمع اليمني، والتقرب من القبائل واستخدامهم في معركتها، إضافة الى الجيش ومؤسسات الدولة الأخرى بصور مختلفة، كما أنها تهتم في مسألة التحالفات مع الأحزاب السياسية وإن كانت تحالفات هشّة كونها لا تلتزم بتحالفاتها وتنظر إلى الأطراف الأخرى كوسائل لتحقيق أهدافها، ومثال على ذلك تحالفها مع حزب المؤتمر الشعبي العام بزعامة الرئيس السابق علي صالح _ الذي أعلن فك التحالف معهم مؤخراً وتم تصفيته على إثر ذلك- ، إلا أن هذه المؤشرات تشير إلى أنها تحاول أن لا تضع نفسها في المواجهة بمفردها، علاوة على كل ذلك فهي قائمة أساساً على عصبية النسب القبلي أولاً، ثم العامل الطائفي. وهذا ما يختلف باعتقادنا مع الحالة السورية التي درسها غولدسميث. وثمّة مشترك بين الحالتين في التعصب كما يشير اليه غولدسميث في حالة الطائفة العلوية أن تعصبها قائم على الخوف من أن تفقد الحكم كونها أقلية لصالح الأكثرية(35). وذلك الخوف هو العامل ذاته المتجسد في الاصطفاف السلالي عند جماعة الحوثي كما أشار اليه الباحث الحميري، كما سيأتي.

على أية حال، يمكننا هنا أن نجسد الدور الذي لعبه متخيل النسب الهاشمي في عصبية جماعة الحوثي بما أسماه الباحث الحميري ب “الاصطفاف السلالي” للقبيلة الهاشمية، حيث اجتمعت في هذه الحالة عصبيات متعددة هي عصبية الدم، وعصبية الدين، وعصبية المنطقة، وعصبية تحقيق المصلحة، مستنداً بذلك إلى التعريف الخلدوني للعصبية وغايتها التي تتجسد في التعصب للمناصرة والنعرة. كما يرى أيضاً أن ذلك الاصطفاف لمختلف الأُسر التي تدعي انتماءها للنسب الهاشمي كان عاملاً فاعلاً في استيلاء الحوثيين على السلطة في 2014. إضافة إلى ارتباط ذلك بمصلحة استعادة الدور والمكانة الاجتماعية المرموقة لتلك الأُسر، والحصول على الإمتيازات والقرب من السلطة، وهذا ما جعلها في مقدمة الصفوف سعيا وراء فرصة لاستعادة مكانة وخلق وضع اجتماعي جديد. كما أن هذه الفئة (الهاشمية) ظلت تشعر بالحنين نحو استعادة مجدها، واستعادة هذا المجد لن يتأتى إلا من خلال مثل هكذا اصطفاف. كما أن هذا الاصطفاف يأتي في سياق الخوف من سقوط مشروعهم الذي سيكون وبالاً عليهم بشكل عام، وهذا ما يجعلهم على قلب رجل واحد للمحافظة على سلطتهم بكل ما أمكنهم ذلك(36). علاوة على ذلك، فإن هذا الاصطفاف والتجييش لهذا المشروع من قبل الأُسر الهاشمية في شمال اليمن تحديداً(37). كما يبرز هنا تفاوت أخر يظهر في الأُسر الهاشمية الغنية خصوصاً التي تعاقبت على حكم اليمن مثل بيت المتوكل، المنصور، شرف الدين، وبيت حميد الدين. ويحدث ذلك التمايز بين الأسرة الهاشمية نفسها فهناك أُسَر ترى نفسها “سادة السادة” باعتبار أنها تمتاز بوضوح النقاء السلالي المرتبط بالرسول صلى عليه وسلم من ناحية، والتميز بالفقه الشرعي من ناحية أخر(38). كما شهدت الفترة بعد سيطرة جماعة الحوثيين على السلطة بروز أسَر هاشمية أخرى إلى المقدمة مثل أسرة الشامي، والعماد والمؤيد وحصولها على مناصب وامتيازات سياسية وعسكرية(39). وبناء على هذا، يمكن القول بأن متخيل النسب الهاشمي مثّل بوصلة حركة الجماعة الحوثية في استيلاءها على السلطة في 2014، كما أنه يعد الدينامو المحرك لماكنة الحركة الحوثية في إدارة شؤون الدولة في شقيها المدني والعسكري.

الطريق الى صنعاء

نصل الى السؤال المحوري في هذه الورقة وهو كيف تمكنت جماعة الحوثي من اعتلاء عرش السلطة بالغلبة القهرية وكسب المعركة؟

اذن يتضح مما سبق عن طبيعة تكوين الجماعة الحوثية وتركيبتها المعقدة والمتداخلة أن البعد القبلي أو النسب الهاشمي يمثّل العنصر الرئيس في البنية الفكرية للجماعة. ولكن ما طبيعة الدور الذي لعبه هذا البعد في إيصال الحركة الى الحكم، وهل يعتبر دور “عصبة الجماعة” بمفرده هو السبب المباشر في تفسير صعودهم الى السلطة، كما ترى النظرية الخلدونية؟ أم أن هناك عوامل أخرى ساهمت في تعبيد الطريق للجماعة منذ بدء اندلاع شرارة الصراع في محافظة صعدة حتى اسقاط صنعاء ومن ثمّ الاستيلاء على الدولة في 21 سبتمبر 2014.

بعد خروج اليمن من مرحلة الحوار الوطني، الذي عقد بموجب المبادرة الخليجية المزمنة، بالتوافق على مجموعة من الأطر النظرية التي من المفترض أن تؤسس للبناء السياسي والدستوري في البلاد. فقد أخذ الانقسام الذي اندلع خلال الثورة بين قوى الثورة ونظام صالح أخذ يتطور بشكل أكثر خطورة. وانفجرت الأوضاع عسكرياً في دماج وبعدها سقوط عمران في أيدي الحوثيين مطلع يوليو 2014، ليتوّج بسقوط صنعاء أواخر سبتمبر منذ العام نفسه. وبالرغم من أن الحوثيين يمثّلون العنوان الأبرز للموجة التي اندفعت من “شمال الشمال” على السيطرة على صنعاء فهم لا يمثلون فيها إلا عنوانها. وهناك تفصيليات كثيرة تشير إلى مشاريع انقسامية مختلفة(40). أي أن تحركات جماعة الحوثي العسكرية نحو صنعاء لم تكن حركة انفرادية تمثّل المشروع الحوثي وحده، إنما ترافقت معها مشاريع متعددة الأطراف ناتجة عن الخلخلة التي حصلت في الموازين السياسية الداخلية والخارجية بعد الثورة. فهناك قوى الرئيس السابق علي صالح، وهناك خصوم قبليون لآل الأحمر الذين شكّلوا مشيخة قبائل حاشد لعقود طويلة، وهناك خصوم حزب الإصلاح، إضافة الى العامل الجغرافي المتمثل في معادلة “الجبل والسهل” الجبل الأعلى (شمال الشمال) الحاكم، والسهل المحكوم (الجنوب)(41).

وقد شكلت هذه الأرضية من الانقسامات في المشاريع السياسية في البلد -في هذه اللحظة تحديدا-ً تهيئة لحدوث تحرك محتمل من أحد الأطراف، حيث أن الأداء الضعيف لإدارة الرئيس عبد ربه منصور قد شجّع قوى مختلفة داخلياً وخارجياً للإنقلاب عليه. وخصوصاً الرئيس السابق علي صالح. حيث كان لا يزال يحتفظ بحضور عسكري وقبلي وسياسي كبير، إلى جانب الحصانة من الملاحقة القانونية التي حصل عليها وبعض من أركان نظامه، والظروف السياسية الهشة التي رافقت المرحلة قد شجعته على العودة مجدداً إلى السلطة بطرق مختلفة. وبالتالي فإن سقوط صنعاء كان محصلة نهائية لمجموعة من العوامل والأسباب كما يشير الباحث اليمني محمد جميح منها:

موقف المؤسسة العسكرية

يعاني الجيش اليمني بصورة عامة من انقسام واضح بين ألوية الحرس الجمهوري المنحل الذي كان يقوده نجل الرئيس السابق العميد أحمد علي صالح، وبين بقية القطاعات العسكرية وعلى رأسها الفرقة الأولى مدرع المنحلّة بقياد اللواء علي محسن الأحمر، الذي قاد الحرب على الحوثيين من جانب الدولة سابقاً في صعدة. ما جعله محل تركيز جماعة الحوثي بعد دخولهم صنعا. وقد أثرت الخصومة الشديدة بين وزير الدفاع- حينها- محمد ناصر أحمد واللواء الأحمر على أداء الجيش في مواجهة الحوثيين في عمران وصنعاء، حتى أن وزارة الدفاع صرحت أن الجيش يقف على الحياد في الصراع، حيث أن وزير الدفاع كان يصور الصراع على أنه بين جماعة الحوثين وحزب الإصلاح. وقد هيأت هذه الانقسامات من حدوث اختراق حوثي مبكر(42). وهذا يشير إلى الدور الذي لعبه الجيش في تسهيل زحف الحوثيين إلى صنعاء من ناحيتين هما: التغلغل الحوثي في بنية الجيش، وثانيها وقوف الجيش موقف الحياد من المواجهات مما سهل الزحف الحوثي المسلح للإتجاه نحو صنعاء.

دور الرئيس السابق

بالرغم من أن صالح خاض ستة حروب مع جماعة الحوثي باعتبارهم تمرد مسلح على الدولة انتهت في 2010، الا انه استطاع بناء استراتيجية للتحالف غير المباشر أو غير المعلن* وذلك من عن طريق مشائخ القبائل المؤيدين له من قبيلة حاشد ومن غيرها، حيث أعطاهم الضوء الأخضر للتنسيق مع جماعة الحوثي بدون أن يكون بارزاً في الصورة، كما تحدثت تقارير كثيرة عن تسهيلات قدمها حلفاء صالح للحوثيين مكنتهم من دخول صنعاء(43). وقد أكد ذلك المتحدث باسم جماعة الحوثي محمد عبد السلام بوجود تنسيق مسبق مع عسكريين ومسؤولين وسفارات(44). كما أن المبعوث الدولي إلى اليمن- حينها- جمال بن عمر تحدث في حوار متلفز أن أطرافاً سهّلت دخول الحوثيين صنعاء، كما ذكر أن أطرافاً تعمل في الخفاء وسهلت للحوثي احتلال العاصمة(45). ودور علي صالح لا يعني أن لديه الرغبة الفعلية للتحالف مع الجماعة بقدر ما اتخذه اجراء تكتيكي للعودة إلى السلطة باستخدام الحوثيين لضرب خصومه السياسيين من قوى الثورة وإجهاضها. وبالتالي فقد استخدم صالح مختلف أوراقه القبلية والسياسية والعسكرية في مساندة الحوثيين لإسقاط الدولة. حيث كان يعتقد أن بإمكانه التخلص منهم في نهاية المطاف والحسم العسكري لصالحه، الأمر الذي قاد الجماعة إلى تصفيته قبل أن يقدم على تلك الخطوة.

النفوذ والدعم الإيراني

لم يعد حجم التدخل الإيراني بصورة خفية، حيث تم الإعلان عن ضبط ست خلايا تجسس إيرانية مع وجود أدلة على قيام إيران بتوريد أسلحة للحوثيين خلال السنوات الماضية(46). وفقاً لمساعي النفوذ الإيراني في المنطقة، وقد تجلى ذلك بسقوط صنعاء بأيدي الجماعة، الأمر الذي عدّه الرئيس الإيراني حسن روحاني “نصراً مؤزراً” كما عدّه مندوب طهران في البرلمان الأوربي محمد رضا زاكاني سقوط للعاصمة الرابعة في يد إيران(47). ويأتي الموقف الإيراني الداعم لجماعة الحوثي لجوانب سياسية لمد نفوذها على الخليج والسعودية بالتحديد، ومن ناحية فكرية مذهبية في إطار الطائفة الشيعية.

الموقف الخليجي والدولى

ساند الموقف الخليجي علي عبد الله صالح خلال الثورة وكان الموقف السعودي خصوصاً أكثر وضوحاً في مواجهة الثورة، ودعم علي صالح. اعتقاداً منهم بأن الثورة هي وسيلة حزب الإصلاح، الخصم التاريخي لها، للوصول إلى السلطة. وبالتالي فقد تمكنت الثورة على مضض أن تحقق نجاحاً محدوداً تمثل في التوقيع على المبادرة الخليجية، والتي هي في الواقع إنقاذاً لعلي صالح ومحاولة لاحتواء الثورة، إلا أن السعي لإجهاضها كان قائماً، والخيارات ربما متاحة بدون حدود. وهذا عمل على تهيئة الجو الخليجي في الرغبة لإحداث خلخلة وضرب المرحلة الإنتقالية، التي من المفترض أن تعقبها مرحلة سياسية جادة تعمل على صياغة مشروع دولة وإخراج البلد من دوامة الصراع السياسي. وقد برز الموقف الخليجي بصورة واضحة بعد اعلان ما سُمي ب “اتفاق السلم والشراكة” الذي تم توقيعه في مساء سقوط صنعاء، ووقعه مختلف الفرقاء السياسيين بحضور الرئيس هادي، ولعل مباركة مجلس التعاون الخليجي لهذا الاتفاق إما بالخديعة أو الإقرار بأمر واقع يتجلى في سيطرة الحوثي على مفاصل الدولة اليمنية، ودفن المبادرة الخليجية. برغم أنه حصل تراجعاً للموقف الخليجي بعد ذلك(48). إضافة إلى ذلك الموقف الدولي الذي سارع في شرعنة وصول الحوثي إلى السلطة ممثلاً في المبعوث الدولي الذي ساهم في عقد الإتفاق بدعم المجتمع الدولي ولم يعده انقلاباً على السلطة الشرعية.

كما تمثلت العوامل المتعلقة بقدرات جماعة الحوثي لذاتها في الآتي(49):

– ترسيخ العقيدة الحوثية في القتال.

– الكفاءة القتالية العالية المستفيدة من تراكم الخبرات في المعارك السابقة.

– توحد القبائل الشيعية تحت الراية الحوثية.

الخلاصة

بالرغم من الدور الذي يلعبه النسب الهاشمي في تكوين عصبية جماعة الحوثي، وقدرتها على الحشد الهاشمي والمذهبي وحتى العامة التي استجابت لها في معركتها للوصول إلى السلطة، إلا أنه من غير الممكن القول بأن هذا سبب كاف لتفسير صعود الجماعة إلى السلطة بقوة السلاح. ولكن ذلك لعب دوراً رئيسياً واضحاً في إيجاد الكتلة الحوثية الواحدة والتهيئة لتنفيذ الإنقلاب المسلح على الدولة. وهذا لا ينفي سعي الحوثي بمفرده على الوصول إلى السلطة والاستحواذ بأحقية الحكم. ولكن حديثناً هنا حول إمكانيته من إنجاز ذلك بمفرده وبأساليب القوة التي تتوفر لديه. ولذلك فإن تفسير مقدرة الجماعة الحوثية في إسقاط الدولة يرجع إلى أسباب وعوامل عديدة تم ذكر بعضها مسبقاً، ولولا وجود هذه التسهيلات الداخلية والخارجية وموقف الجيش الذي امتنع عن المواجهة رسمياً بحسب ما أعلنته وزارة الدفاع. إلى جانب الموقف الإقليمي والعالمي الذي كان متماهيا مع تحركات دخول صنعاء. لما تمكنت جماعة الحوثي من اسقاط صنعاء والسيطرة على الحكم بعصبيتها وقوتها مهما بلغت تلك القدرات العسكرية. وهنا نتفق مع ما طرحه عزمي بشارة في القضية السورية أن لولا وجود مؤسسات دولة حديثة مكنت العلويين للوصل إلى السلطة وليس بعصبيتهم العلوية لما تحقق لهم ذلك. وهنا يوجد هناك مفارقة أخرى بين الحالة السورية التي وصلت إلى السلطة باسم اليسار والحزب السياسي، بينما جماعة الحوثي وصلت السلطة، بمساعدة مختلف العوامل من التحالفات الخارجية والداخلية والجيش والقبائل، بناءً على هويتها كجماعة مسلحة يقودها عبد الملك الحوثي باعتباره حفيد رسول الله، وممثل عن النسب الهاشمي وليس باسم تيار سياسي أو غيره. ومن المفيد هنا الحاجة الى دراسة إمكانية استخدام الجماعات والعصبيات المختلفة مؤسسات الدولة الحديثة للوصول إلى السلطة مثل التغلغل في الجيش أو اختراق الأحزاب السياسية الأخرى أو توافق مصالحها مع مصالح القوى الإقليمية والدولية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش

1) ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، تحقيق علي عبد الواحد وافي، (الجيزة: دار نهضة مصر للنشر،2014)، ج1، ص29.

2) ابن خلدون، كصدر سابق، ص 30.

3) المصدر السابق، ص 38.

4) المصدر السابق، ص 39.

5) المصدر السابق، ص 46-47.

6) جهاد السعايدة، “دراسة تحليلية نقدية للمآخذ على فكر ابن خلدون في نظرته للعرب ونظريتي العصبية والدولة والمنهج الذي اتبعه”، (مجلة دمشق، 2014)، مج 30، ع 3+4، ص 501-500.

7) محمد الدقس، “العصبية الخلدونية ووظيفتها الاجتماعية والسياسية”، مجلة جامعة الملك سعود، م2، الآداب (2)، 1990، ص 733-734.

8) محمد الدقس، مصدر سابق، ص 503.

9) ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، تحقيق علي عبد الواحد وافي، (الجيزة: دار نهضة مصر للنشر،2014)، ج2، ص 480.

10) ابن خلدون، المصدر السابق، ص 485.

11) على الوردي، منطق ابن خلدون في ضوء حضارته وشخصيته، (تونس: الشركة التونسية للتوزيع، 1977)، ص 99. (نقلاً عن جهاد السعايدة، “دراسة تحليلية نقدية للمآخذ على فكر ابن خلدون في نظرته للعرب ونظريتي العصبية والدولة والمنهج الذي اتبعه”، مصدر سابق، ص 504).

12) عزمي بشارة، الطائفة الطائفية والطوائف المتخيلة، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات، 2018)، ص 285-286.

13) عزمي بشارة، مرجع سابق، ص 288-289.

14) عزمي بشارة، مرجع سابق، ص 289.

15) ينظر نموذجاً لمحاولة اسقاط نظرية ابن خلدون على الحالة السورية: ليون ت. غولدسميث، دائرة الخوف: العلويون السوريون في الحرب والسلم، ترجمة عامر شيخوني، مراجعة وتحرير مركز التعريب والترجمة، (بيروت، الدار العربية للعلوم ناشرون، 2016).

16) عزمي بشارة، مصدر سابق، ص 287-277.

17) عزمي بشارة، مصدر سابق 2018، ص 285.

18) عبد الله الغذامي، القبيلة والقبائلية أو هويات ما بعد الحداثة، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2009، ص 25.

19) محمد نجيب بو طالب، سوسيولوجيا القبيلة في المغرب العربي، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2002)، ص 61. غلنر.

20) محمد نجيب بو طالب، مصدر سابق، ص 56.

21) عزمي بشارة، مصدر سابق، ص 278.

22) فضل علي أبو غانم، البنية القبلية في اليمن بين الاستمرار والتغيير (صنعاء: دار الحكمة، 1991)، ص 194. (نقلاً عن محمد الحميري، “الفئات الاجتماعية في اليمن ودورها في المجال السياسي فئة “الهاشميين” مثالاً، 1990-2015″، أطروحة ماجستير، معهد الدوحة للدراسات العليا، 2018، ص 31).

23) سعود المولى، الحوثيون واليمن الجديد: صراع الدين والقبيلة والجوار، (دار سائر المشرق، 2015)، ص 156.

*نشرت الدراسة عام 1991.

**الهاشميون.

***وهي مرتبة اجتماعية تعني الشخصية الاجتماعية الممثلة عن بلدة أو منطقة معينة أمام السلطات المحلية.

24) قائد الشرجبي، الشرائح الاجتماعية التقليدية في المجتمع اليمني، ص 137. (نقلاً عن محمد الحميري، مرجع سابق، ص 12).

25) محمد الحميري، مرجع سابق، ص 12.

26) فضل علي أبو غانم، مصدر سابق، ص 212.

27) محمد الحميري، مصدر سابق، ص 12.

28) أحمد عبيد بن دغر، اليمن تحت حكم الإمام أحمد 1948-1962، (القاهرة: مكتبة مدبولي، 2005)، ص74. (نقلاً عن محمد الحميري، مرجع سابق، ص 12).

29) الحوثية في اليمن الاطماع المذهبية في ظل التحولات الدولية، مجموعة باحثين، (صنعاء: مركز الجزيرة العربية للدراسات والبحوث، 2008)، ص 40،44.

30) المصدر سابق، ص 56، 59، 62.

31) جواد جازع، “الحركة الحوثية في اليمن: دراسة في الجغرافية السياسية، (مجلة ديالي،2011) ع 49، ص 1.

32) أحمد الدغشي، الحوثيون.. الظاهرة الحوثية دراسة منهجية شاملة، (صنعاء: دار الكتب اليمنية، 2009)، ص6.

33) أليوت ت. غولدسميث، مرجع سابق، ص 3.

34) عزمي بشارة، مرجع سابق، ص 289-290.

35) عزمي بشارة، مرجع سابق، ص 290.

36) محمد الحميري، مرجع سابق، ص77-78.

37) محمد الحميري، مصدر سابق، ص 78-79

38) فضل علي أبو غانم، مصدر سابق، ص 215.

39) محمد الحميري، مصدر سابق، ص 79.

40) [1] محمد جميح، ” سقوط صنعاء” ص2.

41) [1] محمد جميع، مصدر سابق، ص 2.

42) محمد جميح، مصدر سابق، ص 3.

· حيث أصبح تحالف معلن عنه وتمخض عن ذلك التحالف تشكيل ما سمي “المجلس السياسي الأعلى” من الفريقين وتم تشكيله في 28 يوليو 2016.

43) محمد جميح، مصدر سابق، ص 6.

44) “الحوثيون: دخلنا صنعاء بالتنسيق مع عسكريين ومسؤولين وسفارات”، الجزيرة نت، تمت المعاينة 28 ديسمبر 2018. https://www.aljazeera.net/news/arabic/2014/10/10/-أنصار-الله-دخلنا-صنعاء-بالتنسيق-مع-مسؤولين-وسفارات

45) صحيفة عكاظ السعودية، 28 سبتمبر 2014، (نقلاً عن محمد جميح، مصدر سابق، ص6)

46) محمد جميح، مصدر سابق، ص12.

47) محمد المذحجي، “طهران تهنيء الحوثيين بالنصر ومسؤول إيراني يهدد السعودية”، القدس العربي 25 سبتمبر 2014. (نقلاً عن محمد جميح، مرجع سابق، ص12). https://www.alquds.co.uk/طهران-تهنيء-الحوثيين-بالنصر-ومسؤول-إي/

48) محمد جميج، مصدر سابق، ص 12-13.

49) إبراهيم منشاوي، وأحمد عبد التواب، “سيناريوهات وخيارات: الصعود الحوثي ومستقبل أمن دول مجلس التعاون الخليجي”، المركز العربي للبحوث والدراسات، تم المعاينة 28 ديسمبر 2018. http://www.acrseg.org/17389

المصادر والمراجع

الكتب

– أبو غانم، فضل علي. البنية القبلية في اليمن بين الاستمرار والتغيير، صنعاء، دار الحكمة، 1991.

– ابن خلدون، عبد الرحمن. مقدمة ابن خلدون، تحقيق علي عبد الواحد وافي، دار نهضة مصر للنشر، الجيزة، ج1، 2014.

– ابن خلدون، عبد الرحمن. مقدمة ابن خلدون، تحقيق علي عبد الواحد وافي، دار نهضة مصر للنشر، الجيزة، ج2، 2014.

– الغذامي، عبد الله. القبيلة والقبائلية أو هويات ما بعد الحداثة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2009.

– الحميري، محمد. “الفئات الاجتماعية في اليمن ودورها في المجال السياسي فئة “الهاشميين” مثالاً، 1990-2015″، أطروحة ماجستير، معهد الدوحة للدراسات العليا، 2018.

– الحوثية في اليمن الاطماع المذهبية في ظل التحولات الدولية، مجموعة باحثين، صنعاء، مركز الجزيرة العربية للدراسات والبحوث، 2008.

– الدقس، محمد. ” العصبية الخلدونية ووظيفتها الاجتماعية والسياسية”، مجلة جامعة الملك سعود، م2، الآداب (2)، 1990.

– الدغشي، أحمد محمد. الحوثيون.. الظاهرة الحوثية دراسة منهجية شاملة، صنعاء، دار الكتب اليمنية، 2009.

– المولى، سعود. الحوثيون واليمن الجديد: صراع الدين والقبيلة والجوار، دار سائر المشرق، ط1، 2015.

– بشارة، عزمي. الطائفة الطائفية والطوائف المتخيلة، بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات، 2018.

– بو طالب، محمد نجيب. سوسيولوجيا القبيلة في المغرب العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2002.

– عزمي بشارة. الطائفة الطائفية والطوائف المتخيلة، بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات، 2018.

الدوريات

– جهاد السعايدة، “دراسة تحليلية نقدية للمآخذ على فكر ابن خلدون في نظرته للعرب ونظريتي العصبية والدولة والمنهج الذي اتبعه”، مجلة دمشق، 2014، مج 30، ع 3+4.

– جازع، جواد. “الحركة الحوثية في اليمن: دراسة في الجغرافية السياسية، مجلة ديالي، ع49، 2011.

الأوراق البحثية/ التقارير

– الذهب، علي. “قدرات الحوثيين العسكرية: القدرات والاستراتيجيات”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018.

– جميح، محمد. “المشهد اليمني بعد سقوط صنعاء”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014.

مراجع أجنبية

– Goldsmith, Leon. Cycle of Fear: Syria’s Alawites in War and Peace. Oxford University Press, 2015.
المصدر/ المركز العربي للبحوث والدراسات



الانتقال السريع

النشرة البريدية