النساء والكتابة (17):  ينتقد الرجل الكاتبة ليحمى ذاته المتشظية من سلاحها التاريخي في الكشف والوقوف مجددا كلما كسرت

    82

     

    خاص: إعداد- سماح عادل

    هناك طرح هام وهو أن نسبة كبيرة من كتابات النساء تتناول قضايا تخص النساء، في علاقتها مع الرجل، أو فيما يخص حياتها وتفاصيلها وخصوصيتها، أو موضوعات خاصة بالحب والعلاقات الرومانسية، وأن الكاتبة تظهر ذاتها الأنثوية في كتابتها بشكل واضح، معتمدة على العواطف والمشاعر والأحاسيس، والتساؤل هنا هل هذا عيب في كتابات النساء، يستحق التجاهل من النقاد ومن المهتمين بالأدب؟، ويستحق الفصل في التصنيف بين كتابات الرجال وكتابات النساء، وإعطاء كتابات النساء درجة اقل من كتابات الرجال؟.

    التعبير عن قضايا النساء هل هو عيبا، أن تدافع الكاتبة عن حقوق المرأة أو ترصد مساوئ قهر المرأة في المجتمع، أو تكشف خبايا التمييز الذي يقع على أرض الواقع على النساء، وهل هذه الموضوعات أقل قيمة وشأنا من تناول الموضوعات الوطنية والسياسية، بحيث أن تناول الموضوعات الوطنية والتاريخية والسياسية شرطا لإدراج الكاتبات ضمن صفوف الكتاب الجيدين.

    المحزن في الأمر أن تقتنع بعض الكاتبات بتفاهة تناول الموضوعات التي تخصهن، وتفاهة الكتابة التي تحمل سمات أنثوية على اعتبار أن تمثل المرأة لذاتها، وتعبيرها عن خصوصيتها وتميزها أمرا سيئا، لأنها لابد وأن تكتب مثل بعض الرجال عن قضايا هامة، وأن تتخلي عن سماتها الخاصة وطريقة تفكيرها وطريقتها في التعبير كأنثى تتميز بخصائص تختلف تماما عن الذكر، لكي ترضي الجميع، وتتحول لمسخ لا هي أنثى ولا هي رجل، أو تصبح متشبه بالرجل.

    لذا كان لنا هذا التحقيق الذي يجمع آراء الكاتبات من مختلف بلدان منطقة الشرق حول الصعوبات التي تواجهها النساء حين يقررن أن يصبحن كاتبات، وتضمن التحقيق الأسئلة التالية:

    1. هل تواجه الكاتبات صعوبات للتفرغ للكتابة مثل عملها، ومهام الأمومة ورعاية الأسرة وأعمال المنزل؟
    2. هل العوائق التي تمنع الكاتبات من التفرغ تؤثر على إنتاج الكاتبات سواء على مستوى الكم وأيضا الكيف؟
    3. هل تشعرين بالظلم حين تتم مقارنة نصوص الكاتبات من النساء بنصوص وإنتاج الكتاب من الرجال رغم التفاوت الكبير في إتاحة الفرص وتوافر إمكانية التفرغ؟
    4. ما رأيك في انتقاد البعض للجرأة في كتابات النساء والذي قد يصل إلى حد الوصم؟
    5. هل تشعرين أن كتابات النساء مظلومة من قبل النقاد والمهتمين بالأدب؟

    روايات ربات البيوت..

    تقول الكاتبة العراقية “سالمة صالح”: “أظن أن النساء يسلكن طريقا شائكا حين يخترن مهنة الكتابة. عدد كبير من اللاتي بدأن الكتابة من جيلي لم يقطعن في هذا الطريق شوطا طويلا فقد توقفن بعد الكتاب الأول أو الثاني، تتوقف الكاتبات الشابات غالبا بعد الزواج والانصراف لشؤون العائلة ويسقطن بعد وقت قصير في النسيان. تؤثر الأعباء الثقيلة الملقاة على عاتق المرأة على عملها ككاتبة كما ونوعا بالطبع.

    فهي على الأرجح تمارس عملا مأجورا، ثم أن تربية طفل هي عمل أهم بكثير من كتابة رواية، ولا تعاني الكاتبة من ضيق الوقت للكتابة فقط ولكن أيضا للقراءة وتطوير أدواتها في الكتابة. لقد تغير الحال قليلا مع تطور تقنية الكومبيوتر والانترنيت، واتساع إمكانات النشر وإغراء الجوائز الأدبية، لكنه تأثيره شمل الكم بالدرجة الأولى فنشأ نوع من الأدب هو ما سميته روايات “ربات البيوت” وهي روايات تنشر في أوربا، روايات قصيرة تطبع وتباع بملايين النسخ تكتبها في الغالب ربات البيوت أو نساء يمارسن مهنا لا علاقة لهن بالعمل الثقافي. ولا تعتبر هذه الروايات أعمالا أدبية أو يرد ذكرها في قوائم أعلى المبيعات. ولم يرتفع بالمستوى الفني للكتابة”.

    وعن الشعور بالظلم حين تتم مقارنة نصوص الكاتبات من النساء بنصوص وإنتاج الكتاب من الرجال تقول: “لا أدري إذا كان ثمة من يقارن بين أعمال النساء وأعمال الرجال، ولا أعرف ما هي المعايير التي يمكن أن تقوم عليها المقارنة. مرة في بداية سبعينات القرن الماضي صادفت أحد النقاد المكرسين أمام أحد مكاتب المؤسسة العامة للصحافة، وفي حديث عابر قال لي: إن فلان الفلاني يدعي أنه أول من كتب كيت وكيت، لكنك كنت قد سبقته إلى هذا، وهو ما أريد أن أكتب عنه. لكنه لم يكتب.

    وقد نقرأ في حاشية مقال مسهب عن القصة العراقية مثلا لا ترد فيه جملة واحدة عن الكاتبات، يعد فيها الناقد بأنه سيتناول أعمال الكاتبات في مقال خاص. لكنه لا يعود إلى الموضوع ثانية، رغم أن هذا الفصل لا مبرر له منذ البداية”.

    وعن انتقاد البعض للجرأة في كتابات النساء تقول: “الجرأة صفة حميدة دائما، وليست هي ما يمكن أن يؤخذ على الكاتب أو الكاتبة على السواء، ما يمكن أن يؤخذ عليهما هو سوء النية، حين يعول الكاتب أو الكاتبة على الجرأة والإثارة لتحقيق انتشار سريع وتسويق جيد للمطبوع وشهرة واسعة، ولا يقدمان سوى عمل يفتقد إلى الجمال فإن هذا ما أسميه سوء النية”.

    وعن كون كتابات النساء مظلومة من قبل النقاد تقول: “ما ينشر في الصحافة لا يرتفع إلى مستوى النقد. سأكرر هنا ما كتبته مرة عن هذا الموضوع: “إن المتابع لعشرات المقالات النقدية التي تظهر في الصحف والمجلات كل أسبوع يستطيع أن يلاحظ أن النقد لم يعد سوى المدائح التي تكال لعمل ما دون غيره، مدائح لا تضيء جانبا من العمل ولا تستطيع حتى كشف أسباب تفوقه. تستأثر كتب بعينها باهتمام النقاد وتفجر فيهم الرغبة الطيبة في الثناء، فلا يكون النقد عندئذ سوى تحية لصديق وصدور الكتاب مناسبة لتأكيد مودتهم له. نقد من هذا النوع يمكن أن يكتب حتى قبل صدور الكتاب وحتى دونما حاجة لقراءته. بل لعل الناقد قرر ما سيكتبه منذ قراءته خبرا عن الشروع بطبع الكتاب”. أما النقاد الأكاديميون فبالإضافة إلى قلة عددهم، قلما يصل ما يكتبونه إلى القارئ العادي، قارئ الصحيفة اليومية أو مجلة المنوعات الأسبوعية”.

    الكتابة الإبداعية هوس..

    وتقول الشاعرة والكاتبة والأكاديمية من عُمان “فاطمة الشيدي” عن صعوبات التفرغ بالنسبة للكاتبة: “بالطبع نعم، ولكني شخصيا أظن أن الكتابة الإبداعية هوس، فعل جبري يأتي إلى صاحبه من مكان بعيد، ويفرض حضوره على كل مواقفه الحياتية وظروفه الواعية وغير الواعية. المسألة ليست حدية كما نعتقد وليست وظيفية كما ينبغي، ولا يحتاج المبدع/ المبدعة إلى غرفة “فرجينيا وولف” إلا ربما عند تنقيح المسودات لتصبح كتابا، وربما في نوعية كتابة ما كالنقد وقليلا كالرواية؛ فالانثيال الروحي يأتي ونحن “نغسل الأطباق” أو “نرتب الأسرّة” أو نمشي في طريق طويل أو نستمع لأغنية ما، ولكن هل ثمة وقت لكتابة ذلك هنا قد تحدث المشكلة!!

    الكتابة لا تحتاج دعوات مسبقة على مقاهٍ كونية، ولا تحتاج عطرا وخمرا ودوافع خارجية كما يظن البعض، إنها حرقة في الروح، وحكة في الوريد تأتي حين تريد، وحين يتكهرب الجسد بفكرة ما، ووجع ما، أو عشق ما وحتى فرح ما أيضا، ولا أغالي إن قلت أن كثيرا من الفراغ قد يقتل الكتابة أو يدفعها الملل بعيدا، وكأن دلال الكتابة يحتاج لبعض الاضطهاد وكثيرا من الصعوبة. إنها فكرة  مجنونة جدا وقد لا يوافقني عليها الكثيرون وحتى أنا قد أتبرأ منها أحيانا ولكنني أؤمن بها أحيانا أخرى”.

    وعن تأُثير العوائق على إنتاج الكاتبات كما وكيفا تقول: “ربما على مستوى الكم نعم، ولكن ليس على مستوى الكيف، فالكيف هو روح الكاتب ولغته وفكره وثقافته ووعيه واطلاعه، وبالتالي لن يكتب أي كاتب رجلا أو امرأة إلا ما تشكل في عمق تكوينه ووعيه عبر مراحل كثيرة ثم تتشكل إبداعا خاصا وهذا هو الأهم”.

    وعن الشعور بالظلم حين تتم مقارنة النصوص تقول: “لا. فعليا الجميع يعرف ذلك، يعرف ظرف المرأة التاريخي وإن لم يقدره في فعل المقارنة يكون أحمقا ولا يعتد برأيه، كما أن الكم ليس معيارا للمقارنة، فالكيف هو المعيار، العمق الجارح هو الفارق وفي هذا يتنافس الكثير من الرجال والنساء في زمن الآن الإبداعي، وعبر التاريخ أيضا، فقد رسخت أعمال للرجال، وأخرى للنساء وكانت المنافسة شرسة في هذا المجال وغير قابلة للمقارنة، ولا يستطيع أحد أن ينكر أسماء مثل “فرجينيا وولف، وسلفيا بلاث وغادة السمان ومي زيادة ورضوى عاشور” أمام عظماء من الرجال أيضا. الأمر له علاقة مباشرة بمستوى الإبداع وليس بالجنس أم الكم”.

    وعن انتقاد البعض للجرأة في كتابات النساء تقول: “هذا تمييز ثقافي مازال يعيش فيه المجتمع العربي، وهذا الأمر أصعب ما تعانيه المرأة الكاتبة في المجتمع العربي، طبعا متى ما استطاعت الكتابة والنشر، فالقدرة على الكتابة والنشر والظهور هي  العوائق الأكبر فعليا.

    وتأتي بعدها فكرة التقييم القلقة من قبل الرجل لكل ما تكتبه المرأة؛ فالرجل يخاف من أن تعريه المرأة وتكشف عوراته المستورة، ونزواته المتكررة، وتفضح مستوراته عبر الكتابة، ولذا حاربها طويلا، ورفض أن تذهب في هذا الطريق منتقدا لها أحيانا ولما تكتب كثيرا، ووضع الحواجز والعراقيل والكليشيهات الجاهزة، ومازال يحاول أن يحقّر مما تكتب ليدفعها خارج هذا المضمار؛ ليحتكره لنفسه وليحمى ذاته المتشظية من سلاحها التاريخي في الكشف والتعرية والوقوف مجددا كلما كسرها رجل”.

    وعن كون كتابات النساء مظلومة من قبل النقاد تقول: “ليس دائما؛ سنة الحياة كما سنة الكتابة أن يكون هناك معايير متفاوتة، وظروف مختلفة تخدم البعض وتتجاهل البعض، هناك من تخدمه الظروف كالأصدقاء والمعارف وهناك من تظلمه بالطبع، والأمر في ذلك سواء بين الرجال والنساء.

    فهناك من يحظى بحضور أدبي ومكانة مستحقة، وهناك من يحظى بما لا يستحق، وهناك من يستحق أكثر مما هو حظي به.

    وطبعا هنا أعني من استطاع فعليا ممارسة الكتابة والحضور ضمنها في محافل الكتابة والنشر، ولكن كم من امرأة خلف ستار الخوف والعيب والحرام لا تستطيع أن تتقدم بكلها كإنسانة كاملة الأهلية والحرية، قبل أن تتقدم ككاتبة.

    إذن قضية المرأة (الإنسان) تسبق قضية المرأة الكاتبة التي تكون غالبا متحررة من الظرف التاريخي للمرأة، ومستوفية شروط الإنسانية التي من أهمها شرط الحرية، وتصبح مسألة الكتابة مرحلة لاحقة لها مساءلاتها الاجتماعية والثقافية بالطبع، ولكنها تستطيع المجاهدة ضمن شروط أقل قسوة وأكثر انفتاحا”.

    التركيز على الذات الأنثوية والعواطف الجياشة..

    وتقول الكاتبة السودانية “تسنيم طه”: “الإبداع لا يحتاج لتفرغ، وإنما لذكاء وحكمة وصبر. ففي الغالب، يداهمنا الإلهام أثناء انشغالنا، ونادرًا ما تأتينا الأفكار الإبداعية عندما نجلس خلف طاولة للبحث عنها. والمسألة، تعتمد على سرعة صيد الخواطر، وتدوين الأفكار حتى لا تضيع. ثم تأتي مرحلة التخطيط العملية من تنظيم للوقت، وبناء عادات يومية أو أسبوعية للعمل على تطوير الفكرة. فالتخطيط يساعد على البدء والانطلاق، لكن العادات هي ما يعين على الاستمرار.

    وأعتقد أن بإمكان المرأة الكاتبة متعددة المسؤوليات، استقطاع وقت، ولو بسيط ومنتظم للكتابة ولغيرها من الهوايات. ورُب قليلٌ دائمٌ، خيرٌ من كثير منقطع. وأظن أن 24 ساعة كافية لفعل الكثير إن نجحنا في الابتعاد عن مشتتات عصرنا من هواتف ذكية ووسائل التواصل الاجتماعي.

    فالمرأة بطبيعتها بارعة في نسج القصص وإجادة الحكي الذي ورثته من سالف العصور عن شهرزاد. ولن يصعب عليها إيجاد طريقة لإخراج زخم تلك القصص، خاصة تلك التي أخذت وقتها الكافي للاختمار داخل رأسها.

    وفي حالة عدم إيجاد الوقت للجلوس خلف طاولة للكتابة، يمكن الاستفادة من تقنيات الهواتف الذكية في تسجيل الصوت مثلًا لتدون الأفكار، لسماعها لاحقًا والعمل عليها بروية عندما تحين الفرصة. وعليه، فالتفرغ للكتابة لا يعني بالضرورة الإبداع”.

    وعن تأُثير العوائق على إنتاج الكاتبات كما وكيفا تقول: “أكبر عوائق يمكن أن تواجهها الكاتبات هي مخاوفهن الداخلية، الخوف من الانتقاد والوصم وإنتاج عمل رديء، وقلة الثقة بالنفس، وعدم القدرة على إدارة الوقت، والمقارنة سواء مع غيرها من الكاتبات النساء، أو مع الرجال. وهذا ما يسبب الإحباط. لأن لكل إنسان ظروفه وإمكانياته.

    وهذه العوائق النفسية لا يعالجها التفرغ، وإنما الإدراك والوعي، قبل السعي لإيجاد حلول طويلة المدى، ثم خلق عادات إيجابية تساعد على الإنتاجية والإبداع”.

    وعن الشعور بالظلم حين تتم مقارنة نصوص الكاتبات تقول: “لا أشعر بالظلم.  لأن لكل إنسان ظروفه، ولأن مثل هذه المشاعر تغذي دور الضحية، وتعوق الإنتاجية. صحيح أن الرجال لديهم فرص أوفر للتفرغ والحصول على وقت إضافي مقارنة بالنساء العاملات المنشغلات بأمور الأطفال والعائلة والمنزل. لكن العبرة ليست في الكم، وإنما في الكيف.

    فالكاتبات إذا أردن أن يدخل ميدان المقارنة، فعليهن العمل بحرفية والبحث عن جودة العمل الروائي، مثل بناء الفضاء القصصي وإحكام الحبكة وتطوير الشخصيات، والاستغناء عن الاكتفاء فقط بالكتابة الارتجالية، التي تصبح للبوح، والتي قد تبدو مهما كانت مثل الإنشاء حتى وإن كانت جميلة اللغة.

    فالمنتوج الأدبي النسائي اليومي ربما فاق المنتوج الرجالي، وذلك لما وفرته التكنولوجيا من سهولة النشر، وبعد حصول المرأة على حقوق في العمل وحرية التنقل والسفر. ولكن العبرة ليست في الكم، وإنما في النوع. والنوع لا أقصد به جودة الأعمال الأدبية من مراعاة لعناصر العمل الأدبي وحسب، ولكن أيضا المواضيع التي يعالجها النص.

    وإذا ما قورنت بروايات الرجال، فإن أغلب الأعمال النسائية، قد لا تبدو مثيرة لشغف النقاد، لأنها تركز على الذات الأنثوية والعواطف الجياشة كالحب والرومانسية والأمومة وغيرها، وتهمل التطرق لمواضيع مجتمعية وسياسية ووطنية، أو إثارة مواضيع حول العقل والأفكار والمغامرة.

    ولا شك أن هنالك استثناءات، وهناك كاتبات، رغم تعدد التزاماتهن المهنية والعائلية، نجحن في إنتاج نصوص جيدة تفوقت على أعمال أدبية رجالية تفرغ أصحابها للكتابة. فرب عمل واحد كُتب بحرفية وإبداع، أطاح بعشرات الأعمال الرديئة”.

    وعن انتقاد البعض للجرأة في كتابات النساء تقول: “في اعتقادي، أن المرأة الكاتبة تعرف حدود تحملها للنقد في حالة تجاوزها للخطوط الحمراء وكتابة ما لا يقبله محيطها الاجتماعي ومحيط المجتمع الأدبي العربي، الذي يرفض الجرأة متوقعًا منها دوام الإذعان والحياء. والجرأة لا تتوقف فقط على تناول التابوهات وطرح مواضيع مسكوت عنها، ولكن أيضًا على تصوير مشاهد ايروتيكية أو جنسية.

    فإن كانت المرأة قادرة على المواجهة والدفاع عن نفسها، إذا ما اضطرت لوصف مشاهد جريئة تخدم النص، فستفعل ولن تأبه كثيرًا لآراء النقاد ولن يهمها الوصم. وإن لم يكن باستطاعتها تحمل نتيجة اختيارها، فعليها بالاستغناء عن الوصف بالتلميح، تجنبًا لهدر طاقتها وإدخال نفسها في حروب كلامية تربكها وتفقدها سلامها الداخلي.  فالخيار يعود لها وحدها”.

    وعن كون كتابات النساء مظلومة من قبل النقاد تقول: “إن كانت المرأة تكتب للنقاد، فقد تكون الإجابة: ربما. ولكن السؤال: لماذا هذا الظلم وهذا التهميش؟

    أحيانًا، قد يكون السبب هو وسط النقاد المهيمنة عليه شلليات الرجال، والذين ربما منعتهم خوفهم وغيرتهم، من تسليط الضوء على أعمال نسائية، وكأن ذلك يهدد رجولتهم.  فثقافة الرجل الشرقي، حتى المثقف وإن ادعى الانفتاح، قد تمنعه من تقبل فكرة أن تتفوق المرأة ويلمع نجمها بين الرجال، وذلك للصورة النمطية عن المرأة في رأسه بأن مكانها البيت وتربية الأولاد ولا دور لها آخر للمشاركة في المجتمع.

    لكن، هناك عوامل أخرى قد تعيق الكتابات النسائية من أن تحظى بالنقد: مثل جودة العمل الأدبي والمواضيع التي يعالجها النص. فأغلب الكتابات النسائية، تهتم فيها المرأة بذاتها الأنثوية، وتركز على تقديم عواطفها وأحاسيسها بطريقة انفعالية متحيزة تدور كلها في فلك علاقتها بالرجل، والحب والزواج والأمومة وغيرها. وقد تهمل العمل على تنوع الشخصيات، وتعدد الأساليب السردية والحوارية التي من شأنها إثراء العالم الروائي. وقلما تركز في مواضيع كتاباتها على قضايا اجتماعية أو سياسية أو وطنية.

    وأكبر تحدي يقف أمام المرأة، هو إدراك أن طريق الكتابة ليس طريق سهل مفروش بالورود، بل طريق مكلل بالمصاعب. وإن أرادت منافسة الرجل، فعليها ابتكار وسائل حكي أكثر تعقيدًا من قصص شهرزاد في “ألف ليلة وليلة” ومن حكايات الجدات، وإيجاد تقنيات جديدة لكتابة النصوص دون أن تخشى من التجريب، مع الانتباه للاقتصاد في استخدام عاطفتها الأنثوية حتى تسمح لملكاتها الفكرية والمنطقية أن ترى زوايا أخرى من العالم، أبعد من ذاتها الأنثوية”.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا