(النساء والكتابة 2-35):  هناك نساء لهن بصماتهن الناعمة في الكتابة، لامسن جميع الحدود الفاصلة بين الوعي واللاوعي وألهمن القراء

     

    خاص: إعداد- سماح عادل

    هناك طرح هام في هذه الحلقة وهو أن كتابات النساء التي تستطيع خلق عوالم أكثر انفتاحا على الحياة والمجتمع، هي كتابات هامة، وتستطيع أن تفيد القارئ بل وتحقق له المتعة الفكرية، وتنقل له خبرات وانفعالات ومعايشة جيدة لتجارب لم يعيشها أو يعرف عنها شيئا.

    هذا هو الجزء الثاني من تحقيق (النساء والكتابة)، والذي جمعنا فيه آراء الكتاب من مختلف بلدان الشرق عن الصعوبات التي تواجه الكاتبات، وطرحنا هذه الأسئلة:

    1. في رأيك هل مهام الكاتبة من عمل، ومسؤوليات الأمومة ورعاية الأسرة وأعمال المنزل صعوبات تمنعها من التفرغ للكتابة وتقلل فرصها للتواجد على الساحة الثقافية ككاتبة؟
    2. ما رأيك في مقارنة نصوص الكاتبات من النساء بنصوص وإنتاج الكتاب من الرجال رغم التفاوت الكبير في إتاحة الفرص وتوافر إمكانية التفرغ؟
    3. ما رأيك في تحطيم التابوهات في بعض كتابات النساء، والجرأة في الكتابة. وما رأيك فيها يسمى بالكتابة الأيروتيكية؟
    4. هل استطاعت كتابات المرأة أن تتواجد على الساحة الثقافية في مجتمعاتنا وأن تجد لها مكانا وفي رأيك هل ينصف النقاد كتابات النساء أم لا ولما؟
    5. هل تعتقد أن هناك اختلافات ما بين الكتابات التي تصدر عن النساء وتلك التي يكتبها الرجال وما هي هذه الاختلافات؟

    أحب النصوص الأنثوية التي تحرض العقل على التفكر والتأمل..

    يقول الكاتب والفنان السوري “مؤيد كنعان”: “لا شيء يستطيع إيقاف تدفق الإبداع في أي نفس تتذوق الأدب بكافة أجناسه، إذا وجد الإحساس فلابد من أن تتولى الفطرة توزيعه كما تحب المشيئة لذلك.

    يعني برأيي لا عوائق يمكنها أن تحول دون ذلك، وخاصة لدى المرأة العاملة في أي مجال، انطلاقا من البيت وتربية الأطفال والتدبير المنزلي أو الوظيفة.

    لكن أيضا يبقى هذا مشروطا مع من تعيش أو لنقل تتعايش، فهنالك متلازمات معرفية وصلات قد نجد بينها الكثير من الفوارق الثقافية أو المهنية. تصار إلى مخاوف من أن يحدث ذلك حججا لا منطقية يسودها مشاحنات تعتقد المرأة تحديدا بأن لهذا أثر ما في خلق توترات ومشاكل قد تحتسب عليها من الأنانية والإهمال وعدم الاكتراث  فتنسحب خشية الوقوع في مشاكل هي في غنى عنها كما تظن.

    وهنالك الكثير من الأمثلة التي شاهدتها وعاينتها عن قرب على الصعيد الشخصي،  أرجو أن يفهم كلامي في سياقه الطبيعي، فكثير من الرجال الأزواج ليسوا مع تطور المرأة، وانفتاحها، ولا يعينونها فيما تصبوا إليه نفسها على حد سواء.

    والعكس صحيح هنالك الكثير من الإناث يرغبن بسبر أغوار الأدب ككتابة ما يدور في خلجاتهن ويومياتهن وهمومهن وقد أثمرت تلك الكتابات عن ولادة  القصة، والشعر، والرواية, والانشغال بالفنون كافة لكن أغلبهن يرجئ الأمر بالانصراف إلى ما هو أهم حسب بعض وجهات النظر التي سخفت هذه الأعمال، وهذا ينطبق بشكل مباشر على مجتمعاتنا الضيقة وسلبية تفكيرها وتقييمها للحياة عموما وللثقافة خصوصا. بالتالي جميعنا نواجه المشكلة ذاتها، فنذهب إلى عوالمنا سرا في هذه الأيام.

    بالنسبة لي أعتقد اليوم بأن الثقافة الأنثوية تكاد تنقرض، لأسباب عديدة أهمها هي الأعباء والأعمال الموكلة لها والتي تثقل كاهلها. ونحن بأمس الحاجة لهذه الثقافة فهي المدرسة الأولى، بل البيت الأول، الروح الأولى التي بمستطاعها إنشاء عوالم أكثر انفتاحا على الحياة والمجتمع. ولا أبالغ إن قلت على البيئة، فهي الأقدر على منح كل المكونات، السلام المفقود كعاشقة، وكأم، كأخت، كرفيقة. بمشاركتها يمكن حل الكثير من القضايا العالقة في ذهنية الرجل الذي يحظى بهذا النوع من النساء.

    وأنا أتحدث عن المرأة المبدعة، دائما يتبادر إلى ذهني مستذكرا النساء البشتونيات وأشعارهن الممنوعة في بلادهن، فهناك يحرم على الأنثى أن تكتب..؟!

    المرأة أقوى وأجدر في تطويع رغباتها ورغبات زوجها وأبنائها وكامل محيطها، من أجل بناء سليم ومتين إذا كانت مثقفة،  أوعلى الأقل ناضجة ملمة بكثير من القضايا المصيرية الهامة وعلى كافة الأصعدة. وتستطيع بذلك توظيف الوقت والأمكنة، والأعمال، بطريقة أنثوية ترتقي وتسمو نحو أعلى القمم، بالتالي كل من حولها يصبح محظوظا بأنه ينتمي إلى هذا النوع من النساء.

    أعرف بعض من هؤلاء، منهن شاعرات، وأخريات روائيات، وعاملات في مجال الإعلام والتمثيل، وأيضا فنانات تشكيليات، لا يجدن الأمر معقدا في تلبية ما تقتضيه الحياة، وبيوتهن وعائلاتهن، ووظائفهن. فكلما أطلعنني شخصيا على أعمالهن وتجاذبنا الأحاديث عن الثقافة وهمومها ومكتسباتها وشواغرها وغير ذلك، أجدني تلميذا في حضرتهن، أتعلم الكثير مما ينقصني فيما أجهل. لكن أشدد بأن تلك الثقافة دائما في حالة ولادة، لا تنضب ولا تقف عند حد. فهي كالماء المتدفق من أعالي الجبال، قد يتعثر لكن لا يتوقف عن التدفق

    فما بالك إذا كانت المرأة كذلك، من يستطيع كبح رغباتها في الإبداع سوى الحمقى الذين يجدون في مكتسباتها الثقافية تقليل من شأنهم أو ما يعادل ذلك من وجهة الأضواء إن وجدت. للأسف في مجتمعاتنا الضيقة نجد ما لا نحب أن يحدث”.

    وعن مقارنة النصوص يقول: “لا تصح المقارنة بين هذا الجنس وذاك، وأيضا لا يجوز برأي المقارنة بين عمل هذا وهذه بين الرجال والنساء. وهذه مغالطة لا تفسير لها على الإطلاق، لأن الإبداع لا يميز بين ذكر وأنثى، ولا بين عرق وعرق ولا بين جنسية وأخرى، بالنسبة لي التمييز نقيض الإبداع كيفما اتفق.

    إن هوية الإبداع لا يحدها حدود، بل هي أشبه بالطبيعة أعطي مثالا هل الشجر أو الورود أو الماء أو الغيم أو غير ذلك مما في الطبيعة نستطيع أن نحدد الذكر من الأنثى فيها، على الإطلاق. والإبداع ومنه الكتابة ليست حكرا وليس لها فضلا بين طرف وآخر أو بين جنس وآخر سوى بما يوصله العمل نفسه إلى المتلقي.

    في النهاية لكل مجتهد نصيب، طبعا لا أنفي ولا أنكر بأن للحظ تيمة أساسية يسبغها على الأدباء من الجنسين، مع ذلك لا بد من أن يستجيب القدر إذا ما أراد العمل الكتابي بلوغ الضوء.

    أحب بأن أنوه على مسألة جدا مهمة،للأسف حين دخلت المحسوبية والتزكية والعلاقات فيما يخص الثقافة عموما، بدأ الانهيار يأخذ الحياة بشكل عام نحو قساوة العيش، وعمت الفوضى في كل مكان، وساد البؤس والضنك. كل هذا يحدث لأننا لم نعد نفكر بالقيم والأخلاق، حتى بات المفكر/ة في ريب وشك دائما بأن الكتابة لا تؤتي أوكلا ولا تنفع في هذه الأيام. أقول هذا وأنا على خلاف ما يقال عن الثقافة عموما والكتابة خصوصا، لأنني ما زلت أؤمن بأنها الأداة والوسيلة الخلاقة في خلق واقع مشرق، على عكس ما يقال.

    لأن أمما كانت غارقة في التخلف وتسبح بغير آلاء، هي اليوم من أرقى الأمم، لكن كان للمرأة دور هام في صناعة الأمجاد لتلك الأمم، ثم أثني على جهودها وتفكرها وإبداعها، أنصفت ومنحت التفرغ اللازم لخلق ثقافة بناءة أسهمت في إنشاء أجيال قارئة وملهمة في الوقت ذاته. أما في بلداننا للأسف، نتحدث عن المرأة المثقفة كثيرا كجسد، إنما لا نكترث لإبداعاتها وخلقها وثقافتها. نحن شعوب متناقضة، للأسف”.

    وعن تحطيم التابوهات يقول: “الجرأة مطلوبة في الكتابة، فالكتابة تحتاج إلى التحرر من القضبان والتابوهات والأذرع الممسكة بعقلية الكاتب عموما، فالكاتب المقيد كمتسلق الجبال إذا ما وضعت في جيده أحمالا كبيرة تفوق حجم جسده وطاقاته في المضي، حتما سوف تثقله وتنهكه الأحمال فقد يقع ويتحطم وقد لا يسعفه الوقت كي يعيد المحاولة مرة ثانية، لأن لكل وقت ظرفه الخاص. وأنا أعتقد بأن المرأة تبلغ جرأة أكثر من الرجل في كتاباتها لأنها أقوى منه، ربما ينتقدني البعض ممن لا يعجبهم قولي هذا.

    نعم المرأة أقوى بكثير من الرجل في كل الأحوال، فما بالك إذا كانت كاتبة، أنا شخصيا أميل لما تكتنزه المرأة الكاتبة من قوة وجرأة كما أسلفت في معرض حديثي عن الشاعرات البشتونيات، اللائي احتملن ضنك العيش وقسوة السلطة، وافتقادهن لأزواجهن وأولادهن الذين لم يعودوا من الحرب، وقد سيقوا مجبرين على الخوض في هذه الحروب. فكتبن لهن أروع القصائد كملاحم لا يمكن للتاريخ أن يتجاهلها أو يخفيها.

    أما ما تحدثت عنه بخصوص الكتابة الأيروتيكية، هي ثقافة ولا نستطيع فصلها عن ذلك، لها رموزها وأعيانها من أدباء منذ العصر الجاهلي وما بعد من تتالي العصور. أحب ما أنتجه امرؤ القيس في هذا النوع من الأدب.

    وعن تواجد الكتابات النسائية على الساحة الثقافية يقول: “كتابات المرأة لم تك يوما غائبة عن الساحة الثقافية، منذ القدم وحتى يومنا هذا إلا أنها تقل وتتضاءل للأسباب التي ذكرتها، فهي محاصرة بين العمل (الوظيفة) إن وجدت والشؤون المنزلية وغير ذلك، والأهم تدني الأحوال الاقتصادية في بلادنا قد لا يساعد المرأة في أن تتفرغ للكتابة، فمن المهم جدا تحقيق التوازن في هذا الخصوص، لكلا الجنسين من الأدباء والأديبات.

    أما مسألة النقد فهي تتعلق بضمير الناقد أولا، ثم الجدارة التي تستحقها الأعمال الكتابية عند المرأة، وأنا ألاحظ بأنها لم تظلم أبدا، ولا أظن بأن أحد النقاد يغفل عن ملاطفة الجنس الآخر حتى وإن لم تك مبدعة، فقد يكتفي بالنظر إلى حسنها ويحتسبه عملا إبداعيا برمته، على سبيل الممازحة”.

    وعن وجود اختلافات ما بين كتابات الرجال وكتابات النساء يقول: “اختلاف الكتابة بين الرجل والمرأة، عندما تتحول ساحة النص المكتوب إلى مواجهة مع (الذكر) الرجل، فتبدو الكلفة حاجزا بين المفهوم والمعنى بالتالي يمل المتلقي القارئ مفتقدا المتعة والقناعة التي ترسخ في الوجد والفؤاد والأمثلة كثيرة حول ذلك.

    أنا شخصيا أميل إلى النصوص الأنثوية التي تحرض العقل على التفكر والتأمل، في نفس الوقت أن تكون ملهمة لا مملة، وقد يستحضرني الآن أسماء نساء لهن بصماتهن الناعمة في الكتابة، حقيقة قد لامسن جميع الحدود الفاصلة بين الوعي واللاوعي، أتحدث عن نفسي على الأقل ألهمت من خلالها في إعادة النظر على سبيل قضايا مهمة في الحياة قد كانت غائبة عن يومياتي، ومازلت أعد لها الحياة في ذاكرتي. ك “نازك الملائكة، غادة السمان، رضوى عاشور، نوال السعداوي” وغيرهن الكثيرات في ثقافتتا العربية”.

    المرأة تشكل حضورا أدبيا فاعلا ومهما..

    ويقول الشاعر والكاتب العراقي “كريم جخيور”: “قد يؤثر بنسب متفاوتة ولكنه لا يقلل من المستوى الإبداعي والقدرة على العطاء، والشواهد أمامنا بالنسبة للشعر والقصة والرواية والنقد والعمل الصحفي، والجوائز خير دليل على ذلك، وكما يصطادها الرجل تصطادها المرأة أيضا. ويكفي أن نقول بأن الشاعرة “نازك الملائكة” هي واحدة من رواد الشعر الحر.

    وعن مقارنة النصوص يقول: “علينا أن نعترف أن عوالم الكتابة واحدة بالنسبة للكاتب والكاتبة، ولكن طريقة تناولها يختلف وأساليبها تختلف، نكتب عن الحب، نكتب عن الموت، عندها تبدأ طرائق الكتابة بالاختلاف محكومة بنظرة الإختلاف بين الرجل والمرأة، وهذا يعود إلى اختلاف المجتمع الذكوري عن المجتمع النسوي، فالمرأة لا تكتب عن الحرب هي تصورها وقد تنقلها فقط، أما الرجل فهو ربما يكون مقاتلا فيها.

    الرجل يكتب عن الحب بعد أن يعيشه تجربة كاملة، المرأة تشير إليه فقط وهذا يعود إلى الممنوع بسبب طبيعتها الاجتماعية والدينية، وهناك من يكتب بشكل فاضح ربما المرأة تتحرج لأنها محكومة اجتماعيا”..

    نعم هناك كاتبات عربيات معروفات بأسلوب الإيروتيكية، ولكن شهرتهن محدودة بسبب طبيعة المجتمع، وهنا أشير إلى مهرجان المربد الذي انتهى قبل أيام، حيث قرأ أكثر من ١٠٠ شاعر وشاعرة وكنت عضوا في لجنة القراءات، لم أسمع قصيدة عاطفية واحدة، أو قصيدة حب وكأن الشعراء قادمين إلى ساحة حرب”.

    وعن تواجد الكتابات النسائية على الساحة الثقافية يقول: “نعم استطاعت المرأة أن تجد مكانا لها رغم قلة عددهن، فالمرأة تكتب وتطبع وتنشر، وأتاح لها الفيس مساحة كبيرة في الانتشار والمعرفة، وصارت تحضر المهرجانات والندوات والتجمعات الثقافية وتشارك في المسابقات.

    أما عن القراءات النقدية فما زالت المرأة لا تحظى بالدراسة والتحليل النقدي بشكل يتناسب مع كتاباتها، وهذا يعود إلى قلة تواجدها الفعال في الساحة الأدبية.

    وعن وجود اختلافات ما بين كتابات النساء وكتابات الرجال يقول: “لا توجد فوارق على المستوى الإبداعي، فعندما تقرأين رواية ثلاثية غرناطة ل “رضوى عاشور” لا تشعرين بهذا الفرق من ناحية أسلوب طرح الرواية. في الشعر أيضا وهنا تكمن المشكلة، فكتابة المرأة وبعيدا عن الموضوع يجب أن تعبر عن صوت المرأة حبا أو رفضا وصراخا. مع هذا تبقى المرأة تشكل حضورا أدبيا فاعلا ومهما في الشعر والرواية والنقد”.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا