(النساء والكتابة 2-24):  الكاتب أكثر سعة معلوماتية وتجربة، لذا يبني شخوصا أكثر حيوية لكن الكاتبة تتخطاه في عكس الجانب الروحي للشخصيات

     

    خاص: إعداد- سماح عادل

    هناك طرح هام في هذه الحلقة، وهو أن المرأة في منطقة الشرق عندما تقرر أن تصبح كاتبة  فهي تخوض طريقا طويلا من النضال، تناضل أولا ضد الظروف الاقتصادية الصعبة التي ترزح تحتها، والتي تجعلها مضغوطة في أعمال كثيرة متزاحمة، وتناضل مع عدم توافر تجهيزات أو مساعدات أو دعم من المجتمع كما يتوافر للمرأة الغربية ويعينها في تربية الأطفال وإدارة حياتها. وتناضل ضد الإطار الثقافي الذكوري السائد الذي يعد عليها أنفاسها ويضيق عليها الخناق ويقلل فرصها في التواجد ككاتبة.

    هذا هو الجزء الثاني من تحقيق (النساء والكتابة)، والذي جمعنا فيه آراء الكتاب من مختلف بلدان الشرق عن الصعوبات التي تواجه الكاتبات، وطرحنا هذه الأسئلة:

    1. في رأيك هل مهام الكاتبة من عمل، ومسؤوليات الأمومة ورعاية الأسرة وأعمال المنزل صعوبات تمنعها من التفرغ للكتابة وتقلل فرصها للتواجد على الساحة الثقافية ككاتبة؟
    2. ما رأيك في مقارنة نصوص الكاتبات من النساء بنصوص وإنتاج الكتاب من الرجال رغم التفاوت الكبير في إتاحة الفرص وتوافر إمكانية التفرغ؟
    3. ما رأيك في تحطيم التابوهات في بعض كتابات النساء، والجرأة في الكتابة. وما رأيك فيها يسمى بالكتابة الأيروتيكية؟
    4. هل استطاعت كتابات المرأة أن تتواجد على الساحة الثقافية في مجتمعاتنا وأن تجد لها مكانا وفي رأيك هل ينصف النقاد كتابات النساء أم لا ولما؟
    5. هل تعتقد أن هناك اختلافات ما بين الكتابات التي تصدر عن النساء وتلك التي يكتبها الرجال وما هي هذه الاختلافات؟

    خصوصية شخصية المرأة تساهم في تميز الكتابة لديها..

    يقول الكاتب العراقي “يوسف أبو الفوز”: “الجواب هنا يتحدد بحديثنا عن جنسية الكاتبة أولا، في أي بلد تعيش؟ إذا كان المقصود الكاتبة بشكل عام، فلابد من القول أن المجتمعات الأوربية قطعت شوطا كبيرا في إطار خروج المرأة من طوق دائرة المطبخ ورعاية وتربية الأطفال، إذ تطورت هذه المجتمعات وقطعت شوطا كبيرا في طريق نيل المرأة لحقوقها، من توفير الظروف المناسبة لنشاطها وتطورها لتكون جزء فاعلا في المجتمع.

    مثلا أن مراكز رعاية الأطفال النهارية (الحضانة) وثم المدرسة، تقوم بواجبات ليس قليلة تخفف عن أي أم الكثير من الأعباء فتجد الفرصة للعمل، الدراسة، ممارسة هواياتها وتطوير نفسها، وبالتالي تجد المرأة الكاتبة فسحة مناسبة من الوقت لاستثمارها فيما يتعلق بنشاطها الإبداعي.

    وإذا تحدثنا عن المرأة الكاتبة، التي ولدت وتعيش وتعمل في الشرق الأوسط، فهنا تسكب العبرات كما يقال. فرغم أن الظروف الاجتماعية والسياسية عامة يعاني منها كلا الطرفين، أقصد الكاتبـ الرجل، والكاتب ـ المرأة، إلا أن مجتمعنا الشرقي الذكوري، ما يزال ينظر للمرأة عموما بكون مكانها الحقيقي هو دائرة المطبخ، سرير النوم وتربية الأطفال، وإن خرجت المرأة للعمل، فهذا أيضا لا يقدم دعما كبيرا للمرأة للحصول على مساحة من الحرية الكاملة.

    إضافة إلى أن البنى التحتية للخدمات ما تزال غير متطورة كثيرا في بلداننا العربية، فليس كل العوائل قادرة على إرسال أطفالها لدور الحضانة الخاصة أو الرعاية النهارية، ناهيك عن غياب وجود مثل هذه الخدمات في العديد من البلدان مما يجعل منها مهام ربة البيت. والأمومة تضيق الخناق على الكاتبة المتزوجة والأم، فتصبح عندها الكتابة هما كبيرا وعلى الكاتبة النضال لانتزاع الوقت ومن ثم الحرية والمساحة لأجل إنجاز مشاريعها الأدبية. وعليه كل امرأة كاتبة عندي هي بطلة بطريقتها الخاصة، لكونها أولا تخلق الوقت وتسرقه من ساعات راحتها، وثم مواجهة العوائق الأخرى الاجتماعية والسياسية والعائلية لتقدم شيئا متميزا”.

    وعن مقارنة النصوص رغم التفاوت الكبير في إتاحة الفرص يقول: “لا اعتبر شخصيا أن الإبداع الحقيقي يرتبط بكون الكاتب رجل أو امرأة، فالموهبة هي الأساس ويتم تقويمها بالدراسة والتجربة والاطلاع على تجارب الآخرين. ونعود للحديث عن الفارق الكبير بين واقع حياة وتجربة الكاتبة إن كانت أوربية أو كاتبة من بلدان الشرق، فالمرأة الأوربية تكون أمامها الفرص متوفرة للدراسة والعمل والسفر والعيش بحرية، فإن كانت كاتبة يترك هذا أثرا كثيرا على تجربتها الإبداعية.

    أما المرأة العربية، التي في بعض بلداننا لا تستطيع السفر بدون رجل يرافقها، فكيف لها أن تزيد من خبراتها في الحياة وتطور من إبداعها؟ كيف تستطيع فهم الآخر ـ الرجل إن كانت لا تستطيع معايشته أو تعقد صداقات متكافئة معه؟  لهذا فالمرأة الكاتبة في بلداننا تنحت في الصخر وهي فدائية في خوضها في موضوعات ممنوعة على المرأة فالحرية متوفرة فقط للرجل للخوض فيها. رغم كل ما يقال فلقد برزت لدينا كاتبات تحدين كل العوائق والخراب وكان إبداعهن بمستوى لم ينجح كثير من الرجال في بلوغه”.

    وعن تحطيم التابوهات في بعض كتابات النساء يقول: “إن كسر التابوهات في الكتابة في بلدان الشرق، مهمة وعائق يواجه كل كاتب سواء كان رجل أو امرأة، وتكون مهمة المرأة الكاتبة هنا أصعب بكثير، فمجتمعنا ذكوري بامتياز، فلطالما شكت لي صديقات كاتبات من كون البعض يعتقد أنها تكتب عن تجربتها الشخصية، مما يجعلها في موقع الدفاع عن النفس أمام تنمر الآخرين، وهي لم تفعل أكثر من كون عملها الإبداعي تطلب ان تترك شخوصها يتحدثون بشكل صريح عن عوالمهم الداخلية.

    للأسف إن المرأة الشرقية ما تزال متهمة حتى في نوع ملابسها وطريقة جلوسها وحديثها، أو إذا رفعت صوتها بضحكة في مكان عام، فكيف إذا كاتبة دخلت مع شخوص نصها الإبداعي إلى غرف النوم أو جعلتهم يتحدثون باستفاضة عن هواجسهم العاطفية الجنسية؟ لست مع إقحام وافتعال المشاهد الأيروتيكية، لأسباب لا علاقة لها بالشروط الفنية للعمل الأدبي.

    لو ألقينا نظرة سريعة متفحصة، فأننا للأسف سنجد في حقل الأدب الكثير من الكتاب، من الرجال والنساء، يكتب بهذه الطريقة، لأغراض التسويق، فنجد نصوصا إبداعية مزدحمة بما لذ وطاب من مسميات جنسية ومشاهد لا ضرورة لها، تذكرنا بخلطات الأفلام التجارية. هذا النوع من الكتابة المفتعلة، أعتبره مثل الوجبات السريعة، غير صحي ولا يشبع الجوع الروحي القارئ الجاد”.

    وعن استطاعة كتابات المرأة أن تتواجد على الساحة الثقافية في مجتمعاتنا يقول: “لقد برزت في الساحة الثقافية في الشرق وبلداننا، الكثير من القامات الأدبية النسوية المتميزة، وترفع القبعات لهن لتخطيهن ببسالة وتضحيات، الكثير من الحواجز الاجتماعية، واستمرار صراعهن لإثبات وجودهن كمبدعات.

    للأسف إن حركة النقد في بلدان الشرق عموما، لم تنصف الكثير من الكتاب الرجال فكيف تستطيع إنصاف النساء الكاتبات؟ ما تزال الحركة النقدية لدينا أسيرة الشللية والعلاقات و(الشغل تحت الطاولة)، وبرزت في الفترة الأخيرة عند البعض من النقاد نغمات التخندق الأيدلوجي وأيضا الديني المذهبي، فنشرت العديد من الدراسات النقدية ومنحت شهادات ماجستير ودكتوراه عن أشباه كتاب وكاتبات لأسباب لا علاقة لها بالإبداع تماما. واضطرت بعض الكاتبات الجادات الركون إلى تحاشي التجمعات الثقافية والعمل عن بعد، حتى لا يتم مطالبتهن بما هن ليس قادرات على تقديمه لأجل مقال أو دراسة نقدية”.

    وعن وجود اختلافات ما بين الكتابات التي تصدر عن النساء وتلك التي يكتبها الرجال يقول: “ذكرت أن الإبداع لا يتحدد بكون الكاتب رجل أو امرأة، لكن خصوصية شخصية المرأة، وكونها تملك قدرات إنسانية تتخطى فيها الرجل كثيرا، مثلا حدس المرأة الخاص، قدراتها في استثمار حواسها بشكل متميز، القدرات الخاصة في تحمل الألم والصبر، وغيرها، يضيف ملامح خاصة على شخصية المرأة، وبالتالي فإن الكاتبة منهن ستكون متميزة كثيرا باستثمار هذه الخصوصيات لأجل العمل الإبداعي.

    هكذا نجد أحيانا كاتبات البعض يصنفهن من الصف الثاني، يكتبن بلغة مبدعة وأسلوب يتخطى كتاب يضعهم البعض في الصف الأول. تتعلق القضية في قدرة المرأة الكاتبة على استثمار خصوصياتها وتوظيفها بشكل صحيح ليجعلها تبدع بطريقة تتخطى الرجل الكاتب بمسافات.

    يبقى علينا القول أن مجتمعنا الشرقي الذكوري، يمنح الرجل مساحة واسعة من الحرية، لا تملكها المرأة، لتطوير تجاربه الإنسانية، مثلا في السفر،العلاقات، العمل، الحب، الجنس، إلخ، مما يجعل الكاتب الرجل منطقيا أكثر سعة معلوماتية وتجربة، وبالتالي يسهل عليه بناء شخوصه وجعلها أكثر حيوية ومقنعة، لكن المرأة ـ الكاتبة تظل تتخطاه في عكس الجانب الروحي للشخصيات، وهذا ما أحاول أتعلمه دائما عند قراءة إبداع كاتبات نساء”.

    الكتابة تنم عن جهد وسعة في المعرفة..

    ويقول الكاتب اليمني “عبد الوهاب سنين”: “بالنسبة للمرأة المرتبطة ربما يكون إنتاجها الكتابي أقل إنتاجا، من المرأة المتفرغة، هذا في ظاهر الحال، ولكن هناك الكثير من النساء، المبدعات، لهن ظهور وأعمال في الساحة الثقافية، سواء أكانت شاعرة، أو روائية، والمرأة المرتبطة تكون محظوظة في حالة، وجود زوج متفهم يمتلك وعيا تتقاسم معه، أمور البيت، وليس عيبا فهناك من المتزوجين، سواء الرجل أو المرأة كلاهما يكتب الرواية أو القصة، ونرى لهما إصدارات تتداول في المشهد الثقافي”.

    وعن مقارنة النصوص يقول: “المرأة ليست أقل من الرجل، فهناك كاتبات لهن الكثير من القراء من الجنسين، ومثال ذلك “أحلام مستغانمي”، لها روايات، وكذا نصوص شعرية، لها صدى، أما مقارنة نصوص المرأة بنصوص الرجل، فهذا كان في الزمن الغابر.

    وأضرب مثال قديم قدم التاريخ، قال “بشار ابن برد” لبعض جلسائه ذات يوم: ما سمعت شعر امرأة قط إلا أحسست فيه الضعف، فقيل له: أو كذلك الخنساء؟ فقال تلك فوق الرجال!

    هذا القول من بشار فيه استثناء للخنساء، ولكن هل يعني أن الخنساء هي فقط من تحسن الترقي  بشعرها إلى مصاف الرجال، بالتأكيد لا فبشار خص الخنساء لأن السائل خصها بالذكر.

    لذلك فالمرأة من القوة والحضور بمكان، وهاهي الأديبة الكاملة “مي زيادة”، وصاحبة أشهر صالون أدبي، كان يعقد يوم الثلاثاء من كل أسبوع، في عصر الأقلام السامقة، في ثلاثينات القرن الماضي، فهي من ألهمت “إسماعيل صبري”، وألهبت “جبران”، ليس لأنها جميلة فحسب، بل لأنها أحد تلك الأقلام الرائجة في عصر مشحون بالأدباء والكتاب الكبار، لذلك قال عن “مي” كاتب كبير، وهو الأستاذ “أحمد حسن الزيات”، مؤسس مجلة الرسالة ما نصه: “ونحن نقول في مي ما قال بشار في الخنساء، ونزيد عليه أن مي هي الأدبية الكاملة، في تاريخ الأدب العربي”.

    وعن تحطيم التابوهات في كتابات النساء يقول: “لا شك في مجتمعنا الشرقي أن، الكتابات الأيروتيكية، ستصنف أنها مدعاة للانحلال، والتفسخ الأخلاقي، والقليل من يكتب هذا اللون المثير والكاسر للتابوهات، وخاصة الجنس، وهناك من الكاتبات امتلكن الشجاعة، وكتبن روايات فيها جرأة، ولو علم القارئ الرافض لهذا اللون الكتابي، أن مثل هذه الكتابات فيها تعرية ومعالجات نفسية، تتطرق لها تلك الكتابات، لما قوبلت بالرفض المطلق، وليست التابوهات محظورة لدى المرأة فقط في مجتمعنا الشرقي، بل حتى كتابات الرجال، وأضرب مثال رواية (حرمة) ل”علي المقري”، رواية جريئة، يراها الكثير من القراء، أنها عبارة عن فلم جنس مضغوط، فنحن في مجتمعنا ما زلنا، نرى ذلك عيبا صرفا”.

    وعن تواجد الكتابات النسائية على الساحة الثقافية: “بالتأكيد كتابات نسوية مهولة، في الوطن العربي، على سبيل المثال الرواية هناك العديد من الأعمال الروائية لاقت رواجا، واهتماما لدى القراء والنقاد، بل وصلن إلى حصد الجوائز، مثلا رواية (سيدات القمر) للكاتبة العمانية “جوخة الحارثي”  الحائزة على جائزة البوكر العالمية ٢٠١٩م.

    أما تناول النقاد للأعمال النسوية، فذلك يخضع لجودة العمل، وليس كل ما يكتب يكون له حظ من النظر، فالكتابة تنم عن جهد وسعة في المعرفة، والرواية مهما بلغت عدد صفحاتها، وهي عارية عن الجودة والبناء الروائي، تكون مجرد أوراقا باهته، سواء كتبتها امرأة أم رجل، أما الإنصاف لكتابة المرأة، فمرتبط بما أسلفت، وهناك أعمال نسوية راجت ولفتت انتباه القراء، بل كانت مادة لدراسات أكاديمية، كرسائل الماجستير، ومنها ذاكرة الجسد ل”أحلام مستغانمي”، كانت مادة خصبة لرسالة جامعية.

    وهذا مثال لا للحصر،  وهناك أعمال روائية يمنية نسوية، كانت محط أنظار نقاد كبار، مثلا رواية (زوج حذاء لعائشة) للروائية “نبيلة الزبير” تناولها “الكبير الداديسي” بعين باصرة بالنقد، والرواية فيها كسر التابو إذ تمثل حياة ثلاث فتيات امتهن الدعارة. فالعمل المبني على الفكرة المشبعة، بما يدعم تلك الفكرة من مراجع، بلا شك سيكون العمل، له حضور في المشهد، مع امتلاك الكاتب والكاتبة أدوات العمل الروائي”.

    وعن وجود اختلافات ما بين كتابات النساء وكتابات الرجال يقول: “ربما يكون الاختلاف من جهة العاطفة، وتلك العاطفة تكون في المرأة أكثر تعالقا عند نثر سطورها، وليس ذلك على إطلاقه، فهناك من يكتب أعمال روائية مبنية على ظاهرة علمية، وكاتبتها مرأة ، كرواية (همس الأبواب) للكاتبة “آية ياسر”، هذه الرواية فكرتها مأخوذة، من علم ماوراء النفس او ماسمى بالباراسيكولوجي، فرواية مثل هذه لا تخضع للشاعرية.

    ونأتي برواية لغتها شاعرية (ذاكرة الجسد) كاتبتها امرأة استطاعت أن تكتبها، كما يكتبها “جمال الغيطاني” في رواية (الزيني بركات)، بمعنى أن المرأة اليوم تستطيع أن تكتب ما يكتبه الرجل. ربما مع فورارق بسيطة، لا تنقص من العمل النسوي”.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا