المخيال السياسي الفلسطيني: من تحرير الوطن إلى تحرير الأسواق

الثلاثاء 14 نيسان/أبريل 2020
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

إعداد/ فيروز سالم (**)
مقدمة:
بالرغم من غزارة الإنتاج المعرفي حول فلسطين والنظريات المتنافسة لربط العالمي بالمحلي لتفسير الواقع الفلسطيني، إلا أن تشابك وتعقيدات المشهد الفلسطيني تظل تحدياً أمام الباحثين، حيث يتشابك الحديث عن التحولات التي طرأت على الصعيد العالمي والتنظير حولها، وخصوصية المشهد الفلسطيني في ظل خضوعه لحالة استعمارية معقدة. وفي السعي نحو الأطر العالمية الأنسب لتفسير الحالة الفلسطينية، تظهر الحاجة إلى تحديد ماذا نعني بمصطلحات «عالمي» و«محلي». ففي الوقت الذي تصبح فيه المسافة بين العالمي والمحلي أضيق في ظل ثورة المعلومات والتكنولوجيا وسهولة تدفق المعلومات ورأس المال بشكل عابر للحدود، تغدو العلاقة بين العالمي والمحلي إشكالية وأكثر تعقيداً. هنا يمكن القول بأن هذه العلاقة الملتبسة بين كلا المفهومين، تحتم علينا أن ندرك علاقات القوة الكامنة وراء إنتاج المعرفة الخاص بكل منهما.

تحاول هذه الورقة دراسة التحولات الرئيسية في المخيال السياسي الفلسطيني من خلال الأطروحات النظرية المتنافسة على الصعيد العالمي. وتطرح سؤالاً مركزياً وهو: كيف يمكن أن نفسر التحول الجذري في المخيال السياسي من فلسفة المقاومة والتحرر من الاستعمار إلى فلسفة المؤسسات وبناء الدولة من خلال النظريات العالمية المعاصرة؟ وتجادل الورقة بأن الفلسطينيين كلما باتوا أقرب إلى تحقيق حلم «الدولة» باتوا أبعد من التحرير والتحرر من الاستعمار؛ فالدولة التي لطالما حلم بها الفلسطينيون وناضلوا من أجلها، باتت مرتبطة بتشظي الهوية الفلسطينية والتفتت الجغرافي. كما بات الخطاب بعد اتفاقية أوسلو عن الأسواق الحرة والحقوق هو البديل للخطاب التحرري والمقاوِم للاستعمار، الذي لطالما شكّل الأساس للهوية الفلسطينية. يساعدنا فهم التحولات التي حدثت على الصعيد العالمي والمحلي وربطها، على فهم هذه المعادلة الصعبة. وسننطلق في التحليل من فرضية مفادها أن التحول في المخيال السياسي الفلسطيني – وسنركز هنا على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1967 – كان نتاج تشابك ثلاثة تحولات رئيسية على الصعيد العالمي والمحلي في: مفهوم الهوية القومية، وآليات السيطرة والتحكم، ومفاهيم المقاومة والتحرر. وسيشكل كل من هذه المحاور قسماً من أقسام الدراسة.

أولاً: التحول من هوية سياسية جامعة إلى هوية متشظية
ننطلق هنا من تعريف بنديكت أندرسون الأنثروبولوجي للأمة كمنتج ثقافي بحيث يعرفها على أنها «جماعة سياسية متخيلة، حيث يشمل التخيّل أنها سيدة ومحددة أصـلاً»‏[1]. ويشمل هذا التعريف ثلاثة عناصر: وهي التخيل حيث لا يعرف أعضاء الأمة الواحدة بعضهم البعض رغم انتمائهم المشترك، محددة وسيدة لأنها مرتبطة بحدود عصر التنوير، وأخيراً جماعة لأنها قائمة على علاقة رفاقية عميقة تعمل أفقياً‏[2]. يحاول أندرسن تفسير دوافع التضحيات الضخمة التي تقدمها الأمم والشعوب كنتاج للمخيال القومي، من خلال العودة إلى الجذور الثقافية للقومية. ويرى أنّ فهم القومية يجب ألا يرتبط بالأيديولوجيات السياسية، بل بالمنظومات الثقافية الكبرى التي سبقتها، والتي ظهرت القومية للوجود انطلاقاً منها وفي تفاعل معها‏[3].

وفي الوقت الذي يستبعد فيه أندرسون أفول عصر القوميات، ويبحث عن أسباب تمركز مفهوم الأمة في نطاقات ضيقة تحت اسم هويات قومية، يبحث ستيوارت هال في تبعثر ولامركزية الهويات في عصر العولمة. يتفق هال مع مبدأ الجماعة المتخيلة الذي يطرحه أندرسون، إلا أنه يرى عدم توافق الواقع المعولم اليوم مع المفهوم المكاني للهوية القومية. مشيراً إلى ظهور مجال أكثر سيولة للهويات الثقافية التي تم اقتلاعها من مكانها عبر صيرورة العولمة مولداً أزمة هويات. ويرى هال أن الهويات القومية تتشكل وتتحول ضمن نظام من التمثل، ولكن الأمة ليست كياناً سياسياً وإنما مرتبطة بالمعاني أو ما يطلق عليه «نظام من التمثل الثقافي»‏[4]. وفي هذا الصدد، يرى هال الثقافة القومية كخطاب «أي طريقة في بناء المعنى تؤثر في أفعالنا ومفهومنا عن أنفسنا وتنظمها»‏[5].

وبين تفسير تخيل الهوية القومية عالمياً كهويات جامعة يبذل أصحابها في سبيلها تضحيات جسام، إلى هويات مرتبطة بالمعاني والتمثيل والخطاب، يمكننا أن نفهم هذا التحول من خلال فهم التحولات من الحداثة إلى ما بعد الحداثة. ويمكن هنا أن نستعين بتنظير دايفيد هارفي حول «حالة ما بعد الحداثة»، حيث يرى أن ما بعد الحداثة تمثل تحولاً في «بنية المشاعر» تقوم على أساس الشك العميق في كل الخطابات الشمولية والتركيز على التنافر والاختلاف والتشظي‏[6]. لينتقل الوعي من مبدأ عقلاني «أنا أفكر إذاً أنا موجود» إلى مبدأ «أنا أشعر إذاً أنا موجود»، وهو ما قاد حسب هارفي إلى تسليع المنتجات الثقافية، والتركيز على الذات التي مثلت محور اهتمام ما بعد الحداثة. وهو تحول في المفاهيم يعزوه هارفي إلى تغيير في تجربتي الزمان والمكان في الرأسمالية الغربية أو ما يسميه «انضغاط الزمان والمكان». ترتكز مجادلة هارفي على أن الزمان والمكان هما بناء اجتماعي يختلف تصوره في فترات زمنية وأماكن مختلفة، مشدداً على أن ظاهرة انضغاط الزمان والمكان هي نتاج لعولمة الرأسمالية‏[7].

ويرى هارفي أن «أزمة التراكم المفرط» استدعت البحث عن حلول زمانية ومكانية، وهو ما حدث في أزمة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. فتغير الشعور بالزمان والمكان وانهارت الثقة بأحكام العلم والأخلاق وسيطرت الفوضى والتشظيات على المشهد، وكان نتيجة ذلك حسب هارفي انتقال النظريات من «حقل الأسس المادية والسياسية – الاقتصادية إلى حقل الممارسات الثقافية والسياسية المنفصلة والمعزولة»‏[8]. وهو ما يربطه هارفي بانقلاب تاريخ العالم من الصراع الطبقي إلى صراع جيوسياسي تعود أسبابه إلى العمليات السياسية والاقتصادية التي جاءت بها الرأسمالية لحل مشكلة «التطور الجغرافي غير المتوازن»، فغدت تبحث في أطراف الأرض عن أماكن لحل مشكلة التراكم المفرط لرأس المال‏[9]. فيستمر رأس المال في السيطرة على الزمان والمكان، وهو ما يدفع هارفي للتشكيك في تشديد ما بعد الحداثة على «الآخر» و«المقاومات المحلية» لمقاومة آليات السيطرة حيث تبقى الرأسمالية العالمية أقوى من كل المعارضات الفردية‏[10].

وفي هذا السياق، كيف يمكن أن نفهم انعكاس أزمة الهوية القومية عالمياً على الواقع الفلسطيني والتحولات في تخيل شكل الأمة؟ هنا لا بد من الرجوع تاريخياً إلى النكبة الفلسطينية كحجر زاوية في فهم مأزق الهوية الفلسطينية في السياق الاستعماري وخصوصيته. فتتبع مفهوم «النكبة» في الثقافة الفلسطينية ودلالاتها الثقافية والسياسية والتاريخية، كما يرى إلياس خوري، يعكس معضلة الهوية والوعي بالأنا والآخر التي يعيشها الفلسطينيون منذ عام 1948. ويبدأ خوري في مقالته بعنوان «الوطن المخيم – الوطن المنفى» بالبحث في سردية النكبة التي يرى أنها كانت في الغالب غائبة عن الأدب الفلسطيني في السنوات الأولى للنكبة بسبب بروز ما يسميه «الوعي اللجوئي»، وهو ما ظل محصوراً في فكرة المؤقت والانتظار واستعادة الأسماء بدلاً من سرد الجريمة. وهو الوعي الذي حل محله «وعي المنفى» بعد اتفاقية أوسلو، ليحل الدائم محل المؤقت وينحصر الوعي اللجوئي في المخيمات ويصبح الوطن أو الدولة الفلسطينية هي ذاتها حدود المنفى. وهو الوعي الذي يرى خوري ملامحه في أعمال ادوارد سعيد ومحمود درويش، بحيث تتحدد ملامحه في ثلاثة عناصر وهي: استبدال الذاكرة الشفهية بالمكتوبة، المؤقت بالدائم، الرموز بصورة أكثر حقيقية للمجتمع‏[11].

تتمثل خصوصية الهوية الفلسطينية الجامعة بأنها لم تكن نتاج الارتباط السياسي لحدود الدولة القومية أو كيان سياسي، وهو ما تغير مع إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية في عام 1964، حيث بدأت عملية إعادة تشكل الهوية الفلسطينية ضمن حالة التشظي التي عاشها الفلسطينيون بعد النكبة في مواقع جغرافية متنوعة‏[12]. وبعد هزيمة عام 1967 تبنت منظمة التحرير الفلسطينية الكفاح المسلح وطرحت مشروع الكيان السياسي وإقامة الدولة المستقلة، سعياً للملمة حالة التشظي المتزايد في الهوية الفلسطينية بعد الهزيمة. وهو ما تمكنت من تحقيقه نسبياً بتوحيد فصائل المقاومة المختلفة تحت رايتها، وهو وعي سياسي نشأ في المنفى وظل رهينة المعطيات السياسية الإقليمية والدولية. وفي عام 1987، انطلقت الانتفاضة الأولى وعاد الثقل السياسي للداخل الفلسطيني بدلاً من الشتات. ومع الترهل الذي شهدته المنظمة في حقبة الثمانينيات من القرن العشرين وتراجع فاعليتها، بدأ سعي المنظمة لترسيخ شرعيتها كممثل للشعب الفلسطيني، وهو ما تُوّج بقبول حل الدولتين والتوجه نحو الاستقلال بدل التحرير الوطني‏[13]. وترى هنيدة غانم أن إعلان منظمة التحرير للنقاط العشر في عام 1974، كان بمثابة بداية «الانزياح الباراديغماتي» من نموذج التحرير إلى نموذج الدولة القومية. وهو ما أدى إلى تبني نموذج «الدولنة» أو «Statehood»، وما تبعه من تبني خطاب المواطنة بدلاً من خطاب حق العودة وما لحقه من تهميش للفلسطينيين الموجودين خارج الضفة الغربية وقطاع غزة بتوقيع اتفاق أوسلو‏[14].

من هنا فإن «علاقة رفاقية عميقة تعمل بشكل أفقي» أشرنا إليها سابقاً في فهم أندرسون لخصائص الجماعة المتخيلة، باتت في الحالة الفلسطينية ضعيفة مع التحولات التي شهدتها الهوية السياسية الفلسطينية بسبب التشظي الجغرافي الناتج من الاستعمار. ويجادل جميل هلال بأن تآكل الشرعية الكفاحية للنخبة السياسية بدأ مع التحول من حركة تحرر وطني إلى حركة تسعى لإقامة الدولة ومؤسساتها على حدود الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. فالكفاح المسلح وما رافقه من تسليح لمخيمات الشتات الفلسطيني، عمل على نقل الهوية الفلسطينية من هوية الضحية إلى هوية الفدائي‏[15]. وفي ظل التحولات التي شهدها الحقل السياسي الفلسطيني خلال السبعينيات والثمانينيات، حصل تحول أيديولوجي من التحرير إلى بناء الدولة. وبذلك، تم تجاوز هدف التحرير في سبيل تحقيق هدف تخليص جزء من الأراضي الفلسطينية لإقامة دولة عليها وشرعنة التفاوض مع الاستعمار الصهيوني‏[16]. ومع قيام السلطة الفلسطينية عقب توقيع اتفاقية أوسلو مطلع التسعينيات، يرى هلال أن النخب السياسية سعت إلى استبدال الشرعية الكفاحية التحررية بالشرعية الديمقراطية والانتخابات التي استمدت شرعيتها من فلسطينيي الداخل بدل الشتات‏[17].

وبذلك عادت الهوية الجامعة الفلسطينية إلى التشرذم والتشظي بعد غياب هدف التحرير، ويمكن القول إنه بدأ جدياً «تحول في بنية المشاعر» تجاه علاقة الفلسطيني بهويته القومية. وانتقل دور منظمة التحرير كحاضنة للهوية الفلسطينية الجامعة إلى السلطة الفلسطينية كممثل و«رمز» للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة. وهي دولة منزوعة السيادة في ظل استمرار الاستعمار الصهيوني وانتهاكاته اليومية. ومع ارتباط مؤسسات الدولة الوليدة بالمؤسسات الدولية والدعم الأجنبي لبناء المؤسسات وتحقيق تنمية مع بقاء الاستعمار، تأرجحت السلطة الفلسطينية بين كونها دولة استعمارية أم ما بعد استعمارية. وهنا يمكن اقتباس وصف فرانتز فانون لمزالق الشعور القومي، حيث يرى «أن الشعور القومي ما لم يكن تجسيداً منسجماً لأعمق مطامح الشعب بمجموعه، وما لم يكن ثمرة مباشرة حية نابضة للتعبئة الشعبية، فلن يكون في أحسن الأحوال إلا شكـلاً لا مضمون له، سريع الزوال قليل الدقة والوضوح. والصدوع التي نجدها فيه عندئذٍ هي السبب في أن البلاد الناشئة المستقلة، كثيراً ما تنتقل بسهولة من حالة الأمة إلى حالة القبيلة، ومن مستوى الدولة إلى مستوى العشيرة»‏[18].

ويمكن القول هنا إن انخراط منظمة التحرير في عملية السلام ارتبط ارتباطاً جوهرياً بالتحولات الطبقية في المنظمة في الفترة التي سبقت أوسلو وتعززت بعده. وهو ما تمثل بتعاظم الجسم البيروقراطي السياسي بالتزامن مع تفشي الفساد والمصالح النخبوية‏[19]. وهو ما أدى إلى تحول المشهد السياسي الفلسطيني من «الشعبي» النابع من محتوى موضوعي لمرحلة «تحرر وطني» نابعة من الواقع، إلى شكل تنظيم «فوقي بيروقراطي»‏[20]. وهو ما يصفه بنجامين بارت على أنه إحلال «أسلوب بلاغة الدولة محل مثال التحرير» وثقافة الإعمار بدل المقاومة والثورة‏[21]. ويرى جميل هلال في دراسته عن الطبقة الوسطى الفلسطينية أن البيئة السياسية التي فرضت فيها قيادات الحقل السياسي، التي اندرجت في الغالب من الطبقة الوسطى، هي «بيئة غابت عنها الأيديولوجيات أو رؤى طبقية متبلورة»‏[22]. وهو ما يفسر حسب رأيه ضعف المضمون الاجتماعي الذي تكشف بعد قيام السلطة الفلسطينية، بالرغم من أنه كان يبدو متماسكاً ضمن مشروع التحرير السابق وغياب الدولة‏[23].

من جهة أخرى، لا يمكن الحديث عن المخيال السياسي الفلسطيني من دون التطرق للفضاء/الحيِّز الفلسطيني ودوره في تشكلات الهوية الفلسطينية. واستناداً لأفكار هنري لوفيفر حول الحيِّز المجرب والمدرك والمتخيل‏[24]، يمكن أن نحاول فهم التوترات التي عانتها الهوية الفلسطينية خاصة بعد قيام السلطة الفلسطينية. يقول لوفيفر «إذا كان الفضاء منتجاً، وإذا كانت هناك عملية إنتاج، إذاً؛ نحن نتعامل مع تاريخ. بما أن كل نمط إنتاج يمتلك فضاءه الخاص، التحول من نمط إلى آخر يتضمن إنتاج فضاء جديد»‏[25]. ويشير لوفيفر إلى الحيِّز كمنتج اجتماعي محاولاً الوقوف على الصفات الاجتماعية للحيِّز. فالحيِّز بصورته الطبيعية أو الأصلية قد يختفي من المشهد اليومي للناس الذين يعيشون فيه، ولكن يبقى موجوداً في خلفية المشهد حامـلاً بعداً رمزياً. كما يؤكد دور علاقات الإنتاج في تشكيل الحيِّز، فكل نمط إنتاج ينتج منه حيِّز معين يتناسب معه. ويناقش لوفيفر ثلاثة مفاهيم مرتبطة بالحيِّز وهي «ممارسة الحيِّز» أو (Social Practice) و«تمثلات الحيِّز» أو (Representations of Space) و«الحيِّز التمثيلي» أو (Representational Spaces). وتدل ممارسة الحيِّز على فكرة الممارسات الاجتماعية كأساس لإنتاج الحيِّز وإعادة إنتاجه، في حين تدل تمثلات الحيِّز على النظام الذي يسيِّر علاقات الإنتاج، ويدل الحيِّز التمثيلي على الدلالات المتخيلة للحيِّز وهي بالعادة مخفية ولا تظهر بصورة واضحة‏[26].

وفي السياق الفلسطيني، ارتبط الحيِّز على المستويات الثلاثة التي يذكرها لوفيفر بالبنية الاستعمارية، حيث ظلت السيطرة على الحيِّز ومحاولة محوه من ذاكرة ساكنيه الأصليين جوهر المشروع الصهيوني. يتقاطع هنا طرح لوفيفر مع طرح دايفيد هارفي حول علاقة الزمان بالمكان وكونهما بناءً اجتماعياً. يمكن تقسيم الفضاء/الحيِّز الفلسطيني إلى نوعين: أولاً، الفضاء المتخيل القائم على الذاكرة الجماعية الفلسطينية وشعورهم كجماعة متحدة يعرّف وجودها على مكان جغرافي يشمل كل فلسطين التاريخية. ثانياً، «الفضاء المسموح به» المتمثل بأراضي السلطة الفلسطينية وبمؤسساتها ورموزها المرتبطة بما يحدده لها الوجود الاستعماري‏[27].

وترى ليزا تراكي أن مسألة إعادة الإنتاج الاجتماعي التي تعني العمل على ضمان استمرارية الوجود الاجتماعي وتجديده، مرتبطة بتشكلات الهوية حيث تحدد آفاق التفكير وأنواع الحياة الاجتماعية المنشودة‏[28]. وتضيف أن تطور المخيال الاجتماعي الفلسطيني ارتبط بصورة أساسية بالبنية الاستعمارية وبالقوى والتيارات العالمية الوافدة التي تعمل على تشكيل وإعادة تشكيل الذوات الفلسطينية وخياراتها الشخصية، مؤكدة التمايز في المخيال الاجتماعي بين الطبقات المختلفة التي لا تتفاعل مع التيارات العالمية بنفس الدرجة‏[29]. فمثـلاً، نشرت بلدية مدينة رام الله وثيقة بعنوان «رام الله مرنة 2050»‏[30]، وهي خطة استراتيجية للمدينة ضمن مشروع «100 مدينة مرنة» العالمي الممول من مؤسسة «روكفيلر» الدولية. هنا يمكن أن نلمس التحول في المخيال الاجتماعي لمفهوم التكيف المقاوم ضمن الحالة الاستعمارية، حيث نرى هنا إعادة تشكل لمفهوم التكيف بما ينسجم مع تيارات نيوليبرالية عالمية حول مفاهيم مثل «المرونة» أو «الجَلَد» ضمن إطار مشروع الدولة.

وفي ختام هذا القسم، نعود للقول بأن تفاعل العالمي مع المحلي في السياق الفلسطيني في مسألة أزمة الهوية هو بالغ التعقيد. ففي ظل بنية استعمارية استيطانية، فإن التحولات من الهوية القومية الجامعة إلى الهوية المتشظية ما بعد الحداثية لم تسِر في مسار خطي كما الحالة الغربية. فارتبطت الهوية الفلسطينية وتشظياتها بالتفتت الجغرافي الذي ولده الاستعمار من جهة، وبالتحولات في الظروف الدولية والإقليمية ولا سيّما دخول المنطقة العربية في عملية السلام، وبالتأكيد بالتحولات الطبقية في بنية المجتمع الفلسطيني، والتحول في أهداف النخبة السياسية التي أصبحت ترى مصالحها على المستوى العالمي أكثر من المحلي، وهو ما سنناقشه بالتفصيل في القسم التالي.

التالي
المصادر:

(*) نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 494 في نيسان/ أبريل 2020.

(**) فيروز سالم: مُحاضرة في جامعة بيرزيت.

[1] بنديكت أندرسون، الجماعات المتخيّلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها، ترجمة ثائر ديب (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2006)، ص 63.

[2] المصدر نفسه.

[3] المصدر نفسه.

[4] ستيوارت هول، حول الهوية الثقافية، ترجمة بول طبر، إضافات: المجلة العربية لعلم الاجتماع، العدد 2 (ربيع 2008)، ص 154.

[5] المصدر نفسه.

[6] ديفيد هارفي، حالة ما بعد الحداثة: بحث في أصول التغيير الثقافي، ترجمة محمد شيا؛ مراجعة ناجي نصر وحيدر حاج إسماعيل (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2005)، ص 24.

[7] المصدر نفسه، ص 48.

[8] المصدر نفسه، ص 388.

[9] المصدر نفسه، ص 249.

[10] المصدر نفسه، ص 280.

[11] الياس خوري، الوطن المخيم: الوطن المنفى، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 42 (2000)، ص 137-142.

[12] مجدي المالكي، وحسن لدادوة، التحولات في البنى السياسية المعاصرة: من حركة التحرر الوطني إلى السلطة الفلسطينية، في: مجدي المالكي وحسن لدادوة، محرران، تحولات المجتمع الفلسطيني منذ سنة 1948: جدلية الفقدان وتحديات البقاء (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2018)، ص 183.

[13] المصدر نفسه، ص 199-203.

[14] هنيدة غانم، الحرية والهزيمة في المشروع الوطني الفلسطيني، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 117 (شتاء 2019)، ص 138.

[15] جميل هلال، إضاءة على مأزق النخبة السياسية الفلسطينية (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2013)، ص 9 – 11.

[16] المصدر نفسه، ص 12.

[17] المصدر نفسه، ص 13.

[18] فرانتز فانون، معذبو الأرض، ترجمة سامي الدروبي وسامي الأتاسي (عمّان: الأهلية للنشر والتوزيع، 2018)، ص131.

[19] علي جرادات، التسليع السياسي لثقافة التحرر: سياسة التنمية في فلسطين نموذجاً، في: ناجح شاهين، محرر، دراسات نقدية في واقع التنمية في فلسطين (رام الله: مركز بيسان للبحوث والإنماء، 2012)، ص 125.

[20] المصدر نفسه.

[21] بارت بنجامين، حلم رام الله: رحلة في قلب السراب الفلسطيني، ترجمة سنا خوري (باريس: جروس برس ناشرون، 2013)، ص 149.

[22] جميل هلال، الطبقة الوسطى الفلسطينية: بحث في فوضى الهوية والمرجعية والثقافة (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2006)، ص 276.

[23] المصدر نفسه.

[24]  Henry Lefebvre, The Production of Space (Cambridge, UK: Blackwell, 1991), p. 110.

[25] آيات حمدان، المساعدات الخارجية وتشكيل الفضاء الفلسطيني (رام الله: مركز بيسان للبحوث والإنماء، 2010)، ص 11.

[26]  Lefebvre, Ibid., pp. 38‑39.

[27] حمدان، المصدر نفسه، ص 12.

[28] ليزا تراكي، محرر، الحياة تحت الاحتلال في الضفة والقطاع: الحراك الاجتماعي والكفاح من أجل البقاء (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2008)، ص 15.

[29] المصدر نفسه، ص 16.

[30] «Resilient Ramallah 2050,» <http://www.ramallah.ps/userfiles/file/ir/Ramallah%20Resilience​%20Strategy%202050.pdf>.

[31] إيليا زريق، الصهيونية والاستعمار، عمران للعلوم الاجتماعية والإنسانية، السنة 2، العدد 8 (2014)، ص 11.

[32] جلال أمين، العولمة والدولة، ورقة قدمت إلى: العرب والعولمة: بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظّمها مركز الدراسات الوحدة العربية، تحرير أسامة أمين الخولي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010)، ص 165.

[33] أشرف حسن منصور، السلطة على الطبيعة والحقيقة: تحليل فوكو لعناصر الحوكمة في عصر الدولة الليبراليّة الجديدة، مؤمنون بلا حدود، 14 تموز/يوليو 2014، ص 2، <https://bit.ly/3aHqXBf>.

[34] أشرف منصور، نقد فوكو للنظرية الليبرالية في السلطة. الحوار المتمدن، العدد 2808 (23 تشرين الأول/أكتوبر 2009)، <http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=189070> (تم استرجاها بتاريخ 13 نيسان/أبريل 2018).

[35] Joseph Jonathan, «Poverty Reduction and the New Governmentality,» Alternatives: Global, Local, Political, vol. 35, no. 1 (2010), pp. 33‑35, <http://www.jstor.org/stable/40645277> (accessed 13 April 2018), pp. 33‑35.

[36] آدم هنية، تفسیر اللامساواة والفوارق يواسطة عدسة إقليمية، ورقة قدمت إلى: المؤتمر الثاني للمجلس العربي للعلوم الاجتماعية – بيروت، 2015).

[37] آدم هنية، التنمية كأداة للنضال: مواجهة واقع الهيمنة في فلسطين، في: ليندا طبر [وآخرون]، نحو اقتصاد سياسي للتحرر: قراءات نقدية للتنمية في السياق الاستعماري (بيرزيت: مركز دراسات التنمية، 2013)، ص 38 – 42.

[38] المصدر نفسه، ص 37.

[39] ساري حنفي وليندا طبر، بروز النخبة الفلسطينية المعولمة (رام الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية – مواطن، 2006).

[40] فراس جابر وعماد الصيرفي، الإقراض والسياسات التنموية في الأراضي الفلسطينية المحتلة (بيرزيت: مركز دراسات التنمية، 2014).

[41]  Sahar Taghdisi-Rad, The Political Economy of Aid in Palestine (London: Routledge, 2011).

[42] إيليا زريق، تشكيل فلسطين عبر ممارسات المراقبة، عمران للعلوم الاجتماعية والإنسانية، السنة 2، العدد 6 (خريف 2013)، ص86.

[43] ليلى فرسخ، ماهية التنمية الاقتصادية الفلسطينية: نقلات نوعية في فهم الاقتصاد الفلسطيني، مجلة الدراسات الفلسطينية، السنة 26، العدد 101 (شتاء 2015)، ص 88 – 109.

[44] خليل نخلة، فلسطين: وطن للبيع (رام الله: مؤسسة روزا لوكسيمبورغ، 2011).

[45] Arjun Appadurai, Modernity at Large: Cultural Dimensions of Globalization (London: University Of Minnesota Press, 1996), p. 7.

[46] فانون، معذبو الأرض، ص 11.

[47] المصدر نفسه، ص 13.

[48] المصدر نفسه، ص 21.

[49] المصدر نفسه، ص 24.

[50] عمر شلقاني، ولايات عنيفة: حول القانون والفضاء وتفتيت الخطاب تحت أوسلو، دفاتر عدالة: القانون والعنف، العدد 3 (2002)، ص 37.

[51] ليندا طبر وعلاء العزة، المقاومة الشعبية الفلسطينية تحت الاحتلال: قراءة نقدية وتحليلية (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2014)، ص 17 – 18.

[52] حمدان، المساعدات الخارجية وتشكيل الفضاء الفلسطيني، ص 30 – 31.

[53] سامرة إسمير ورينا روزنبرغ، في مقاومة القوننة، دفاتر عدالة: الأرض، العدد 2 (2000)، ص 22.

[54] هنيدة غانم، من الكُبّانية إلى البؤرة: تطور المفهوم الفلسطيني للاستعمار اليهودي في سياق متحول، مجلة الدراسات الفلسطينية، السنة 27، العدد 107 (2016)، ص 137 – 138.

[55] ريما حمامي، حكاية حاجز تفتيش في زمن الاحتلال، مجلة الدراسات الفلسطينية، السنة 16، العدد 63 (2005)، ص 103.

[56] طبر والعزة، المقاومة الشعبية الفلسطينية تحت الاحتلال: قراءة نقدية وتحليلية، ص 13.

[57] هارفي، حالة ما بعد الحداثة: بحث في أصول التغيير الثقافي، ص 259.
المصدر/ مركز دراسات الوحدة العربية



الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.