النساء والكتابة (5): المرأة موسومة بأنوثتها ومطاردة من كل ما يمس “ذكورية” الرجل وفحولته

    86

    خاص: إعداد- سماح عادل

    من الصعوبات التي تواجه الكاتبات القراءات الأخلاقية، أي التفتيش داخل النصوص عن أي اختراقات للقيم والعادات المجتمعية، وبالتالي الوصم، والذي ينم عن عقلية ذكورية شرقية، كذلك عدم بالاعتراف بجودة نصوص الكاتبات وببراعتها نتيجة لكون كاتب النص امرأة. وهناك صعوبات أخرى.
    لذا كان لنا هذا التحقيق الذي يجمع آراء الكاتبات من مختلف بلدان منطقة الشرق حول الصعوبات التي تواجهها النساء حين يقررن أن يصبحن كاتبات، وتضمن التحقيق الأسئلة التالية:
    1. هل تواجه الكاتبات صعوبات للتفرغ للكتابة مثل عملها، ومهام الأمومة ورعاية الأسرة وأعمال المنزل؟
    2. هل العوائق التي تمنع الكاتبات من التفرغ تؤثر على إنتاج الكاتبات سواء على مستوى الكم وأيضا الكيف؟
    3. هل تشعرين بالظلم حين تتم مقارنة نصوص الكاتبات من النساء بنصوص وإنتاج الكتاب من الرجال رغم التفاوت الكبير في إتاحة الفرص وتوافر إمكانية التفرغ؟
    4. ما رأيك في انتقاد البعض للجرأة في كتابات النساء والذي قد يصل إلى حد الوصم؟
    5. هل تشعرين أن كتابات النساء مظلومة من قبل النقاد والمهتمين بالأدب؟


    حكاءة بالفطرة..
    تقول الكاتبة المصرية “أمل رفعت”: “إذا أحبت المرأة الكتابة فسوف تجد بعض الوقت بالرغم من كافة انشغالاتها التي لا يمكن أن تقصر فيها أبدًا كأمومتها وزوجها وبيتها وعملها، وبالرغم من ضيق الوقت ستجد فسحة صغيرة تخلو فيها إلى نفسها وتكتب قصة أو شعرًا أو فصلًا من رواية، أو حتى خاطرة وقد نجدها تكتب مقالات على حلقات وتقدمها إلى الصحف والمجلات؛ بل نجد أحيانًا أن الإجهاد من متطلبات الحياة يدفع المرأة الكاتبة إلى الاسترخاء والتأمل كجزء من الراحة وفي نفس الوقت عقلها مشغول بالبحث عن فكرة جديدة تتولد في شكل نص أدبي سواء كان سردًا أو شعرًا أو نثرًا”.
    وعن العوائق وتأثيرها على الإنتاج: “بالنسبة إلى إنتاج أي كاتب لا يقاس أبدًا بالكم، وقياسه بجودة العمل، وهناك أعمال تستغرق من الكتاب عدة سنوات لإخراجها كما ينبغي ويكون راضيًا عن العمل تمام الرضا، وليس معنى هذا أن العوائق لا تؤثر بل تؤثر من دون شك، ولكنني أرى أن التأثير يكون إيجابيًا نظرًا لإعادة النظر في العمل كلما تركته الكاتبة ثم عادت إليه مرة أخرى، وستجد نفسها أعادت صياغته بصورة جيدة مع مراعاة الفارق الزمني في الكتابة”.
    وعن الشعور بالظلم من المقارنة تقول: “لا أشعر بالظلم أبدًا في المقارنة بين الكتاب من الجنسين، حيث أنه من يقوم بتلك المقارنة بالتأكيد يكون ناقدًا موضوعيا حياديًا بصرف النظر عن جنسه، فهو يضع مقاييس ومعايير لتلك المقارنة سواء كانت أكاديمية أو حتى تذوقية؛ تبين أيهما الأجود، كما أن الكتاب الرجال يتقمصون دور النساء ويعبرون عن مشاعر المرأة بما يسمى كتابة نسوية، وطبعا العكس صحيح مع عدم وجود كتابة رجالية، فالكتابة لا تصنف من وجهة نظري والأفضل هو الأبقى والذي سيتذكره القراء”.
    وعن انتقاد الجرأة تقول: “لا توجد جرأة وعدم جرأة في الكتابة، فالنص أي إن كان هو إما خيال أو فانتازيا أو نقل الواقع بعيون الكاتب، والدين والسياسة والجنس جزء من حياة مجتمعية نعيشها، ولكن للكاتب أدواته الأدبية من خلال لغة عربية فياضة يستطيع قول ما شاء باستخدامها بصورة لائقة حتى وإن كانت مواضيعه تكشف وتعري مشاكل حساسة من المجتمع؛ فلكل كلمة فجة مقابل لها في اللغة يشير إلى نفس المعنى بصورة طبيعية جدا ولا تجرح القارئ”.
    وعن النقاد: “كتابات النساء هي التي تظلم نفسها إن ظلت محصورة في الإشكالية بين الرجل والمرأة أو الصراع بينهما فقط، ففي إمكان الكاتبات الانطلاق بمواضيع شتى يعبرن من خلالها عن مشاعر الآخرين وهناك كتابات مختلفة تصل إلى الخيال العلمي، كما أن كتابات الأطفال تستطيع أن تعبر المرأة عنها بقدرة هائلة تفوق الوصف لأنها ببساطة حكاءة بالفطرة للطفل وهو من يتعلم منها”.


    الوصم ناتج عن عقلية شرقية..
    وتقول الكاتبة العراقية “زهرة حسن”: “تواجه الكاتبة صعوبات كثيرة، عندما تكون أما وعاملة بنفس الوقت حيث تقع عليها مسؤولية البيت والأولاد والعمل خارج البيت، أضف إلى ذلك التزاماتها الأدبية التي تحاول أن تنجزها، الصعوبات تكمن في الوقت والجهد المبذول، هذا إذا كان الطرف الآخر غير متعاون، المرأة التي تؤدي دور الأم ودور العاملة خارج المنزل، والعاملة داخل المنزل حيث تقع عليها مهمة الطبخ وجلي الصحون وكي الملابس وتدريس الأولاد وتنظيف البيت.
    كل هذا الجهد لن يبق لها وقت الكتابة الرواية أو القصة أو البحث، أو الشعر، وكثير من النساء هجرن عالم الكتابة بسبب ضيق الوقت، هذه معاناة كبرى تعرفها المرأة الكاتبة جيدا، غير أن هناك معاناة أشد وهي مواجهة مجتمع رافض في داخله لفكرة المرأة الكاتبة التي تعبر عن نفسها، حيث تتعرض للمساءلة الاجتماعية، وهذا بحد ذاته يأخذ من جهدها وراحتها النفسية، الكاتبة تعيش صعوبات جمة، لكن حينما يكون دافع الكتابة والشغف إليها أقوى من أي شيء آخر، ستكتب الكاتبة رغم الظروف المحيطة بها غير أن هذه الضغوطات ستؤثر حتما على انجازها”.
    وتضيف: “هذه العوائق تؤثر على نوعية الكتابة، لأن الكاتبة تحتاج إلى القراءة والتجربة الحياتية المحيطة كما تحتاج إلى السفر للاطلاع على كل جديد، فحينما لا تجد الكاتبة الوقت لتطوير أدواتها الكتابية هذا حتما سيؤثر على نوعية الكتابة، وبالتجربة أقول أن القراءة وهي مهمة جدا للكاتبة لتطور أدواتها الكتابية والفكرية واللغوية وتوسع من خيالها، فعندما تنشغل الكاتبة بكل هذه العوائق سيؤثر على القراءة لديها وهذا بدوره سينعكس على نوعية الكتابة عندها، والعوائق تؤثر على الكمية أيضا، لأنها في زحمة الحياة ستكتب قصة هنا، قصيدة هناك، وسيكون هناك دائما جملة ترددها، لو توفر الوقت لأنجزت الكثير ولكن..”.
    وعن الشعور بالظلم من المقارنة تقول:”لا أشعر بالظلم أبدا لأن انجاز الكاتبات المبدعات في العالم كله واضح جلي بين، لدينا مبدعات فعلا سواء على مستوى الشعر أو القصة أو الراوية، الظلم يقع في مجال أن المرأة لا حرية لها في الشرق الأوسط مثل الرجل الذي لا يواجه بقمع المجتمع له ككاتب بينما تقمع المرأة الكاتبة مباشرة، ورغم كل هذه القيود إلا أنها أنجزت وأبدعت، وهذا بحد ذاته نجاح كبير”.
    وعن انتقاد الجرأة: “لا يحق لأي ناقد أن يتهم الكاتبة التي تمتلك الجرأة في كتاباتها بالوصم، لأن هذا لا يحق له، الكاتبة لها الحرية في التعبير عن نفسها وعن مداركها وأفقها بالطريقة التي تحب أن تكتب بها وبلغتها الخاصة، حينما تواجه الكاتبة مجتمعا يظلمها ويقرر عليها أعراف ظالمة بغية استغلالها، وحينما تواجه الكاتبة هذا الظلم بكتاباتها الجريئة في كل المواضيع التي تطرحها، فلا يحق لأي أحد أن يوصمها.
    هي تعلن فكرها ضد الظلم الذي يسلبها حقوقها من الاعتراف بها أولا بكونها مواطنة أولى تساوي الرجل في الحياة والمواطنة، فهي تساويه في الإنسانية وتشاركه في الحياة لذا يحق لها ما يحق له. فحينما توصم هذا يعني أنه ينظر إليها من زاوية أدنى وهذا لا يحق له. الوصم هنا يأتي أيضا من عقلية شرقية تضع القيود على المرأة الكاتبة وهو نوع من أنواع القيود والحرب لتنسحب من هذا المجال”.
    وعن النقاد: “أنا مقصرة حقا في الاطلاع على ما يكتبه النقاد عن الكاتبات، وهناك حقيقة لا أفهمها عني، أنا لا أكمل القراءات النقدية،عن الكاتبات والكتاب، ربما السبب يعود إلى ضيق وقتي والانشغال بالكتابة والقراءة، وهناك دافع خفي هو أنني أحب أن استمتع بالنص وحدي قد يفسد النقد عندي متعة النص، فأنا مثلا استمتع بالنصوص الشعرية للشاعرات لكني لا أبحث أبدا عمن كتب نقدا في تلك النصوص أبدا”.


    القراءات الأخلاقية..
    وتقول الكاتبة التونسية “زهرة ظاهري”: “أن تكون المرأة زوجة بارة وأما رؤوما وفردا فاعلا داخل الأسرة وخارجها، كل ذلك يعتبر شرطا أساسيا وصفة لابد من توفرها لدى المرأة العصرية والفاعلة لمواكبة واقعها المتحول اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا. لكن إذا ما تعلق الأمر بمسألة الحرية الشخصية للمرأة وحقها في ممارسة خصوصيتها الذاتية فغالبا يعني ذلك أن حربا وشيكة ستعلن..
    أما أن تكون المرأة كاتبة، فتلك حكاية أخرى، بمعنى أنها لابد أن تتهيأ لمواجهة تحديات كبيرة ستعترض سبيلها وهي ترتكب “جريمتها الناعمة” في حق أسرتها والمجتمع المحافظ المصادر لأبسط حقوق المرأة. لذلك فإن كاتبات كثيرات لا يقدرن على الصمود أمام التحديات الكبرى فيكتفين بتقديم منجز أدبي يتيم، ينسحبن على أثره نهائيا من المشهد الثقافي لأنهن فشلن في معاركهن اليومية مع أدوارهن في الحياة العادية، داخل مجتمع محافظ يكره أن تكون فيه المرأة مختلفة ومارقة عن خطوطه الحمراء.
    غير أنه ثمة أيضا من تخوض الحرب حتى النهاية إيمانا منها بأن الكتابة قدرها المحتوم، فتتمرد على أساليب الحياة المكبلة لحرياتها وتتشبث بحلمها بل وتجعل لها من الكتابة متنفسها الوحيد وملجأها الأمثل وأسلوبا للحياة، دون أن يكون شغفها على حساب الأسرة والأبناء بل هي تقتنص لنفسها لحظات مسروقة من الزمن لتكون فقط مع عالمها الخاص جدا”.
    وعن تأثير العوائق على الإنتاج تقول: “معركة الكاتب الأساسية هي معركته ضد الزمن، والمرأة المبدعة تجد نفسها مشتتة بين أعمالها الكثيرة سواء داخل البيت أو خارجه فمن الطبيعي أن يؤثر ذلك تأثيرا سلبيا على صفائها الذهني وراحتها البدنية وبالتالي على إنتاجها الأدبي، فنصيب الكتابة من الوقت ضئيل جدا مقارنة بما تتطلبه جميع المشاغل اليومية الأخرى المربكة والمنهكة في آن. وغالبا ما يكون زمن الكتابة مجرد لحظات مقتطعة من الأوقات المخصصة للفراغ والراحة، وهذا في حد ذاته يعتبر تحديا آخر من التحديات الكبرى التي تواجه ها المرأة الكاتبة”.
    وعن الشعور بالظلم من المقارنة: “الظلم لا يكمن فقط في مقارنة نصوص الكاتبات بنصوص وإنتاج الكتاب من الرجال من حيث الكم. الظلم يكمن خاصة في تلك النظرة الدونية الراسخة للمرأة كذات وككيان. المرأة في مجتمعاتنا العربية موسومة بأنوثتها وهي مطاردة بكل ما يمس “ذكورية” الرجل وفحولته.
    قدر المرأة أن تخوض حروبها الدائمة وإن اختلفت الوسائل والسبل، ومسألة الكتابة شئنا أم أبينا تعتبر منذ القدم مسألة ذكورية بالخصوص والمرأة كائن متطفل على الإبداع . هكذا يرى الأغلبية وإلا فما الذي تعنيه صفة “النسوي” التي نلصقها دائما بأعمال المرأة الأدبية سواء شعرا أو نثرا؟ ما الذي تعنيه عبارة الأدب النسوي سوى أنها اتهام ضمني بسطحية التجربة أو عجز المرأة وعدم قدرتها على إنتاج أدبي عادل أو يفوق ما ينتجه الرجل.
    أعطي مثالا بسيطا على ذلك؛ مسألة الجوائز الأدبية مثلا كلما أسندت جائزة لامرأة مبدعة إلا وحامت حولها الشبهات والانتقادات والاتهامات أيضا. وهذا دليل من بين أدلة كثيرة على النظرة الدونية والدائمة للمرأة من طرف العنصر الرجالي أيا كانت درجة ثقافته وتفتحه”.
    وتواصل: “عادة ما يعارض المجتمع كل فكر غير مألوف فارضا قيوده ضد حرية التعبير والإبداع، وهذا التصادم يكون أكثر عنفا إذا تعلق الأمر بالأدب النسوي، فنجد كل أصابع الاتهام موجهة إلى كاتبة النص الموصومة بالجرأة أو ما يصفونه بالوقاحة والخروج عن اللياقة الأدبية، فيصبح النص غير أدبي بل يؤسس لقلة الأدب وممنوعا من القراءة، وينحرف النقد من قراءة للنص إلى قراءة لشخصية الكاتبة وتحليل نفسيتها وسلوكها. متناسين أن الكتابة في نهاية الأمر هي فعل جريء ونظرة مختلفة وثاقبة للعالم، تحاول الكاتبة من خلالها تعرية الواقع وكشف المسكوت عنه من أجل الحصول على حقها المسلوب في الوجود والكينونة، غير أنها غالبا ما تجابه بالنكران وتتضافر كل الجهود لطمس الحقيقة”.
    وعن النقاد:”النقاد الحقيقيون هم أولئك الذين يؤسسون أحكامهم على أهمية النصوص بما تتضمنه من قضايا والنظر في الطرق والأساليب المتوخاة لطرحها، لذلك مازال الجدل قائما حول مدى مشروعية الفصل بين الكتابة المنسوبة للرجال والكتابة النسوية والحال أنه “لا إبداع خارج الذات وبها وهي (الذات) محصلة الخصوصية وحاملتها”.
    ومن خلال تجربتي الشخصية ومواكبتي لتجارب أدبية لكاتبات كثيرات ألاحظ أنه ثمة تحامل كبير على كتابات المرأة، باستثناء بعض النقاد الذين اهتموا بنصها كنص أدبي محض دون المسّ من صورة المرأة المبدعة والمسّ من شخصها، وإغراق النص داخل بوتقة من القراءات الأخلاقية المسيئة للمرأة ولحسها الإبداعي”.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا