النساء والكتابة (13): أحيانا تستفز شهرة الكاتبة الرجل ويعدها تعديا على رجولته فيحاول كبح جماحها

    69

     

    خاص: إعداد- سماح عادل

    تثير بعض الكاتبات نقاط هامة في شأن الصعوبات التي تواجه الكاتبة، مثل غيرة الرجل من نجاحها، سواء زوجها أو أحد أقاربها، لأنه يعتقد أن نجاحها يمس رجولته وتسيده عليها، وسعيه إلى تحطيم هذا النجاح أو على الأقل التقليل من شأنه وتسفيه. وهناك أيضا محنة البوح التي تعاني منها الكاتبات، سواء اللاتي تزوجن وأصبحن في نظر المجتمع محميات تحت ظل رجل، والتساؤل حول كونهن أمهات وزوجات ومربيات أجيال ومدى تناسب ذلك مع جرأتهن، كما يصفها الذكور والمجتمع. لكن الكاتبات اللاتي لم تتزوجن بعد هن الأكثر معاناة مع التحرر والبوح، وتناول موضوعات مسكوت عنها وتندرج تحت إطار الطابوه،  لأنه تتم محاسبتهن بشكل أكبر، والتفتيش داخل نصوصهن وربطها بحياتهن الشخصية وتفاصيلها وربما وصمهن، وانتقاد نصوصهن بأنها لا تليق بعادات وقيم المجتمع.

    لذا كان لنا هذا التحقيق الذي يجمع آراء الكاتبات من مختلف بلدان منطقة الشرق حول الصعوبات التي تواجهها النساء حين يقررن أن يصبحن كاتبات، وتضمن التحقيق الأسئلة التالية:

    1. هل تواجه الكاتبات صعوبات للتفرغ للكتابة مثل عملها، ومهام الأمومة ورعاية الأسرة وأعمال المنزل؟
    2. هل العوائق التي تمنع الكاتبات من التفرغ تؤثر على إنتاج الكاتبات سواء على مستوى الكم وأيضا الكيف؟
    3. هل تشعرين بالظلم حين تتم مقارنة نصوص الكاتبات من النساء بنصوص وإنتاج الكتاب من الرجال رغم التفاوت الكبير في إتاحة الفرص وتوافر إمكانية التفرغ؟
    4. ما رأيك في انتقاد البعض للجرأة في كتابات النساء والذي قد يصل إلى حد الوصم؟
    5. هل تشعرين أن كتابات النساء مظلومة من قبل النقاد والمهتمين بالأدب؟

    انتزاع الاستبداد كفكر مستأثر بعقل الرجل..

    تقول الكاتبة اللبنانية “فاطمة منصور”: “شرط الكتابة أولا توفر الموهبة. لا شك أن المرأة الكاتبة عموما، سواء الموهوبة أو الساعية إلى الشهرة، تواجه عقبات كثيرة تعترض طريقها.

    فإلى جانب مهامها الكثيرة كزوجة، وعاملة، وأم، هناك الرجل الزوج، الذي يجد في تطور موقع المرأة وشهرتها ككاتبة، سببا يدعوها للمطالبة الفعلية بالمساواة. والاعتراف بقيمتها كمبدعة تستطيع تجسيد أحلام الناس في كتاباتها. فكثيرا ما تستفز شهرة المرأة الكاتبة الرجل فيري فيها تعديا على رجولته ويحاول كبح جماح طموح زوجته.

    وأيضا، فهناك الأحكام المسبقة بأن المرأة لا يمكنها مجاراة الكتاب من الرجال نظرا لضعف إمكانياتها الفكرية، كما يفترض بها الالتزام بأشياء كالحشمة مثلا. بحيث تضطر أن تتقوقع في أطر ضيقة تحول دون حريتها في التعبير والإبداع”.

    وتواصل عن تأثير العوائق على إنتاج الكاتبات كما وكيفا: “فضلا على أن تراكم المهام على كاهل المرأة الكاتبة يقضي حكما إلي انصرافها معظم الأحيان عما يجول في خاطرها ككاتبة لأجل الوفاء بمهامها الأخرى. هذا ما يحد من كمية الإنتاج أولا، ونوعيته ثانيا.

    فالإبداع يفترض إبلاء موضوعات الأدب اهتماما من شأنه أن يجعل موضوعا ما ملكا للكاتبة، تستوعبه بأبعاده كلها، حتى إذا تناولته في رواية أو مقالة، يصبح بوسعها تطوير المفاهيم الخاصة به، التي لم تستوف حقها في البحث، وهكذا يكون الإبداع بالتجديد”.

    وتضيف عن الشعور بالظلم حين تتم مقارنة النصوص: “ككاتبة، تعيش في مجتمع ذكوري، بمفاهيمه البالية والمتوارثة، كثيرا ما تكون الكاتبة ضحية جور الرجل، والنقد عموما. فهناك مفاهيم تعتبر تقدم الرجل على المرأة مجرد بديهيات، فيما تظهر التحقيقات الموضوعية أن هناك إنتاجا نسويا يفوق جمالية وإبداعا ما ينتجه رجل هنا أو آخر هناك.

    ومع ذلك، نرى بعض النقد والإعلام يصرف النظر عن الجيد النسوي المميز إلى ما دونه قيمة عند كاتب تربطه بالناقد علاقة شخصية. وتسأليني إن كنت أحس بالظلم! فهذا الظلم بعينه أن ترى أدبي الحديث مهمشا مقابل أن يطفو زبد فارغ على متن الصحافة مثلا”.

    وعن انتقاد الجرأة تقول: “والمؤلم أن مجتمعاتنا تطالب بالانفتاح والتجديد والحداثة وفي الوقت نفسه تمارس الاستبداد ضد حرية المرأة. فللرجل حق التعبير بصراحة عن هواجسه الجنسية، بشفافية وجرأة تخدش أحيانا الحياء، لكنها في عرف النقاد جرأة أدبية. بالمقابل، ويل للكاتبة إن كتبت ما يتجاوز حدودا مرسومة، فإن تحدثت عن رغباتها كامرأة، جنسيا وروحيا محاولة الكشف عن مواطن النشوة والشهوة. متغنية بسحر جمالها ومفاتنها. فإن ذلك مدعاة لرجمها بأبشع الصفات حتى الاتهام بأنها بائعة هوى تحاول الوصول إلى كسب ود الرجال عبر إغراءاتها الوقحة.

    فأي قيمة للأدب إن قيد بسلطة جائرة عنوانها التمييز بين الرجل والمرأة حتى في الكتابة والتفكير وسائر الفنون، فالقضية تتوقف على انتزاع الاستبداد، كفكر مستأثر بعقل الرجل. وللأسف، هناك العديد من النساء اللواتي يقسن المقاييس الجمالية في الكتابة بمقاييس الطقوس الثقافية الطارئة”.

    محنة البوح بالنسبة للكاتبات..

    وتقول الكاتبة الليبية “نيفين الهوني” عن الصعوبات التي تواجه الكاتبة وتمنعها من التفرغ: “نعم وكثيرا، وعلى الرغم من أنني لم أجرب إحساس الأمومة إلا أن الأعباء اليومية هي ذاتها، سواء كنت رب أسرة بالزواج أو بدونه، وكوني البنت الأكبر وابنة امرأة عاملة كان لدي نصيبي من الأعباء المنزلية الأسرية الكثيرة مع الدراسة والعمل، ثم الانتقال والعيش بمفردك يزيد من ازدحام يومك. فأنت الأب والأم والأبناء والسائق والميكانيكي والسباك وكل شيء، ولا أخوة معك يقومون بمهام الرجال المعتادة، وبالتالي أحيانا تظل الفكرة في رأسي أياما ثم ما تلبث أن تتلاشى ولا أستطيع مهما حاولت اعتصار ذاكرتي وذهني أن أسترجعها، ولذا أشعر بأنني أضعت فرصا كثيرة بسبب الحياة الاجتماعية وأعبائي اليومية”.

    وعن تأثير العوائق على إنتاج الكاتبات كما وكيفا: “بالتأكيد تؤثر فبعيدا عن الكم الذي سبق وأن حدثتك عنه، فإن الكيف يحتاج إلى ذهنٍ صافٍ ونفسية مرتاحة وأجواء هادئة ومريحة وصحية للكتابة المتعمقة والمختلفة، بينما أشعر أحيانا بأن الإسراع لأداء المهمة الموكلة إلىّْ كمشرف ملف ثقافي وفني في صحيفة “فسانيا” مع ما لدي من ظروف حياتية خاصة يجعلني أكتب أنصاف الأفكار، وأن الاستعجال في طرحي يخرجها مبتورة ومشوهة وليس كما أريد ولا كما من المفترض أن تصل إلى القارئ المتابع”.

    وعن الشعور بالظلم من أن تتم المقارنة بين النصوص تقول: “هناك ظلم كبير وإجحاف بحق المرأة وهذا أمر ليس بجديد ولا خافيا علينا ولا حتى على المبدعين من الرجال، وعلى الرغم من ذلك مازال المجتمع بشقيه مستمرا في المقارنة”.

    وعن انتقاد الجرأة في كتابات النساء تقول: “”كتاباتي ليست وصمة أخجل منها” كان هذا عنوان مقالا لي منذ سنوات كثيرة ،ربما قبل عشرين سنة، ورغم ذلك مازالت المرأة توصم بكتاباتها ويشار إليها بنصوصها وتتهم ويحكم عليها، إن تجاوز بوحها حدود المعقول في عرف المجتمعات العربية. وربما يختلف المجتمع العربي قليلا حول المرأة المتزوجة،  من حيث التساؤل هل يجوز لها الكتابة هكذا؟، أو طرح المسكوت عنه في المجتمع وهي أم وزوجة، وهي من المفترض أنها ستبني شعوبا طيبة الأعراق. أم من حقها كونها مرت بتجارب الحياة كلها أن تطرح وجهة نظرها بالطريقة التي تعجبها، طالما أنها تزوجت ولديها في حياتها حارس وباب صدٍ.

    أما الفتاة وإن تجاوز عمرها ال50 سنة فليس من حقها البوح، خاصة فيما يسمى الخطوط الحمراء أو تابوهات المجتمعات، أذكر أن أمي ذات مرة حين عجزت عن إثنائي عن الكتابة الإيروتيكية قالت احتفظي بها وعندما تتزوجين قومي بنشرها وأنت حرة حينها، ولكن أعقبت قولها ذاك (إن سمح لك زوجك)، لأنها مؤمنة بأن المجتمع الذكوري لن يسمح لي بتجاوز حدوده وإن كنت محتمية بزوج وعقد، هو جواز مروري للكتابة عن المشاعر  والكتابة عن الجسد.

    وفي العموم كل نص تكتبه المرأة يعتقد الناس أنها تكتب عن نفسها، وكل قصة هي بطلتها وكل رواية عن حياتها وإن لم يكن الأمر كذلك. وعن رأيي وصلت منذ فترة لقناعة، وإن كانت متأخرة، أنه عليا النشر وعدم الالتفات لما يعتقده الآخر بي، فاعتقاده أمر يخصه ولا يعنيني في شيء، وأتمنى ألا أكون قد تأخرت كثيرا في الوصول إلي تلك الفكرة وأن يصل بوحي إلى ما أتمناه يوما”.

    وعن الشعور بالظلم من انحياز بعض النقاد تقول: “الكاتبة مظلومة ومظلومة ومظلومة، وستظل هكذا رغم كل نجاحات الكتابة النسائية في العالم فقط لأنها امرأة ولأن مجتمعاتنا ذكورية بامتياز”.

    تقسيم غير متكافئ للأدوار..

    وتقول الكاتبة التونسية “رجاء البحري” عن صعوبات التفرغ للكتابة: “أعتبر التفرغ للكتابة ترفا في مجتمعنا، بحكم متطلبات الحياة التي نعيش وما تكرسه من ضغوطات على الإنسان عموما وعلى النساء بصفة خاصة. فرغم خروج المرأة للعمل فإن مشاركة الرجل لها في أعمال المنزل ورعاية الأطفال تبقى محتشمة في اقتران بالعقلية الذكورية وتقسيم الأدوار بين الجنسين. هذا التقسيم غير المتكافئ للأدوار ينعكس على الوقت والطاقة الممكن أن تكرسها المرأة للاشتغال على مشروعها الأدبي، الذي يستدعي بدوره مجهودا بحثيا واطلاعا على بقية التجارب. واقع يدفع بعض النساء في مراحل من حياتهن وخاصة بعد الإنجاب أما للتخلي عن الكتابة أو تأجيلها لمرحلة لاحقة أقل التزامات”.

    وعن تأثير العوائق على إنتاج الكاتبات كما وكيف تقول: “لهذه العوائق تأثير على إنتاج المرأة على مستوى الكم، باعتبار أنها تأخذ نصيبا من وقتها واهتمامها دون أن تؤثر في نظري على الكيف المرتبط بعوامل أخرى، والذي يتوقف على المستوى الذي تضبطه الكاتبة وترتضيه كحد أدنى لما تنشر”.

    وعن الشعور بالظلم حين تتم مقارنة النصوص تقول: “لا أجد معنى لمقارنة نصوص الكاتبات بنصوص الكتاب الرجال، لأنها تنطلي على طرح جندري سطحي، كما أنني لا أنظر للكتابة كمجال للتنافس وإنما كمشاريع إنسانية متكاملة. التفرغ وعلى أهميته والفرص على ما تفتحه من أبواب غير كافية وحدها لتصنع كاتبا. الجوهر هو الكائن وهواجسه، امرأة كانت أو رجلا ثم إنني أرى أن العبرة ليست بالكم”.

    وعن انتقاد البعض للجرأة في كتابات النساء تقول: “الجرأة من صميم الحياة وعلى العمل الإبداعي أن يكون جريئا. أفهم أن ينتقد الابتذال والسعي المجاني لتوظيف التابوهات لتحقيق الإثارة في كتابات النساء والرجال على حد السواء. أما الانتقاد المبني على خلفية جندرية فأدرجه في خانة السعي لتصميت المرأة وافتكاك الصوت منها للحفاظ على بنى الهيمنة الذكورية بتعلة حراسة القيم”.

    وعن النقاد تقول: “ألاحظ غيابا للنقد البناء والموضوعي عموما في ظل المجاملات والآراء الانطباعية، كما أجد الاهتمام المسلط على نصوص دون أخرى مرتبطا بشبكات العلاقات أكثر منه بالقيمة الإبداعية للعمل الأدبي، وهي مسألة تخص كتابات الرجال والنساء”.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا