الفردوس

الجمعة 03 تموز/يوليو 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

خاص : رواية – محمد البسفي :

 

“عندما تقطع الشجرة أوصالها ..

وتتعالى على طين جذرها ..

فلا يحق لها أن تلوم الصفار

الذى يزحف على أوراقها ..”

– ورده بجنيه يا أستاذ .. طب باللي تجيبه .. النبي عليك لتنفعني علشان خاطر الهانم …

وتستمر تستجديهم في إلحاح شديد وهي تترجل بجوارهم مرة وخلفهم مرة وأمامهم مرات .. حتى تتوجس من نظرة الشاب الذي تململ من إلحاحها وفضولها وإزعاج الجو الذي ينسجه حوله هو وفتاته، وقد بدأت يده تهبط من فوق كتف الفتاة ليقف صائحًا : مش عايز ورد .. ولا زفت .. شكرًا.

وتعود أدراجها على رصيف الكورنيش تتمتم حظها العابث الذي لم يسمح لها ببيع ولو وردة واحدة حتى الآن .. فقد سمعت آذان العشاء منذ أكثر من نصف الساعة؛ يعني الآن قد جاوزت الساعة العاشرة بكثير، وقد مر عليها أكثر من ثلاث ساعات واقفة في منطقتها التي أعتادت بيع الورد فيها كل ليلة …

إنها حتمًا لعنًة قد أصابتها اليوم !

إنها فتاة قد أتمت عِقدها الثالث بالتأكيد .. وهذا يظهر من تكوين جسدها التام لأنوثته وقوامه الوافر لكل شيء بدون تفريط وفي رشاقة جميلة .. لها بياض آخاذ قد أبرزته هذه الغلالة الرقيقة التي لفَت بها وجهها بإحكام لا يخلو من أناقة أنثوية غريزية رغم تنافر لونها الغامق مع لون كِمالتها الزرقاء التي ثبتتها على مقدمة شعرها.

تخطر وتعدوا وتمرق في حيوية آثرة طوال الرصيف من موقف عربات الحنطور عند بداية شارع الجزيرة حتى ميدان سعد زغلول وبداية كوبري قصر النيل، تحمل أزهارها البديعة الخجلة في أوراقها المفضضة الشفافة تقفز بهم كلما وجدت ثنائي زبائنها المعتاد .. شاب وفتاة أو رجل وامرأة .. وكأنها بين أزهارها الحمراء وردة أخرى .. بيضاء !

هكذا يراها ويرسمها بداخله وهو يرمقها بل يفرزها منذ أكثر من ثلاثة أرباع الساعة في جلسته الهادئة الوقورة على مقعد حجري بجوار سياج حديقة الأندلس .. وأخيرًا ينتهز إحدى رمقاتها من أمامه وينادي عليها وهو يبالغ في اتساع إبتسامته لها وقد صوب كل بصره بداخل محيط سواد عيونها الواسعة : يا أنسة .. هاتي ورده من فضلك.

ولم تغتبط كثيرًا من طلبه .. فهي تراه وترقبه منذ أن هبط على مقعده هذا وكأنه يستريح من عناء السير، متجولًا ببصره في كل ما حوله منذ فترة .. ورغم مظهره الوقور الذي هابته من نظرتها الأولى له؛ إلا أنها قد أحست بشيء من النفور تجاهه منذ أن وقع بصره عليها ولم يرفعه عنها لحظة، فقد شعرت بوقع عيناه الطالة من وراء نظارته الأنيقة تفرز جسدها بكل دقة وجرأة بل تكاد تخترق ملابسها وجلدها وتعاين كل ضلعًا وعضوًا بها .. برغم سيرها المستمر وهرولتها وراء زبائنها طلبًا لرزقها الذي لم تقف أو تجلس له لحظة .. وهي تمقت مثل هذه النظرات التي يدحجها بها معظم من تتعامل معهم وتصادفهم، حتى أنها تكره “ناصر” – الرجل الذي يبتاعها الأزهار كل مساء – عندما تراها في عينيه .. برغم تباعد المرات النادرة التي تضبطه متلبسًا بها .. فشيء بداخلها يجعلها تنفر ويشمئز جسدها من مثل هذه النظرات .. شيئًا لا تعلمه .. ربما يشاركها فيه كثيرات من بنات جنسها .. ولكنها تعلم جيدًا أن هذه النظرات تجعلها تشعر بشيء من .. المهانة !

وهي تراه رجل ذا ملبس حسن ثمين أنيق؛ قد تجاوز العقد الرابع بعدة أعوام على الأقل، وبالتأكيد له زوجة وبيت وأبناء قد كبروا أيضًا .. فلماذا إذاً مثل هذه النظرات التي لا تنم بأي براءة لمن هم مثلي ؟! .. أهًا من هؤلاء الرجال .. كلهم واحد .. يريدون كل امرأة أمامهم .. عارية !

تناوله الوردة ببرود شديد، قد أبهت الكثير من رونق إبتسامتها التي خطت فوق شفتيها وهي تتلقى منه ورقة طواها في كفها وسارت؛ إلى منطقتها تتجهز للقاء عاشقين يتهاديان في ظل سياج الأندلس تحت ظلمة الأشجار.

لم تنكر فرحتها حين فضت ورقته من طويتها ووجدتها خمسة جنيهات، بعد أن تنحت جانبًا من الكورنيش ولكنها مازالت تُصر على أن هذا الرجل هو فألها السيء لعدم بيعها بضاعتها اليوم .. فقد تطيرت به منذ أن أطالت مدة جلوسه فوق مقعده الحجري .. ودليلها ها هو الليل قد انصرف .. ومعه عُشاق الكورنيش وزائري منطقتها كادوا يكنسوا من فوقه .. ولم تبع غير وردته !

وفجأة تراه أمامها .. نفس الرجل يمر أمامها، في جلستها تحت الشجرة التي تختارها كل ليلة قصيًة عن بوابة الأوبرا الخلفية تجلس لتحسب مع نفسها إيراد اليوم وكم بقي معها من ورد .. تراه يقف في بسمته ذاتها ولكن قد عمها الصفاء أكثر، وهي تمسك ورودها الكاسدة بيد خاذلة مدفونة في حجر جلبابها الصيفي المشجر وباليد الأخرى ورقة الخمسة جنيهات.

– حضرتك نسيت الباقي يا باشا .. ممعيش فكه والله ؟!..

– لأ.. أنتي لسه ما خلصتيش الورد .. طب أنا عايز الباقي من الورد .. هم كام واحدة ؟

– أكتر من عشرة يا باشا .. !!

– هاتيهم كلهم.

وبزغت بسمتها العذبة التي أظهرت نور ثغرها وإشراقة غمازات وجنتيها عندما واجهت ورقة كبيرة بفئة عشرون جنيهًا يقدمها لها ..

– إنتي اسمك إيه ؟

– فردوس .. خدامتك فردوس يا بيه !

#                        #                         #

لم يكن يطمع في أجمل من هذه المصادفة التي أوقعت عيناه على هذه الفتاة .. أو .. وقع هو في براثن مصادفة لقاء .. “فردوس”.

فحين هاجمه التفكير في مستقبله الأدبي أمس أمام شاطيء “مارينا” بعد الأحاديث والثرثرة مع كبار القصة والنقد وعمالقة الأدب وأسماء السياسة في البلد من أصدقاءه .. وجد نفسه تجابه أسئلة كثيرة .. محيرة بل مقلقة أخذت تتكون بداخله وتتراكم .. لم يعرف مناسبتها .. ولكنه تاه بينها .. أين مكانته الأدبية التي طالما حلم بها منذ إشراقة شبابه حين أراد خط الشعر فأخفق بين يديه النظم، فحاول في النثر فوجد ما يحسه يسقط أمامه فوق السطور..

ومن لحظتها أراد أن يُصبح قاصًا، فكان .. وكابد حتى حفر اسمه في صدارة محراب الأدب طوال ثلاثين عامًا .. وباتت كتبه وكل ما ينبض له من سن قلم من أعلى المبيعات في سوق القراءة، وتدارس بين النقاد وسُرد على الشاشات وتحاور بين المثقفون .. ولكن رغم هذا كله .. وبعده أيضًا أين المكانة التي كان ينشدها ؟!

فها هي مكانته المهنية قد ركن إليها مطمئنًا إيما اطمئنان بعد أن وصل إلى كرسي رئيس تحرير أحد أكبر الصحف انتشارًا في مصر وهو مايزال في عامه الثاني بعد الخمسين .. ولكن أين الحلم ؟ .. أين الموهبة التي أحس نورها بداخله منذ زمن ؟ .. إن نقاده يلمحَون بأشياء وأشياء على قصصه ورواياته .. وهو يتسم بالصراحة والوضوح في كل كتبه ومقالاته .. حتى مع نفسه يختار سيف الصراحة ! .. فأين ما يقف به بين أدباء هذه البلد الزاخر بالأقلام كما تمنى طوال أيام شبابه وسنوات عمله ؟ .. فمعظم بل جميع مواضيع رواياته تدور في قالبٍ واحد تقريبًا .. قالب الحب .. الحب المباشر الملموس بين العاشقين .. نفس ما تمناه وأراده من الشعر .. فرسمه ومحوره في روايات .. وسبح في بحور الحب البعيدة حتى حين صهرته الرجولة وأحس نضج ساعاتها لم ينضب بحره .. فكانت في محور سيدة ورجل بدلًا من شاب وفتاة ! .. كبرت شخصياته ولم تكبر موضوعاته !

لم يشعر بالقسوة وهو ينقد نفسه، فحقًا وجدها ضئيلة برغم كثرة عددها .. لمس برودًا في شخصياته لم يفقه ماهيته ؟!

إنه يخشى على كنزه من الإفلاس .. يخشى إفلاس شهرزاد !

لذا لم يتردد لحظة من طوي آخر كتبه وحشره بين اخوته فوق رف مكتبته هناك في “مارينا” بعدما استشعر بنفس البرود والملل .. فوثب من فوق مقعده الهزاز أمام الشاطيء وخط لزوجته خطابًا قصيرًا بأنه أستدعي لعمله بالجريدة وقد سافر إلى القاهرة.

وهو يطاوع صوتٍ بداخله، صوت قديم يطارده .. يهزه بقوة عبارات سؤال جهوري .. لماذ لا تخرج إلى الناس ؟

إلى الشارع .. بين الناس، أهل الشارع، إنَ كلما أردنا النصح لأدباء النشيء صوبنا أصبع الإشارة إليه .. إلى الشارع ؟ كي يبحثوا عن موضوعاتهم، عن أنفسهم، عن بذور أدبهم.

وجاء القاهرة .. وقبل أن يهبط، تجرد من أشياءه …

أنفض عنه سكرتاريته، تعمد نسيان تليفونه الصغير، صفع وراءه باب فيللته منذ بكورة الصباح وأستقل تاكسيًا يصله إلى منتصف القاهرة، بعد أن رفع سيارته الفارهة في الجراج .. حتى بذته المعتادة خلعها وفك رابطة عنقه وخرج تحت الشمس بقميصًا صيفي خفيف ومنطال غامق، وهبط القاهرة .. جاء وهو يرسم ويجهد .. من أين سيبدأ بحثه ؟ .. من قلب الشارع .. بين ناسه .. المارة والبائعون .. عمال النظافة في الميادين ..بائعي الأكشاك والمندوبون .. الجوالون .. المتسكعون والشحاذون، الأنواع كثيرة وللناس أشكال ووجوه لا حصر لها .. إنه يخشى التيه في قلبهم .. في وسطهم !

إنه يخشى تيه المبتدأين .. !

فطوال عمره يحس بمسافة بينه وبينهم .. يشعر بها منذ أن ولد، في فيللا أبيه بآخر شارع الهرم حين كان خاليًا تقريبًا من الناس، لعب طفلًا في هدوء لم يسمع ضجيج الشارع وضوضاء الباعة والسيارات إلا من وراء زجاج عربة “وزارة الزراعة” التي كان والده وكيلًا لها، أو في عربة أبيه الخاصة وهي تنقله من باب الفيللا إلى المدرسة أو العكس .. حتى حين وصوله إلى كلية التجارة كانت لازالت الرحلة مستمرة لكن .. كان هناك يسمع كلامًا لم يفهمه باديء الأمر من زملاءٍ له في نفس الفرقة والمدرج .. كلام عن الناس .. الفقراء، الجوع والمرض .. الحرمان والجهل .. كلامًا كان مدعمًا بصور حية منهم، من زملاءه هؤلاء الذين كانوا يقضون طوال شهور الدراسة بقميصًا واحدًا ومنطال أسود وحذاء مهتك .. ولكن حين تقررت عليه بين دفات كتب الدرس نظريات ماركس وأنظمة السوق الحر المفتوح، فهم .. ولكن كره أيضًا .. أحس بشيء كالكره لمثل هذا الكلام .. بل شعر بالنفور من كل الفقراء .. برغم أن هذا الكلام يتسع كل يوم وعباراته تزيد وتخرج من نطاق أسوار الكلية إلى البلد كلها .. وصل الكلام ذاته إلى بيته يخرج من فاه والده، نفس العبارات والجُمل ولكن بلباقة أكثر وسجع مزين .. ولكن حين صعد أبيه وزيرًا قل ترديد الكلام وقل هو من سماعه !

وحين عُين فى الجريدة محررًا صغيرًا استخدم نفس سجع أبيه فى رصف الكلمات، ولكن فى إثبات العكس .. فالكون بلا فقراء كونًا ناقص الميزان .. فكما يجب للسيد خادم وللرئيس مرؤوس .. فحتمًا للغني فقراء يعطيهم حين يشاء ويمنعهم حينما يريد، هذا “نظام” .. نظام عالمي .. ناموس كوني !

نفس الجمل عكسها، ولعب لعبة أبيه المتقاطعة .. حتى حين مات والده تزوج هو في فيللته .. بآخر “شارع الهرم”.

كل هذا جعله ينبهر بجمال “فردوس” ويُأخذ من أقل حركاتها .. وترنوا هي عنده إلى مرتبة .. خيط روائي جديد !

وجعله ينسى كل تعبه من اللف والدوران طوال أكثر من أثنى عشر ساعة في الشوارع بين الطلبة والشباب والباعة والمتجولين وأخيرًا بين العاشقين فوق كباري العاصمة وتحت ظلال حدائقها .. بحثًا عن بذرة موضوع .. لا .. بل بحثًا عن “فردوس” !

#                        #                         #

– بتبيعي ورد من زمان .. يا فردوس ؟

– يووه .. أمًا عن أب يا باشا …

– باشا .. باشا !! .. أنا مش بوليس يا فردوس .. متخفيش.

– قصدي يا بيه .. أصل أنا وارثه المنطقة دي من أمي، الله يرحمها .. ولما نزلت للشغل تاني من سنتين بعد طلاقي، رجعت نفس المنطقة ..

وجدت “فردوس” نفسها تحكي وتحكي .. وكأن القلب الموجع ينتظر ثقب إبره ليطفح بهمومه .. تسرد حكايتها بكل بساطة كما تحكيها بين صاحباتها من الباعة أو وسط جيرانها حين تتوسطهم فوق عتبة باب دارها …

قصت كيف طُلقت من “السيد” القهوجي منذ عامين بعد “عِشرة” دامت لخمس سنوات، لأنها ضجت بمعاملته الحيوانية معها في كل شيء وضربه وسبه لها في كل الأوقات وبجميع الأماكن .. حتى أمام أعز صديقاتها كان يُركلها بقسوة .. وسبابه المُهين الموجع؛ وكأنه يعايرها بشيئًا عظيم، برغم أنه تزوجها عذراء وكانوا يضحكون طويلًا أول أيامهم .. ولكنها كفرت بكل لحظاته حين رأته يشتري بكل ما يكسب يوميًا أغصان “البانجو” بحجة قضاء ليالٍ هنيئة معها ! .. ويترك ولده العاجز في مستشفى “الموظفين” يتلهف على دواء بثلاثين جنيهًا وطعام ساخن بخمسة .. هنا انفجرت “فردوس” في “السيد” وشتمته بكل قوة النمرة التي بداخلها وصدت هجمة يده في عناد صلب، وكان جزائها “اليمين” الذي رماه عليها ليطردها وحيدة في فجر ليلة شاتية، تعود إلى منزل أمها الخاوي، تفكر كيف تخرج في الصباح تعاود أخذ الأزهار من “ناصر” لبيعها هنا وراء “حديقة الفردوس” .. وتتسلم إبنها ذا الأعوام الأربع مشلولًا من مستشفى “الموظفين” ..

حكت “فردوس” كل هذا وأكثر، دون دعوة، لم تحتمل منه أكثر من سؤال .. فهي تعودت سرد كل ما قاسته وكل ما يوجعها بنفس بساطة أي ثرثرة في أي شيء .. فـ”فردوس” لا تعرف كتم أسرارها، بل إنها لا تعترف بأن بحياتها ما يستحق الغلق عليه في بؤرة تذكرات سوداء ويُطلق عليه لفظ “الأسرار” .. فإخراج كل كلمة وأقل عبارة من صدر “فردوس” في جميع ثرثراتها يريحها، وتؤمن بأن الفضفضة أعظم نعمة مُني بها الإنسان، بدونها يهلك المرء قبل أوانه !

هكذا ذابت “فردوس” بحواديتها وحكاياتها وهي تحاول أن تتبع خطاه الواسعة الواثقة بنعلها البلاستيكى المزركش طوال كورنيش كوبري قصر النيل .. والأديب بداخله الذي تقهقر طفلًا على يد هذه المرأة يبحث عن محتواه من جديد .. يأخذ مع كل كلمة تنساب منها إنبهارًا وعجبًا ويثُب فرحًا في السماء وثُبة مكتشف جديد .. إنها شخصية درامية بحق ليست بنتًا من خيال قلم .. أنها نحتًا ملموسًا من يد الطبيعة أو من بين أصابع “الدنيا” .. التي ذكرتها هي ذاتها كثيرًا في عرض حوديتها وقصها وكأنها بطلة أخرى أمامها .. غريمتها على شيء .. مفقود.

شخصية مثيرة .. مستفزة، تمامًا كما سطرت أوصافها الكُتب وخُطت مئات الأسطر فيها المجلدات للدارسين .. إنها تذوب كما تذوب قطعة الزبد فوق نير استفساراته الهادئة المتسللة .. ولكن مازال شيء على العمق .. فمازلت الصورة ناقصة !

وهنا فاجأها بوقوفه وثبات خطوه عن السير أمام البوابة الرئيسة لجامعة الدول العربية، ويهبط بنظارته اللامعة من وجه القمر المكتمل فى سواد سماءه إلى وجه فردوس ليقفز بسؤاله : “إنتي ساكنه فين يا فردوس ؟”.

– فدرب المحمرة بأبوالعلا .. إيه عايز توصلني يا بيه ؟

جاءت إجابتها قاطعة كحد النصل وهي تصوبه بنظرات ثابتة ذات مغزى حتى أحس بوخزها بمقلتيه من وراء زجاجات عينيه ولكنه لم يلتفت إليها، بل إنه لم يرى إلا فرحته الشبه طفولية التي أنطقت لسانه بتمني هذا متحججًا بتأخر الوقت وخلو الشوارع من الناس .. ناسيًا في غمرته إنها امرأة تعودت وجوه الحياة، العنيفة منها قبل الهادئة الناعمة وتدربت جيدًا على كيفية التعامل مع تقلباتها .. لم يحسب لأي شيء أو يلتفت لغير هدفه الذي أصبح مُلح عليه .. إنه يُريد أن تكتمل صورته الدرامية، يُريد لنحته الكمال لديه في مكمن بؤرته الأدبية .. ولن تكتمل الصورة، صورة فردوس لديه إلا حين يراها من الداخل .. يعاين معيشتها .. كيف تأكل وتنام ؟ .. ما شكل تلك الجدران التي تأوي إليها بعد مشاق أيام عملها ؟ .. كيف تتنفس وتتكلم ؟ .. كيف تحنو على صغيرها، في أي وضع تنام وبما تحلم ؟ .. إنه يريد كل شيء عنها، يريد أن يرى ليكتب كل شيء، حتى المنمنات لتكتمل الصورة .. صورة هذه الفردوس المثيرةَ !

أما هي فقد تأكد عندها مبدأها القديم : “كل الرجال واحد” .. وجهة نظرها الأنثوية التي لم تنجح الدنيا بإثبات عكسها لديها، بل كل يوم وكل لحظة تؤكدها لها في إصرار عجيب !

#                        #                      #

ها هي الأزهار الليلة كسدت بين أصابعها، واليوم فلت من يديها ولم تجنِ غير طعم البوار .. ولولا وردته التي ابتاعتها إياه منذ ساعات ما كانت إلا عائدة اللحظة بمفردها تصطحب لطفلها المشلول غير الجوع والبوار !

والحاجة ملحة .. والحرمان مُذل، والمسؤولية ثقيلة مهما كانت تحمل .. حتى ولو كان طفلاً في الرابعة من عمره.

وهي لا تعرف في الدنيا إلا صنعتها فقط .. بيع الورد لمن يريد، ويبدو أن في هذا الزمان قل من يريده، لم تعرف لها حرفة أخرى إلا التي ورثتها هذه .. وفي القلب غصة من استجداء أحد، غصة تمنعها حتى من استيعطاف زبونها لكي يشتري منها وردة، فحتى باب التسول قُفل إذاً وبحسم من .. داخلها !

فما الضير من اصطحاب رجل غريب عنها إلى مسكنها في الليل ..إلى حتى مخدعها .. فإلى مَن يضر هذا ؟! .. إلى شرفها وعِرضها .. إلى عفتها وطهارتها .. إلى سُمعتها ؟! .. لا؛ إن كل هذه الأشياء أصبحت غير ذات قيمة اليوم، اللحظة، أمام الجوع والحرمان، غير إنها تحمل اللقب الآثير الذي يدعو لنهش كل هذا .. يدعو لنهشها بالكامل .. لقب “مطلقة” !

منذ عامين وهي تكاد لا ترى غير الدعوة في عيون كل الذكور من حولها .. والاتهام والخوف من إناثهم .. وهو رجل لا خوف منه .. رجل ممن تعودت مخاطبتهم بالألقاب وإظهار الرهبة من سمتهم، وهؤلاء قوم تعرفهم جيدًا، يُجيدون الشراء ويُسبغون الدفع، ينهون الصفقة بسرعة ثم يمضوا غير ملتفتي ورائهم .. إنها تعرفهم !

فلا بأس إذاً …

فاضت نفس فردوس بالأسئلة والاحتجاج والنفور وكأنه شلال هادر وانفجر ساقطًا من الإشمئزاز والتعنيف .. وهي شغلت بتحويطه بسدود مبرراتها وجسور ردودها وحججها، إنها تُقّدم على تجربة لم تحبها يومًا، وطالما فزعت من نومها ليلاً كلما راودتها في كوابيسها حين لا تجد ما تطعمه أو أن يكبر الابن وتثقل بها همومه .. تجربة خافت شبحها كثيرًا !

وتكتم دمعة بكم جلبابها خيلت لها أنها تقطر فوق وجنتها الشاحبة، وهي بجواره داخل التاكسي الذي يوغل هدئة حارات ومضايق شارع “عمر بن قطبية” ببولاق أبوالعلا .. وهو يتطلع إليها مثبتًا نظارته بأصبعه فوق أنفه بعد أن سحب عينيه من عتبات وزاويا البيوت المبللة بمياه الإستحمام والغسيل، يسألها بنظراته عن كيفية توجيه السائق إلى الدار ؟

وفردوس ترشدهم.

#                        #                        #

وفتحت فردوس باب شقتها له …

ليدخلها بتحفظه التقليدي يلتمس خطاه بحذر …

نفس الخطو الذي سار به فوق المشيات القانية الطويلة بين جدران المتاحف الفنية ومعارض كبار الرسامين التي أرتادها خلال سفريات في بطون وأطراف العالم، شادهًا عينيه تلتهم كل ما حوله .. ولكنه لم يكن نفس الإحساس، إنه كان هناك يجعل عينيه تنهل بإنبهار وشغف ما فلسفه لها بأنه العلم والمعرفة والفن .. ولكنه هنا بين هذه الجدران المتقاربة القصيرة وفوق المقعد البالي مثل بقية الطاقم، فإنه يشعر بإحساس مبهم لم يسعفه عقله في تصويره بعبارات أو أن يعرف كنهه !؟

إحساس كالملمس الخشن لأطراف ناعمة .. إحساس بغصة غريبة تجفف مجرى الريق وتُثقل شيئًا من التنفس وكأن قبضة خفية تحجم إدارة الحواس وتحاول تعطل الأطراف .. لا ليس هكذا بالضبط، إنه هكذا بالتقريب …

ما هذا ؟! .. أفشلت في التعبير عن شعوري، كيف إذاً أفلح في تصوير ما أرى، وبماذا أصل إلى الناس ؟!

ولكن ماذا أصف ؟! …

وعما أكتب .. ؟!

آكتب عن هذا السقف الواطيء بعروقه الخشبية التي سودها التراب وخيوط العنكبوت …

أم عن هذا المرحاض المنفرج علينا بأرضيته الغامقة ذات البلل وقاعدته القديمة …

آصف تلك المعيشة النحيلة .. آحاول رسم رائحة الفقر والحاجة المتسربة بفجاجة في كل أرجاء المكان ؟!

نعم عن كل هذا أكتب .. ولكن لمن ؟

للناس ! .. ماذا يفيد الفرد منهم أن يرى صورة مسطورة لما يعيشه ويتنفس فيه بين طيات كتاب اشتراه بغية المعرفة أو التمتع .. !

إن الناس اتخذت من الفقر طوابق وأدوار …

للفن إذاً أكتب .. ولكن أهله يقرأون مثل هذا الكلام إما للتثاؤب أو للتعاطف .. وفي كلتا الحالتين لا تنجح الصورة في نقل الواقع مهما كانت درجة ثبات الألوان وصدق الإحساس، وبالتالي إذاً ما يجنيه المصور من مجد يُصبح زائفًا بنفس درجة مغالطات واقعه …

وها أنذا كم من مئات المرات التي وصلتني مثل هذه الصور عبر الكتب ولكنها بالقطع شيئًا آخر عما تواجهه العين !

حتى رفقاء الدرس في الشباب، ذوات الكلام البالي ككل شيء كان في حياتهم .. حين رأيت واقعهم، ونظرت إليهم من داخل حاشية منامهم لم ألمس هذه الريح الخانقة لكل ما بداخلي الآن !

لا .. سوف أكتب .. أكتب عنها هي، فردوس .. كم جميلة الأمومة التي تتهدهد بداخلها وهي تحمل وليدها إلى الحجرة الوحيدة.

سوف أكتب عن هذه الشفاة العطوفة وهي تطبع الرفق والحنان فوق جبهة الصغير …

سوف أكتب عن هذه النظرة التي تسبح في سواد مقلتيها .. نظرة بديعة شجية .. ولكنها صعبة التعبير، تحمل الطفل المشلول وبعينيها رجاء وأمل، لا بل يقين “حريص” وكأن اليدين تحمل آمال ومستقبل .. نهر شجن يطفو برغم ملمس الإصرار والقوة .. نظرة مركبة صعبة بحق !

مازالت بفردوس قوة غريبة تهز أركان ملامس إحساس الفنان .. تثيره .. تستفزه .. تستنفره !!

#                        #                      #

تنتهي فردوس من فروضها التي سنتها على نفسها عند مقدمها كل ليلة، تُغلق المزلاج الكبير من الداخل وتنحني على “أمير” النائم غائصًا بجسده الصغير في كسوة الأريكة المتهدلة في نفس الوضع الذي تركته عليه “زينب” جارتها التي تطوعت برعايته طوال ساعات غياب أمه .. حين وجدت إبنها “أحمد” ميالاً له وملهيًا معه داخل الشقة عن أولاد الحارة، فتركت لها فردوس مفتاح أمها، الله يرحمها، منذ أكثر من عام كامل.

تحمل فردوس طفلها لتبسطه فوق سريرها حتى يمتليء “الديست” المعدني بالماء البارد لترشه على جسدها المجهد بتراب الشارع وعرق اليوم، وترتدي جلباب البيت الفاتح الفضفاض وتجلس على ما تجده من طعام تمضغه بتكاسل وتعب النوم أمام التليفزيون؛ لتنتهي وتأوي إلى فراشها تلتهم أمير في حضنها وتنام.

ولكن الليلة خلفت فردوس عاداتها .. أكتفت بقبلتها فوق وجنة أمير وهي تُهبطه برفق فوق الفراش، وحين فاجئتها لسعة قطرة تسيل من جانب عينيها .. خافت …

فهي الليلة لم تغلق مزلاجها من الداخل …

لم تُبرد جسدها بالماء …

أذالت فردوس دمعتها قبل أن تخرج له وتستوي أمامه ببسمتها المُرحبة قبل أن تسقط من بين ثغرها، وهي تُحدق إليه لتجده يتحرك بجرمه المعتدل في مقعده تحرك من يبحث عن وضع يريحه وكوب الشاي يتململ في يديه بعد أن برد، وقد أرتشف أكثر من نصفه، تطلب منه أن يغير مجلسه ليأتي فوق الأريكة “الواسعة” وهي تضرب بطنها بكفها ليطير ما دفن بداخلها من تراب، وبعد أن يرجع بظهره عليها بجوار فردوس يلحظ عيناها وتعاوده نفس المشاعر المبهمة كلما صادف أو مر بعيناها .. ولكنه لم يجد هذه النظرة “صعبة التعبير”، رأى نظرة صريحة واضحة تسأل؛ ولكنه يعترف بأنه لم يفهما بل أحس بشيئًا من الرهبة من قوتها …

وفردوس تشعر برغبة مُلحة في التعري .. !

تُريد الوضوح .. الموقف بطيء والتجربة ثقيلة .. فما الداعي للأقنعة !؟

إنها تتذكر ليلة زفافها .. كانت سعيدة، أحست كم هي جميلة وهي بين ذراعي “السيد” ليلتها .. كانت ذراعيه قويتان، شعرت بأنهما ليس يحيطان جسدها بل يحميانها، يضغطان تطالب جسدها بأن يذوب .. يندلف إلى جسد صاحبهما، كانت عيناه ساعتها رحيمة .. حنونة، شهقت شهقات البنات في ليلتها .. أحست بأنه الرجل الذي تُريد أن تتحرر بين ضلوعه .. تجري وتمرح بدون خجل، لم تتحرج، في ليلتها هذه من أدق خصوصياتها، هو رجلها .. رجل واحد، أحبت حضنه، أرادت أن تتنفس دفئه للأبد .. كتمت فردوس ضحكة كادت أن تفلت وهي تتذكر قولها للسيد ذات مرة بأنها تُريد النوم معه على طول، في أي وقت وكل مكان، حتى في ساعات العمل تُريد أن ينام معها خلف منصة الشاي.

أما الليلة .. فهذا رجل غريب، لا تعرف عنه شيئًا .. ولا حتى اسمه، يُريد أن يدخل فراشها، يرى لحمها أمامه يلعب به كيفما شاء .. يُريد أن تستنشق ريحة ثنايا جسده، أن يدخل بين جلدها .. يريد أن يعرف عنها كل شيء وهي تجهله تمامًا .. فهل هذا عدل ؟!

وهو جالس أمامها في هدوءه الذي يغيظها .. يتفرز بعينيه كل شيء في المكان، كأنه تمثال لا يُبادر بأي حركة إلا من هاتان الدوارتان خلف منظاره اللامع الثمين.

عرض شراء المتعة بدون أن تُعرض للبيع .. وقبلت أن تنام معه، فلا تجده حتى يطلب هذا صراحة أو يلهث وراء ما يريده ! .. كم هذا ظالمًا !

– إنت مين يا بيه ؟ .. قصدي يعني متعرفناش لحد دلوقت ؟ !

– بتعرفي تقرأي يا فردوس ؟

– أمٌال .. دا أنا وصلت لأولى تجارة يا بيه !

يغلبه الإبتسام وهو يُعيد كوبه فارغًا فوق المنضدة قصيرة الأرجل، يُخبرها بأن اسمه “عزالدين أمين”، وقبل أن يرى نظرتها المستفهمة عن علاقة اسمه بإمكانية معرفتها للقراءة والكتابة؛ يُسرع بقوله بأنه يعمل في إحدى الجرائد اليومية.

– صوحفي يعني ! .. إتشرفنا يا بيه.

تباغته فردوس بهذا وهي ترفع طرف جلبابها الخفيف لتسحب ساقيها من على الأرض متربعة فوق الأريكة وقد تلامست ركبتها بفخذه متابعة لحديثه، تفك غطاء رأسها لتُحرر شعرها من غلالته المثقبة متأففة من سخونة الحر وقد وقفت بسرعة لتذهب حافية بداخل الغرفة أتية بمروحة ثقيلة صدئة يُعاونها عزالدين في وضعها فوق مقعد صغير بركن قريب .. فيجد فردوس تضحك وهي تضبط وجه المروحة في اتجاهه ناظرة له نظرة ذات مغزى: “شرفت البيت يا بيه”.

وهنا يرتبك عزالدين، حينما تلمع بداخله نظرة فردوس الصريحة …

نظرة يعرفها منذ زمن .. حينما ومضت بها قديمًا عيني “رجاء” أول مديرة تحرير يعمل معها بالجريدة كلما دخل عليها في مكتبها ووجده خاليًا عليها، حاصرته بها كثيرًا .. كانت أكثر صراحة .. وتعري.

ثم طاردته، ولا ينكر أنه طلبها كثيرًا طوال سنواته الماضية .. تساوت العيون معه في هذه النظرة .. فتاة وزوجة ومطلقة وحتى الأرملة …

#                      #                      #

اتسعت إبتسامة “سمير” قبل أن يُعيد سماعة الهاتف لوضعها وهو يستقبل عزالدين الذي بادره: “جبت الموضوع معاك ؟ .. هي طلباك بيه من الصبح”. أجاب عزالدين بإمائة من من رأسه بالموافقة وهو يربت على ملفه البلاستيكي الشفاف، ولا يخفي شيئًا من الوجل الذي سيطر عليه وهو ينقر الباب الخشبي .. فهذه أول مرة يدخل مكتب مدير التحرير بمفرده مستدعيًا بالاسم منذ أن عُين تحت بند “مندوب” من عدة أشهر، ولكن دخله كثيرًا بصحبة الأستاذ “عبدالحق” رئيس القسم؛ ومع زملاء له آخرين، وما أكثر ما قابل مدام “رجاء” في صالة الاجتماع أو في طرقات التحرير .. ولكنه يدفع وجله مع الباب بعد أن سمع صوتها تجيب، ويجدها تنظر إليه في بسمة لا يعرف لماذا أعادت إليه وجله بعد وضع في يدها ملفه البلاستيكي وأستقر أمامها في مقعده …

لم يحاول صد عينيه التي أخذت تتفرز بها من تحت لتحت .. وخاصة حين تركت مقعدها وراء المكتب لتجلس أمامه لاحظ تدوير عينيها الواسعة مخضبتين بالكحل تجري فوق سطوره باهتمام جعله يتسأل، رأى الأصباغ تلون مساحات كبيرة من الوجه الأبيض .. وشعر بتجاعيد خفية، تذكر أقاويل زميلاته المحررات عن سنًها الذي تضاربن في تحديده بين الأربعين والسابعة والأربعين .. أراد أن يبتسم، سقطت عينيه فوق ركبتيها الضاوية أمامه تحت جونلتها الملونة .. أثاره لونهما الحليبي وإنفراجهما القليل، حب أن يتتبعهما تحت الجونلة .. ولكن بصره لم يصل إلى أكثر من بداية فخذيها. وحين وقفت فجأة وأستدارت عائدة وراء مكتبها أقتنص نظرة سريعة لمؤخرتها الواضحة وأراد أن يتحسس بعينيه مدى طراوتها التي تتمرمر في كل خطوة. أتاه صوتها المبحوح قليلاً محتفظة بأوراقه تحت كفيها، بأن الموضوع فكرته جميلة .. فختان الإناث قضية تُعتبر حديثة نسبيًا على أوراق الصحافة، رغم أهميتها التي تتضح مع الزمن، ولكن مادة التحقيق – مع الأسف – ناقصة …

وقلبت آخر صفحة في ملفه وهي تعًد وتكتب بخطها الصغير على ظهرها .. الآراء الطبية والمعلومات التي تستند إلى المراجع العلمية والأكاديمية، ثم آراء شرائح عينية من النساء والفتيات اللاتي عنين من هذه التجربة !

ضحكت حين رفعت وجهها إليه ووجدت وجهه الحائر وعينيه المترددة، فأسرعت باطمأنانه إلى أنها تعرف أن مقابلة فتيات ونساء؛ والتحدث لهن عن موضوع الختان، تُعتبر مهمة صعبة إن لم تكن مستحيلة له، لذا ستُكلف زميلة بجمع كل ما يريد من أحاديث .. وعادت تحاكي الجدية وهي تُقرر بأنها رغم هذا، يجب أن يعلم بأن الصحافة مهنة لا تعترف بكلمة مستحيل أو صعب .. وله أن يعتبر هذا من الدروس الأولى في مشواره الصحفي.

وهذه أيضًا عناوين بعض المراجع والكتب الطبية التي تساعده في معلومات التحقيق، ولكن يجب أن يحضر إليها في البيت حتى يجدها؛ فهي غير موجودة بالمكتبات العامة …

لحظتها شيء بداخل عزالدين فهم دعوة الكتب .. شيء ألح عليه منذ أن خرج من مكتبها أن ينتظر الميعاد وهو يبتسم في نفسه بخبث .. حتى وجدها ليلتها – كما توقع – لم تستقبله في حجرة المكتبة الكبيرة .. ولكنها تقوده إلى غرفة النوم !

وليلتها أيضًا عرف لأول مرة في حياته فائدة التليفزيون في غرفة النوم .. رأى عبر شاشته الكثير .. الذي يتذكر جيدًا كيف شد إنتباهه ونظره وهو يسمع رجاء تتكلم كثيرًا .. كانت ثرثارة تلك الليلة وهي تدعوه إلى التجرد ! .. تُخبره ضاحكة بأنها إعتادت مشاهدة هذه الأفلام منذ أن أحست بثديها يتكور فى المرآة، حتى أنها أصرت عليها في ليلة دخلتها الأولى؛ وكانت النتيجة صفعة لم تتم من عريسها وهو يشتمها ويعيٌرها بفجرها .. إنها تُحب هذه المشاهد، فكل ما فيها عاري على حقيقته، ليس جوع جسدها فقط – الذي لم تحاول كبح جماحه – هو داعيها لذلك، بل رغبة أكبر وملحة أكثر .. رغبة التحرر من كل شيء …

قالت له وهي تنزع سروالها الداخلي من ساقيها بأنه يجب أن يتعود الحرية .. “إفعل ما تُريد وقتما تُريد .. ده الدرس الثاني يا عز”. كانت صاخبة الضحك تحته متفجرة الآهات بلا قيود.

#                            #                        #

يعترف عزالدين بأنه تعلم على أيدي رجاء الكثير .. بل أنه ما يزال يحتفظ بلون ملاءة فراشها في ذاكرته وكأنها “المهد” الذي ولد عليه باسطٍ الذراعين …

ولكن الآن .. ماذا الآن ؟ .. ماذا عن هذه المرأة التي أمامه ؟! .. إنها بالفعل نجحت في تقليب مشاعره الذكورية بدعوة الشفاة المكتنزة والعيون الحاملة برسائل المناداة والتمني .. وأيضًا التحدي، بهذا الجسد الوافر الذي يآن من وطيء سخونة مفاتنه .. إنه يكاد يستشعر حرارة النهدين المتوثبين في وجهه !

وهنا يرى أصابع أقدامها من أسفل جلبابها في جلستها المتربعة بجواره .. ويستطرد بأنها مجرد بائعة شارع .. كانت من الممكن جدًا أن ترعى حديقة فيللته في نهاية الهرم، أو أن تساعد “أم عابد” الخادمة في المطبخ لولا سوء حظها، فهل يأتي عليه اليوم الذي ينام مع خادمة – وإن لم تخدمه – إنها بالقطع فضيحة !

ولكنه يعود ليتذكر بأنه منذ دقائق كان يراها شخصية مُثيرة ! .. كان ينظر إليها بمنظار الفنان فآسرته، خلبته .. وها هي توقظ الآن بداخله “الرجل” .. الذي لم يبغي مشاعره هذه الليلة – فما المانع من خوض التجربة كاملة، بأدق تفاصيلها، بلون بشرتها الداخلية، برائحة الملابس الملتصة بثنايا جسدها، إن فردوس مازالت بالنسبة له مجرد .. تجربة !

ويمر بعز خاطر .. إنه يتذكر الآن لحظة إيلاجه لجسد رجاء وقد صارى فى جسد واحد، إنه لاحظ في إطار سريرها الوثير حشرة عنكبوت صغيرة تسعى لنسج مأمنها المعهود برغم نظافة المكان حوله، فماذا يرى فوق سرير فردوس ؟!

#                  #                   #

يقترب عزالدين .. يحاول مرة ثانية، ينام فوق فردوس .. يمسك بنهديها، مازالا عنيدين لا ينصاعى للهو أنامله ويُصمى للثم شفتاه .. وكأنهما ينظران إليه بتعالي منٌفرات من عزفه، متحديانه .. يهدأ، يشعر بالخوف يجتاحه وكأنه مايزال مراهقًا يخوض التجربة لأول مرة مع امرأة كاملة النضج.

يعود لتأمل الجسد العاري بجواره وتدوي بداخله صرخة .. ماذا حدث ؟!

أهي أول مرة .. أين صرخات الإعجاب وآهات اللذة التي فجرها بلمسات أصابعه من أفواه حسناوات أغنى من هذه المرأة جمالاً وقيمةٍ ؟ .. أين ذهبت مهارته التي أذابت أجسادهن بين كفيه كحبات القمح من سنابله ؟

إنه منذ قليل كان يربأ عن مضاجعتها ! .. ليته ما فعل.

يهرب عزالدين لعيناها .. يُحدق في عيني فردوس فلا يفهم !

عيون صامته عن أي معنى .. لا توحيان بأي تعبير وكأنهما نائمتان يستقبلى السُبات بإنفراجهما .. أو هم مستسلمات لحد الشلل والموت .. تمنى أن يلمح بهما شيء حتى ولو نظرة شماتة، خيبة أمل …

يقوم ليُشعل سيجارة وتُسرع فردوس إلى “كوفرتة” بالية تحت أقدامهم لتستر نفسها، وتُقدم له منفضة السجائر .. مرة أخرى يلحظ عيناها، هذه المرة عيون طيبة ساذجة لحد أنه تخيلها تقول له: “هل انتهيت ؟” .. يرغب في النظرة إلى حلماتها الغامقة ولو لمرة أخيرة، يتحرج في أن يفاتحها بهذا حتى ولو مازالت تنتظره عارية تمامًا بجواره …

يلتقط عزالدين أمين قلمه ونوتته الصغيرة يُحاول الكتابة .. ماذا يكتب ؟

إنه خرج منذ الصباح يبحث بين الناس عن “شريان” يمد به نهر حياته الأدبية قبل النضوب، خرج ينبش عن واقع هذه الوجوه .. يحفر بأظافره المشايات الحمراء الطويلة لينفذ إلى ما تحت الأسفلت ويرى ملامح جديدة وصور أخرى يرسمها بقلمه بثقافته .. الجديدة، لينتهي به اليوم عاجزًا بين أحضان فردوس بائعة الورد !

.. آيكتب عن هذا ؟!

تتسع ابتسامته لتنطلق ضحكة تخشى فردوس أن يوقظ صوتها أمير النائم بجوارهما.

يتأمل صفحته البيضاء .. أعجز أيضًا عن الكتابة ؟! .. تذوب ضحكته وتسقط، متسللاً بعينيه إلى فردوس ليفاجأ بآذان الفجر قد وصل إلى نصفه ويسمعها تهمس برعب :

– الصبح طلع يا بيه .. وتبقى فضحتي بجلاجل لوحد لمحك طالع من عندي بعد كده !

 

     تمت بحمدلله                                                                    



الكلمات المفتاحية
الرواية الفردوس محمد البسفي مصر

الانتقال السريع

النشرة البريدية