العزلة والكتابة (7): ما بين الإحساس بالعدمية والتلاشي والرعب والاعتقاد أنها مؤامرة للإبادة

الخميس 10 حزيران/يونيو 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

 

خاص: إعداد- سماح عادل

كان تأثير ظهور فيروس كوفيد 19على البعض كارثيا، حيث تنوع التأثير ما بين الرعب من القادم، وما بين الإحساس بالعدمية والتلاشي، ومن وحشية الحياة اليومية التي أصبحت رهن العزلة والاحتجاز الجبري، وكان التأثير مضاعفا على المغتربين الذين اجبروا على ترك بلادهم والعيش في بلدان باردة، ليس فقط على مستوى المناخ، وإنما على مستوى العلاقات الاجتماعية والحميمية، في حين اقتنع آخرون بأن كل ما يحدث هو مؤامرة من القوى الرأسمالية لإبادة الشعوب المستضعفة، وهم يقارنون في عقولهم ما بين المجتمعات المتحضرة الذين عاشوا فيها وما بين المجتمعات الفقيرة التي أتوا منها وامتلأت بكل أسباب البؤس.

لذا كان لنا هذا التحقيق الصحفي الذي يجمع آراء الكتاب والكاتبات حول تأثير العزلة العالمية بسبب الفيروس عليهم، وقد وجهنا لهم الأسئلة التالية:

– كيف كان تأثير ظهور فيروس “كوفيد ١٩”والعزلة التي صاحبته لمدة عام ونصف على الكتابة لديك؟

– هل أثرت العزلة على حركة الثقافة وعلى نشر وتوزيع الكتب خاصة مع قلة الفاعليات الثقافية من معارض كتب وندوات؟

– ما هي البدائل التي لجأ إليها الكتاب للتواصل والتفاعل في مجال الثقافة؟.

مؤامرة ضد الشعوب المستضعفة..

يقول الكاتب العراقي والفنان المسرحي “فتاح خطاب”: “مما لاشك فيه, أن فيروس, كوفيد 19, الرأسمالي المصطنع في مختبرات مخابراتية متآمرة ضد الشعوب المستضعفة مع سبق الإصرار والترصد, كشن حرب بكتيريات للتخلص من الانفجار السكاني في بلدان فقيرة وغير منضبطة من حيث تحديد النسل، وعدم الاهتمام بالنوعية البشرية المقننة والمدروسة, تحسباً وتخوفاً من عاقبة الكوارث المستقبلية، حسب إدعاءات الدوائر المتحكمة بمصائر الشعوب في العالم أجمع.

فكان لتفشي الفيروس المهلك القاتل تأثيراً مباشراً على ساكني هذا الكوكب المبتلى بالنظام الرأسمالي، اقتصاديا, اجتماعيا, نفسياً وثقافياً.. وهنا أضع خَطيّن تحت الأخيرة منها لأُقارن بين عالمين متباعدين كبعد السماوات عن الأرض, الأوربي المتحضر والشرقي المتزمت والمتخلف. إذ عرفتهم من خلال معاشرتي معهم على مدى 17 عاماً وأيضاً من خلال متابعتي وإياهم في الباصات والقطارات والمقاهي، وحتى في أثناء التشمس على سواحل البحر وهم شبه عرايا, رجالاً ونساءً”..

ويضيف: “وليس هناك بيتاً يخلو من مكتبة متواضعة, أقول متواضعة لأنهم لا يحبذون الاحتفاظ أو أسر الكتب بين الجدران الأربعة, فنجد بالمقابل المخازن المخصصة تحت العمارات, للأشياء المستغنى عنها, ملأى بالكتب وأشرطة الفيديوهات, بشتى اللغات العالمية.. علماً بأن هناك في كل مقاطعة سكنية, مكتبة متكاملة, ذات قاعات ومسارح متعددة, وإن طلب أحد كتاباً غير متوفر في ذات المكتبة يسجل طلبه ليأتيه الكتاب من مكتبات أُخرى بأسرع وقت ممكن.

وهناك تقليد جميل في زيارة المكتبات من قبل المدارس الابتدائية حتى سنة التخرج، ولكل طالب أو طالبة ابتدائية لها الحق في استعارة عشرة كتب, مرة واحدة, ولمدة عشرة أيام فقط، وكلها قصص مصورة أو حكايات مشوقة.. وتدور الدائرة حسب البرامج المعدة كممارسة ثقافية عامة، أما الميزانية المخصصة للنشاطات الثقافية عموماً, خيالية.

لذا أنا متأكد بأن العزل الاجتماعي الذي سبَّبه كوفيد 19, أدى إلى زيادة وتيرة المطالعة الخارجية في تلك البلدان الراقية المتطورة. وبخاصة في دولة السويد التي لم تلتزم بالعزل الاجتماعي بحذافيره وإنما طبقت التباعد الاجتماعي بشكل منطقي وعلمي فتجاوزت الأزمة بمهارة فائقة”.

ويواصل: “أما نحن الموتى بلا قبور, الكسالى والمهمشين والمبتلين بحكام طارئين ودخلاء على العمل السياسي والمستلطين وغير المثقفين, بالإضافة إلى رجالات التكفير والكهنوتية والخباثة المتربصين اللاعنين والشاتمين للثقافة والمثقفين والناشطين المدنين. بحكم الزمن الأغبر والظروف السياسية المتقلبة وغير المستقرة والمؤامرات الخارجية والقمع والاضطهاد والحرمان، من أبسط حقوق المواطنة، ناهيك عن حق التثقيف وحقوق النشر والتأليف والمشاركة. كنا قبل كوفيد 19 وسنبقى بعده, نعاني من الكورونا السياسية والكورونا الدينية والطائفية والعشائرية والمناطقية التي مسختنا ككائن لا يقرأ, لا يفكر ولا يتدبر, تسيره القنوات الحزبية, تحكمه القرارات والمزاجيات الحزبية, وتحاصره الإجراءات والمحذورات والخيارات والأوامر الحزبية المشددة. بدليل أن ميزانية المليشيات والفضائيات والمحسوبيات الحزبية هي أكبر بمائة أضعاف من ميزانية وزارة الثقافة اليتيمة المهلهلة”..

الإحساس بالعدمية والتلاشي..

ويقول الشاعر اليمني “حميد الشامي”: “كان لظهور هذا الفيروس الغريب تأثير بالغ السوء على نشاطي الإبداعي وحياتي الشخصية والعائلية بشكل عام برغم من كوني إقليم في بلد مملوء بالنهايات والحروب والأوبئة. إلا أن هذا الفيروس قد جرني بشكل قاس في شعوري وتفاصيلي اليومية إلى ذاك الإحساس المرعب بالعدمية والتلاشي. وهشاشة الحلم والتأمل والمعرفة أمام شيء لا يرى. بينما ينخر طمأنينة هذا العالم، حيث يعيش ملايين الناس الشعور ذاته طيلة يومهم، إحساس قاتل بالعجز كأنك ومن تحب قد تم وضعكم بزنزانة انفرادية، منفصل أحدكما عن الآخر، بينما هواجسك طوال الوقت ليس الكتابة إنما من سيسقط أولا.

لذا فقدت تفاصيلي الشعورية تجاه ما يثير ويحرك حواسي للكتابة والإبداع وصرت كائن عصابي، يتعامل بحدة وهستيرية مع الجميع، طيلة اشهر الحجر التي امتدت هنا في اليمن لنحو أربعة أشهر فقط”.

وعن تأثير العزلة على حركة الثقافة: “بالطبع كان لهذا الفيروس السيئ تأثير كارثي ومدمر على التواصل والأنشطة الثقافية بأنواعها فإذا كانت الحياة اليومية المعتادة للناس قد توقفت، كيف سيكون الحال بالمؤسسات والجمعيات والمنتديات الفاعلة في مجال الإبداع وأنشطتها المحدودة أساسا في الأوقات الطبيعية.

بهكذا أوقات عاش المبدع، خيبة أمل كبيرة تجاه التبلور والإبداع والمشاركة، عندما توقف كل شيء بشكل مفاجئ وأغلقت كل منافذنا الوجودية”.

وعن البدائل التي لجأ إليها الكتاب للتواصل والتفاعل يقول: “كان التواصل من خلال “الأنترنت” وخصوصا تطبيقات الزوم ومواقع التواصل الاجتماعي هو الخيار البديل والوحيد ربما لتواصل الكتاب ببعضهم البعض، وهو تواصل متقطع ومنقوص في ظروف عصيبة ومدمرة نفسيا، وأظن أن التواصل كان لتبادل التعازي أكثر منه للتفاعل في الشأن الثقافي أو غيره رغم الاستثناءات الخجولة. لبعض المؤتمرات والندوات التي ألغيت في الواقع وأفرغت من روحها واستبدلت بثرثرات وتمظهرات محزنة على شاشات الحواسيب والموبايلات”.

رعب الوباء..

ويقول الشاعر العراقي “عباس رحيمة”: “كان للعزلة من رعب الوباء الذي اجتاح العالم تأثير سلبي ومفاجئ، حيث ألغيت كل المهرجانات والفعاليات الأدبية والفنية. كذلك كان لها أثر سلبي ومرعب جدا، من الناحية الاجتماعية، حيث خلقت عزلة تامة من ناحية التواصل والعلاقات الاجتماعية، عن طريق القوانين الصارمة التي فرضها القانون للحد من انتشار الوباء، وللتقليل من الإصابات.

أصبح المرء بعيدا ومنعزلا عن أحبته لا سيما المواطن الشرقي، لما لديه من تقاليد اجتماعية، تواصله للزيارات المسائية للعوائل وتفقد الأحبة. كان البديل والحل المؤقت للعزلة المفروضة. نقل الفعاليات الثقافية افتراضيا، عن طريق عقد الندوات عبر َوسائل التواصل الاجتماعي، مما أتاح التواصل مع قوميات من مختلف الأجناس الأدبية بلقاءات عبر مائدة الفضاء الأزرق.

نعم سيحدث تغيير من الناحية الأدبية والاجتماعية والفنية. من خلال قراءتي لنصوص نشرت عبر الفضاء الافتراضي كانت أغلبها تشير إلى العزلة والخوف من المجهول وما بعد الأزمة. لقد كتبت نصا وصورت به حالتي وحالة كل مهاجر بعيد عن أحبته سميته (عطاس الغريب). صورت به حالتي وأنا أمر بنزلة برد، في حينها أغلق جاري باب بيته خوفا من العدوى. هناك من الأدباء من كتب عن البعد والانقطاع عن رؤية الحبيب”.

ويؤكد: “أقول: إن الأزمة جمعت العالم الهائل والكبير من مختلف الجنسيات والقوميات في قارب واحد هو العالم الافتراضي الذي تلاطمته الأمواج والصراعات المأساوية والمصير المجهول، وكانت الأطراف المتباعدة عن طريق البث عبر الأثير الاجتماعي تشكو بعضها همها للبعض الآخر، هذه الظاهر هي التي قربت البشر، وربما ولد منها أدب مسالم موحد يدعو لتضامن الشعوب ورفض العنف والحروب ودعوة للسلم. من نجا من الطوفان هم القلة، وكان قاربها افتراضياً”.

ويقول الكاتب الكردي السوري “حميد مرعي”: “في الواقع تأثير كورونا على حركة الإنتاج لدي كان غريب نوع ما، فكل وقتي كان مقسم بين العائلة والعمل والكتابة. أما الكتابة فقد كانت في أي وقت تكون فيه ابنتاي في روضة الأطفال أو بين الساعة الثانية عشرة ليلا إلى الثالثة فجرآ, أما  مع عزلة كورونا وبقاء طفلتاي في البيت أصبح وقتي ضيق للكتابة بحيث تم اختزال فرصة الكتابة فقط مابين الثانية عشرة ليلا إلى الثالثة فجرا. وهو وقت يسقط أوتوماتيكيا من حساباتي عندما يكون دوامي في العمل في الوردية المسائية.ناهيك عن زيادة ساعات العمل وتغير أوقاته باستمرار، تقريباً كل القطاعات تأثرت بكورونا ماعدا مجال عملنا في شركة DHL”.

ويضيف: “أما بخصوص المعارض والفعاليات بتأكيد تأثرت بشكل كبير، والطرق البديلة للتفاعل والتواصل في المجال الثقافي بالنسبة لي كانت معدومة، فكما قلت أكثر وقتي للعمل والعائلة والكتابة على أمل النشر والطبع لاحقاً، وهنا لولا مساعدة دار الدراويش للنشر والترجمة ومديرها لي وتذليلهم للكثير من العقبات, لما كنت أستطيع نشر كتبي”.

 



الانتقال السريع

النشرة البريدية