النساء والكتابة (32): الرجل يرى في المرأة “مضافا” لا “مضيفا” يشاركه صنع الإبداع الإنساني على مر العصور

     

    خاص: إعداد- سماح عادل

    تغضب بعض الكاتبات من تصنيف الأدب الذي يكتبونه إلى أدب نسائي أو أدب نسوي، أو كتابات المرأة أو أيا كان المسميات التي تطلق،  لأنهن يعتبرن أن ذلك التقسيم أو التصنيف يضع كتابات المرأة في جانب بعيد معزول، في حين أن كتابات الرجال لا يتم تصنيفها أو تقسيمها أو إطلاق مسميات عليها، فكتابات الرجال يطلق عليها أدب وفقط.

    هذا يطرح تساؤلا محيرا، هل هذا التصنيف يحط من شأن كتابات النساء أم يعطيها تميزا؟، ولماذا ترفض بعض الكاتبات هذا التميز؟، لماذا يردن أن يبقين ضمن المجموع، وتحت إطار الأدب بشكل عام، دون تخصيص أو تمييز أو تصنيف، ولماذا ترفض بعض الكاتبات تخصيص نصوصها للدفاع عن حقوق المرأة، أو لتناول قضايا تخص المرأة، أو لكشف التمييز الذي يقع عليها في المجتمع؟، ويسعين إلى كتابة عامة تشارك فيها الرجال المجد المتخيل الذي يحصلون عليه عند الكتابة عن قضايا عامة وقومية.

    هذا التحقيق جمع آراء الكاتبات من مختلف بلدان منطقة الشرق حول الصعوبات التي تواجهها النساء حين يقررن أن يصبحن كاتبات، وتضمن التحقيق الأسئلة التالية:

    1. هل تواجه الكاتبات صعوبات للتفرغ للكتابة مثل عملها، ومهام الأمومة ورعاية الأسرة وأعمال المنزل؟
    2. هل العوائق التي تمنع الكاتبات من التفرغ تؤثر على إنتاج الكاتبات سواء على مستوى الكم وأيضا الكيف؟
    3. هل تشعرين بالظلم حين تتم مقارنة نصوص الكاتبات من النساء بنصوص وإنتاج الكتاب من الرجال رغم التفاوت الكبير في إتاحة الفرص وتوافر إمكانية التفرغ؟
    4. ما رأيك في انتقاد البعض للجرأة في كتابات النساء والذي قد يصل إلى حد الوصم؟
    5. هل تشعرين أن كتابات النساء مظلومة من قبل النقاد والمهتمين بالأدب؟

    الكتابة كالمعشوقة لا ترضى ببعض العاشق..

    تقول الروائية والشاعرة والقاصة اليمنية “جميلة آل ذياب”: الصعوبات في حياة الكاتبة تبدأ فعليا من محيطها وخصوصيتها، الكتابة الاحترافية لا تنمو بشكلها الإبداعي ما لم تحصل على مطلبها من التفرغ، هي كالمعشوقة لا ترضى ببعض العاشق، ما لم تتملكه فهي لن تدخله في خمرتها، لذا كانت الظروف الأسرية من أكبر العوائق للكاتبة الأنثى، فهي تتطلب انفصام دائم منها، مابين أن تكون فردا مسئولا عن أبنائها وبيتها أو أي كان الشخص المسئولة عنه، وبين أن تفرغ ذهنها لإبداعها ليتسرب بأي لحظة يخطر لها، تخيلي أن تكوني شاعرة، ويخطر ببالك بيت شعر وأنت واقفة تقلبين يخنة الدجاج لعشاء الأسرة! ما إن تنتهي حتى يكون قد تبخر البيت.

    كاتبة أمريكية لا يحضرني اسمها، في مقابلة معها قالت، على المرأة أن تختار مابين أن تكون زوجة وأم، وأن تكون كاتبة! اتفق معها في جزئية المعنى الذي تقصده، وهو أهمية التفرغ، وأيضا الأثر الجانبي الذي يقترن بالكاتبة من نقدها وربطها بكل ما تكتبه! ولكن أخالفها الرأي فيما قالته فيما يتعلق بموضوع أن عليها أن تختار! بل عليها أن لا تدفن إبداعها لكونها تقوم بمسئوليات مقدسة في الحياة، فالأمومة والارتباط هما احتياجان يثريان حياة الكاتبة”.

    وعن تأُثير العوائق على إنتاج الكاتبات كما وكيفا تقول: “لا شك في ذلك، الأمور مترابطة، والرابط بينها هو الوقت دائما، أيضا انشغال الفكر للمبدعة بمشاكسات الحياة من هنا وهناك، فالمرأة الكاتبة العاملة ستقرأ بين أسطرها الأجواء التي كتبت قصتها أو عملها الكتابي فيه، سيظهر عليه التشتت والتسرع، وإن كانت من اللواتي تتحرى الإتقان وتعيد الكتابة، وتتمهل لإنضاج العمل،  ستراها مقلة جدا، فوقتها لا يسمح بكثرة الإنتاج. هذه المشكلة وهي التفرغ نسبتها أقل لدى الرجل، ويظهر جليا في غزارة الإنتاج الأدبي، ومستواه”.

    وعن الشعور بالظلم حين تتم مقارنة نصوص تقول: “لا مطلقا، ما يشعرني بالغيظ أحيانا هو الفصل بين الإبداع النسوي والذكوري، ووصفه بمسميات تحصره في زاوية التصنيف، كأن يقال رواية نسائية، أو رواية! فما تنتجه المرأة لا بد من إضافة صفة تجنيسه! أما إنتاج الرجل فيكتفى بذكره مفردا!! وهذا يحدث لأن من يقوم بالتصنيف هم ذاتهم من يؤطرون أعمال المرأة الإبداعية في نطاق (المضاف) ويصنعون من إنتاجهم (مضاف إليه)!

    وعن انتقاد البعض للجرأة في كتابات النساء تقول: “أرى أن الأمر لا يخرج عن الطبيعي، فالرجل أيضا قد يحكم عليه من خلال أعماله بوصفه بصفات مستوحاه من أعماله، بالنسبة لي فالأمر لا يؤثر في بقدر ما يسعدني، فمن انتقدك، فلا بد أنه قد قرأ العمل، وهذا ما يطمح له الكاتب..

    على سبيل المثال قرأ البروف “أبو القاسم قور” روايتي “خلف الصورة حائط أبيض” وأول عبارة نقد كتبها هي: “أنت تتخفين خلف “إليف التركية” وهي من الشخصيات الرئيسية في الرواية، وإحدى الأصوات التي نستمع للأحداث من خلالها!”.

    وعن كون كتابات النساء مظلومة من قبل النقاد والمهتمين بالأدب تقول: “مصطلح “الظلم” لا أحبذه، فلنستبدله بـ مهملة، هذا التعبير هو الأدق لوصف التجاهل المتعمد من قبل الناقد أو المهتم بالأدب بشكل عام. هذا يعود بنا لما ذكرته لك سابقا من كون الرجل يرى في المرأة “مضافا” لا “مضيفا” يشاركه صنع الإبداع الإنساني على مر العصور”.

    الكلمة أمانة مقدسة..

    وتقول الكاتبة السورية “ميَّادة مهنَّا سليمان”عن صعوبات التفرغ: “طبعًا وقت الأنثى محدود كثيرًا، ولكن بتنظيم أمور الحياة، واستغلال الوقت بالطّريقة الأمثل سيكون بإمكانها إيجاد فسحة صغيرة لها تتنفّس من خلالها وتعبّر عن مكنوناتها من خلال الكتابة الأدبيّة”.

    وعن تأثير العوائق على إنتاج الكاتبات كما وكيفا: “من أرادت خَلق عالم إبداعيّ جميل لها عليها أن تسعى لذلك دون اكتراث للعوائق، وهذا لا يعني أنّ تلك العوائق لا تؤثّر على الإنتاج الأدبيّ، فبالنّسبة لي لديّ الكثير من الأفكار لا أجد الوقت لكتابتها لأنّها تستلزم وقتًا كبيرًا قد يكون على حساب أفراد أسرتي، أو عملي، فأضطرّ إلى التّأجيل، لكنّه التّأجيل المؤقّت وليس الدّائم، لإيماني بأنّ ما أملكه من أفكار يستحقّ خَلق فسحةٍ صغيرةٍ لي لأكتبها.

    هذا على مستوى الكمّ، أمّا على مستوى الكيف فلا يجوز بأيّ حال أن تؤثّر العوائق عليه لأنّنا ينبغي أن نقرأ جيّدًا ما نكتبه قبل نشره للآخرين، فالكلمة مسؤوليّة وعلى الكاتب أن يتحمّل هذه المسؤوليّة الكبيرة لأنّها أمانة مقدّسة”.

    وعن الشعور بالظلم حين تتم مقارنة نصوص الكاتبات تقول: “طبعًا ظلم كبير، ولكن على المرأة إثبات وجودِها بشخصيّتها وأحرفها وأفكارها الخلّاقة المتجدّدة. لا يجوز مقارنة كتابة الرّجل بالأنثى لكلٍّ أسلوبه وظروفه وتجاربه ولغته. في النّهاية: الإبداع إبداع أيًّا كان كاتبه”.

    وعن انتقاد البعض للجرأة في كتابات النساء تقول: “قلتُ سابقًا: لا خير في كاتب لا يمتلك الجرأة! لكن أنا مع الجرأة الرّاقية، فالبعض يكتب أيّ شيء مبتذل بحجّة أنّه كاتب جريء، هذا لا يجوز قطعًا، ولا يمكن تقبّله، بل ولا يمكن عدّهُ إبداعًا”.

    وعن كون كتابات النساء مظلومة من قبل النقاد والمهتمين بالأدب تقول: “لا، فالعمل الجميل يفرض نفسه، سواء أكان لذكرٍ أم أنثى، ولكن بشكل عام أعتقد أنّ الكُتّاب جميعهم مظلومين من ناحية النّقد الأدبيّ، فلا توجد حركة نقد أدبيّة تواكب الكمّ الكبير من الأعمال الجيّدة للمبدعين”.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا