الثلاثاء 4 أكتوبر 2022
36 C
بغداد

    النساء والكتابة (28): الحرية لدينا مشروطة ولا يمكن للمرأة أن تُحَلِّق عاليا إلا بعد أن تنتفض وتستقل

     

    خاص: إعداد- سماح عادل

    تؤكد بعض الكاتبات على قوة المرأة حين تقرر أن تصبح كاتبة، فقوتها هي التي تسمح لها بإيجاد وقت للكتابة، وهي التي تجعلها تواجه أي انحياز أو انتقاد أو تمييز، وهي التي تجعلها تركز في إبداعها وتطويره لكي تكون تجربتها الإبداعية عميقة ولها رؤية ورسالة.

    هذا التحقيق جمع آراء الكاتبات من مختلف بلدان منطقة الشرق حول الصعوبات التي تواجهها النساء حين يقررن أن يصبحن كاتبات، وتضمن التحقيق الأسئلة التالية:

    1. هل تواجه الكاتبات صعوبات للتفرغ للكتابة مثل عملها، ومهام الأمومة ورعاية الأسرة وأعمال المنزل؟
    2. هل العوائق التي تمنع الكاتبات من التفرغ تؤثر على إنتاج الكاتبات سواء على مستوى الكم وأيضا الكيف؟
    3. هل تشعرين بالظلم حين تتم مقارنة نصوص الكاتبات من النساء بنصوص وإنتاج الكتاب من الرجال رغم التفاوت الكبير في إتاحة الفرص وتوافر إمكانية التفرغ؟
    4. ما رأيك في انتقاد البعض للجرأة في كتابات النساء والذي قد يصل إلى حد الوصم؟
    5. هل تشعرين أن كتابات النساء مظلومة من قبل النقاد والمهتمين بالأدب؟

    حرية الرأي والتعبير جزء من معاناة الكاتبات..

    تقول الكاتبة الفلسطينية “صباح بشير”: “لقد حققت المرأة العربية العديد من الإنجازات الهامة وكان لها بصمة وعلامة فارقة، تجسدت في الكثير من المساهمات البناءة في المجالات الإنسانية الثقافية والعلمية وغيرها، لكن المبدعة العربية تحديدا تعيش أوضاعاً ضاغطة، فما زالت تعاني في مجتمعات مجحفة بحقها، فمنهم من يرفضها لأنها عادة ما تكون مستقلة وجريئة، وهذا ما ينافي طبيعة التفكير السائد الرافض لتجاوز النمط الأنثوي التقليدي.

    وبالطبع يؤثر ذلك عليها وعلى إنتاجها، ويحول دون نجاحها أحيانا، بينما نجد أن نظرة مجتمعاتنا أكثر تسامحاً مع الرجل ومع نموه الإبداعي والفكري، فهو يمتلك من المزايا الاجتماعية ما لا تمتلكه المرأة من الاستقلالية والحرية، والثقة اللازمة لتشجيعه ودعمه ليتطور ويحقق ما يصبو إليه من النجاح.

    تجتهد المرأة لترتقي بأدائها وتنطلق بعطائها حتى تكون فاعلة مؤثرة ذات بصمة، رغم كل ما يقيّد إنتاجها الإبداعي، كالعمل خارج البيت ومسؤوليات العائلة وتربية الأطفال، قيود الزواج، الثقافة المجتمعية الذكورية، العادات والتقاليد وغيرها من القيود والمعايير الاجتماعية، التي تحدد دورها وتُثبِّت صورتها النمطية التقليدية السلبية”.

    وعن تأُثير العوائق على إنتاج الكاتبات تقول: “نعم صحيح، تؤثر تلك العوائق بشكل سلبي على الإنتاج الإبداعي للمرأة، لكنها تؤثر على مستوى الكم ولا أعتقد بأنها تؤثر على نوعية وجودة ما تقدمه المرأة الكاتبة، ولا يخفى على أحد حجم تلك العقبات التي تجتاح طريق الإبداع في بلادنا العربية بشكل عام، وبالطبع فالنساء المبدعات لهن الحظ الأوفر من تلك العوائق، حتى اليوم ما زلنا نشاهد بعض الرجال من الذين لا يؤمنون بتلك الطاقة الكامنة في المرأة، فلا يشجعها ولا يهتم بها كمبدعة، ولا يرى فيها سوى دورها النمطي كأم وزوجة، مربية وربة بيت.

    ولا ننسى موضوع حرية الرأي والتعبير، التي شغلت القسم الأعظم من معاناة الكاتبات العربيات وعلاقتهن مع السلطة الاجتماعية، مما يؤثر سلبا على نشاطهن وإنتاجهن، لا أنكر بأن حرية التعبير قد اختلفت نسبياً عن الفترات الماضية، بسبب توفر فضاءات واسعة وبفضل ثورة المعلومات التكنولوجية ومواقع التواصل الاجتماعي، التي تساهم بالتغيير وتجاوز أُطر التعبير التقليدية السابقة”.

    وعن الشعور بالظلم حين تتم مقارنة نصوص الكاتبات تقول: “نعم يقع بعض الظلم أحيانا على الكاتبة المبدعة ونصوصها، من خلال نُقّاد (نساء أو رجال) أقل وعياً وإدراكا وإبداعاً منها، وبالطبع هناك تفاوت كبير في إتاحة الفرص وتوفر إمكانية التفرغ بين الجنسين”.

    وعن انتقاد البعض للجرأة في كتابات النساء تقول: “أنا مع حرية التعبير وكسر الحواجز والكتابة بجرأة، لكن دون السقوط في فخ الابتذال، وهذا الأمر يعتمد على فلسفة الكاتبة في تناول “التابو”، وكيفية توظيفه فنيا وأدبيا، لكن بسبب الثقافة السائدة التي ترفض الكثير من الأعمال الإبداعية، نلاحظ تحفظ الكاتبات وقلة مشاركتهن نسبيا مقابل الرجال في شتى الحقول الإبداعية، وبالطبع فالمنغصات والعوائق التي يواجهنها ليست بسيطة, أهمها المحظورات الثقافية التي تفرض عليهن الالتزام بها.

    فممارسة الإبداع من وجهة نظر البعض خطيئة بسبب تلك العلاقة القلقة للمجتمع مع المرأة، وهذا ما يفرض على المبدعة الالتزام بأدوار اجتماعية تقليدية تؤدي بها إلى التضحية بالكثير من مواهبها الإبداعية، التي قد لا تتناسب ورؤية المجتمعات غير المرنة في قبولها للحرية والإبداع بشكل خاص، وحرية القرار والاختيار والاستقلالية بشكل عام.

    الكبت وقمع الحريات هما العدو الرئيس للإبداع، وفي مجتمعات لا تتقبل المرأة الجريئة وكتابتها، لا يمكن لها الإنتاج في ظل اغتراب فكري يخنقها بمنظومة فكرية صارمة تنشئ حالة من الانفصام بينها وبين مجتمعها، وإن لم تجد الكاتبة دعما وانسجاما مع بيئتها المحيطة، بالتأكيد يزداد شعورها بالاغتراب داخل وطنها الذي لا يسمح لها بالتطور.

    الحرية في عالمنا العربي مشروطة ومحددة مسبقا، ولا يمكن للمرأة أن تُحَلِّق عاليا إلا بعد أن تنتفض وتستقل، وتلفظ ما علق بروحها من الأغلال، وهناك نماذج عديدة لكاتبات تفوقن على أنفسهن وعلى الكثير من الكتّاب الرجال، بالتالي لم تُجهَض مشاريعهن الإبداعية ولم تتعطل أدوارهن الفكرية، ولم يقعن فريسة للإحباط.

    على المثقف والمبدع العربي بذل الجهود لدراسة مشاكل مجتمعه، وعليه أن يكون أيضا في الصفوف الأولى لمحاربة الجهل والتخلف وغيرها من الآفات، وهنا لا أُدين المثقف والمبدع العربي، فهو أيضا يعاني من الغربة الفكرية في وطنه، وفي الحقيقة فالاغتراب الفكري هو ما يشكل الأزمة الداخلية للمثقف العربي، رجلا كان أم امرأة”.

    وعن كون كتابات النساء مظلومة من قبل النقاد تقول: “العلاقة بين الأدب والنقد هي علاقة تكاملية، ولا يمكن أن ينجح أحدهما دون الآخر، قد يرتكز النقد البنّاء على دراسة النص، الفكرة، الأسلوب، الحبكة، الشخصية، الحوار، أما النقد المنحاز فيرتكز على تفسيرات عديدة وأحيانا أحكام مُسبقة عن النص أو كاتبته، فالنقد هو الذوق للإبداع والأدب، يرافقه حكم ما، قد يصب في مصلحة العمل الأدبي أو يقف ضده.

    قد تُظلم نصوص المبدعات أحيانا، عندما يتناولها بعض النقاد والمهتمين بالأدب، ممن لا تسمح لهم ثقافتهم بتقبل المرأة المبدعة بشكل تام، ويكفي استخدام بعض النقاد لمصطلح “الأدب النسوي” لمهاجمة الإبداع الذي تنتجه المرأة والتقليل من أهميته”.

    الكتابة هم إنساني وقلق وجداني..

    وتقول الروائية الجزائرية “عائشة بنور” عن صعوبات التفرغ للكتابة: “هذا السؤال كنت قد طرحته في إحدى تحقيقاتي الصحفية لمجلة المعلم التي كانت تصدرها دار الحضارة على بعض الكاتبات الجزائريات، وقد كانت أغلب الردود أن المرأة الكاتبة تعاني في هذا الشأن ولا تجد التشجيع من طرف الزوج، ويلزم عليها ترتيب أمورها وتنظيم وقتها فقط، ومن خلال تجربتي برغم من الضغوطات والمسؤوليات إلا أن هاجس وشغف الكتابة لدي وكوني أحمل على عاتقي هموم مجتمعي استطعت التغلب على كل هذه المعوقات، وبالتالي المسألة مسألة تنظيم وقت للتفرغ إلى الكتابة والمرأة الكاتبة قادرة على ذلك”.

    وعن تأُثير العوائق على إنتاج الكاتبات تقول: “لا..لا يجب أن تكون الكتابة سواء عند الرجل أو المرأة مرتبطة بعدد الإصدارات، وهنا الأمر لا يتعلق بالكمية بقدر ما يتعلق بتميز العمل المنتج على مستوى الموضوعات المختارة وعلى مستوى الجودة للحفاظ على مستوى العمل الإبداعي”.

    وعن الشعور بالظلم حين تتم مقارنة نصوص الكاتبات من النساء تقول: ”   على الإطلاق، لا أشعر بالظلم، ولم أفكر في هذه المقارنة، وهنا يعود بي سؤالك الذي يطرح من حين لآخر على الساحة الثقافية إلى ما يسمى بالأدب الرجالي والنسائي.

    الإبداع مرتبط بالإنسان بغض النظر عن جنسه، وفي الحقيقة أنا لا أؤمن ما يسمى بالأدب النسوي أو الرجالي وتصنيفه والذي أثير مؤخرا وحدد عدّة مفاهيم ورؤى اختلفت الآراء فيما بينها، وبالنسبة لي فهو التكامل بينهما والأدب بكل ألوانه ما هو إلاّ صور إنسانية ومشاعر ومواقف ورؤى.

    فالكتابة ليست لها خصوصية منها ما يتعلق بالرجل أو ما يتعلق بالمرأة، الكتابة هي هم إنساني وقلق وجداني، هي امتلاك لحظة الكتابة، هي حالة من القلق والتوتر لا تدخل فيها المفاهيم أو المدارس أو الاعتبارات الذاتية، فالكل يصب في رافد واحد وهو الحضارة الإنسانية ومخزون تتكئ عليه الأجيال مستقبلا. والأدب ككل هو رؤية إنسانية بعيدة عن الجنس رغم خصوصية كل واحد منهما، وسلاح قوي لتشريح الواقع وبنائه من جديد”.

    وعن انتقاد البعض للجرأة في كتابات النساء تقول: “الكتابة حرية ومسؤولية وبرأيي أن لا تتجاوز الخطوط الحمراء وأن لا تخدش الحياء العام للمجتمعات لمجرد جرأة زائفة بالاستفزاز للدخول إلى عوالم الشهرة، إذ يمكن للكاتبة معالجة الواقع والقضايا بذكاء اجتماعي فكري في ظل المجتمع الذكوري المتسلط، دون المساس بالنسق العام للمنظومة الفكرية والاجتماعية والثقافية، وهي قادرة على التأثير بكتاباتها ورؤاها وتخطي لغة الجسد.

    هناك العديد من الكاتبات صنفن لمجرد أن أقوالهن أو كتاباتهن كانت جريئة في مواضيع معينة ولا يحق لأي أحد أن ينعتهن أو يقلل من شخصهن أو تحقير ما يكتبن. كل هذا ناتج عن موروثات ثقافية مازالت تستغل ضد المرأة على كافة الأصعدة”.

    وعن كون كتابات النساء مظلومة من قبل النقاد تقول: “صحيح.. وفي الحقيقة أن هناك كم هائل من الإبداعات على المستويين وبالتالي فيه قلّة من النقاد من يواكب هذه الإبداعات والتي يكون فيها النصيب الأكبر لما يكتبه الرجل. في حين يغفل الناقد الكشف عن تجربة المرأة الكاتبة”.