الجمعة 22 أكتوبر 2021
22 C
بغداد

    النساء والكتابة (12): المرأة حكاءة بالفطرة تميل للبوح باسترسال لا يضيعه إلا ضعف إمكانية الانعزال

    100

     

    خاص: إعداد- سماح عادل

    يستمر بوح الكاتبات عن الصعوبات والعوائق التي تواجههن حينما يقررن أن يتجهن إلى طريق الكتابة الأدبية، منها استهداف حياتهن الخاصة وشخصهن وقت قراءة نصوصهن، ومنها عدم وجود استقلال مادي واجتماعي، وأيضا ربطها بالإنجاب والتربية ومسؤوليات أخرى كثيرة وحدها دون مشاركة الرجل لها في كل ذلك. لكن تؤكد بعض الكاتبات على أهمية الكتابة رغم كل تلك الصعوبات الكثيرة، فالكتابة بمثابة شفاء ذاتي لبعضهن، ومحاولة لاستعادة التوازن النفسي.

    لذا كان لنا هذا التحقيق الذي يجمع آراء الكاتبات من مختلف بلدان منطقة الشرق حول الصعوبات التي تواجهها النساء حين يقررن أن يصبحن كاتبات، وتضمن التحقيق الأسئلة التالية:

    1. هل تواجه الكاتبات صعوبات للتفرغ للكتابة مثل عملها، ومهام الأمومة ورعاية الأسرة وأعمال المنزل؟
    2. هل العوائق التي تمنع الكاتبات من التفرغ تؤثر على إنتاج الكاتبات سواء على مستوى الكم وأيضا الكيف؟
    3. هل تشعرين بالظلم حين تتم مقارنة نصوص الكاتبات من النساء بنصوص وإنتاج الكتاب من الرجال رغم التفاوت الكبير في إتاحة الفرص وتوافر إمكانية التفرغ؟
    4. ما رأيك في انتقاد البعض للجرأة في كتابات النساء والذي قد يصل إلى حد الوصم؟
    5. هل تشعرين أن كتابات النساء مظلومة من قبل النقاد والمهتمين بالأدب؟

    الكتابة من أجل الشفاء الذاتي..

    تقول الكاتبة المغربية “سامية الصيباري الإدريسي”: “أن تكون ذات المرأة مستقلة عن محيطها الاجتماعي والأسري فهذا أمر صعب، فهي في اتصال مباشر وترابط يصعب التنصل منه وهذا ما يحد من طاقة الإبداع الكامنة فيها باعتبارها طاقة خلاقة لا يمكن التجاوز عنها. ولأن المرأة كائن عنكبوتي تصل خيوطها في كل الاتجاهات على حساب موهبتها الخاصة جدا، والتي تتطلب جهدا ووقتا وتركيزا حيث لا يمكن تدارك الوقت وربطه بالرغبة في الكتابة، لأن القدرة على الفعل باتت مرتبطة بالصفاء الذهني والمخيلة.

    في ظل خوض غمار حروب النهار ليسقط الجسد مساء على الأريكة منهكا من القتال اليومي، تتوزع فيه المرأة كآلة بشرية  بين كثرة المهام والاستماتة في الحصول على وقتها الخاص. فليس من السهل أن تصبح المرأة مسئولة عن كائنات صغيرة الحجم يتسرب الوقت معهم بانفلاتية عجيبة، فتضيع الإنتاجية الفكرية لتتقلص أو تنعدم ويصبح اقتراف الكتابة فرصة ذهبية مقتنصة رهينة بتحولات اليومي المعاش.

    ظاهرة الكتابة مرتبطة أساسا بالقراءة، وما يهمني كذات شاعرة هي الكيفية التي تستوي بها نصوصي بعيدا عن النشاز اللغوي والقدرة على عجن المكونات ببراعة احترافية، فالكتابة مهمة شاقة لا يجب استعجالها لكي لا تنتهي بدفق كمي غير متماسك. فالكتابة تتحقق بشرط التفرغ وهذا مصطلح  أتوق إليه. فالكلمة تحتاج لكيان منفلت عن الزمن قادر على تطويع الظروف لصالحه ناسفا كل المعيقات التي تحول دون انجاز”.

    وعن الشعور بالظلم حين تتم المقارنة تقول: “لا يمكنني وضع نفسي في دائرة المظلومين لأني لست ممن يحبون لعب دور الضحية، إذ لا يمكن تغيير لعبة الأدوار التي بدورها تساهم في جعل نصوص المرأة أكثر كثافة في المعنى والعاطفة. ولأن المرأة حكاءة بالفطرة تميل للبوح باسترسال عجيب لا يضيعه إلا ندرة الوقت وضعف إمكانية الانعزال، التي تعتبر مرتعا خصبا للغزارة.

    في حين يمكنني القول أن الإنتاج مقرون بالجودة وعلى هذا الأساس تطرح المقارنة، فالموهبة التي تصقل بالمهارة كفيلة بجعل النص يتحدث عن  نفسه، إضافة إلى أنه يجب الفصل بين ما يسمى بالكتابة النسائية والأخرى الرجالية، على اعتبار أن الأدب واحد ويمكن طرحه بمختلف الضمائر والخصائص، بعيدا عن الجنسانية وعن كل الفروقات الهدامة”.

    وعن انتقاد الجرأة تقول: “شخصيا اعتبر الجرأة الزائدة عن حدها مستفزة للقارئ، رغم أنها أحيانا تشكل الحقيقة الصادمة غير المنمقة، معجمها العاري يسبب الذهول المصحوب بالإثارة اللحظية، حيث لا يتحقق معها هاجس الفضول لأنها متكشفة بشكل صريح يفقد معها النص غموضه الفني وإيحالاته المستترة والبائنة، ويصير المعنى واضحا فاضحا بلا ذوق.

    فأحيانا أصبحت الجرأة من أجل لفت الانتباه فقط، في إطار أن كل مرفوض مرغوب، فيصير الابتذال صنعة، إضافة إلى أن المجتمع العربي الذكوري لا يفصل بين واقع المرأة في الحقيقة وبين واقعها التخييلي الإبداعي، ليبدأ النبش بين الكلمات عن تهم للإدانة، وهذا ما يجعلها محدودة في التعاطي مع عدة موضوعات تشكل طابو مجتمعي يجب السكوت عنه، رغم أن الأدب بريء من كل هذا الانحياز”.

    وعن النقاد تقول: “أنا أكتب من أجل الشفاء الذاتي والتفريغ النفسي بالدرجة الأولى، فالشغف الذي يدفعني للكتابة أو ممارسة هوايات أخرى هو من أجل تحقيق الانتشاء، فالكتابة هي المورفين الذي ينتشر بداخلي لاكتساب وعي  جديد وحقيقة ما، فصوت المرأة الآن صار عاريا مكشوفا فرض نفسه تلقائيا. فالنقد في حد ذاته يجب أن يدرس النصوص بموضوعية، وأن يقاربها بأدواته الخاصة فمهمة الناقد تتبع الأثر الأدبي في بعده الأخلاقي،  بعيدا عن الشعبوية والسمسرة الإعلامية والترويج المجاملاتي والتطفل  العلائقي، الذي يجعل من النقد أداة للوصولية. وفي إطار هذه الشبكة لا يمكن الجزم بمظلومية المرأة بقدر ما هو مرتبط  بالمساومة، حيث يصبح ثمن الورقة المعدة هي المرأة نفسها”.

    التوفيق بين المسؤوليات وشغف الكتابة..

    وتقول الكاتبة الأردنية “شهيرة الحسن”: “قد يدعي الرجل أن المرأة (غير العاملة) تتمتع برفاهية التواجد في المنزل والكتابة في كل وقت متاح، وقد تفترض المرأة أن الرجل يمتلك متسعا من الوقت بعد ساعات عمله لممارسة الكتابة، وما يتطلب إتقانها من قراءة وتدقيق وما إلى ذلك.

    لكنني أؤمن أن عدة عوامل تتضافر لتشكل ثقافة ومزاج الكاتب، سواء أكان ذكرا أو أنثى، وقد يكون التفرغ أهم هذه العوامل، وبما أن مسؤوليات المرأة تحول دونها ودون هذا التفرغ فهي غالباّ أمام صراع خفي بين واجباتها وشغفها بالكتابة”.

    وعن تأُثير العوائق على إنتاج الكاتبات كما وكيفا تقول: “قد أسلفت الكاتبة التركية “أليف شفق” الحديث عن هذه العوائق في كتابها “حليب أسود”، حيث شاركتنا معاناتها في البحث عن الوقت الكافي والمزاج الملائم لتكتب في بداية أمومتها.

    لكنها اعترفت في النهاية أنها كان لابد وأن تمر بهذه المرحلة لتعرف مدى حاجتها للمساعدة، حتى تصل لمعادلة متوازنة لا تغلب فيها مسؤولياتها على شغفها بالكتابة، بل تحاول أن تجعلهما يتوازيان ويتناغمان. ودليل هذا زخم إصداراتها، لكن هذا لا ينفي ما مرت به من مراحل صعبة أحبطتها وكادت تهزمها حالها حال كاتبات كثيرات”.

    وعن الشعور بالظلم حين تتم المقارنة تقول: “بالطبع أشعر بالظلم حين تتم المقارنة بين الكتاب والكاتبات، فأنا أؤمن أن لكل ظروفه، كما أؤمن أيضا، ولا أجد هذا انحيازا للمرأة، أن المسؤوليات والضغوطات قد تتحول لتربة خصبة لإنتاجات أدبية ناضجة، وأن المرأة الطموحة قادرة على التوفيق بين شغفها وواجباتها على الرغم من انشغالاتها وكل مراحل مسؤولياتها، ومثال هذه هي الكاتبة “جي كي رولنغ” مؤلفة سلسلة “هاري بوتر” الشهيرة، وكذلك “بيرل باك” التي اختارت أن تتبنى أطفال وتؤسس دار أيتام ولم يؤثر هذا على إنتاجها الأدبي.

    لهذا أفخر بكاتبات خلقن هذا التوازن في مسيرتهن الكتابية وأغبط بعض الكتاب الذكور في ما نقل لنا من تفاني زوجاتهن في توفير بيئة مناسبة للإنجاز الكتابي مثل زوجة “ليو تولستوي”.

    لربما يسعدنا أن نعرف أن كثير من الكاتبات الطموحات تألقن بل ونافسن كتابات الرجل، لكن هناك أيضا قصص لكاتبات أثرت الكتابة على علاقاتهن العائلية سلبيا مثل “مورييل سبارك” التي بدت علاقتها مع ابنها متوترة حتى بعد موتها. بل أن الكتابة أثرت على صحتهن النفسية والعقلية وانتهت نهايات مأساوية حين تزامنت مع الأمومة وضغوطها مثل “زيلدا فيتزجيرالد” و”سيلفيا بلاث”.

    وتضيف: “كان المجتمع يهمش كتابات المرأة منذ القدم، ولعل هذا هو السبب وراء أن “فدوى طوقان” نشرت شعرها في العديد من الصحف العربية تحت أسماء مستعارة في بداية مشوارها الأدبي وهي التي تعد من أبرز شاعرات فلسطين. وكذلك فعلت أيضا “جين أوستن” التي حصلت على شهرتها الكاملة بعد وفاتها فقط”.

    المجتمع يحيط بكتابات المرأة تحديدا بعين المراقب ويتوقع أن لا تخرج عن الحدود المقبولة في كتاباتها، بينما تعد الكتابة تجسيد للواقع في قالب لغوي، ويجب أن تعكس ما يجول في خاطر الكاتب أو الكاتبة من أفكار بدون شخصنتها أو نسبها له. وبرأيي المحظور منها يجب أن يرفض من الطرفين بغض النظر عن جنس المؤلف”.

    وعن النقاد وانحياز البعض منهم تقول: “لا أشعر أن الكاتبات مظلومات من ناحية النقد، إذ للكاتبة قدرة على تسلق قمة الإبداع باجتهادها، ولكن لربما طريقها لن تكون معبدة بالتسهيلات المتوفرة لنظيرها الكاتب”.

    استهداف حياة الكاتبة الشخصية..

    وتقول الكاتبة العراقية “صبا نعمة”: “تواجه النساء في مجال الكتابة عدة مستويات من التحديات المتمثلة بأسئلة تبدأ من: ما الذي يدفع المرأة للكتابة؟ ما المواضيع التي ترغب المرأة بالكتابة عنها؟ ما الأساليب التي تعبر بها المرأة عن نفسها؟

    وفي محاولة الإجابة عن كل سؤال من تلك الأسئلة تفقد المرأة الكاتبة جزء من حريتها بالتعبير عن أفكارها، في منعطفات التأويل التي ترمي بها في دوائر ضيقة من الأحكام الاجتماعية.

    لذلك تجد العديد من الكاتبات أنفسهن في مأزق استهداف حياتها الخاصة ومناقشتها بدلاً من مناقشة أعمالها وشخصها بدلاً من شخصياتها، وهذه هي أولى العوائق التي تحد من مسيرة النساء في مجال الكتابة وخاصةً الكتابة الإبداعية، حيث يتطلب العمل من الكاتبة إبحاراً في العوالم الخيالية لاقتناص تجارب حسية مؤثرة واختبار التحديات الوجودية للأنماط الحياتية”.

    وتضيف: “ما ذكرته سابقاً يشكل أولى التحديات التي تواجه النساء في عالم الكتابة لكنه ليس العائق الوحيد. فحاجة الكاتب عموماً لاستقلاليته تشترط إمكانية استقلاله المادي وتفرّغه للانشغال في أفكاره وكتاباته وهو يبدو تحدياً صعباً في حياة النساء، التي غالباً تجد أنها مرتبطة بمسؤولياتها الإنسانية في الرعاية والإنجاب والتنشئة.

    ولا تتوقف الصعوبات التي تواجهها النساء عند هذا الحد، بل أن الأصعب هو ما تستقبله من آراء نقدية على أعمالها يدور بين عدم أخذ القضايا التي تطرحها على محمل الجد، وبين التشكيك في مصداقية الكاتبة وأصالة النص ومحاولة نسب العمل إلى أحد الكتّاب من الرجال، وفقاً لفكرة نمطية تفترض عدم قدرة النساء على مناقشة القضايا بما يكفي من العمق والنضج المطلوب”.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا