النساء والكتابة (7): تظلم الكاتبة إذا تمت محاكمتها على يد نقاد أقل وعياً وإبداعاً منها

    122

    خاص: إعداد- سماح عادل

    تؤكد بعض الكاتبات على أن شغف الكتابة أهم وأقوى من الصعوبات التي تواجهها، ومشكلة عدم التفرغ. لكنهن مع ذلك لا ينكرن وجود ظلم من قبل بعض النقاد، ومن قبل من ينتقدون الكاتبات ويفتشون داخل نصوصهن بعدسة مخبر. وترفض بعض الكاتبات الاحتفاء الذي يبديه بعض الكتاب الذكور بأنصاف المبدعات، مما يسبب الخراب والفوضى والإعلاء من شأن النصوص الرديئة على حساب إعطاء الكاتبات الموهوبات حقهن من الاحتفاء والتقدير.
    لذا كان لنا هذا التحقيق الذي يجمع آراء الكاتبات من مختلف بلدان منطقة الشرق حول الصعوبات التي تواجهها النساء حين يقررن أن يصبحن كاتبات، وتضمن التحقيق الأسئلة التالية:
    1. هل تواجه الكاتبات صعوبات للتفرغ للكتابة مثل عملها، ومهام الأمومة ورعاية الأسرة وأعمال المنزل؟
    2. هل العوائق التي تمنع الكاتبات من التفرغ تؤثر على إنتاج الكاتبات سواء على مستوى الكم وأيضا الكيف؟
    3. هل تشعرين بالظلم حين تتم مقارنة نصوص الكاتبات من النساء بنصوص وإنتاج الكتاب من الرجال رغم التفاوت الكبير في إتاحة الفرص وتوافر إمكانية التفرغ؟
    4. ما رأيك في انتقاد البعض للجرأة في كتابات النساء والذي قد يصل إلى حد الوصم؟
    5. هل تشعرين أن كتابات النساء مظلومة من قبل النقاد والمهتمين بالأدب؟


    الأدب الهجين..
    تقول الكاتبة التونسية “خيرة الساكت”: “تمثل الكتابة حاجة ضروريّة وأساسية لا تقلّ أهميّة عن باقي الحاجيات البيولوجية للإنسان. وقد كان مجال الكتابة مفتوحا دائما على مصراعيه أمام الرجال والنساء، إلاّ أنّ المرأة الكاتبة تتعثر في مسيرتها الأدبيّة أكثر من الرجل. وقليلات هنّ من تمكنّ من مواصلة الدرب والصمود نظرا لعراقيل عديدة تكتسي صبغة اجتماعية بالأساس.
    فالمرأة تعمل ومطالبة بانجاز عملها على أكمل وجه، كذلك الالتزامات العائلية كالأطفال والاعتناء بهم من جميع الجوانب، أيضا تواكل الزوج وتكاسله عن القيام بواجبه ومساعدة الزوجة وعدم وعيه بأن الحياة الزوجية تشاركيّة. و بهذا صارت كل المسؤوليات على عاتق المرأة التي يجب أن تكون كائنا خارقا حتى تنجز كل تلك المهام الجمّة التي يمكن لها أن تستنزف الإنسان و تسرق عافيته وعمره دون أن يشعر.
    ويحدث أن تنجح المرأة الكاتبة في اقتناص بعض الوقت لنفسها لتعانق الحرف فتصدم باحتجاجات غريبة وعجيبة من قبيل ما الفائدة من الكتابة؟، والأجدى الاهتمام بالعائلة بدل تضييع الوقت، وهكذا إلى أن تعجز الكاتبة عن التفرّغ للكتابة أو تخصيص حيّز زمنيّ يوميّ للكتابة كما يفعل الرجل الكاتب. ينعكس هذا الضغط سلبا على عطاء الكاتبات فمن حيث الكم لا يمكن لمن لا يتوفر له الوقت أن يكتب نصوصا عديدة، أمّا الكيف أي نوعية النصوص ومدى حرفيّتها، فالجميع يعرف أنّ تطوّر النصوص يتطلّب الاستمرارية والتدرّب الدائم على الكتابة، فنجد أنفسنا مرّة أخرى أمام معضلة الوقت التي لا يتوفر للمرأة الكاتبة”.
    وتواصل: “ثم يأتي النقّاد ويصنّفون ما تكتبه المرأة كنوع من الأدب الهجين الذي لم يبلغ بعد مرتبة الأدب الإنساني. يطلقون عليه اسم الأدب النسوي رغم أنّهم لا يسمون الأدب الذي يكتبه الرجال أدبا رجاليا، وهي مفارقة غريبة. و تتمّ دائما مقارنة إنتاج الكاتبات بإنتاج الكتّاب من الرجال دون مراعاة للظروف المتاحة للمرأة الكاتبة، وهذه المقارنة ليست الغاية منها المساواة بين المرأة والرجل بل هي وسيلة لذرّ الرماد في العيون، لأنّ المقارنين هنا يدركون جيّدا أنّ الكفّة ستميل لحساب الرجل نظرا لتفرّغه للكتابة وتوفّر الظروف الملائمة لذلك، يعني الظلم مقصود ومبيّت”.
    وتضيف:”أنا أكتب عن كل القضايا والمواضيع وألاحظ ذلك الانزعاج من أقرب المقرّبين لي ومحاولة إسقاط محتوى النص على حياتي الخاصة. المرأة الكاتبة في موضع اتّهام دائما وكأنّ المرأة لديها الحق في الكتابة عن مسائل معينة، وممنوعة من ولوج بعض الزوايا التي يرى فيها البعض محرّمات وأشياء خاصة بالرجل فقط.. كمثال موضوع الجنس إذا ما كتب الرجل عن الجنس يمرّ الأمر بسلام، أمّا إذا ما تناولته المرأة فتكون ردود الفعل عنيفة تصل حدّ الاتهام بالانحلال الأخلاقي وتشويه السمعة.
    وكنتاج لذلك انكفأت المرأة الكاتبة على نفسها في كتاباتها وصار صوت الضحيّة والصراخ الهستيري يتردّد في نصوصها. سلّط النقّاد الضوء على كتابات الرّجل وقاموا بتضخيم بعض الأسماء وتنصيبهم كرموز ومراجع للأدب حتى خلناهم آلهة لا يمكن مناقشتها. أمّا الكتابات النسائية فقد أهملت وتجاهلوها، وحتى إن تمّ الاهتمام ببعضها فهو اهتمام عرضيّ سرعان ما ينطفئ. في وضعنا الراهن بدأت تظهر بوادر تغيير في الأفق خاصّة مع ولوج المرأة عالم النقد ولكن تبقى الضغوطات المسلّطة على المرأة الكاتبة قائمة”.


    الاحتفاء بأنصاف المبدعات..
    وتقول الكاتبة العراقية “د. عالية خليل”: “أتصور أن المرأة العربية في قرننا الحالي قد تسنمت مواقع متقدمة على خريطة الإبداع الأدبي والنقدي، ولم يعد الحال على ما كان عليه مع بداية القرن العشرين حتى الثلث الأخير منه، حيث كانت التقاليد الاجتماعية الصارمة تكبحها من الإمساك بزمام القلم .لا يعني ما تقدم أن وضع المرأة الكاتبة قد أصبح مثاليا فما زال هنالك الكثير ما يمكن انجازه أو تجاوزه بعد، ألاحظ في الوسط الأدبي والثقافي العراقي تحديدا ظاهرتين تعيقان المرأة عن التفوق الأدبي وإخلاء مساحات شاسعة للرجل للهيمنة والتكبر”.
    وتضيف: “الظاهرة الأولى بالإمكان أن أطلق عليها (داء الجدات) هو داء وبيل أصاب ويصيب الكثير من المبدعات، يتمثل في الإخلاص للحياة الاجتماعية على حساب الإبداع، أعرف الكثير من الشاعرات والناقدات العراقيات النابهات بعد فترة قصيرة من سطوعهن الأدبي أو إكمالهن دراستهن الأكاديمية العليا يسقطن في بوتقة الزواج ومن ثم الأمومة وإدارة شؤون المنزل. إضافة إلى العمل الوظيفي الروتيني المرهق، مما يستنفذ طاقتهن الذهنية والجسدية ويكلفهن ثمن الوقوف في منتصف المسافة بين المرأة التقليدية وبين المرأة الأخرى المستقبلية المضحية بالحياة الاجتماعية في سبيل أن تقبض على جذوة الإبداع.
    الظاهرة الثانية وجود ظاهرة مدعيات الأدب والكتابة أو لنقل أنصاف الأدبيات، هؤلاء يأخذن فرص المبدعات الحقيقيات في النشر وفي اهتمام الجمهور والنقاد سواء صحفيا أو على مواقع التواصل الاجتماعي، البعض من النقاد والمروجين للنتاج الأدبي مثل الناشرين والصحفيين من الذكور يجاملون أنصاف الأدبيات في الكتابة عنهن، وإهمال الإبداع النسوي الوضاء ليقول بعدها هؤلاء الذكور أنفسهم، الذين يعيثون في الأوساط الأدبية خرابا ولعبا، أن إبداع المرأة لا يرقى للكتابة الذكورية”.


    شغف الكتابة..
    وتقول الكاتبة لسورية “نور قزاز”: “من وجهة نظري لا أحب أن تسرق الكتابة حياتي ومتعة تفاصيلي اليومية، أحب أن أستمتع بأمومتي ورعاية أسرتي والقيام بمسؤولياتي بقدر مقبول، طالما اخترت ذلك. وأن أحول الكثير من مجرياتي الحياتية إلى مادة للكتابة وأسجل الكثير من المواقف والمشاعر أو الأحداث التي لفتت انتباهي خلال يومي، وبذلك لن أتذمر سواء أن كان العمل خارج المنزل أو داخله، ومن لديها شغف الكتابة ستجد في كل ما تفعله حبراً ومصدر إلهام، بالإضافة إلى أنه في ظل التكنولوجيا تستطيع المرأة استثمار الوقت بشكل إبداعي كأن تعتمد على سماع الكتب المسموعة في الأوقات التي تتطلب منها الجهد الحركي”.
    وعن تأثير العوائق على الإنتاج تقول: “أكيد يؤثر ولكن على مستوى الإنتاج الكمي. يجب أن لا يشكل الأمر هاجساً بداخلنا فأنا لا أحب ممارسة الضغط على نفسي، ما يهم هو مستوى الإنتاج الكيفي وذلك يعود لقدرة الكاتبة الإبداعية وتنظيم وقت مخصص لها”.
    وعن الشعور بالظلم من المقارنة تقول: “لا أحب فكرة المقارنة من أساسها لا بين نصوص الذكور ولا الإناث، لأن كل نص وله جماله وعطره الخاص الذي لابد أنه سيعجب البعض ولا يعجب البعض الآخر “.
    وعن الانتقاد للجرأة في كتابات النساء: “أسميه قلة نضج بالوعي، كلما نضج الإنسان فكرياً وأخلاقيًا يترك للآخر مساحة التعبير والكتابة بحرية دون المساس به، سواء أن كانت تلك الكتابة تروق له وتتوافق مع ذوقه ومبادئه أم لا، ربما تقتضي حريته في التعبير عن آراءه بأن يكتبها بشكل عام عن موضوع ما قد تناولته إحداهن ولكن دون النقد المباشر والوصم لكاتبة بعينها.
    مثلاً إن كان ضد جرأة إحداهن في التطرق لمواضيع هو يراها من وجهة نظره غير مناسبة لأن تتحدث عنها الأنثى، يستطيع أن يكتب رأيه بتجرد بموضوع مستقل.
    وعن النقاد تقول: “تظلم الكاتبة إذا كانت محاكمتها على يد نقاد أقل وعياً وإبداعاً منها”.

     

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا