العظة في قالب ساخر في” حدثنا القرد فقال” للكاتب “مصطفى لغتيري”

     

    كتب: ياسين فخر الدين

    إن الحديث عن القصة القصيرة جدا يفرض تعريفها تعريفا دقيقا يميزها عن القصة القصيرة وعن الومضة. ولا يتأتى هذا إلا بواسطة دقّ باب النقد والنقاد لإيجاد تعريف يليق لهذا الجنس السردي الوليد، والذي لم يسمع به العرب إلا بداية الستينيات، وأبدع فيه المغاربة في العَقد الأخير من الألفية الثانية.

    القصة القصيرة جدا:”جنس أدبي حديث يمتاز بقصر الحجم والإيحاء المكثف والنزعة القصصية الموجزة”.(1) وهي:”شكل من أشكال السرد أشد كثافة وأكثر بلاغة من القصة القصيرة أو المتوسطة. وعلى صعيد التشكيل والتعبير هو آخر مصطلح في شبكات القصة، وقد أخذ أشكالا كثيرة ومتنوعة على صعيد التسمية الاصطلاحية مثل القصة الومضة، قصص سينمائية، أقصوصة، القصة اللقطة وغيرها”.(2) والنص القصصي القصير جدا:”ليس نصا قصصيا غير مكتمل، إنه حالة جديدة فرضت نفسها وقدمت لوحات فنية جميلة تقدم نفسها بلغة شاعرية بسيطة ومكثفة وبطرائق تعبير جديدة ومختلفة ذات مضامين متشظية”.(3) وهو: “فن سردي حداثي، قصير، مكثف، له اشتراطاته الخاصة، وخطابه السردي، ويعتمد في بنيته على قول الكثير من المعنى بالقليل من الكتابة، ينفتح على التأويل، يتسم بقصر الحجم والإيحاء المكثف، ووحدة المضمون مع قصصية موجزة”.(4)

    من خلال هذه التعريفات وغيرها سنجد اتفاقا بين النقاد والباحثين، إذ يشتركون في أن القصة القصيرة جدا جنس أدبي سردي قصير، يقوم على خصائص تميزه عن باقي أجناس الأدب. القصة القصيرة جدا تقوم على الاختزال اللفظي والحشو المعنوي، فهي وإن كانت محدودة الكلمات ليست محدودة المعاني، والتأويل هو الوحيد الذي يمكنه تحديد مغزاها حتى يُملأ البياض الذي يوجد بين أسطرها أو في بدايتها أو نهايتها. وهي نص يأخذ من الشعر والسرد والسينما والتناص أقوم ما يمكن لهندسة جدرانه وتزيين عمرانه وتقويم بنيانه.

    وبرز هذا الجنس الأدبي في العالم العربي منذ الستينيات مع يحيى الطاهر عبد الله ومحمد مستجاب في مصر. وواصل ظهوره، وكتبه وليد إخلاصي وزكريا تامر ونبيل جديد في سوريا، ورادَهُ في الأردن وفلسطين محمود شقير الذي مثّل الأدب الرفيع لهذا الجنس في هذين القطرين العربيين، وكانت نصوصه بهية الأسلوب تفردت عن غيرها بالجمال. وفي الكويت اكتسب هذا الفن رشاقة أنثوية مع الدكتورة هيفاء السنعوسي، وقد تركت بصمات فنية بنية ودلالة ووظيفة. ودائما مع نون النسوة ننتقل إلى بلاد الطيب صالح، ونلقى أن اسم فاطمة السنوسي الذي أذاع فن القصة القصيرة جدا في الصحف جذب عشرات المهتمين بهذا المولود الجديد.

    وعن مجموعته هذا القادم التي كتبها محمد العتروس، ونشرت سنة 1994، كان المغرب مع البلدان السبّاقة إلى النصوص القصصية القصيرة جدا. وهناك آراء تقول إن المغرب عرف هذا الإبداع بداية من السبعينيات، وكل هذا الاختلاف يشترك في أن المغرب الأقصى كان إلى جانب من قال في القصة القصيرة جدا.

    تأثر كثير من المبدعين المغاربة بالقصة القصيرة جدا، ومن أمثال هؤلاء الأديب مصطفى لغتيري صاحب القلم المعروف في الثقافة العربية، وصاحب التصانيف الروائية والمجموعات القصصية والمقالات والنشاطات الأدبية والدورات التعريفية بقيمة الكتاب والقراءة. جرى لهذا الأديب ما جرى للمتنبي في:

    بم التعلل لا أرض ولا وطن … ولا نديم ولا كأس ولا سكن

    والمتنبي عطشان لم يجد الأرض التي تريحه، ولم يجد الصاحب الذي يؤنسه ويريح آماله في ولاية تبرده وتبرد نفسيته المتقلبة. ومصطفى عطشان، ولا يتعطش لأرض، فالرجل مرتاح المستقر، ولا يظمأ لصاحب؛ لأن أصحابه منتشرون في كل البقاع، وفوق هذا هل هناك أفضل من صداقة الكتاب قراءة وتأليفا؟

    الرجل صاحب الكتاب والمثقفين ومسئولي دور النشر والأساتذة، وتوزعت نشاطاته، فلا يمكن أن يتردد فؤاده وأن ينكر التربة أو الصحب.

    غاية البيت الشعري الإشارة إلى أن الرجل لم يكتفِ بأرض الرواية ولا بأرض القصة القصيرة ولا بأرض المقال ولا بأرض القصيدة، ولطالما انتقل إلى ضفة جديدة ليهدينا شربة من نهر ورشفة من زهرة وثمرة من بستان وفلذة من عقله. وفي هذه المجموعة -حدثنا القرد فقال- ما يقال، فما العِظات التي يروم السارد إيصالها عبر القصّ القصير جدا والصعب سلمه؟

    للإجابة عن هذا السؤال لابد من التنقيب في المتن والبحث الاستنباطي في صفحاته كي نخرج في النهاية بنتيجة تقربنا من هدف الكاتب شيئا ما. نقصد الكتاب ونجد أنه يتوزع بين ثلاث مجموعات قصصية، أولاها مظلة في قبر، وثانيها تسونامي، وثالثها حدثنا القرد فقال، وهذه المجموعة الثالثة هي عنوان الكتاب. المجموعة الأولى مظلة في قبر تمضي بنا في كثير من قصصها نحو حكايات ألف ليلة وليلة لما تأتي الموعظة على لسان الحيوان أو الطير أو غيرهما، كما في قصة مالك الحزين. كان مالك الحزين يتربع على أسوار مراكش، ويتأمل كثرة الحمام ونقصان بني جنسه، وبينما هو سارح في تفكيره حطت بالقرب منه حمامة تشكو له همها وما يعتريها من ضيق وكدر، وبسرعة البديهة تذكر سيرة جده الذي ساعد يوما ما حمامة حتى نجت بفراخها من بطش ثعلب كان يقصدها كلما فقس بيضها ونما فراخها، فتلقي له الفراخ، فساعدها الجَدّ مالك الحزين، وأدى نتيجة مساعدته للحمامة أن انقض عليه الثعلب وهو في شط النهر. لقد تعقل مالك الحزين الذي تربع على أسوار مراكش ولم يعد يساعد أحدا، وهو أحوج للمساعدة من غيره، فليس من المنطق أن يقدم على مساعدة الغير وينسى نفسه، وكل هذا تترجمه العبارة الدالة التي تنتهي بها القصة على لسان الطائر الأبيض:”لقد تغير الزمان يا صغيرتي”.(5) وهذا ما جرى لإنسان هذا الزمان، والذي ابتعد أغلبية إنسه عن مساعدة الآخرين، وكل ينادي نفسي نفسي، فماذا سوف نحصل من هذه الأنانية المفرطة؟

    ونصادف في المجموعة نفسها قصة قصيرة جدا، واختارت العش عنوانا يسِمها. والحدث أن اجتهدت عصفورة لبناء عش لها، وبعدما فرغت وضعت بيضها وطارت لتجلب الغذاء، لكن عصفورة أخرى كانت تراقب ما يجري عن كثب، وتحينت الفرصة وأخذت بيض العصفورة المجتهدة ووضعت بيضا آخر، ولما عادت العصفورة الأولى: “حامت حول العش للحظة، ثم حطت على إحدى حواشيه.. تأملت البيض برهة، التفتت يمينا وشمالا.. ثم حضنت البيض، في انتظار أن ينفقس”.(6) وندرك -من القصة- أن قانونا يسير العاملين والكادحين، كيف اجتهد عامل لإراحة رب العمل؟ وهي سنة فرضتها الرأسمالية، والتي تنعم على حساب طبقة مسحوقة تكدح أكثر مما تنتج. وهذه الحصيلة تذكرنا بها أبيات زكي قنصل:

    أو ليس يجمعه بسيده … نسب من الصلصال أو حسب؟

    فعلام تشتاق الريال يد … ويد تراكم حولها الذهب؟

    وعلام يُغصب حق مجتهد … ليفوز باللذات مغتصب؟

    والقصة تنبش في قضية أرقت العاملين وجعلتهم يتابعون رجال الرأسمال لضمان الحياة، بل شيء من الحياة. ولما تحضن العصفورة بيضا إلى أبعد الحدود سيكون بيضا فاسدا تعبر عن قناعتها باليسير وقشور المعيشة الاجتماعية، وهي زاهدة بما منحت ولا ترغب في شيء يعلوه.

    وبعيدا عن محاكاة كتاب كليلة ودمنة نتوغل قليلا في صفحات المجموعة لنعثر على قصة العولمة، وتحكي عن زعيم سبّ العولمة ونعت الإمبريالية باستغلال الإنسان، وشتم اقتصاد السوق، لكنه بعدما أنهى خطبته العصماء نادى في الجماهير ليقدموا له مشروبا يروي عطشه، فقدموا له مشروب كوكا كولا. وهذه حقيقة كل واحد منا، ونحن جميعا ننظر باحتقار إلى العولمة، لأنها حولت العالم إلى سوق صغيرة، وجعلتنا أكثر استهلاكا، وغيّرت طبائعنا وقيمنا وعاداتنا، لكن هل نستطيع التبرؤ منها؟ ومن منا قادر على الاكتفاء بما صنعته اليد المغربية أو المسلمة إذا وسعنا الدائرة؟ ومن منا يحاول ترك حاسوبه أو هاتفه الذكي بعض يوم؟ ومن يتنازل في خرجاته عن السندويش والهامبورجر؟

    نقصد مجموعة تسونامي ونأخذ مثالين، مثال عنون بعدالة، وهي قصة امرأة عجوز ذبحت دجاجتها بعدما ظنت بها الظنون، وحسبت أنها لم تعد نافعة في شيء. والدجاجة بريئة براءة يوسف من امرأة عزيز مصر، وكانت نافعة وتبيض كل يوم، لكن رجل الطيش كانت تتسلل إلى الزريبة وتلتقط البيضة قبل وصول المرأة العجوز. ورجل الطيش ويده جارَتا على الآخر، مما يومئ إلى أن العدالة الاجتماعية لا تتحقق لدى الضعفاء، ويؤدون ثمن سطوة الخونة والعملاء والانتهازيين والمتبجحين بالشعارات الرنانة والحملات الطنانة، والمفاوضات الرامية إلى خدمة مصالحهم الاقتصادية. وأكثر من هذا أنهم يسحقون الطبقة الفقيرة والمسحوقة ويطمرون كل إرادة بعثية رجتها هذه الفئة. ومثال عنون بأسرة، وهي قصة تسائل الإنسان واقعا، وتعيد الاعتبار للأب المسترسل في عمله قصد إسعاد أسرة تتكون من ابن وبنت وزوجة. التساؤل هو أن رب الأسرة يسعد الكل ويناضل من أجل هذا المطمح والهدف الرامي إلى المحافظة على النسل والقيام بالواجب على أكمل وجه.

    الأب سعيد سعيد، لا لأنه بنى قصرا أو شيد مشروعا أو وجد كنزا أو حاز إرثا حول حياته نعيما، وإنما هو سعيد سعيد لكونه استطاع إسعاد ابنه وبنته وزوجته، ووفر لهم كل الاحتياجات والطلبات دون أنانية، وهزم المصاعب لإدخال الفرح على من يعولهم.

    وفي المجموعة القصصية الثالثة نتوجه صوب أرض القردة، لأن أغلب قصص المجموعة بطلها القرد والقرْدة والقرَدة. نستوعب من هذه الحيوانات ومن غيرها دروسا، لأنها عاشت مع الإنسان أو لم تبرح أرضها التي نبتت فيها، لكن حياتها مع بعضها أو مع غيرها أو بطشها أو سلوكها السياسي يمنحها تزويد خبراتها إلى الإنسان. وهي تحلم بالعيش تحت راية واحدة يتزعمها حاكم واحد أو تريد الهجرة إلى أرض خصبة وفيرة الزاد أو تتحارب للظفر بزعامة أو تصاد وتوضع في القفص…

    ومن أمثلة هذه المجموعة الأخيرة نستضيف سلطة، وما هي إلا سلطة قرد أحس بالوهن والضعف وخاف على عرشه، فجمع القردة ليخطب فيهم، ويذكرهم أنهم إذا رأوا أمارات ضعفه فبإمكانهم تعيين قائد آخر يصلح لهذه المهمة شريطة أن تبقى للقائد الأول مكانة رمزية. وإذا كان هذا حال من تزعم أن يبحث عن سبل إنقاذية لبقاء حصن مملكته في وهج، فهناك من ينتظر الفرصة مثل القردة العجوز، والتي لكزت ابنها وحرضته: “إنها فرصتك للانقضاض، يبدو أن القائد قد وهن، وحيلته هذه لن تنطلي سوى على الأغبياء”.(7) العجوز فكرت في ابنها، وقد يفكر الابن وحده في مشروعه لتأسيس مملكة، ودائما بالانقضاض والاعتماد على الحيلة، وذاك ما فعله قرد حدث القرَدة للاجتماع تحت راية واحدة ولغة واحدة ورأي سديد، وجمع حوله من يشاورهم في هذا ويستحثهم. ولا يقوم بهذا لإعلاء صوت القرَدة ودولتهم، بل يسعى وراء الأنانية حتى إذا حكم قبضته وجعل ما بدأه في كفه تربع على العرش وأمر ونهى وتكلم لسانه بالحق المبين، وهذا حال كثير من المتكلمين بما ليس من أفعالهم، ويسعون في الأرض فسادا.

     

    هذه بعض بسمات حدثنا القرد فقال تسترسل بالتكثيف والمعاني الخفية لتعبر عن واقع مأزوم ومسحوق أفراده، وهذه بعض رسائلها المنحازة إلى الوعظ، والتي سرت إلى جانب النصيحة سواء أكانت سطحية لا تحتاج إلى تفكر أم مخفية تحتاج إلى تدبر. والقصص الوعظية -لدى مصطفى لغتيري- خطب فيها تناص ظاهر مع بعض مصادر التراث العربي وإرثه الأدبي، وأن يأخذ الفرد عنها وعن الحيوان فذاك يعود إلى رغبة ملحة تفرضها الثقافة القديمة على إنسان اليوم وثقافة الحاضر المليئة بالطغيان والعسف والظلمات. وبذاك تكون قصص لغتيري القصيرة جدا متسمة: “بقصر الحجم، والإيحاء المكثف، والانتقاء الدقيق، ووحدة المقطع. علاوة على النزعة القصصية الموجزة، والمقصدية الرمزية المباشرة وغير المباشرة، فضلا عن خاصية التلميح، والاقتضاب، والتجريب، واستعمال النفس الجمالي القصير الموسوم بالحركية، والتوتر المضطرب، وتأزم المواقف والأحداث. بالإضافة إلى سمات الحذف، والاختزال والإضمار”.(8)

    الهوامش:

    1) القصة القصيرة جدا الريادة العراقية، هيثم بهنام بردى، عمان-الأردن، دار غيداء، 2016، ص15.

    2) المرجع نفسه، ص15.

    3) المرجع نفسه، ص17.

    4) حوارات عربية حول القصة القصيرة جدا، عباس عجاج، دار إدراك، 2020، ص8-9.

    5) حدثنا القرد فقال، مصطفى لغتيري، منشورات غاليري الأدب، ط1، 2019، ص7.

    6) المرجع نفسه، ص16.

    7) المرجع نفسه، ص125.

    8) حوارات عربية حول القصة القصيرة جدا، عباس عجاج، دار إدراك، 2020، ص20.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا