العزلة والكتابة (9): ما بين استنبات الجمال الضائع وتنظيم العالم الداخلي وإعادة ترتيب الأوراق

السبت 12 حزيران/يونيو 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

 

خاص: إعداد- سماح عادل

تنوعت الأنشطة في فترة العزلة الطويلة التي فرضها ظهور فيروس كوفيد19 بالنسبة لبعض الكتاب ما بين إعادة ترتيب أرشيفهم، ومحاولة تنظيم عالمهم الداخلي وتحقيق التصالح مع الذات، وما بين استنبات الجمال في ظل رعب وخوف من الوباء وتداعياته، منهم من ألهمته فترة العزلة الإجبارية نصوص تحمل ملامح تلك الفترة بكل مخاوفها، ومنهم من تفرغ لترتيب أوراقه لكي يعود من جديد بعد فترة كسل وخمول ليستعيد نشاطه وقوته.

لذا كان لنا هذا التحقيق الصحفي الذي يجمع آراء الكتاب والكاتبات حول تأثير العزلة العالمية بسبب الفيروس عليهم، وقد وجهنا لهم الأسئلة التالية:

– كيف كان تأثير ظهور فيروس “كوفيد ١٩”والعزلة التي صاحبته لمدة عام ونصف على الكتابة لديك؟

– هل أثرت العزلة على حركة الثقافة وعلى نشر وتوزيع الكتب خاصة مع قلة الفاعليات الثقافية من معارض كتب وندوات؟

– ما هي البدائل التي لجأ إليها الكتاب للتواصل والتفاعل في مجال الثقافة؟.

استنبات الجمال الضائع من جديد..

يقول الكاتب والشاعر المغربي “محمد السكتاوي”: “كانت حالة الحجر الصحي بسبب كوڤيد- ١٩ فرصة تفرغت فيها للتأمل والكتابة، يقولون إن الأوبئة والحروب تصنع التاريخ والتغيير وتخلق طفرات إيجابية في الحضارة الإنسانية، وارتباطا بهذا يمكن القول أيضا أنها تساهم في تحفيز الإبداع والبحث عن مسالك جديدة للتعبير الفني والجمالي، فبشاعة الأوبئة وفظائع الحروب، تدفع الإنسان إلى استنبات الجمال الضائع من جديد في الحياة، وتفجير ينابيع الأمل والعشق والتعالي.

ذلك ما حصل لي حين رابطت في شرفة بيتي أطل منها على الخارج، ورغم محدودية زاوية الرؤية ومجالها كنت أرى ذلك الكَوْن الصغير يكبُرُ بلا حدود في المكان والزمان، وكنت أستشعر دبيب الحياة يسْري في الشرايين اللامرئية للوجود، وعلى مدى أربعين يوما من الحجر كتبتُ أربعين قصيدة ترتعش فيها تحولات كائن إنساني محاصر في شرفة يطل منها على قارة بعيدة ضربها وباء أسود.

ويضيف: “ومن قلب معاناة هذا الحصار خرج ديواني الموسوم “الشرفات الأربعون”، وكانت فاتحته قصيدة بعنوان “شرفة على حافة العالم”:

أربعون إطلالة وراء حدود البحر

على كل الفُصُول والرياح

وحرائق المدن الغاضبة

أمْحُو الزمنَ ويمحوني

يرْمي رمادي الأسودَ وأرميه.

ويواصل عن تأثير العزلة على الثقافة: “لم يكن العالم مؤهلا ليتعامل مع تداعيات كوڤيد- ١٩، وبالأحرى منطقتنا العربية، الكل عاش في البداية تحت رعب الصدمة والخوف من المجهول، وبدا كما لو أننا نعيش هجوما وحشيا من كواكب أخرى، وتحت هذا الهول الغامض تعطلت إرادة الناس وارتبكت الدول، وتضاربت السياسات، وضمنها السياسة الثقافية لحكوماتنا، فزاد ضعفها ضعفا وصارت آخر ما يفكر فيه.

أقفلت دور الثقافة والمسارح والسينما، وألغيت المعارض الدولية للنشر والكتاب، وأوصدت المكتبات العامة والخاصة أبوابها، ولم تبحث الحكومات عن بدائل لحماية الثقافة وتشجيع الكتابة والإبداع والفن، كنا نرى في الغرب فرقا سيمفونية تقدم روائع الموسيقى العالمية في مسارح وقاعات افتراضية يشارك ويحضر فيها الفنانون عن بعد، ودخلنا معارض ثلاثية الأبعاد على الأنترنت للفن التشكيلي، وعشنا ازدهارا ثقافيا غير مسبوق وبأشكال فيها الكثير من التجديد والابتكار والإبداع، ولكن كل ذلك كنا نتابعه خارج حدود بلداننا التي كانت تتخبط بين قمع الأصوات الحرة  والتستر وراء مخاطر الوباء لتغلق كل شيء.

من المؤسف وباستثناء قليل من المبادرات الثقافية كمعرض الكتاب الدولي  نصف الافتراضي في الشارقة، أسدل الستار على المشهد الثقافي في كل بلداننا”.

وعن البدائل يقول: “في غياب سياسة ثقافية واضحة للحكومات، وانعدام أية رؤية استراتيجية لمواجهة تحديات كوڤيد-١٩، بقي المبدعون والكتاب إما في حالة بيات ثقافي، أو حاولوا دون تمكن كاف من الطيران في الفضاء الأزرق الإلكتروني بأجنحة مكسورة، فتحولت الشبكات الاجتماعية إلى القناة الوحيدة المتاحة للتواصل مع الجمهور العام.

وقد اعتمدت في تجربتي طوال الحجر على هذا الفضاء للممارسة الإبداع والنشر والتفاعل مع المهتمين بالشأن الثقافي وجزء من الجمهور العام، لا أقول إنني كتبت القصيدة الإلكترونية المتعددة الوسائط ولا قمت بنشر الكتاب الإلكتروني ولكني حاولت أن أجعل صفحتي كتابا مفتوحا للجميع”.

تنظيم عالمنا الداخلي..

ويقول الكاتب “ياسين شامل”: “لعل ما يشكل عزلة المثقف الطوعية في مملكة هذا العالم الذي ينتمي إليه هو الرغبة والمواظبة على القراءة أو ممارسة نشاطه الثقافي، ثم التأمل، وإيجاد معنى للوجود، كي يستطيع إعادة بناء الحياة فيما يكتبه إن كان له مشروعه الثقافي، فهو يعيش مع تلك الحيوات “المتأبدة” المختلفة المسطورة في بطون الكتب، القادمة من البعيد والقريب الممتدة عبر الزمن والحاضرة في المكان، تحت سطوة الواقع والمتخيل، فهو يبحث في عالمه الحقيقي والافتراضي، عمن يفهمه ويخفف من أزمته، على الرغم من هذه العزلة، إلا أنها منتجة للنصوص، بما تمتلك هذه النصوص من مقومات. لعل خطابه يصل المتلقي.

قد مر علينا حصار الحروب، بما حملت وأجهضت من مخاوف ودمار وتركت آثارها في وعينا، وانعكست في منجزاتنا الثقافية، وعلى غير موعد مسبق كانت الجائحة، فأصبحت العزلة قصرية من خلال الحظر الكلي والجزئي، ماذا لدى المثقف في عزلته، وما كانت “عزلة الحمل في برجه”، بل عزلته في داره بمواجهة صريحة مع لعبة الحياة، فلا أقرب إليه شيء  من كتبه ومراجعه بعد أن توقفت معظم نشاطات الحياة، بما فيها النشطات الثقافية، من ندوات وجلسات ومحاضرات”.

ويضيف: “في ظل تطور الحياة وتسارع خطى التقنيات الفنية في مواقع التواصل الاجتماعي كانت الجهود كبيرة في منصات ثقافية خففت السأم، وجذت جمهور كبير في التواجد وإبداء الآراء والنقاش في محاور تلك الجلسات من العالم الافتراضي، حتى أعطانا ذلك العالم شعوراً، بكسر العزلة. إنه عالم واقعي، فالواحد قرب الآخر يتكلم معه ويحاوره، ويتم تبادل الأفكار من خلال الصورة والصوت.

أعتقد أن هذه العزلة بالنسبة للمثقف بغض النظر عن آثارها المادية، كانت تجربة مفيدة، فقد ابتعدنا عن زحمة الحياة كي نغور في العمق البعيد للذات، ننظم عوالمنا الداخلية، نتصالح مع أنفسنا، ونتصالح مع كل ما يحيط بنا، نتصالح مع العالم كله في ظل مصير واحد يلوح في الأفق في كل الأطراف”.

على الصعيد الشخصي، أعتبر نفسي ما زلت هاوياً محباً للقراءة والكتابة، وفي خلال عام ونصف، من زمن “كوفيد 19″، استطعت أن أقرأ الكثير من الكتب وبالأخص الروايات والقصص لكتاب عراقيين وعرب وأجانب، وقد كتبت قراءات عن القليل منها، إضافة إلى نشر روايتين ومجموعة قصصية، ومازلت مواصل القراءة والكتابة”.

ويؤكد: “كان للجائحة تأثير ملحوظ على دور النشر، مما أدى إلى كساد تجارة الكتب، وتأجيل معارض الكتب، وانحسرت الفعاليات الثقافية إلى حد كبير، مما أثر على فرصة التعريف بالكتاب المنشور في هذه الفترة، ولذلك كانت المنصات الثقافية الالكترونية من خلال وسائل التواصل الاجتماعي هي البديل.

نأمل بعد حملة اللقاحات والانفراج، وعدم وجود الحظر، إن تستعيد حركة الثقافة من خلال المؤسسات الرسمية وغير الرسمية عافيتها، وتعوض ما تسبب من تلكأت، ولعل في ذلك يكون عبرة واستفادة في قادم الأيام”.

العزلة وإعادة الترتيب..

ويقول المسرحي المغربي “أحمد جواد”: “فعلا أثرت جائحة كورونا علينا، أقصد المشتغلين في المجالين معا الثقافي والفني، بإقفال جميع قاعات العروض من مسارح ودور سينما وأروقة ودور الثقافة، وهذا ما جعل الكثير من الفاعلين في الميدان الثقافي والفني عاطلين عن العمل باستثناء بعض الوجوه التلفزية التي اشتغلت في الأعمال الرمضانية والتي للأسف لم ترقى إلى مستوى فني رفيع. أنا هنا أتحدث عن بلدي المغرب، لكن في مقابل ذلك التجأت بعض المؤسسات الثقافية لتنظيم أنشطة فنية وثقافية عن بعد وذلك بإحداث مواقع الكترونية لنقل هذه الأنشطة مباشرة، بحيث تم تقديم كثير من العروض المسرحية بهذه الطريقة، عرض بدون جمهور .

دون أن أغفل أنشطة بيت الشعر في المغرب، ودار الشعر بتطوان، ودار الشعر بمراكش، وبعض من مديريات وزارة الثقافة بالمملكة المغربية. وبسبب الجائحة والحجر تم إلغاء كثير من التظاهرات الفنية والثقافية وأهمها المعرض الدولي للكتاب”.

ويواصل: “وفي مقابل ذلك أظن أن كتابنا قد استفادوا من هذه العزلة التي منحتهم فرصة للاختلاء بالكتابة والقراءة وإعادة ترتيب أرشيفهم كما فعلت أنا طيلة مدة الحجر. ولي أمل أننا سنقرأ في القادم من الأيام أعمالا أدبية قد تكون مميزة لأن كل الكتاب وفرت لهم الجائحة العزلة التي كانوا يبحثون عنها..

وبالمناسبة نحن اليوم سنفتتح المسرح الوطني محمد الخامس بالعاصمة الرباط لتقديم عرض مسرحي لعموم الجمهور، وفق ما سمحت به اللجنة العلمية بالسماح بولوج المسرح بنصف عدد المقاعد، وقد عشنا طيلة مدة الإغلاق والتي فاقت السنة بكذا شهر هنا بمسرح محمد الخامس أسوأ أيامنا”.



الانتقال السريع

النشرة البريدية