الصابئة في الثقافة العربية الإسلامية

الخميس 14 كانون ثاني/يناير 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

قراءة في كتاب من تونس
أ. د. قيس السعدي
تظهر ميزة هذا الكتاب في أربعة جوانب أساسية: الأول، أنه مبحث أكاديمي لنيل درجة دكتوراه وهذا يملي على الباحث الكثير من المسؤولية والحيادية في البحث. والثاني، أنه من دول المغرب العربي حيث ندرة تناول الصابئة عامة والصابئة المندائين على وجه التحديد في هذه البلدان. والثالث، أنه يقدم فرشة تعريفية واسعة للإحاطة بموضوع واسع. والرابع أن الباحثة قامت بزيارات ميدانية حيث يتواجد ويعيش الصابئة المندائيين لتعايشهم وتقف عن قرب على أحوالهم وممارساتهم الطقسية.
يقع الكتاب بـ 475 صفحة من القطع المتوسط، وقد عمدت الباحثة على تقديم تعريف بموضوعة الصابئة تسمية ومعنى وجوانب تأريخية وجغرافية في ضوء ما ثبتته المصادر العربية أو ما يرد عند الصابئة عامة والصابئة المندائيين، ثم قسمت مباحثها في الكتاب إلى ثلاثة أبواب: باب العقائد، وباب الطقوس، وباب تماحكات العرفان في الأديان. وقد تطلب كل هذا أن تطلع الباحثة على مراجع عديدة في كل التفاصيل المطلوبة خاصة وأنه موضوع واسع وليس من السهل الإحاطة به، وهو يقدَّم لبيئة لا تعرف الصابئة وديانتها أو أن معرفتها بها قليلة ومشوشة بما تقاطعت به المصادر حينما تذكرهم. وما يسجل للباحثة أنها لم تكتف بالمصادر والتوثيقات المكتوبة بل نجدها حرصت على زيارة الصابئة المندائيين فذهب بها بحثها إلى سوريا حيث تواجد أعداد من الصابئة المندائيين النازحين من العراق على أثر الإضطرابات التي حصلت فيه والتي منعت الباحثة من زيارتهم في وطنهم الأصيل العراق، كما زارتهم في منطقة الأهواز حيث يوجد بقايا للصابئة المندائيين في هذه المنطقة من إيران والتي عاشوا فيها منذ قرن عديدة أيضا.
جمع الكتاب معرفة كثيرة حول الصابئة عامة ووجودهم وذكرهم المميز في القرآن الكريم وإلى حد ما عن أسباب الذكر والإشارة إلى أن النبي محمد لابد أنه كان على معرفة بالصابئة وربما كان ذلك من ديانة جده لأمه أنها كانت ديانة الصابئة حسبما تشير الباحثة، فهل لهذا نعتته قريش بالصابئ؟ كما تناولت الباحثة الإشكالية القائمة في إقرار الصابئة ضمن أهل الكتاب حسب تفسيرات المفسرين وأحكام المتلسطين ومدى شمولهم بما يشمل به الذين هادوا والنصارى، ولماذا هذا الفرز المغرض في الكثير من الأحيان مع أن الجميع ذكروا بشكل متساو ومحدد وواضح وفي نفس الآيات من سورة البقرة والحج والمائدة؟ وذكرت الباحثة أيضا التوطنات الجغرافية والبلدان التي تواجد فيها الصابئون وكيفية بقاء الصابئة المندائيين إلى اليوم على الرغم من كل أنواع الإضطهادات التي عانوا منها.
ومع الجهد الواضح للباحثة في جمع ما يتعلق بالصابئة عامة والصابئة المندائيين أيضا إلا أن تحددها في الغالب بمراجع الثقافة العربية جعل موارد مادة الكتاب متحددة بما في هذه المراجع وأغلبها يظهر فيه النقل من جهة والخلط عامة وعدم الموضوعية بل والغرضية السلبية لبعضها في التناول، وقد تطلب هذا منها جهدا كبيرا في العزل والتنويه. ويمكن تبين القصور عند أغلب من كتب في عدم قيامه بلقاء أتباع هذه الديانة القديمة التي يكتبون عنها في مناطق تواجهدم والوقوف بشكل فعلي ومنهم مباشرة على عقائدهم وعبادتهم ومشاهدة طقوسهم. ومثال هذا يظهر في المناظرة التي قدمها الشهرستاني في كتابه الملل والنحل والتي صار يستند إلها الكثيرون إنما هي مناظرة بينه وبين نفسه في تمثيل الفرق بين الصابئة والحنفاء، فما من مناظرة حقيقية حصلت أمامه، ولا هي تصريحات المتناظرين لكي نظمئن على دقة المادة التي تعرضها المناظرة. وإلى اليوم نجد الكثير ممن يكتب إنما يعتمد على المراجع بدلا من زيارة المواقع مثلما فعلت الباحثة الجبلاوي. إن الخشية في الإطمئنان إلى ما وثق عن موضوعة الصابئة جعل الباحثة تبقي العديد من المواضيع مفتوحة النهايات ولم تستطع القطع بها بنتيجة محددة، بل صارت مدار تساؤلات وإستفهامات.
أما بخصوص الصابئة المندائيين فهم وإن مازالوا ماثلين وباقين في وطنهم وفي بلدان المهجر اليوم، لكن الإحاطة بما لديهم على سعته يتطلب من الباحث أن يتوجه نحو هذا الموضوع حصرا ليطلع بالدقة المطلوبة ومن ألسنة العارفين من أتباعها حتى يخرج بصورة واضحة وأمينة عن هذه الديانة كما هي حاضرة معتقدا وطقسا، ومازالت حية بعبادتها والعابدين فتكون المعرفة المقدمة أدق وأوثق، وقد جهدت الجبلاوي في هذا ما استطاعت فاتحة منافذ لطرق عديدة يمكن أن تسلكها أو يسلكها آخرون.



الانتقال السريع

النشرة البريدية