المطاردة قصة قصيرة للكاتب “أحمد خلف”

الأربعاء 13 كانون ثاني/يناير 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

 

بدأ الأمر معه أشبه بالمزحة التي رواها صديق له ذات يوم, وليس مجرد حلم مر به, قال الصديق: أنت تعلم قليلا ما أحلم في النوم, لكني ليلة البارحة حلمت حلما غريبا, تصور, رأيت في طريق المزرعة رجلا يتبعك, لكنه اختفى ولم يدع لي فرصة معرفته بل عرفتك أنت, ولو شئت أن تقلب الحلم يا أستاذ فما عليك إلا أن تتبع الرجل حالما تراه في طريقك, أعني أن تفاجئه في المتابعة بالأحرى أن تطارده بدل مطاردته لك, هل عرفت كيف سيكون الأمر؟ يقال في تفسير الأحلام عن عمل كهذا استبدال المهمة أي أن تتحول أنت إلى هو. ليس أن تكون أنت ذلك الرجل, إنما نوعا من قلب مجرى الأمور, عند ذاك ستعرف غاية الرجل ومرماه..
لم ينكر الأستاذ كم راقت له الفكرة وأشاعت في أعطافه رغبة قوية في تحقيقها, وتصور كم يبدو ذلك طريفاً ومغرياً القيام بمهمة تفوق الاحتمال, ولم يتخيل الأستاذ كم سيكون الأمر في غاية المخاطرة, أن يقوم هو بالمطاردة والتي لم يجربها من قبل, أن يكون هو من يطارد الآخر ويتبعه… ضحك حتى دمعت عيناه, وهو يترك لخياله رسم صورة فوق توقعه والأستاذ حر طليق, يعلن حربا لا رجعة فيها على شبح رابض في عتمة من مكان ما, يترصده ويحصي عليه الأنفاس قبل الخطوات…
آه هذه المرة الأولى التي سيكون فيها مضطرا لاستبدال الموقع مع الشبح بما لا يتخيله من قبل.. أي فكرة جنونية وضعه فيها هذا الصديق ذو المخيلة الجامحة؟ وقرر مع نفسه قاطعا بتنفيذ الفكرة لا محال, شرط تحقيق خطوات الحلم كلها, وأسف الأستاذ أنه لم يسأل الصديق عن هيئة الرجل أو شكله وطبيعته؟
قال: لا يهم, لا يهمني أي رجل سيكون, إنه رجل الحلم أعني وكما سيتبدى لي ساعة المطاردة والرصد, ومن الآن, الرجل أصبح مرصوداً بالفكرة ومطارداً بالفعل الذي يجعله متهماً أمامي بما يثير الذعر في ثنايا روحه وقلبه، آن له أن يكون سجين تصوراتي وأفعالي بعد أن كان سجاني ومطاردي.. ولما تجسدت الفكرة أمامه وأصبحت واضحة وجلية, تمدد السرور في ثنايا جسده وروحه..
وقال لنفسه: إن رجلاً يتبع رجلا آخر لابد له من غاية معلنة أو معروفة للمرصود وطمأن الأستاذ نفسه أيضا والابتسامة ما تزال مرتسمة على محياه, غالبا ما نحلم أحلاما شتى, لكنها تختفي مع وضح النهار, إذا صح وكلف رجل بمتابعتي سأكون شديد الحذر في تحركي وتصرفي, مع أن لا خصوم علنيين لي, لكني أقر بوجود خصومات سرية مع أشخاص لا أعرف حقيقة مشاعرهم وأفكارهم تجاهي.. ووعد الأستاذ نفسه, بألا يهمل أمورا تخص حياته وعلى هذه الدرجة من القرب منه, وبهذه الخطورة التي بدأ يتلمسها, ويشعر بها رغم أنها تغيب عنه في بعض الأحيان, لا مفر من تنفيذ ما اقترحه عليه الصديق في استبدال المهمة وقلب الوقائع إلى ما يخلفها من وقائع وحالات أخرى، قد تبدو لنا في ظروف مغايرة أنها في أعلى درجات الخطورة والمغامرة.
بل يرى فيها البعض أنها مجرد لحظة عشواء لا تنطق إلا بالجنون والعته, ما معنى استبدال وظيفة المرء أو قلب الحقائق إلى الضد منها؟ وانفجرت ضحكة مفاجئة من قلب الأستاذ حين فكر جادا: ماذا لو وجد الشخص الآخر يحمل سلاحا, يخفيه بين طيات ثيابه كما يحصل هذه الأيام.. حين يرتقي باصا أو يتنزه في حديقة واسعة أو متنزه عمومي, في الساحات أو الطرقات والأسواق, دائما يرى العديد من الأشخاص, الشباب خصوصا يحملون أسلحة, مسدسات أو آلات جارحة وأغلب الأحيان يفاجأ بكاتم صوت يتدلى من حزام أحدهم.. ولم ينكر الأستاذ الرعشة المباغتة التي ألمت به, حين تلفظ مع نفسه عبارة كاتم صوت, وخيل إليه للحظة ماارقة, أنه سيتهالك إلى الأرض حالما يسدد له الرجل طلقة من مسدسه كاتم الصوت, لن يسمع له صرخة أو نأمه وسيكون كل شيء قد انتهى.
ولن تعود ثمة مطارده بين اثنين, بدا هذا كله غير منطقي, ولكن ما معنى أن يتبعه رجل غريب ويحصي عليه خطواته ويتبعه أينما ذهب أو حطت قدماه, أتراه مطلوبا للعدالة مثلا ؟ هل أخطأ بحق أحد ما ذات يوم ولم ينتبه إلى فعلته تلك؟ وتذكر أنه لم يشارك في أي عمل جماعي يثير الحكومة أو يستفز غضب السادة المسئولين, مع أنه يعلم أي أفعال يرتكبها السادة المسئولين في حياتهم العملية.. كما أن لا أعداء سياسيين له أبدا.
إذا لماذا يأخذه التردد وتأخذه الحيرة كلما فكر بالرجل الذي يترصده؟ أقر مع نفسه ألا مفر من ارتكاب حماقات أو أفعال خرقاء قد لا يقصدها في حركته تلك أو ينوي الإساءة منها لأحد ما أو جماعة ما.. وقال أن أفكارا من هذا النوع وحدها كافية أن تكون مدعاة لمتابعة الآخر له, إذا هو متبوع لا محال حتى لو أخذ الأمر شكل مزحة أو حلم لأنه يتذكر في هذه اللحظة وخلال رحلته الصباحية من المنزل إلى مكان عمله, قاطعا الطريق الترابي الملتوي ليدخل بعده في طريق المزرعة شأنه في ذلك الصباح شأن كل يوم، وهو ينفذ بجسده عبر أشجار صغيرة ونباتات وحشائش طفيليه كثيرة, تنتشر حول الطريق وعلى حافات السواقي.. تذكر جيدا إن ثمة من ناداه باسمه..
كان مضطرا كعادته للجوء إلى طريق ميسمي ضيق كشريط, كان ذلك يحدث كل يوم, العبور من خلال المزرعة باتجاه موقف الباص, وفكر الأستاذ أن أفكاره هذه سوف تقوده إلى لعبة لا طائل من ورائها, وليس بعيدا أن يجد اللعبة وقد راقت له, ولكن أليس من الممكن أن يصبح طريق المزرعة ــــ هو ـــــ طريق التهلكة؟ في المزرعة وجد الكثير من الأشجار يرتفع فوق قامته, وفي هذا الفصل بالذات يعرف كيف تنمو الأشجار وتتطاول وتتسامق بعضها بقامات وجذوع عاليه وتتدلى أغصانها في كل جانب..
كان يفكر بتبديل الطريق ولكن أي طريق يقصد؟, دائما هناك طرق تتبدل وتتغير دون الانتباه لها أو معرفة ذلك من قبل, إذا الأفضل البحث عن طريق آخر جديد, عندئذ من الممكن اللجوء إلى الطرق المنعزلة, تلك التي لا يسير فيها احد سواه.. فجأة توقف عن السير حين توارد إليه صوت يناديه:
ــــــ إلى أين المسير يا أستاذ؟
تلفت في الجهات كلها لم يكن ثمة احد في الجوار أو على بعد يرى نهايته.. واصل السير في الطريق ذاته, وانتبه إلى أن قدميه تعثرتا أكثر من مرة ولما أراد أن يعيد تحذيره لنفسه, في أن استمراره في اللعبة سوف يدفعه إلى وهم المطاردة التي لا معنى لها, لكن الصوت تعالى مرتفعا هذه المرة:
ــــــ إلى أين المسير يا أستاذ ؟
توقف برهة ليقرر البدء باستبدال المهمة, أن يستدير ويقتفي أثر الصوت أو ترجيعته, لا أن يدعه يواصل النداء ثم يختفي في الأحراش وبين الأشجار.. سوف اندفع إليه بأقصى ما لدي من طاقة وقوة على الجري نحوه بل ساباغته بالوقوف أمامه.. ماذا عساه أن يفعل لو فاجأته بصفعة قوية على وجهه أو على قفاه؟ أتراه يشهر مسدسا كاتما للصوت ويطلق النار علي؟ وإذا حدث والتقينا وجها لوجه, ما أدراني من يكون, وما حقيقة مهمته معي؟.
انتبه الأستاذ إلى أن المزرعة خالية من العصافير أو بقية الطيور الأخرى الصغيرة التي تتواجد كثيرا في هذا الموسم.. كانت الشمس قد تألقت بدفء منعش ولذيذ, ولكن لا وجود للطيور هنا أبدا, سمع أصوات سيارات وحركة شاحنات تهدر من بعيد, عاودت أقدامه السير في طريقه المعتاد, وبعد خطوات امتلأت أذنيه بالصوت يعاود السؤال ثانية: إلى أين يا أستاذ؟ وقبل أن ينطلق ناحية الصوت, توارد إليه ضحك يتفجر من كل مكان من حوله, كان يلهث في جريه السريع للوصول إلى مصدر الصوت, مهما يكن لن أدعه يفلت مني أبدا..
ركض, زاد من سرعة ركضه وبقوة وشكيمة لا تقهر, كان الجري السريع في المزرعة يزيد من أنفاسه المتلاحقة وبدأت قواه تضعف شيئا فشيئا وسط الأشجار السامقة والمتعالية الأغصان والأشجار والحشائش الطفيلية وهي تحيط به بكثافة, لا صوت يأتيه سوى لهاثه يتردد في سمعه.. وبتصميم عنيد استمر منطلقا تجاه الصوت وبلا تردد, مندفعا كالسهم المارق تأخذه ترجيعة أشبه بالصدى..

آذار/ 2010

 

 

 

 

 



الانتقال السريع

النشرة البريدية