الشكوى  في شعر الجواهري

    132
    الجواهري.jpg

    محمد مختار – باحث وكاتب

    مقدمة:

    يتميز محمد المهدي الجواهري بالعديد من السمات القوية في أسلوب شعره، حيث يمتاز شعره بالمعاني القوية التي يحتوي عليها، كما يستطيع بجدارة أن يكثف فكرته ويعرضها في أقل مساحة ممكنة ولا ينقص منها شيئًا، أي مثلما يُقال (ما قل ودل)، وهو يكتب بأسلوب الشعر العمودي الذي يعتمد بطبيعته على التفعيلة، ولم يغير ذلك الأسلوب طيلة حياته التي امتدت إلى ما يزيد عن المئة عام.

    ويمتاز الشعر العمودي بوحدة البيت الشعري، ويعني ذلك أهمية البيت الشعري الواحد في القصدية، حيث أنه بإمكانه أن يجسد المعنى العام الذي يستهدفه الشاعر، وبالتالي يكون البيت الواحد هو القصدية في حد ذاتها، ويطلق على هذا (بيت القصيد).

    ويتقارب بيت القصيد مع (شعر الحكمة)، وشعر الحكمة يتضمن رأيًا حول الحياة أو الموت أو الإنسانية، ويكون ذلك نتيجة للتجربة الذاتية للشاعر وخبراته الحياتية.[1]

    ومن وجهة نظر الدكتور عبد الغفار مكاوي فأن القصيدة ” تضم مجموعة من الصور التي لا تتصل بعضها ببعض ، كل بيت فيها وحدة بذاتها ، بحيث تصبح وكأنها نوع من ” الموزاييك ” ألف بينها خيال الشاعر وحده لا المنطق أوالواقع المألوف ، ولا ينطبق هذا الكلام على الشعر الحديث، ولكنه يرتبط فقط بالشعر العمودي.[2]

    وهو الأمر الذي نراه واضحًا في شعر الجواهري.

    تمهيد

    الحركات الشعرية المؤسسة للشعر الحديث بالعراق

    يمكن القول إن الشعر العراقي الحديث كان لابد وأن يتأثر بالشعر في الحقبة الوسيطة السابقة على الفترة الحديثة، فقد كثرت الألوان الإبداعية بالعصر العباسي وعكس الشعراء مظاهر نهضة العصر، تلتها الحقبة الأندلسية وهي فترة الانفتاح  والاختلاط الحضاري حيث اجتمعت الديانات السماوية الثلاث وتعد من أكثر العصور  القديمة التي شهدت ازدهارًا معرفيًا وحضاريًا، وتلى ذلك الازدهار انحدار شديد بالحقبة العثمانية نتيجة لما عانته البلاد من مشكلات سياسية داخلية وخارجية، وشهدت نهاية القرن التاسع عشر ولادة الشعر الحديث المتحرر بنسبة كبيرة من قيود القافية والوزن التي أحكمت قبضتها على شعراء العصور السابقة.

    ومن أهم الحركات الشعرية الحديثة تلك التي رأينها بالعراق، حيث بدئت مدرسة الشعر العراقي الحديث مع نازك الملائكة حيث تعتبر الشاعرة من أولى مؤسسي المدرسة الشعرية الحديثة بالعراق وتبعها بدر شاكر سياب والبياتي وتلاهم الكثير من الشعراء، ونرى بشعر هؤلاء الكثير من مظاهر النضال والدفاع المستميت عن الحريات  واستلهموا العديد من إبداعاتهم من الأحداث حولهم.

    ومن الرموز الظاهرة بالشعر العراقي الرموز التعبيرية التي استخدمها شاعرنا بكثرة، ونرى حضورًا قويًا لها بشعر البياتي،  الشاعر العراقي الذي يعد أحد مؤسسي مدرسة الشعر الحديث بالعراق والذي لم يخلوا شعره من الرموز الإسبانية فاستخدم مدن كمدريد ومناضلين وشعراء مثل الشاعر جارسيا لوركا الذي تحول من شاعر إلى أحد الرموز بأشعار البياتي.

    ويمكن القول أنه بسبب الحقبة الأندلسية فكان كان من الطبيعي    أن نرى الخاص الذي الأثر الإسباني يظلل الحرف العربي، فالصلة بين الحضارتين الإسبانية والعربية قديمة قِدم الشعر، وطيلة ثماني قرون كان هناك تواجد لكلٍ من الحضارتين في ثقافة الأخر، وقد اشتركت الأندلس “إسبانيا المستعربة” مع الحرف العربي في كثير من منابع الأدب.

    فعند البحث والتقصي في أصول الشعر نجد أن بعض ألوان الشعر العربي بدأت بالأندلس، فعلى سبيل المثال الموشح الذي يعد لونًا من ألوان الشعر العربي وهو كما وصفه الباحثين في أصول الشعر أنه أندلسي النشأة ولكن عربي الأصل،  رأى بعض الباحثين الإسبان أن الخرجات الأعجمية التي نراها ذيلت بعض الموشحات دليل على أنها بقايا أغان إسبانية المصدر، ولكن لم يستطع أحد تأكيد هذا الزعم وذلك لأن الموشحين قديمًا كانوا يستخدمون الحرف الأعجمي كما العربي ولذلك يظل هذا زعمًا لا أكثر.

    وكذلك الزجل وهو اللون الشعري الذي تلى الموشح، بالرغم من أن اختلاف البعض على أسبقية الموشح للزجل ولكن استقر الجمهور على أن الزجل تلى الموشح، ويُعد الزجل أيضًا أندلسي المنشأ، وكان هذا اللون الشعري يسمى عن المغاربة بالشعر المُلحن، ومر الزجل كذلك بعدة أطوار وكان أولها الفصحى التي لم تعرب، وكان به تداخل للهجات كتلك التي نظمها “بن قزمان” حيث حرص على تداخل اللهجة العربية مع الأعجمية والأندلسية المحلية، مما أعطى انطباعًا بأن كاتبي الأزجال استعانوا ببعض أجزاء من أغان أعجمية المصدر لتكون حجر أساسٍ ليقيموا عليه أزجالهم وهو ما يظل كذلك زعمًا فقط دون إثبات  [3].

    وكانت حضارة العراق معروفة منذ القدم بتقدم أشكال الأدب بها، فالعراق هي بلاد ما بين النهرين “بلاد الرافدين” حيث عرفنا أثارً عظيمة لبلاد مثل بابل وأشور حيث كان ملتقى ثقافات العالم القديم، وكان لموقع هذه البلاد بجوار نهري دجلة والفرات أثر عظيم ليس فقط لاعتمادهم على الزراعة ولكن كان موقعها الغني أحد أسباب كونها أحد أعظم بلاد العالم القديم حيث كان تجتمع الحضارات للتجارة وتبادل الثقافات، فعرف العراق من قديم الأزل بنبوغ شعراءه وتقدمه بجميع المجالات وخير دليل على هذا مكتبة بغداد التي لازال العالم يئن على فِراقها لليوم [4].

    وقد مر الشعر العربي بالعديد من المراحل ليصل إلى الشعر الحديث الي نعرفه اليوم، فكان الشعراء قديمًا شديدي الحرص على القافية والأوزان، وكان الشعر يتكون من أبياتٍ واشطار، فأنقسم البيت إلى شطرين الأول يسمى صدرًا والثاني عجزًا، وكان الشعر الذي يخلوا من هذه الشروط  لا يعتبر شعرًا بل كان ينتمي إلى فن الخطابة أو ربما فصاحة الحديث.

    وخير مثال على ذلك الشعر الجاهلي، فكانت القافية حينها تُلزم تكرار أخر حرف من أخر كل بيت، ولهذا عُرف شعر هذه الحقبة بالشعر الكلاسيكي، وكان الشعراء الجاهليون يعتمدون على وصف رحلاتهم وأسلوب الحياة العربي في ذلك الوقت، ولهذا كان تسمى أشعارهم (بديوان العرب) وأشهر شعراء ذلك العصر هم أصحاب المعلقات العشرة ومنهم النابغة الذبياني، وعنترة ابن شداد، وامرؤ القيس .[5]

    وتلت تلك الحقبة حقبة الشعر الإسلامي الذي ظهر مع نزول رسالة الحق من السماء على سيدنا محمد ﷺ، ونرى الشعراء يستخدمون شعرهم في نصرة الدين وتدوين وتسجيل الغزوات وهجاء قريش، وكانت كلماتهم كسيوفٍ من نار لنصرة الدين الإسلامي ونرى ابتعاد الشعراء عن الغزل الصريح وشعر الخمر وتمجيد الأصنام الذي عُرف بالجاهلية، وكانت اللغة سهلة وبعدية عن الغموض ومن خيرة هؤلاء الشعراء حسان بن ثابت شاعر الرسول ﷺ، كعب بن مالك، عبيد الله بن رواحة، وكعب بن زهير.

    كثرت المواضيع الشعرية وتنوعت مع بداية العصر الأموي، فلم يكتفي الشعراء بتوسيع مواضيع من العصور الشعرية السابقة ولكن وسعوا المجالات وأضافوا ما يناسب متطلبات العصر كالمدح والنقائض، من أشهر شعراء العصر الأموي الأخضل، ومن شعراء الغزل العذري قيس ليلى، ومن شعراء النقائض بشار بن برد.

    وكان لاختلاف وتطور الحياة واختلاط الثقافات كل الأثر في توسع مجالات الشعر بالعصر العباسي، وكان الشعراء يعكسون الفنون والثقافة في أشعارهم فنسمع النغمات الموسيقية التي تحرك المشاعر كثرت بأشعارهم، كذلك نرى كثرة استخدام المحسنات البديعية والتي مالت إلى الدقة في التصوير، حتى بالحواشي السفلية نرى جمال الزخرفة بالكلمات ومالت اللغة إلى سهولة اللفظ، ومن أشهر شعراء العصر المتنبي . [6]

    كانت الحقبة الأندلسية تختلف عن غيرها، فلقد كانت موقع لتجمع عدد لابأس به من الحضارات والأديان واختلفت بها الثقافات تميزت الحقبة بالتطور الحضاري والذي نراه كذلك بالأدب والشعر، ولم يخالف الأندلسيون الأغراض الشعرية لأهل المشرق فرأينا بهذه الحقية أيضًا الشكوى ورثاء الممالك والاستنجاد، وكثر الوصف بتلك الحقبة بجميع ألوانها الشعرية فنرى وصفًا دقيقًا للولائم الملكية والسواقي وعجائب العمارة والموسيقى ونرى بتلك الأشعار أيضًا اللهو والمجون، من أشهر شعراء العصر والوشاحين ولّادة بنت المستكفي.

    التدهور كان سمة الحقبة العثمانية، وكان للأدب والشعر نصيب لا بأس به من الانحدار فلقد نتج عن مشكلات العصر الأمنية والسياسية إهمال المدارس والتغافل عن المواهب والنوابغ والعمل على قمعها والتغاضي عن الجانب الفكري الثقافي والتشجيع على الانخراط بالجيش والمناصب الأمنية لما تواجه حال البلاد في ذلك الوقت من أخطار داخلية وخارجية، ونتيجة لذلك اتجه أغلب الشعراء للشعر الصوفي ونرى وفرة كذلك بأشعار المدائح النبوية والقصص الشعرية ضعيفة الحبكة والألفاظ والرثاء، ومن أشهر شعراء العصر ابن معتوق.

    ويعد ظهور الشاعر والناقد “أُودنيس” الذي ولد عام 1930 كان تواجده علامة بدء عصر الشعر الحديث التي وضعها الباحثين وذلك لأنه استطاع الجمع بين الثقافات العربية  من الكلاسيكية إلى المعاصرة، هو شاعر سوري الجنسية واسمه الحقيقي “على أحمد سعيد” وأما عن لقبه فلقد حصل عليه أو كنى به نفسه نسبة لأسطورة أُودنيس إله الخصوبة والربيع وكان يتم تصويره على أنه شاب رائع الجمال وقُصّ بالأساطير أنه معشوق عشتار وأفروديت  [7].

    كانت نهاية القرن التاسع عشر هي البداية التي بدء عندها الشعر بالتغير ليصبح كما نعرفه اليوم، بالرغم من عدم اختلاف القالب الشعري كثيرًا عن العصور السابقة إلا أن  الموضوعات الشعرية للعصر الحديث تنوعت وأختلف فنرى الشعراء الثوريين يدافعون عن حقوق بلادهم وقاطنيها يقفون إما بسبب الثورات الداخلية والحالة السياسية والاقتصادية لبلادهم أو في مواجهة استعمار، وتعد هذه الفترة أيضًا هي بداية ألوان شعرية كالشعر الحر.

    ويسمى الشعر الحر هكذا لتحرره من وحدة اللحن والقافية وتغير شكله ليتكون من شطر واحد فقط، كان ظهور الشعر الحر أمرًا لا مفر منه بعد الحرب العالمية والحال المتدهور للبلاد وحاجة العصر للسان مناسب يعبر عنه وعن ما يقاسيه، ونرى التقدم الشعري بالعراق قويًا حيث بدأت حركة الشعر الحر بالعراق بالربع الأخير من القرن العشرين وتعد تلك الحركة الشعرية هي من أولى الحوافز التي وجهت الشعر للشكل الذي أصبح عليه اليوم.

    بدأت حركة الشعر العراقي الحديث بالعراق مع نازك الملائكة وقصيدة “الكوليرا” والتي كانت تعد الأولى من نوعها، وتلاها بدر شاكر سياب بقصيدة “هل كان حبًا” وقيل أن الشاعر شاذل طاقة كان ثالث مؤسسي مدرسة الشعر العربي الحديث بالعراق، والرابع هو عبد الوهاب البياتي فكانوا المؤسسيين على التوالي  [8].

    واستلهم هؤلاء الشعراء المحدثين أشعارهم من أرض الواقع، رموز النضال، وحتى من الأساطير والبلدان وخير مثال نجده في أشعار البياتي حيث نرى جوهر الشعر الحديث، وكان لإسبانيا وبلاد الأندلس مكان ومكانة في أبيات الشعراء العرب المحدثين، فكانت إسبانيا موطنًا لكبار الشعراء مثل “بابلو نيرودا” و”لوركا” وموطنًا لرموز النضال الحديث فكان العالم يتابع ما يحدث بإسبانيا على قلب رجلٍ واحد، ونرى كل هذا منعكسًا بشكل واضح في أشعار البياتي، ولذلك تم اختيار أشعار البياتي لتكون النموذج الذي نقيس عليه تواجد الأثر الإسباني بالشعر الحديث.

    أولاً عن البياتي: عبد الوهاب البياتي شاعر من أصل عراقي يعد أهم الأدباء في الربع الأخير من القرن العشرين، وهو أحد المؤسسين الأربع لمدرسة الشعر الحديث في العراق، عُرف البياتي بحداثة شعره وعدم رضوخه للتقاليد وتأثره الكبير بالحضارة الأندلسية والإسبانية وأمريكا اللاتينية، وطالما أعقد ألسنة النقاد بشخصيته كما بشعره، وهو من الشعراء الذين ارتدوا عن المدرسة الرومانسية وفضل المدرسة الواقعية مجاريًا بقلمه الأحداث من حوله.

    بعد تخرجه من الجامعة عمل البياتي في التدريس لمدة ثلاث سنوات قبل أن يتجه أخيرًا إلى عمله بالصحافة مع مجلة “الثقافة” التي أغلقت بعدها وأُعتقل البياتي لأرائيه ومواقفه السياسية مما أرغمه على ترك بلاده التي نادرًا ما عاد إليها بين الثورات، وتم إسقاط الجنسية العراقية عنه عام 1963، ربما كانت هذه هي نقطة تحول البياتي إلى “شاعر المنفى” كما لقبه الكثيرون فبعد أن سافر البياتي خارج حدود العراق ساح في الأرض وسافر إلى بيروت وسوريا والقاهرة إلى أن وصل لإسبانيا بعد عامه الرابع بعد الخمسين.

    البياتي والرموز الإسبانية: إسبانيا تعد من أهم البلاد التي توقف عندها البياتي، نرى الاهتمام بالأدب الإسباني وحضراتها في فترة مبكرة في حياة البياتي فقد كان ينفعل بكل ما كان يحدث بأمريكا اللاتينية حتى أنه آمن في فترة ما بحياته أن هناك يكمن منبع الثورة الحقيقية، استلهم العديد من إبداعاته من رموز أمريكا اللاتينية كالشاعر التشيلي “بابلو نيرودا”، ورئيس تشيلي المغدور “سلفادور الليندي”.

    والفنان التشكيلي “روبرتو ماتا”، و”بابلو بيكاسوا” الفنان التشكيلي والرسام والنحات الإسباني الذي يُنسب إلية الفن التكعيبي ذكره البياتي أول مرة في قصيدة “إلى بابلو بيكاسوا” في ديوان النار والكلمات، ثم مرة أخرى في ديوان الكتابة على الطين في قصيدة “حجر السقوط” وكان هذا بعد زيارة باريس المكان الذي كان يعيش به بيكاسوا، وكان البياتي يظهر بيكاسوا ليس فقط بطريق مباشر ولكن أيضًا بتلاعبه بالألوان فبعد أن زار البياتي متحف اللوفر تأثر بلوحة المهرج وأظهر ذلك بعدها في قصيدة “قصائد حب على بوابات العالم السبع” ثم مرة أخرى في قصيدة “الكابوس”، والشاعر المكسيكي “أوكتابيوباث”، والكوبي “فيدل كاستروا”، والثائر الأسطوري “تشي جيفارا” الذي أُعدم غدرًا على يد أعداءه وخصه البياتي في قصيدة (عن موت طائر البحر ) قائلاً:

    (في زمن المنشورات السرية

    في مدن الثورات المغدورة

    جيفارا العاشق في صفحات الكتب المشبوهة

    يثوى مغمورًا بالثلج وبالأزهار الورقية)

    وحصلت بعض المدن التي لها مدلول شعري خاص على نصيب في أشعار البياتي كذلك مثل قُرطبة التي وظفها البياتي في قصيدتين الأولى “عن الموت والثورة” والقصيدة المهداة إلى الشاعر المغربي عبداللطيف اللعبي “الزلزال”، ويتعمد البياتي الخلط بين قرطبة وغرناطة ليشير إلى حدائق الحمراء، ويلبس الواقع مع الخيال والماضي مع الحاضر:

    “في قرطبة يغيب في البحر

    حيث الشاعر الأندلسي في سجون العالم الجديد

    في زنزانة الخليفة الأخير في قرطبة يموت”

    ، ومدريد في ديوان كلمات لا تموت لتشاركها موسكو في القصيدة المهداة إلى “مكسيم غوركي” وأحيانًا أخرى كان يظهر البياتي غضب اتجاه مدريد كما في قصيدة “الوريث” التي أتهم فيها مدريد بأنها لم تحرك ساكنةً عند موت غارسيا لوركا وأكتفت بمشاهدة حفيد هوميروس كما وصفه يقتل غدرًا:

    “حفيد هوميروس في مدريد

    يعدم رميًا بالرصاص، إرم العماد

    تغرق في ذاكرة الأحفاد”

    ويرى بعض الدارسين أن ذكر إرم ذات العماد مع مدريد ما هو إلا دليل على الكراهية العابرة التي شعر بها البياتي اتجاه ذلك البلد، ولكن هذا لا يمنع أن مدريد ولوركا أصبحا رمزين في شعر البياتي ولم تقترن مدريد بالثورة والحرية فقط، فجمعها البياتي مع حقائب السفر والغجر في القصيدة المهداة إلى بيكاسوا، وفي قصيدة “الموت في الحب” من ديوان “الموت في الحياة” اقترنت صورة مدريد بسنابل القمح رمز الخير والحياة، واستمر تواجد مدريد في أشعار البياتي وبأشعاره الأخيرة اقترنت بموضوع مصارعة الثيران، واستخدام البياتي في أشعاره كان قبل زمن من ذهابه إليها فلقد اجتمعت مع شيكاغو، وطهران في أول ديوان أتمه البياتي بعد نفيه “رِفاق الشمس”:

    “وعلى أبواب مدريد انتظرناك طويلاً

    ولعينيك، رفيق الشمس، خضبنا الحقولا

    وافترشنا الأرض في أسواق طهران القديمة

    وأكلنا الشوك والصبار في أحياء شيكاغو الدميمة”

    وخص مرة أخرى غرناطة في قصيدته “الموت في غرناطة”:

    “وطائر ظمأن

    ينوح في البستان

    اه جناحي كسرته الرياح

    وصاح في غِرناطة

    معلم الصبيان”

    وكذلك حضور رموز الفِكر الإسباني في شعر البياتي نجده قويًا واضحًا، فقد ذكر أشخاص مثل “رفائيل ألبرتي”  الشاعر الإسباني الذي ينتمي لجيل السبعة والعشرين ذلك الشاعر الذي ذاق طعم المنفى هو الأخر لما لا يقل عن أربعة عقود وتنقل بين الأرجنتين وشمال إفريقيا روما وباريس وتقابل الشاعران في منتصف الستينيات في مدينة ستالينغراد وتلك الصدفة العابرة أدت إلى صداقة قوية بين الكاتبين وذكره البياتي في ديوان “قمر شيراز” في قصيدة “إلى رفائيل ألبرتي”:

    ” وقفنا تحت عمود النور، رأينا: نار الشعراء

    الإسبان المنفيين الموتى: لوركا- ماتشادو… ناديتك ألبرتي!

    فأجاب: الشعرُ

    وآخر طفل في المنفى يبكي الوطن الأم

    ويبكي مدريد”

    ومن بين الشخصيات الأخرى التي ذكرها البياتي نرى “أنطونيو ماتشادو” الشاعر الإسباني الذي عانى بسبب الثورات ومات في المنفى بسبب الحرب الأهلية في جنوب فرنسا، والشاعر الإسباني “غارسيا لوركا”  هو كاتب مسرحي، وعازف، ورسام، وشاعر إسباني من جيل السبعة والعشرين، ويعد ديوان “شاعر في نيويورك” الذي تم نشره أربعة أعوام بعد وفاته الأكثر شهرة في كتاباته الشعرية، مات لوركا مغدورًا في عمر الثامنة والثلاثين في بداية الحرب الأهلية الإسبانية في 19 أغسطس 1936 بين قرى فيثنار وألفاكار، وكما تنبأ الشاعر في أبياته لم يتم العثور على جسده قط:

    “وعرفت أنني قتلت

    وبحثوا عن جثتي في المقاهي والمدافن والكنائس

    فتحوا البراميل والخزائن

    سرقوا ثلاث جثثٍ

    ونزعوا أسنانها الذهبية

    ولكنهم لم يجدوني قط”

    لم يكن لوركا علامة من علامات الثورة في إسبانيا فقط بل تحول إلى رمز في أبيات البياتي وأستحضره في أذهان كل من يقرأ شعره بِصورة “الشاعر القتيل” ويكرر ذكره ويعيد استحضاره كلما ذكر أحد المناضلين في أشعاره أو المبدعين وكأن لوركا الشاعر تكيف بحبر البياتي ليصبح رمز الحرية والنضال ويكأن الصورة الشعرية على ورق البياتي لن تكتمل بِدونه فأصبح الموت الذي نصر الحياة.

    لم نرى حضورًا ظاهرًا بشكل مباشر أو غير مباشر للشاعر لوركا في أشعار البياتي قبل عام 1961، كان الظهور الأول  في ديوان “النار والكلمات” في قصيدته “إلى أرنست همنغواي” :

    “لوركا صامتٌ

    و الدم في آنية الورود

    و ليل غرناطة تحت قبعات الحرس الأسود و الحديد

    يموتُ , و الأطفال في المهود

    يبكونَ

    لوركا صامتٌ

    و أنت في مدريد”

    ربما همنغواي هنا هو الشاهد الصامت على ما حدث في إسبانيا و إلى لوركا وذُكر هنا الشاعر الإسباني بشكل صريح على غِرار قصيدتي “الوريث” و”خيط النور” في ديوان (الذي يأتي ولا يأتي)، وفي قصيدتي “ديك الجن” ،”و عن الموت والثورة” من ديوان (الموت في الحياة) كذلك ذُكر بشكل ضمني وفي نفس الديوان قصيدة “مراثي لوركا”، وفي ديوان (سيرة ذاتية لسارق النار) كان له ذكر من نوع خاص في قصيدة “السيمفونية”.

    لم يكتف البياتي بتصوير “لوركا” بصورة الشاعر القتيل والمدافع عن الحريات، وربطه مع رموز كالقمر وبلاد كغرناطة ومدريد، ولكنه أهتم أيضًا بالرسام الذي إعتاد على صخب الألوان بلوحاته كما بشعره، فنرى البياتي يتأثر بأسلوب لوركا الشعري وأكثر من الألوان القوية والنعوت في أبياته مثل في قصيدة “الزنبق والحرية”:

    “في ليلي الأسود

    قمرًا أخضر

    والعصفور الأزرق

    في قفص الزنبق

    مكسور القلب يغني

    يا قمري

    يا ولدي الأصغر”

    وترجم البياتي حوالي سبعة من قصائد لوركا ونشرها في كتاب “رسالة إلى ناظم حكمت وقصائد أخرى” ولوركا يعد من القلة الذين ترجم لهم البياتي قصائد أو غيرها من الأعمال الأدبية وعلل البياتي اهتمامه بغارسيا لوركا عند التحدث عن كتابه “تجربتي الشعرية” فقد خص لوركا وألبرتي بذكر خاص وقال عن أشعارهما أنها تحمل بداخلها وفي طياتها ما قد يكون الروح الحقيقية للشعر وتستطيع أشعراهم بموسيقاها وألوانها التغلغل بسهوله داخل الروح، كما اننا نرى بسهولة خصائص بلادهم معكوسة في أشعارهم.

    إسبانيا البياتي: بالرغم من الظهور الطاغي للحضارة الإسبانية في شعر البياتي قبل أن ذهابه إليها بزمن طويل إلا أن تواجده داخل الأراضي الإسبانية بعد أن وصل نضوجه الشعري إلى أعلى مستوياته كان له تأثير خاص وذلك التأثير لم يكن مقتصرًا على شعر البياتي فقط، فبعد تواجده بإسبانيا لمدة تقارب العقد من الزمان تم ترجمة جميع أعماله إلى اللغة الإسبانية وتجمعت حوله حاشية من كبار المفكرين الإسبان والمستعربين وقيل أن تلك التجمعات كان تحدث في مقهى يسمى “فويما” الذي تم تسميته لاحقًا بمقهى البياتي وكان لتواجده في ذلك الوقت أثر على الجو الأدبي الإسباني فأصبح أحد أعلامها ولذلك من العدل أن نقول أن البياتي بدوره ترك أثره على الأدب الإسباني فكما كان ينقل للعالم بأشعاره صورة إسبانيا المناضلة المعاصرة ترك بداخلها كذلك الأثر العربي لمدرسة الشعر الحديث ولازالت دواوينه وأعماله تُدرس لليوم وليس بإسبانيا فقط ولكن حول العالم.[9]

    كون البياتي العديد من الصداقات في تلك الفترة الإسبانية من حياته من كبار الشعراء والمفكرين وحتى السياسيين من إسبانيا وأمريكا اللاتينية والمكسيك ومستعربين، مثل رفائيل ألبرتي الشاعر الإسباني الذي خصة البياتي بقصيدة “إلى رفائيل ألبرتي” وهو صديق الشاعر لوركا الذي ذكره البياتي مرات لا تحصى بشكل مباشر أو غير مباشر، وأنطونيو غاك، وبدرو مونابيث الذي كان وراء ولادة حركة الاستعراب المعاصرة بجامعة أوتونوما بمدريد، وفدريكو أربوس، وكارمن برابو، وحتى الناقد الدكتور خالد سلامة وهو مصري الجنسية كان من ضمن دائرته من المقربين في تلك الفترة، خلد البياتي صورة إسبانيا المناضلة بنفوسنا تلك البلاد التي أحبها واستلهم منها أشعاره وقضى فيها مدة تقارب العقد من الزمان، كما خُلدت أشعاره لتكون منارة للكثير من الشعراء المتحررين الذين جاءوا من بعده.

    حياة وتاريخ الجواهري

    لم يتفق معظم الشعراء العراقيون على شاعر كما إتفقوا على الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري ودوره المؤثر في الحياة الأدبية والسياسية في العراق والوطن العربي. كما ان عضويته في مجلس السلم العالمي وفي سكرتاريته يضيف بعداً آخر لهذا الدور، حيث تم تزكيته من قبل كل القوى الديمقراطية والتقدمية واليسارية في العراق لهذا الموقع.[10]

    عندما بدأ نجم “أبو فرات” يعلو كان طه حسين قد تنبه له وقبله أطلق عليه الرصافي لقب: “ربُ الشعر”.[11]

    لكن الجواهري في بروزه هذا وجد امامه عقبات و قامات شعرية راسخة،اهمها أمير الشعراء أحمد شوقي و جماعة المهجر اللبنانيين والشاميين وفي العراق كان الزهاوي والرصافي، إضافة الى أن القصيدة العمودية، قد تعرضت لهزّات منذ عشرينات القرن الماضي على يد العديد من الشعراء العرب الذين تأثروا في موجة الحداثة لحركة الشعر في الغرب الأوربي، والذي تمثلت في العديد من التجارب التي لاتتماشى مع إيقاع القصيدة العربية التقليدية، مثل تجربة رفائيل بطي في العراق وعلي محمود طه وجماعة الديوان وغيرهم في مصر، إضافة الى بروز قصيدة التفعيلة او ما يسمى بــ (الشعر الحر)، في منتصف الأربعينات من القرن الماضي وفي العراق بالتحديد على يد السياب ونازك الملائكة وبلند الحيدري و عبد الوهاب البياتي.[12]

    لكن برغم كل هذا كان الجواهري يختلف عنهم في خاصية نادرة لم يكن يملكها معظم الذين يمكن ان يكونوا عقبة كأداء في طرق صعودة المدوي وتربعه على ريادة القصيدة العمودية على إمتداد أكثر من نصف القرن الماضي، ألا وهي قصيدته الموجهة الى الجماهير مباشرةً..[13]

    ومن ميزاته التي بزّ بها غيره أيضاً، مواكبته للأحداث التي مرّ بها العراق والعالم العربي وحتي احداث العالم، وهو هنا يقترب من شوقي في هذا المجال وقد يتساوون في شدة ملاحقتهم للأحداث عموماً. لكنه كان يضفي على قصيدته تلك المسحة التراجيدية والعاطفية،التي تهيج الجمور وتجعله يتعاطف مع القصيدة والشاعر معاً.[14]

    كان أبو تمام والمتنبي أهم الشعراء الذين تأثر بهم الجواهري، وهو بسبب من تناوله للأحداث السياسية والإجتماعية الهامة في عصره، قد ساهم في مد عمر القصيدة العمودية وأعطى لها موضوعاً مميزاً و نكهةً مختلفة، فأكد على إمكانية عيشها حتى بعد ان تخلى عنها معظم الشعراء العرب المعاصرين.[15]

    والجواهري كما هو شوقي يملك قاموس كلمات وصور ودلالات جعلته يحوز على إحترام حتى المعارضيـــن لنهجه وطريقة كتابته للقصيدة. ولاحاجة لنا اليوم في إعطاء امثلة على شاعريتـــه ومواضيعــــه المميزة، ودرجة دقتها وحرارته العاطفيـــة والفكرية وموقعها الإنساني الرفيع.

    فعلى مدى سنوات عمره الحافل بالعطاء وحب العراق والمنفى كانت قصائد الجواهري الخالد تخترق كل الاسوار والقيود التي يصنعها الحكام لتستقر كلماته في عقول وقلوب العراقيين الذين احبوه فتحيي في مشاعرهم المصادرة الامل، الحب، والثورة.[16]

    توفى الجواهري في سوريا بتاريخ 27 تموز/ يوليو 1997 وبقي جثمانه ثلاثة أيام على الحدود العراقية السورية؛ إذ لم يسمح النظام السابق بدفنه في العراق. دُفن في مقبرة الغرباء في السيدة زينب في دمشق وكتب على قبره “يرقد هنا بعيدًا عن دجلة الخير”.[17]

    الملحوظ في شعر الجواهري هو التدرج في المعنى حتى الوصول إلى الذروة فعادة ما يختم قصيدة بمقولة تجمع كل ما أراده، وتجعل القارئ لا يوجد في ذهنه سوى بيت واحد يتضمن المعنى الكلي للقصيدة.

    ويعتبر التوصل إلى المعنى الشامل للقصيدة هدف يتم الوصول إليه من خلال تطبيق قواعد الاختزال الكبرى، وتعتبر تلك القواعد عمليات يتم تطبيقها لإعادة بناء وحدات القصيدة.

    ففي قصيدة (كردستان أو موطن الأبطال ) تعتبر واحدة من القصائد المهمة التي كتبها وألقاها الشاعر عام 1963 بمدينة مونيخ في مؤتمر الطلبة الأكراد وبدأها بـ :

    قلبي لكردستان يهدى والفمولقد يجود بأصغريه المعدم[18]

    وكعادة الجواهري هي إحدى مطولاته وفيها كثير من أبيات القصيد ، لكني وجدت في الأبيات التالية أبرزها:

    ذوبت آلامي فكانت قطرةفي كأس من بنوا الحياة ورمموا

    يتضمن هذا البيت تصغير لمعاناة الإنسان، ويحمل ذلك التصغير جانبًا آخر ألا وهو تعظيم الجهد الجماعي من أجل بناء الحياة.[19]

    وبيت القصيد الثاني من هذه القصيدة هو :

    وتناقض الأشياء سر وجودهاوبخيرها وبشرها يتحكم

     

    ويطرح الشاعر هنا فكرة فلسفية ألا وهي أن جميع الأشياء تحمل أضدادًا، وأن كل هذ التناقضات تجتمع سويًا لتتمثل في الوجود، ومعرفة الإنسان لذلك القانون من شأنه أن يساعده على السيطرة على عنصري الخير والشر لتحقيق صالح الإنسانية. [20]

     

    ويعتبر بيت القصيد الثالث هو الذي أنهى به الشاعر القصيدة، ويتميز بشهرة كبيرة وواسعة، وتم توظيفه كثيرًا بشكل سلبي من قبل بعض القوى السياسية:

    شعب دعائمه الجماجم والدمتتحطم الدنيا ولا يتحطم[21]

     

    ونتيجة لصدو بيان آذار عام 1970 والذي أعلن بموجبه الاتفاق بين الحكومة العراقية والحركة الكردية إعلان السلام ووقف العمليات الحربية وإقرار الحكومة بالحقوق القومية للشعب الكردي في العراق متمثلا بالحكم الذاتي.[22]

    وقد أصدر الشاعر قصيدة تعتبر من أروع قصائده، وتمثل في قصيدته مدى الفرح الذي سيطر عليه بسبب حبه الشديد لوطنه، وكانت القصيدة بعنوان ( طيف تحدر …يوم السلام …يوم الشمال ) ومطلعها :[23]

    طيف تحدر من وراء حجابغضر الترائب مثقل الأهداب

    ووجدت أن بيت القصيد فيها هو :

    يعيا الجحيم بأن يسعر أمة فإذا هي اختلفت فعود ثقاب[24]

     

    والشاعر في هذا البيت يتحدث عن أهمية الوحدة الوطنية، وإحلال السلام في البلاد، وهذا هو مطلب وحلم العراقيين، وينذر البيت من الفرقة التي تساعد على تشتيت الأمة.

     

    ويشكل هذا البيت جوهر القصيدة، وتناول بعض الوحدات المتناقضة فهناك الجحيم وعود ثقاب وأمة متحدة وأمة غير متحدة ، الوحدة والاختلاف. كل هذه المتناقضات تتشكل في وحدة بيت شعري شديد الروعة.

     

    حين درسنا قصيدة ( يا دجلة الخير ) رائعة الجواهري المشهورة والتي مطلعها :

    حييت سفحك عن بعد فحيينييا دجلة الخير يا أم البساتين[25]

    وهنا يتخذ الشاعر دجلة كرمز إلى العراق، ولذلك يكررها (يا دجلة الخير )، وتصل تلك القصيدة إلى (160) بيتا، ونتيجة لكبرها فإنها تحتوي على أكثر من بيت شعر، نرصدها هنا طبقًا لأهميتها فالبيت الأول:

    يا دجلة الخير قد هانت مطامحناحتى لأدنى طماح غير مضمون

     

    وفي هذا البيت شكوى مريرة ويأس واضح من تحقيق ليس الطموحات الكبيرة بل حتى صغائرها .

     

    ووجدت أن بيت القصيد الثاني يتجسد في هذا البيت :

    لهفي على أمة غاض الضمير بهامن مدعي العلم والآداب والدين[26]

    ولا يختلف هذا البيت عن سابقه من حيث وضوح الألفاظ به، ونتأكد هنا من أن الظواهري لا يلجأ إلى الألفاظ المعقدة، فنادرًا ما تجد شرح لمفردات ألفاظه في الحاشية على غير الكثير من الشعراء، وفي هذا البيت يناهض الزيف سواء كان في العلم أو الدين أو غيرهما، ومن خلال البيت يوضح أن الحالات التي تفعل ذلك نادرة، لأن السائد أن الضمير هو المتحكم في الإنسان ويوجهه دائمًا إلى الخير.

     

    وفي البيت الثالث يتناول الشاعر موضوع المصائب وما تتركه من بصمات على شكل الإنسان وتكوينه :

    إن المصائب طوعا أو كراهيةأعدن نحتي ، كما أبدعن تكويني[27]

     

    ويعتمد البيت الرابع على المفارقة :

    يا دجلة الخير ، شكوى أمرها عجبإن الذي جئت أشكو منه يشكوني[28]

     

    وفي البيت السادس يحاول الشاعر أن يجسد فكرة تأثير البيئة على الإنسان المتمثلة بالمعرفة والتجريب :

    لا يوجد المرء لا هراً ولا سبعالكن عصارة تجريب وتلقين

     

    والمفارقة نفسها نجدها في قصيد القصيدة ( إيه بيروت … من جديد) :

    ما أقل المساف أن تنزع الرقةعنفا، ويزرع الحقد ودا

    وتبدأ قصيدة (بريد الغربة ) بـ :

    لقد أسرى بي الأجل وطول مسيرة ملل[29]

     

    ويعتبر هذا المطلع هو بيت القصيد، وفيه تعبير عن الحنين، ومدى صعوبة مرور الزمن عندما ينتظر الفرد، وخاصة إذا كان الانتظار هذا انتظار الأهل، ويبدو أن الشاعر الجواهري يعد :

    سلاماً كله قبلكأن صميمها شعل

     

    جاء ذلك البيت مرتين في القصيدة، المرة الأولى في منتصفها، والمرة الثانية في ختامها، وذلك إشارة لمدى أهميته وشدة ارتباطه بموضوع وهدف القصدية، فيعتبر رسالة إلى الأهل تحمل الكثير من مشاعر الحب والشوق.

    وفي قصيدة (الخطوب الخلاقة أو معركة المصير ) :

    دع الطوارق كالأتون تحتدموخلها كحبيك النسج تلتحم

    ووجدت بيت القصيد فيها هو :

    تعسر الصبح واستعصت ولادتهحتى تشابكت الأنوار والظلم

    ويعتبر هذا البيت من أعظم الأبيات، وذلك ليس على مستوى المضمون واختيار الكلمات فقط، ولكن ما يميزه بشدة أيضًا جانب الشكل، فيحتوي البيت على صورة متحركة تعبر عن تشتيت وضبابية في العناصر، وصعوبة شديدة في خلق الجديد، وهذه الصعوبة يفسرها بيت آخر يليه:

    لو كان يضمن نصر قبل موعدهلكان أرخص ما في الأنفس الهمم

     

    الفصل الرابع: الشكوى في شعر الجواهري

    كتب الجواهري قصيدة رثاء بحق ( عبد الحميد كرامي ) رئيس وزراء لبنان في الخمسينات الذي كان معروض ومشهور بالوطنية، وتعتبر تلك القصيدة واحدة من أجرأ القصائد التي كتبها شاعرنا،[30] ونتيجة لذلك تم طرده من بيروت، وكان مطلعها :

    باق وأعمار الطغاة قصارمن سفر مجدك عامر نوار

    والمجد أن يحميك مجدك وحدهفي الناس لا شرط ولا أنصار[31]

    ويعتبر البيت الثاني هنا هو بيت القصيد، وذلك لأنه جمع جوهر المعنى ككل، وما أراد الشاعر أن يقوم بتوصيله من خلالها، فجاء بهدف رثاء عبد الحميد كرامي، المناضل الوطني الذي حارب الاستعمار، وأوفي لبلده بكل ما أوتي من قوة وجهد، ويتضح هنا أن الإنسان الصادق بحق لا يحتاج حماية من أحد بعينه، لأن من يحميه هو حب الناس وتقديرهم له.[32]

    في قصيدة قالها الجواهري بحق الشاعر الكردي الكبير (بي كس ) وهي تحمل الاسم نفسه وبدايتها :

    أخي (بي كس ) والمنايا رصدوها نحن عارية تسترد[33]

     

    أشتغل الشاعر على الاسم ( بي كس ) الذي يعني بالكردية والفارسية (وحيد ) أو بلا أحد فخرج بيت القصيد قويا معبرا :

    بلا أحد … سنة العبقرييعي الناس… لا يعيه أحد[34]

    تتمتع قصيدة (أخي جعفر) بشهرة واسعة، وذلك يأتي بسبب أنها ارتبطت بحدث مهم وذا شهرة واسعة في تاريخ العراق حديثًا ألا وهو (وثبة كانون)، ومن خلاله خرجت جماهير من الشعب لكي تعبر عن رضها لمعاهدة (بورتسموث) البريطانية العراقية عام 1948، وفي ذلك اليوم ونتيجة للأحداث قد جرح فيها أخو الجواهري واسمه هو (محمد جعفر الجواهري)، ثم تلا ذلك استشهاده بسبب الجرح الذي أصابه في ذلك اليوم:

    أتعلم أم أنت لا تعلمبأن جراح الضحايا فم[35]

    وتعتبر تلك القصيدة واحدة من أجمل القصائد التي يتم ترديدها على ألسنة الكثيرين، وبرغم كل هذا الاهتمام بها فإنني لم أجد سوى هذا المطلع لكي بيتًا أخر مناسبًا وصالحًا لأن يكون بيت قصيد تتواجد فيه جميع المواصفات والسمات التي ذكرناها سلفًا.

    ويعتبر من أهم السمات التي تميز شعر الجواهري هو قدرته الكبيرة على صياغة السخرية من الظواهر المستهجنة الدخيلة في المجتمع العراقي بشكل خاص، والمجتمع العربي بشكل عام، واهتم خصوصًا بالظواهر التي تتخاذل تجاه الواجب الوطني، فهو عادة ما يسخر من الخائفين والخاضعين، والرافضين لقول كلمة الحق لأي سبب كان، والذين يعتبرهم عقبة كبيرة في طريق التحرر والتطور، وظهر ذلك جليًا في قصيدة ( أطبق دجى )، التي كتبها في بغداد في خريف عام 1949:[36]

     

    أطبق دجى أطبق عذابأطبق جهاما يا سحاب[37]

    وكرر في تلك القصيدة لقد كلمة ( أطبق ) أربعا وثلاثين مرة، ومع هذا التكرار الكثير إلا أنها كانت منسجمة ومناسبة للغاية لوقع القصيدة نفسه، مما جعل ذلك التكرار غير دخيل على القصيدة، وجاء ذلك التكرار ليؤكد على الغرض الذي تمحور حول ثلاثة أبيات ساخرة، ولم يستطع الجواهري أن يصيغ فكرته هنا في بيت واحد فقط، ولذلك ليس نتيجة عيب في قدراته، ولكن لا بد وأن التجربة الشعرية الخاصة به حتمت عليه ذلك:

    أطبق على متبلدين شكا خمولهم الذباب

    لم يعرفوا لون السماء لفرط ما انحنت الرقاب

    ولفرط ما ديست رؤوسهم كما ديس التراب[38]

    وكتب الجواهري قصدية بعنوان (الثورة العراقية) في عام 1921، وكان قد مر سنة على ثورة العشرين، التي تعتبر ثورة عارمة انتشرت في مناطق متعددة في العراق لتندد بالاستعمار البريطاني، وهي من القصائد الطويلة من بحر الطويل ومطلعها :

    لعل الذي ولى من الدهر راجعفلا عيش إن لم تبق إلا المطالع[39]

    ووجدت في هذاالبيت تجسيد للمقاومة:

    هو الدهر قارعه يصاحبك صفوهفما صاحب الأيام إلا المقارع[40]

    ونرى في هذا البيت دعوة مباشرة للإنسان لكي يخوض معترك الحياة، وأن يواجه الظلم والاحتلال بكل ما أُوتي من قوة، كما يوجه البيت الأفراد إلى رفض الخوف والخمول، كما يدعو لعدم الاستسلام والتخلي عن الأمل، ورفض فكرة أنه لا حياة لبعض الأفراد في ظل التنافر بين أقطاب المجتمع وبينهم وبين العالم الخارجي، وهذا الصراع يعتبر هو جوهر التطور في العالم على مستوى الفرد والمجتمع، ولقد أدرك الجواهري بشكل واضح الحقيقة الفعلية لتلك العلاقات.

    وما يؤكد هذا المعنى نراه في بيت آخر من القصيدة :

    إذا أنت لم تأكل أكلت وذلةعليك أن تنسى وغيرك شائع[41]

    وهو مجاراة لقول المتنبي:

    إذا أنت لم تشرب مرارا على القذىضمئت وأي الناس تصفو مشاربه[42]

    ولكن الجواهري لم يشر لهذا التأثر، وذلك ليس بسبب عيبًا أو قصر في القصيدة، ولكنه جاء بسبب طبيعة الشعر التقليدي نفسه، فنرى هنا مدى تأثر الشعر التقليدي بالشعر الجديد، وقد يصل هذا التأثر إلى درجة الاقتباس وتوارد الخواطر. ويأتي ذلك كنتيجة للنظام الخليلي الصارم واستخدام التفعيلات والقوافي بشكل محكم.

    ولا بد هنا من الاستشهاد برائعته ( يا آبن الفراتين ) والتي ألقاهابعد عودته إلى العراق من الغربة عام 1969 في مهرجان شعري أقيم في بغداد ، عرض على شاشة التلفزيون العراقي وقد بدأها :

    يا آبن الفراتين قد أصغى لك البلدزعما بأنك فيه الصادح الغرد

    وبيت القصيد في هذه القصيدة :

    فما التأسي إن لم ينف عنك أسىوما التجلد إن لم ينفع الجلد[43]

    وبيت القصيد الثاني هو:

    فإن أفظع ما في الكون مضطهداَخوالج في حنايا الصدر تضطهد[44]

     

    وقد تناول الجواهري في هذا البيت مدى معاناة الإنسان الداخلية وما قد يقع عليه من اضطهاد وكبت، وما قد يتسبب فيه ذلك الشعور.

     

    وفي قصيدتهالعصماء التي أنشدها بحق الشاعر والفيلسوف أبي العلاء المعري نقرأ :

    قف بالمعرة وامسح خدها الترباواستوح من طوق الدنيا بما وهبا[45]

    ألقيت هذه القصيدة في مصر بحضور الكاتب الكبير طه حسين وعندما قرأ الجواهري :

    للثورة الفكر تاريخ يحدثنابأن ألف مسيح دونها صلبا[46]

    استحسن عميد الأدب العربي بيت القصيد هذا وأعجب به بشده، ولهذا طلب منه أن يعيده مرة أخرى، ويقال أن الجواهري قرأه بطريقة أخرى حيث قال :

    للثورة الفكر تاريخ يحدثنابأن ألف (ألف ) مسيح دونها صلبا

    فقال طه حسين : – أحسنت يا (شاعر العرب الأكبر ) ومنذ ذلك الوقت لقب الجواهري بهذا اللقب.

     

    المصادر:

    • مجلة دراسات نجفية، مركز دراسات الكوفة / جامعة الكوفة ، العدد الأول 2004
    • التعبيرية في الشعر والقصة والمسرح ، د. عبد الغفار مكاوي ، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر1971
    • المثال والتحول في شعر المتنبي وحياته ، د. جلال الخياط ، دار الرافد العربي ، بيروت –لبنان ،1987
    • كمال خير بك، حركة الحداثة في الشعر العربي المعاصر، ط2، دار الفكر، بيروت، 1986
    • عزالدين اسماعيل، الشعر العربي المعاصر، ط3، دار الفكر، بيروت، د.ت
    • كلود ليفي شتراوس، الأسطورة والمعنى، ت: شاكر عبدالحميد، بغداد، 1986
    • إحسان عباس: اتجاهات الشعر العربي المعاصر، عالم المعرفة، الكويت، 1978
    • ميشيل فوكو: الخطاب الأدبي، ت. محمد سبيلا، دار التنوير، بيروت، 1984
    • محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري، بيروت، 1985
    • ديوان الجواهري ، محمد مهدي الجواهري ، المكتبة العصرية – بيروت الجزء الأول والثاني ، تشرين الأول 1967
    • طيف تحدر …يوم الشمال … يوم السلام … محمد مهدي الجواهري ، ط 1 مطبعة المعارف – بغداد 1970
    • ديوان الجواهري ،جمعه وحققه وأشرف عليه الدكتور إبراهيم السامرائي ، الدكتور مهدي المخزومي ، الدكتور علي جواد الطاهر ، رشيد بكتاش . مطبعة الأديب البغدادية 1975، وزارة الإعلام مديرية الثقافة العامة ديوان الشعر العربي الحديث 64.
    • عبد الواحد لؤلؤة، صورة جبرا في شبابه، مجلة الآداب، عدد 3-4، سنه 46، 1998،
    • جبرا ابراهيم جبرا، ينابيع الرؤيا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1979
    • جبرا ابراهيم جبرا، ينابيع الرؤيا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1979 .
    • عبد الكريم الدجيلي،الجواهري شاعر العربية،،مطبعة الآداب،النجف، ١٩٧٢.
    • خيال الجواهري ، الجواهري وسمفونية الرحيل، ، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، ١٩٩٩.

    18- صبيح جابر ، الرواد يدخلون عالم الأبدية من بوابة المنفى، ، دار الشؤون الثقافية، بغداد، ١٩٧٥.

    19-جلال خياط،الشعر العراقي مرحلة وتطور،،دار صادر،بيروت، ١٩٧٠.

    20-محمد مهدي الجواهري دراسات نقدية، إعداد فريق من الكتاب العراقيين، بغداد، ١٩٦٩. ارف – بغداد 1970