الأربعاء 29 يونيو 2022
38 C
بغداد

    القطّ الأسود والشيطان !

    قصة قصيرة

    خاص : بقلم – عدة بن عطية الحاج (ابن الريف) :

    بينما أنا جالس في حديقتي في الهزيع الأخير من الليل؛ أستمع إلى خرير السواقي كأنّه كورس إللهي، غاصت أحلامي في هذه السنفونية العجيبة، وطفقت أرتّل تسابيح الليل الأخير وأناجي الطبيعة وتناجيني وكان بيني وبين الطبيعة سرّ عظيم، كلّما حلّ عليّ الليل البهيم تهت في صحراء الهوى الوجودي وصرت أحلّق في أجواء السعادة المخملية باحثًا عن سرّ الوجود الذي انبثق من سرّ الطبيعة والتحم بها، كان الرعد المجلجل في ذلك الليل الأليل يبثّ الفزع في قلوب الوالهين الذين يبحثون عن كنز الحياة المدفون في القلوب الكئيبة، وكان المطر يهطل بغزارة يداعب خصلات أشجار النخيل الوارفة الظلال، كنت أستمع إلى أغاني لحن الوجود والتي عزفتها أعاصير ذلك الليل البهيم المليء بالأسرار، كانت فرحتي غامرة وعارمة وأنا أستمع إلى أناشيد الطبيعة التي تعزفها طيور الليل، كان صمت الطبيعة رهيبًا يجعل النفوس تتطلّع إلى معرفة النفس الطبيعية الكامنة في الإنسان، الذي جاء إلى هذه الحياة عن طريق الصدفة التي رمته في الأقدار الكئيبة الكالحة العبوسة، وبالصدفة سيُغادر هذا العالم الغريب الذي تحوم حوله نسور الغدر والخيانة وآثرت هذه النسور أن تسكن في عوالم شقاء الطفولة البائسة.

    كان “خالد” ينظر في الأفق البعيد كأنّه ينتظر شخصًا قادمًا من عالم آخر، وإذا به يرى مركبة فضائية جاء على متنها قطّ أسود كان يعيش في كوكب أزرق مرصّع باللؤلؤ والعاج والمرجان، جاء هذا القطّ الأسود من مجرّة بعيدة كامنة في سماء قصية، تلك السماء انتحرت نجومها واستحالت إلى فراشات ملائكية تحوم حول شمعة القدر التي أوقدتها نيران الليل والنهار، صارت تلك الفراشات الملائكية تزور كلّ ليلة أزهار السعادة التي غرسها “خالد” في تلك الحديقة العجيبة التي يتدفق من شلاّلها ماء الحقيقة الذي ينساب وكلّه غنج ودلال، كأنّه يقول للعارفين والوالهين بالطبيعة: ماجنّة السعادة إلاّ في أعماقي، من حصّلها حصّل كلّ المعارف السنية وكلّ الأنوار المخملية.

    هبط القطّ الأسود من مركبته الفضائية، وكان في استقباله “خالد” الباحث عن الحقيقة في هذا الوجود المليء بالأسرار وبالألغاز العجيبة، وقدّم له حليب المودّة وتمر الإخلاص وسقاه من ماء عين الإنسانية، وأحضر القطّ الأسود لـ”خالد” هدية سنية تتمثّل في جوهرة الخلود، من تقلّد بها صار خالدًا لا يموت أبدًا، وقدّم له تاج الوقار المكلّل بالتبر والزبرجد، وطوّق عنقه بسلسلة ذهبية يلمع من خلالها شعاع الأمل الذي يجعل النفوس المريضة تشعر بالفرحة العارمة التي تجعل الشيب ولدانًا.

    فرح “خالد” بالهدايا التي قدّمها له القطّ الأسود، وقال له : مرحبًا بك في كوكبك الأرضي، أنت في السماء ملاك وعندما تهبط إلى الأرض تُصبح شيطانًا، فأنت مثلنا لأنّ أرواحنا ملائكية وأجسامنا شيطانية، هل اخترت أيّها القطّ الأسود أن تعيش في عالمنا هذا الذي تسوده الحروب والأوبئة والأدواء والمصائب، لقد دخلت علينا الهموم من كلّ جانب وحاصرتنا في ليلنا ونهارنا وفي أمسنا وغدنا، وجعلت حياتنا مريرة كأنّها سمّ ناقع تُبثّه حيّة رقطاء، صارت أيّامنا وليالينا متشابهة، فلا شمس النهار تُفرحنا ولا قمر الليل يُسعدنا، غارت أنجم ليلنا وتهاوت كواكبه، وثار بركان أتراحنا وقذف حممه في أفئدتنا المرهفة الحسّاسة والتي تطربها أنغام الأحلام البعيدة والمستحيلة.

    ـ قال القطّ الأسود لـ”خالد”: لا تُكثر من البلوى ومن الشكوى، وكن لحياتك كالوامق الذي أدنف على الهلاك وتاه في بيداء الجنون وفي عربدة الحياة، لا تُطلق عقيرتك بالصراخ الذي تُردّده أصداء الآهات والتأوهات التي تُبثّها الحياة في كيان كلّ إنسان وجد على ظهر هذه البسيطة، وآثر أن يشرب من خمر الشقاء الذي يُسكر العقول الراجحة ويروّع الأفئدة ويُزلزل شغافها.

    يا “خالد”، أنا لست شيطانُا، بل أنا ملاك جئت لكي أدخلك أرض السعادة السرمدية، واحتها في قلبك وراحها في يدك، فأشرب من نخبها وأبتهج وأسعد وكافح شياطين الشقاء وعفاريت الأتراح، كنت قطًّا ناصع البياض عندما كنت أعيش في العالم العلوي وأتنقل بين الكواكب والنجوم وأنا أجوب أرجاء السماء، صار لوني أسودًا عندما جئت إلى كوكبكم الأرضي، وعاشرت شياطين الإنس، وعندما هطل عليّ مطر الشقاء القادم من سحب الكآبة الداكنة صار لوني أسودًا كسواد ليل الهموم البهيم.

    عندما سمع الشيطان هذا الحوار الذي دار بين “خالد” وبين القطّ الأسود، صرخ صرخة مدوّية، وأعلنت الصحف السماوية والأرضية خبر انتحاره، وتحوّل إلى رماد تذروه رياح الملائكة السماويّة وتُلقيه بعيدًا في أرض النسيان البعيدة، مات الشيطان وانتهت شروره وعمّت الفرحة أرجاء المعمورة، وعاد للقطّ بياضه الناصع وذهب ذلك السواد مع الشيطان إلى جحيم العدم، حتّى القلوب الآدمية تخلصت من السواد الذي ران عليها وتحولت إلى قلوب عصافير، وسكنت تلك العصافير في عشّ الإنسانية الرحب، وعمّت الفرحة الكوكب الأرضي والكوكب السماوي، وعادت مياه التفاؤل إلى مجاريها، وصار للحياة طعمها الخاص وأضحى طعمها أحلى من عسل الخلود، وأصبح الموت سرابًا في بيداء الخيال القاحل.

    تمت

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا