الشرق الأوسط بعد احتلال العراق

الاثنين 27 شباط/فبراير 2017
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

أصبح الاحتلال محطة تاريخية بارزة يؤرخ لما قبلها وما بعدها كفترتين متمايزتين في منطقة الشرق الأوسط علي وجه الخصوص. وقد تعددت الدراسات والتقارير الغربية والأمريكية التي تحاول أن تستشرف مستقبل المنطقة بعد الاحتلال، وما سيئول إليه الصراع، خاصة مع استمرار الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. ومن أحدث تلك التقارير تقرير ‘تأثير العراق .. الشرق الأوسط بعد حرب العراق”The Iraq Effect: The Middle East After the Iraq War’

الذي صدر عام (2010) عن مؤسسة راند الأمريكية. وقد جاء التقرير في وقت حرج، سواء بالنسبة للعراق أو للمنطقة ككل، حيث تتزامن التحديات الداخلية في دول المنطقة مع التحديات الخارجية. فبعد أكثر من سبع سنوات علي الاحتلال الأمريكي للعراق، لم تستقر الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية في هذا البلد بعد، وبالتالي في المنطقة.

وأوضح التقرير أن المحيط الإقليمي العربي اتسم منذ احتلال العراق بالغموض وعدم التحديد، وأنه علي الرغم من صعود المخاوف من تآكل النفوذ الأمريكي في المنطقة، فإن الولايات المتحدة الأمريكية وإيران خرجتا من هذا الصراع باعتبارهما القوتين الرئيسيتين في المنطقة، وذلك في ظل ضعف أنظمة الحكم العربية، وفي ظل افتقاد فاعل نشط يقوم بدور موازن للدور الإيراني في المنطقة، في الوقت نفسه الذي ترتكز فيه التحركات الإيرانية في المنطقة علي فكرة ضعف وتناقض الاستجابات العربية تجاهها.

ونظرا للشكوك العميقة في المنطقة حول الأسباب الاستراتيجية للحرب علي العراق والملاحقات القضائية التابعة لها، لم تؤثر التطورات المحدودة التي طرأت أخيرا علي البيئة الأمنية في استعادة الولايات المتحدة لمكانتها في المنطقة.

اعتبر كثيرون أن الخطاب الشهير، الذي ألقاه الرئيس الأمريكي أوباما في جامعة القاهرة، بداية جديدة ومحاولة لإعادة بناء علاقات جديدة مع دول الشرق الأوسط، لكن مؤسسات بحثية أمريكية فندت تلك التوقعات. فقد صدر أخيرا تقرير عن مؤسسة كارنيجي لأبحاث السلام بعنوان ‘وعود أوباما للمسلمين: بعد مضي عام’ لفت إلي صعوبة تحقق تلك الوعود، وأنه بالرغم من احتفاظ واشنطن بعلاقات قوية مع دول بالمنطقة، مثل مصر والسعودية، والاتفاق في الآراء، خاصة فيما يتعلق بالسياسات تجاه إيران، فإن وضع الولايات المتحدة حاليا في الشرق الأوسط لا يسمح لها بالتحرك الفعال لتحقيق تقدم ملموس في إنجاز غاياتها المنشودة.

وبالفعل، فإن استطلاعات الرأي العام تعكس تلك الشكوك بوضوح. ففي مسح أجراه شبلي تلحمي عام 2008 لاستطلاع المواقف الإقليمية(1)، أظهر أن 6% فقط من أكثر من 4000 عربي شملهم الاستطلاع كانوا علي اقتناع بأن زيادة القوات الأمريكية في العراق أمر إيجابي. علاوة علي ذلك، يعتقد 81% من المشاركين في استطلاع الرأي بأن معظم العراقيين أسوأ حالا بعد الاحتلال. ويؤكد التقرير أن هذه الآراء السلبية حول الاحتلال علي العراق تتفق أيضا مع المواقف العامة تجاه الولايات المتحدة، حيث وجد 83% من المشاركين ذوي موقف معارض بشدة أو إلي حد ما لسياسات الولايات المتحدة، و70% أبدوا ‘عدم الثقة’ في الولايات المتحدة.

الانقسامات الطائفية والأكراد :

استعرض التقرير التحولات الداخلية في عدد من دول المنطقة، وتحديد الضغوط التي نتجت إما بسبب الاحتلال أو تفاقمت بسببه، محاولا إلقاء التبعات والمسئوليات علي النظم العربية. وإن كان ذلك يحمل في طياته بعض أوجه الصحة، فإنه قول حق أرادوا به باطلا، إذ إن ذلك لا ينفي آثار الاحتلال ومحاولات إثارة الفتنة الطائفية بهدف السيطرة علي الأوضاع وتقسيم العراق لاستغلال موارده وخيراته.

ويتفق التقرير في ذلك مع دراسة صدرت عام 2007 عن معهد بروكينجز بعنوان ‘حالة التقسيم السهل للعراق'(2)، ركزت علي بيان آليات عملية التقسيم. وعلي الرغم من تأكيدها أن التقسيم ليس حلا مناسبا للصراعات الطائفية، فإنها أوضحت أنه نظرا للاقتتال الداخلي المستمر، لذلك يعد التقسيم أفضل الخيارات أمام الإدارة الأمريكية. واستندت في ذلك إلي أن عملية التصويت في الانتخابات العراقية خلال السنوات الأخيرة أظهرت مدي أهمية وبروز العامل الطائفي في تحديد توجه الأفراد. وبالتالي، أرجعت الدراسة سبب عدم الاستقرار واستمرار العنف إلي أن العراقيين لا يرغبون في دولة واحدة ذات حكومة مركزية، وذلك علي الرغم مما ذكره التقرير من اختلاف مواقف الطوائف العراقية (الأكراد والسنة والشيعة) من فكرة التقسيم.

ويعتبر ذلك الاختلاف من الشواهد الدالة علي أن فكرة التقسيم نابعة أصلا من الاحتلال وليس من الشعب العراقي، وذلك نظرا للفائدة التي ستعود عليه من إعادة تقسيم الموارد النفطية، خاصة مع سيطرة الشيعة علي المحافظات الجنوبية التي تتوافر بها معظم الثروة النفطية العراقية، بعد أن كانت في ظل سيطرة موحدة إبان حكم السنة (صدام حسين).

وأشار التقرير إلي ازدياد حدة الانقسامات المذهبية بين السنة والشيعة بعد الاحتلال، حيث استغلت وتم توظيفها من قبل بعض النظم السياسية، خاصة السنية في المنطقة، للتشكيك في حركات المعارضة، وإضعاف التأثير الإيراني.

ومن هنا، يحاول التقرير تحقيق هدفين معا، أولا: إعفاء الولايات المتحدة من تحمل مسئولية الصراعات الطائفية عبر إلقاء المسئولية علي النظم الحاكمة بسب عدم شرعيتها، فضلا عن المشكلات الاقتصادية التي تمر بها، وما يحمله ذلك أيضا من رسالة ضمنية في محاولة للضغط علي هذه النظم لتحقيق الإصلاح. ثانيا: في الوقت نفسه، يقدم فكرة تقسيم العراق كحل لهذه الصراعات والانقسامات، مؤكدا أن احتلال العراق ليس السبب الرئيسي في تفاقم هذه القضية، بل إنها مشاكل داخلية بالأساس، حاولت النظم السياسية دائما التغطية عليها من خلال التركيز علي الصراع العربي – الإسرائيلي، أو من خلال ادعاء التعصب أو وجود مؤامرة خارجية. فالشيعة – خاصة في دول الخليج- يطالبون بحقوقهم عبر الوسائل الديمقراطية، ومن خلال التعاون مع الإصلاحيين الناشطين من العلمانيين والسنة بهدف تفعيل عملية الإصلاح، الأمر الذي يمثل تهديدا للنظم التسلطية السنية القائمة، مما دفع هذه الأنظمة لمحاولة تشويه سمعة أي مطالبين للإصلاح عبر ادعاء أنهم من الشيعة وأن تحركاتهم بتأييد إيراني، أو أنهم متعصبون، والمبالغة في التركيز علي هذه القضية لاستمرار السيطرة علي الحكم باعتبارهم (أي الحكام) السبيل لتحقيق الأمن والاستقرار، وأوصياء بالنيابة عن المواطنين الذين لا يتسمون بالنضج الكافي. وكذلك، يهدف الحكام من وراء التركيز والمبالغة في تناول مشكلة الفتنة الطائفية إلي التغطية علي عدم شرعية النظام، وتشتيت التركيز عن مشاكله الرئيسية الداخلية بهدف ترسيخ النظام الاستبدادي. ولذلك، يؤكد التقرير ضرورة سيادة مفاهيم معينة في المنطقة وهي ‘الوحدة’، و’الوطن’، و’النظام’ في مواجهة ‘الفتنة’، و’الفوضي’، و’الطائفية’. لكن في الحقيقة هي مجرد مفاهيم يسعي بعض أركان الإدارة الأمريكية لنشرها والتمسك بها. أما علي الصعيد العملي، فيلاحظ اتخاذ هذه الانقسامات الطائفية كذريعة لتنفيذ مخطط التقسيم الوارد بدراسة ‘التقسيم السهل’.

ويدل هذا أيضا علي استمرار تخبط الإدارة الأمريكية في ظل سعيها للمزج بين الجانب المعلن الأخلاقي كعنوان للحكم والإدارة، والجانب العملي الساعي لتحقيق المصالح الأمريكية والحفاظ عليها، وهو الجانب الذي يطغي عادة في النهاية علي ما عداه.

وقد أضاف التقرير أن دخول العراق في هذه المرحلة من الصراع الطائفي عام 2006 قد ترك أصداءه في المنطقة وخلق ضغوطا جديدة علي النظم السياسة، خاصة تلك التي تتسم بالتسلط أو الممزقة بصورة أكبر من الدول الأخري، ومن بينها البحرين، والسعودية، ولبنان. معتبرا الكويت نموذجا مهما، حيث انخفضت حدة الآثار السلبية للصراع بين السنة والشيعة بها بسبب شيوع ثقافة سياسية أكثر ليبرالية ودافعة للمشاركة، وذلك إذا ما قورنت بالبحرين التي يشكل الشيعة فيها نسبة 70% من السكان، وتحكمهم عائلة آل خليفة السنية، ولديهم تاريخ طويل من المعاناة بسبب الإقصاء السياسي والبطالة والتمييز الثقافي.

ولفت التقرير إلي أن التحذيرات المتزايدة بشأن احتمال زيادة النشاط الشيعي قد صدرت عن أنظمة سياسية لا تخشي الاضطرابات الشيعية، مثل مصر والأردن، وهو ما يكشف – وفقا للتقرير- عن الاستغلال السياسي لتجارة الخوف فيما يرتبط بالقضايا الطائفية، حيث العمل علي إثارة الانقسامات الطائفية، وتصوير أنفسهم – حكام هذه الأنظمة- علي أنهم الجدار الفاصل بين الاستقرار وعدمه، والسبيل الوحيد لمواجهة الفوضي والشكوك التي أثارها احتلال العراق.

كذلك، من أبرز آثار الاحتلال وضوحا، كما بينها التقرير، الاضطراب المتزايد بين الأكراد في سوريا وتركيا وإيران. فلقد دفع غزو العراق عام 2003، وما تلاه من اندفاع الأكراد العراقيين نحو انتهاج نظام فيدرالي، إلي النشاط الكردي في الدول المجاورة. وقد أثارت بعض الأحداث -كإنشاء الاتحاد الكردي الوطني وانتخاب قائده جلال طالباني ليكون رئيسا للعراق، بالإضافة إلي توقيع قانون الإدارة الانتقالية – أعمال شغب بين الأكراد الإيرانيين، وأحداث تمرد خطيرة في سوريا، أسفرت عن مقتل 40 شخصا، وقد تمتعت بعض الجماعات الكردية التي تتسم بالعنف، مثل حزب العمال الكردستاني وحزب الحياة الحرة الكردستاني، بزيادة شعبيتها في شمال العراق عقب الاحتلال، مما أثار مزيدا من التهديد لاستقرار المنطقة، خاصة في تركيا وإيران.

ويري التقرير أن هذا التحدي قد حث وكالات الاستخبارات الثلاث في كل من دمشق وأنقرة وطهران علي إيجاد تنسيق عملي بينها ينظم مصالحها المشتركة، مما يرجح تعقد الأمر أمام الدبلوماسية الأمريكية لانتزاع سوريا من المدار الإيراني، وسيدفعها إلي السعي في سبيل محاولة عمل تعاون تركي ضد إيران. وإن عاد التقرير في موضع آخر مؤكدا صعوبة، بل استحالة، قيام تحالف أمريكي – تركي ضد طهران، نظرا لاشتراك إيران مع تركيا في مواجهة الأكراد من ناحية. ومن ناحية أخري، فإن حجم التجارة المشتركة بين البلدين يتعدي 4 مليارات دولار سنويا، أي أن التقرير في النهاية يضعف من احتمالات قدرة الإدارة الأمريكية علي تأسيس تحالف إقليمي ضد طهران.

أما في تركيا، فإن آثار الاحتلال تثير القلق بصورة أكبر، لأن نشاط حزب العمال الكردي يهدد بتقليل شأن الكثير من المكاسب التركية الحالية في مجال حقوق الإنسان، وربما أيضا يعمل علي تخريب جهودها الساعية للانضمام إلي الاتحاد الأوروبي.

قضية اللاجئين :

لفت التقرير إلي التحدي الخاص بزيادة أعداد اللاجئين العراقيين إلي ما يقرب من مليوني شخص، حيث خلف الاحتلال أكبر حركة لجوء خارجي في المنطقة منذ عام 1948، مما أوجد نوعا من الضغط الاجتماعي والاقتصادي لدي بعض دول المنطقة. وقد يقود ذلك لحالة من عدم الرضا بين الشعوب، ويعيق الاستقرار في هذه الدول علي المدي البعيد، حيث يعرض استقرار كل من الأردن وسوريا -وإلي حد قليل أيضا لبنان – للخطر. لكن علي المدي القصير، لم تتحول مشكلة اللاجئين إلي خطر أمني بعد. مشيرا في الوقت نفسه لوجود بعض الآثار الإيجابية لهذه الظاهرة، مثل ضخ المزيد من رأس المال عن طريق اللاجئين في الأردن عقب الاحتلال، مما زاد من ازدهار عمان اقتصاديا خلال هذه الفترة. لكن موقف هؤلاء اللاجئين يصبح أكثر اضطرابا مع نفاد مواردهم المالية، خاصة لأن معظمهم غير قادر علي إيجاد عمل قانوني، كما يفرض عليهم أسعار، ونفقات عالية للغاية مقابل المسكن، كذلك أصبحت الدعارة مشكلة ملحوظة ومتزايدة، خاصة في سوريا.

وفي سياق محاولة التنصل من مسئولية الاحتلال عن أي صراعات داخلية في دول أخري، يوضح التقرير أن اللاجئين العراقيين لم ينقلوا معهم بعد العنف والصراعات الطائفية والسياسية إلي الدول المجاورة، حيث يبدو أن معظمهم أكثر اهتماما بسبل المعيشة أكثر من التفكير في إثارة عدم الاستقرار في الدول المضيفة لهم. لكن ذلك لا ينفي احتمال أن تؤدي حالة التشتت الكبري التي يعانيها العراقيون، مع تزايد الصراعات بالعراق، إلي انتشار الصراع في الدول المجاورة، نظرا لأن العراقيين المنتشرين خارج دولتهم يوجهون دعمهم للجماعات العراقية، حيث يتم تجنيدهم للمقاومة أو للحكومات الضاغطة لتمد يد المساعدة للمقاتلين. وإذا ما تم بالفعل إنشاء معسكرات للعراقيين، فستزداد هذه المخاطر، حيث إن هذه المعسكرات لطالما كانت مصدرا رئيسي للتجنيد العسكري للمقاومة والاضطرابات في حالات أخري (مثلما حدث في لبنان).

وأشار التقرير إلي وجود نزعة متزايدة نحو استخدام هؤلاء اللاجئين ككبش فداء، حيث دائما ما يلقي اللوم عليهم في انتهاء احتياطي الوقود والبطالة والتضخم السكاني وقلة المساكن. وربما يصبح الأثر علي المدي الطويل هو ضغط الناخبين علي النظم السياسية لتقليص وتقليل الخدمات الموجهة للعراقيين. وقد قامت الحكومتات السورية والأردنية بالفعل بتشديد سياساتهما تجاه اللاجئين، كما أن الأردن قد أغلق أبوابه فعليا أمام اللاجئين الجدد. وبعد الضغوط الدولية المتزايدة، تم السماح للأطفال بالذهاب للمدارس في بعض الدول المضيفة (من بينها الأردن وسوريا)، ولكن القليلين يلتزمون بذلك، لأن الآباء يخافون من أن يتسبب دخول الأطفال المدارس في تعرضهم للمخاطر القانونية أو شبه القانونية، جراء وجودهم في هذه البلاد. ومن الأسباب الأخري المثيرة للقلق أيضا نسبة الذكور العراقيين في سن الجامعة الذين يعانون البطالة، والذين يمكن أن يتسبب انتقالهم من موطنهم الأصلي وما آل إليه وضعهم في سهولة انضمامهم إلي حركات الجهاد السلفية. كما تشير أزمات اللاجئين السابقة، سواء في المنطقة أو في العالم، إلي أن اللجوء وحالات عدم الرضا يمكنها أن تغذي الشعور الراديكالي بين المواطنين الذين يعيشون في غير موطنهم الأصلي.

كذلك، لفت التقرير إلي أن الحالة السكانية علي المدي الطويل بالنسبة للاجئين تستحق الاهتمام، حيث تتجنب الحكومتات الأردنية والسورية إنشاء أي مؤسسات كالمدارس أو العيادات أو المعسكرات الخاصة بالعراقيين، حتي تمنع تكرار مأساة المعسكرات الفلسطينية. علاوة علي ذلك، فإنه إذا ما أدي عدم الاستقرار المستقبلي في العراق إلي تدفق مزيد من أعداد اللاجئين، فإنه من المحتمل ألا توافق سوريا والأردن علي استقبالهم.

نموذج عالمي للمقاومة :

يعتبر التقرير أن الاحتلال كان بمثابة فرصة للقاعدة، حيث قدم لها معركة إلزامية للجهاد ضد القوة المحتلة التي دنست شرف المسلمين وسمعتهم. وبينما استقبلت حركات تنظيم القاعدة في البداية بالإشادة من الجماهير والشعوب العربية، والموافقة الضمنية من الإعلام أيضا، إلا أن أمير تنظيم القاعدة بالعراق ‘أبو مصعب الزرقاوي’ أطاح بهذا الإجماع بعد انفجارات فندق عمان، لذلك انقلب الرأي العام الذي كان في صالح تنظيم القاعدة في البداية ليصبح ضده، حين تعرض للعنف من قبل هذا التنظيم بشكل مباشر، كما هو الحال في السعودية والأردن، أو حين يجبر الأشخاص علي العيش تحت أطر اجتماعية مغلقة وخانقة، كما حدث مع قبائل الأنبار. وبالرغم من أن هذا التحول في الرأي العام قد لا يؤثر بصورة ملحوظة في حركات التجنيد والانضمام لهذه الجماعات مستقبلا، فإنه زاد من قدرة النظم السياسية للبلدان المجاورة علي استيعاب والتخفيف من حدة التهديدات المتعلقة بعودة قدامي المحاربين في حركات المقاومة الإسلامية العراقية.

وتستخدم حركات التمرد الشيعية وسائل تكنولوجية ضد الولايات المتحدة. ويمكن تصوير الوضع كشبكة دائرية من خلال تبني الجماعات الشيعية العراقية تقنيات حزب الله وقوات القدس، ثم إحاطتهم بالدروس المستفادة، ونقل ما تمت الاستفادة منه إلي معسكرات التدريب الخاصة بقوات القدس داخل إيران، والتي تمت الهجرة منها نحو الشرق إلي طالبان. ومع ذلك، فإن احتمال اتساع نطاق وانتشار هذه التكتيكات والتقنيات والإجراءات قد ضعف بسبب تخوف طهران من تجاوز بعض الخطوط الحمراء، حتي لا تمنح الولايات المتحدة عذرا مقبولا لمهاجمة إيران، أو إثارة اتجاه معاد لإيران بين الجماهير العربية.

التحدي الإيراني :

تمثل إيران تحديا مهما أمام الولايات المتحدة، حيث تهدف الأخيرة إلي تعديل سلوكها بما يتفق ومصالحها. وهنا، تكمن المشكلة حيث أغفل التقرير أن التغيير يجب أن يكون من الناحيتين والرؤيتين الإيرانية وكذلك الأمريكية. فإذا كانت الولايات المتحدة ترغب في أن تتخلي إيران عن برنامجها النووي، وهي القضية التي تمثل إشكالية أساسية بالنسبة للأمن الأمريكي والعالمي، فلابد من مراعاة عدم ازدواجية المعايير، لأنه إذا كان هناك تخوف من القدرات النووية الإيرانية وتشدد وتهديد بفرض المزيد من العقوبات عليها، فلماذا لا يوجد القدر نفسه من التشدد والتركيز مع إسرائيل. فالجانب الأمريكي يحتاج إلي أن يكون أكثر موضوعية في توجهاته، خاصة مع الاستفزازات الإسرائيلية المستمرة، والتي تعتبر المهدد الرئيسي لأمن المنطقة والعالم.

وفي هذا الصدد، أوضح التقرير أن إسقاط النظام العراقي بقيادة صدام حسين أدي إلي اضطراب توازنات القوي في المنطقة، إذ مال توازن القوي تجاه إيران. وعلي الرغم من أن الاضطرابات الداخلية في إيران، التي أعقبت الانتخابات الرئاسية لعام 2009، ساهمت في تقييد المناورات الإيرانية في الخارج، فإن سقوط الحائط العراقي العازل لإيران في المنطقة أثار العديد من المخاوف لدي دول المنطقة.

ومن ناحيتها، تحاول إيران اغتنام الفرص التي قدمها احتلال العراق، ولكنها تواجه عقبات أكثر لتوسيع نفوذها في المنطقة، وليس هناك أدني شك في أنها استغلت بمهارة الفرص الاستراتيجية الناتجة عن الغزو العراقي، والتراجع غير المتوقع للنظام الإقليمي العربي. وقد سعت إيران منذ عام 2003 – بفضل أرباحها من تصدير النفط وبفضل الأفكار القومية للرئيس أحمدي نجاد – ليس فقط لحماية حدودها القريبة مع العراق، بل سعت كذلك لتأكيد سلطتها علي المسرح الإقليمي الأوسع. وقد عزز من ازدهار الدور الإيراني في المنطقة، في بداية الأمر، فوز حماس بالانتخابات في غزة، وأداء حزب الله في ساحة القتال ضد إسرائيل عام 6002.

وفي هذا الإطار، تناولت عدة دراسات أمريكية الموقف الأمريكي تجاه إيران. وفي دراسة صدرت عن معهد بروكينجز بعنوان ‘أي الطرق تؤدي إلي فارس.. خيارات الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تجاه إيران'(3)، نوقشت تسعة خيارات استراتيجية يمكن أن تنتهجها الولايات المتحدة تجاه إيران، منها الخيار الذي تبنته بالفعل إدارة الرئيس أوباما، الذي يتفق مع توصيات هذا التقرير، وقد أطلق عليه اسم ‘الإقناع’ عبر استخدام حوافز إيجابية وسلبية لإقناع إيران بالتخلي عن سلوكها المسبب للتهديدات الإقليمية والدولية. ولكن نظرا لأن نجاح هذه السياسة أمر غير مضمون، لذلك فإن التفكير في استراتيجيات بديلة لا يزال متاحا، منها الخيارات العسكرية أو حتي العمل علي دعم المعارضة لتغيير النظام الإيراني. أما تقرير مؤسسة راند ‘تأثير العراق ..’، فقد اهتم بالموقف العربي من إيران، فذكر أنه حتي في حالة وجود إجماع من الدول العربية علي المواجهة، فلا توجد حاليا أي دولة عربية من الممكن أن تقف في مواجهة إيران كموازن لدورها في المنطقة، ونتيجة ذلك هو أن الدول ذات النفوذ الساري الموجودة اليوم في المنطقة هي قوي غير عربية: تركيا، وإيران، والولايات المتحدة وإسرائيل.

إسرائيل :

انصبت بؤرة الاهتمام الإسرائيلي عقب احتلال العراق علي نقطتين رئيسيتين، هما تنامي القوة الإيرانية من ناحية، والتهديد المحتمل لاستقرار الأردن من ناحية أخري. حيث يؤكد التقرير أن إيران أصبحت مصدر الخطر الإقليمي الأول بالنسبة لإسرائيل، والأدلة علي ذلك كثيرة، من بينها أن الدافع الرئيسي وراء سعي إسحاق رابين إلي السلام مع الفلسطينيين في بداية التسعينيات هو رغبته في التعامل مع الجيران الأقرب لإسرائيل، حتي يتفرغ للتعامل مع أعدائها الأبعد والأكثر خطورة مثل إيران. وبالمثل، تراءي للزعماء الإسرائيليين اللاحقين مدي خطورة إيران وتهديدها للوجود الإسرائيلي.

وقد أدي الإدراك المتزايد للنفوذ الإيراني بعد الحرب علي العراق، واستمرار الأزمة النووية الإيرانية، والخطابة التحريضية للرئيس الإيراني أحمدي نجاد (إنكار المحرقة، اقتراح محو إسرائيل من الخريطة) إلي تزايد القلق الإسرائيلي في السنوات الأخيرة. لذلك، أصبح هناك اتجاهان:

الأول: من وجهة نظر الكثير من الإسرائيليين أن الولايات المتحدة قد خاضت الحرب الخاطئة في عام 2003، فالتخوف الإسرائيلي من إيران لا يرتبط فقط بالأسلحة النووية الإيرانية، بل يتعدي ذلك للتخوف من سعيها للهيمنة علي منطقة الشرق الأوسط ككل وليس الخليج فقط، وأنه إذا أصبح الخيار النووي متاحا، فإنها ستصبح أكثر عدوانية في سعيها إلي الهيمنة الإقليمية، خاصة في ظل روابطها ودعمها السياسي والمادي المتزايد لحزب الله، لدرجة اعتقاد العديد من المحللين الإسرائيليين بأن الحرب ضد حزب الله في 2006، وضد حماس في 2008، كانت أساسا تهدف إلي تحجيم النفوذ الإيراني عبر ردع هذه الكيانات.

الاتجاه الثاني: يري عدم المبالغة في تقدير القوة الإيرانية، فهي ليست مثل الاتحاد السوفيتي، حيث إن لديها نقاط ضعف خطيرة، سياسية واقتصادية وعسكرية. وفي هذا السياق، يري بعض المحللين الإسرائيليين أن إسرائيل لن تكون هدف إيران الرئيسي في حالة امتلاكها لأسلحة نووية. وحتي لو تم ذلك، فإن إسرائيل من الممكن أن تستخدم أسلوب الردع للتعاطي مع التهديد الإيراني، خاصة ما يتعلق بامتلاك القدرة علي شن ‘الضربة الثانية’. ويري مسئولون سابقون في الجيش الإسرائيلي إمكانية العمل علي تحييد إيران عن طريق التوصل إلي صفقة مع الحكومة الإيرانية، ودعم المفاوضات الأمريكية مع طهران. ويدعم ذلك الرأي أيضا مسئولون سابقون في الموساد، وأنه ينبغي لإسرائيل دعم الأمريكيين في فتح قنوات مع إيران لتجنب المواجهة. إلا أن الرأي السائد في إسرائيل هو أن إيران تعد من بين أخطر التهديدات الاستراتيجية لإسرائيل، وأن الحرب علي العراق وآثارها أدت لتفاقم هذا التهديد.

يرتبط مصدر القلق الثاني بالنسبة لإسرائيل باحتمال زعزعة الاستقرار في الأردن، حيث لجأ من العراق إلي الأردن بعد الحرب أكثر من نصف مليون لاجئ، وذلك في ظل ما يعانيه الأردن بالفعل من محدودية الموارد المحلية في مجالي التعليم والرعاية الصحية، فضلا عما يسببه ذلك من حالة من التخبط وعدم الاطمئنان من الدور المستقبلي لهذا المجتمع الجديد في الأردن. كما أن خسارة الأردن للنفط المدعوم من العراق بعد الحرب ساهمت في ارتفاع أسعار المواد الغذائية وزيت التدفئة، والسلع الأساسية الأخري، وخلق أزمة اقتصادية خطيرة، ووجود حالة من الاستياء من النظام علي نطاق واسع، حتي بين القاعدة التقليدية التي تدعم النظام الملكي. وبالإضافة إلي الضغوط الاقتصادية، فإن الأردنيين يواجهون احتمال امتداد العنف والتطرف من العراق، حيث تعتبر تفجيرات عمان 2005 أسوأ حادث إرهابي علي الأراضي الأردنية حتي الآن، وقد تم تنفيذها بواسطة عراقيين. ولذلك، يسود القلق إسرائيل من مستقبل الاستقرار في النظام الأدرني الصديق، نتيجة عدم إيجاد حل للقضية الفلسطينية علي الجبهة الغربية، وتدهور العراق من الشرق. ويضيف التقرير أنه قبل حرب العراق، اتخذت إسرائيل من قدرة الأردن علي أن تكون بمثابة منطقة عازلة بين إسرائيل والعراق كأمر مسلم به، أما الآن، فيسود القلق الإسرائيليين من فقدان الحاجز العازل الذي يحميهم من العدوان من جهة الشرق.

وفيما يتعلق بوجهات النظر الإسرائيلية حول الانسحاب الأمريكي من العراق، فإنها تتوقف علي ما إذا كان الانسحاب سيعزز أو يضعف النفوذ الإقليمي للولايات المتحدة أم لا.

يري العديد من الإسرائيليين أن الحرب علي العراق أرهقت الولايات المتحدة، وأضعفت من فاعليتها وقوتها وقدرتها علي التدخل في أي منطقة فيما بعد، خاصة إيران. وفي هذا الصدد، يوجد اتجاهان:

الاتجاه الأول تمثله مدرسة المحافظين الجدد بإسرائيل، والتي تري أن الانسحاب الأمريكي من العراق سيكون كارثة علي صورة الولايات المتحدة، وهيبتها، ونفوذها في المنطقة، وبالتالي سيكون مدمرا بالنسبة لإسرائيل، نظرا لارتباطهما الوثيق، حيث سيقود الانسحاب إلي تعزيز النفوذ الإيراني، واحتمال تجدد الحرب الأهلية في العراق، التي من شأنها أن تؤثر في استقرار الأردن عبر الأعداد المتزايدة للاجئين العراقيين، فضلا عن تصدير الإرهاب إلي الأردن والمملكة العربية السعودية وحتي إسرائيل، وترسيخ صورة الخاسر بالنسبة للولايات المتحدة، وبالتالي إسرائيل. وبرغم ذلك، فإنه قد خفت وتيرة هذه المخاوف الإسرائيلية من الآثار السلبية للانسحاب الأمريكي بسبب تحسن الأوضاع الأمنية في العراق في الفترة من 2008 إلي 9002.

اتجاه آخر يري أن الانسحاب الأمريكي يحمل فرصا إيجابية عديدة، حيث إنه من الممكن أن يدفع السعودية للعب دور أكثر فاعلية في دعم الأمن الإقليمي، وفقا لاقتراح أحد المسئولين الإسرائيليين، لأن إسرائيل تري نفسها منساقة بشكل متزايد مع الدول العربية المعتدلة، مثل المملكة العربية السعودية ومصر، في مواجهة النفوذ الإيراني المتزايد. حيث يري هذا الاتجاه أن توسيع الدور الإقليمي لحلفاء الولايات المتحدة، عقب انسحاب الأخيرة من العراق، أمر ضروري وله عوائد جيدة. كما أن الانسحاب من شأنه أن يعزز من فرص الحوار مع سوريا وإبعادها عن إيران، خاصة مع احتمال تزايد المخاوف السورية من تنامي النفوذ الإيراني في العراق بعد انسحاب الولايات المتحدة.

ويوضح التقرير توقع معظم الإسرائيليين حدوث حوار بين واشنطن وطهران في ظل إدارة الرئيس أوباما. إلا أنه بغض النظر عن توجههم السياسي، فهم لا يرغبون في أن تسمح تلك المحادثات مع إيران بأن تظل القضية النووية دون حل، حيث تأخذ إسرائيل التهديدات الإيرانية لتدمير إسرائيل علي محمل الجد، خاصة أن شبح استخدام القنبلة النووية الإيرانية ضد إسرائيل من الممكن أن يدفع الإسرائيليين لمغادرة البلاد ويهدد مستقبل الصهيونية.

يتضح مما سبق أن اعتبار إسرائيل لإيران كمهدد لها ومصدر خطر عليها ليس جديدا، لكن الحرب علي العراق وتنامي النفوذ الإيراني جددا هذه المخاوف وزادا من حدتها. كذلك، يمكن تبين قصور الرؤية الخاصة بأن تحالف الولايات المتحدة مع سوريا أمر مقترن بابتعادها أو انسحابها من التحالف مع طهران، وذلك لأن تنامي النفوذ الإيراني أدعي لسوريا لتوثيق التحالف، وأدعي للدول العربية لمحاولة احتوائه وتوظيفه وليس مواجهته، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مدي إمكانية أن تعمل الأنظمة العربية بشكل متوازن علي جميع الجبهات، مثل النموذج التركي، وهل من الضروري اتباع استراتيجية أحادية الاتجاه (إما التحالف مع طهران أو مع الولايات المتحدة)? وهذا التساؤل لا يرتبط فقط بسوريا، ولكن بالدول العربية الأخري، مثل السعودية ومصر، اللتين تعتبرهما إسرائيل حليفا يمكن الاعتماد عليه ضد الطموحات الإيرانية في المنطقة. ألا يمكن استغلال وتوظيف ذلك التخوف الإسرائيلي في الضغط عليها لصالح القضية الفلسطينية والحقوق العربية? ألا يمكن طرح الخلافات العربية العربية والتخوف من الطموحات الإيرانية جانبا واستغلال قوتها، وتشكيل جبهة ضد الاحتلال الإسرائيلي والأمريكي إلي أن تعود الحقوق العربية المسلوبة، ثم تقوم الأنظمة العربية بترتيب أوراقها من الداخل، وتصفية الحسابات الداخلية، بعد التخلص من العدو المشترك? هل أصبح ترتيب الأولويات العربية ووضوح الرؤية وتحديد الهدف أمرا صعبا ومعقدا لهذه الدرجة?

من ناحية أخري، أغفل التقرير سببا آخر يدعو إسرائيل للتخوف من الانسحاب الأمريكي وتعزيز الاتجاه المحافظ داخل إسرائيل الداعي لعدم الانسحاب واستمرار الاحتلال، وهو أن الجبهة العراقية قد لفتت الأضواء نسبيا بعيدا عن فلسطين، وشغلت المجاهدين والمتطرفين في محاولة لتحرير العراق بعد سنوات الجهاد في أفغانستان، فضلا عن تدمير العراق كقوة إقليمية كان لها وزنها وثقلها في المنطقة. ففائدة احتلال العراق مزدوجة بالنسبة لإسرائيل، لذلك ليس مستبعدا أن أحد الأسباب الرئيسية للتخوف من الانسحاب الأمريكي هو عودة تركيز المجاهدين علي القضية الفلسطينية ودخول إسرائيل، ومحاولة تحرير الأراضي المحتلة، الأمر الذي قد يفتح علي إسرائيل جبهة خطيرة قد لا تتمكن من مواجهتها.

الإصلاح السياسي العربي :

أكد تقرير مؤسسة راند أن من الآثار الملموسة للحرب علي العراق أنها قد غيرت أو أوقفت الضغوط الأمريكية الهادفة للإصلاح السياسي العربي، أي أن الاحتلال جعل الولايات المتحدة تلتفت إلي أمور أخري، وتراجعت بذلك قضية تحقيق الإصلاح كأولوية كبري علي قائمة الأجندة الأمريكية قبل الاحتلال، الأمر الذي أدي لحدوث إصلاحات ظاهرية غير مؤثرة. حيث تصورت النظم السياسية أن اهتمام الولايات المتحدة بالعراق والتركيز الذي تبع ذلك علي إيران قد أرجأ الاهتمام بعمليات الإصلاح وما يرتبط بها من احترام وإطلاق الحريات الداخلية.

وأشار التقرير إلي أن المناقشات التي أثارتها مؤسسة راند مع النشطاء والإصلاحيين في منطقة الخليج والشرق نتج عنها إجماع، إلي حد ما، علي أن عام 2003 كان نقطة تحول في الإصلاح السياسي، مع شعور الحكام السلطويين بأن الاهتمام الأمريكي بشئونهم الداخلية قد انخفض، والعودة إلي حد ما تجاه نمط الحرب الباردة وانتهاج سياسات متوازنة ضد إيران. كما أصبح هناك عذر مقبول فيما يتعلق بالإجراءات الوقائية ضد حركات المقاومة الإسلامية، حيث مثلت الحرب علي الإرهاب عذرا مقبولا لإلقاء القبض علي أعداد كبيرة من المعارضة الوطنية. وفي العديد من الأمثلة، يبدو أن الاحتلال زاد من دعم الشعوب العربية للحكام غير المحببين. وربما يكون السبب هو انخفاض سمة الديمقراطية بحيث أصبحت تصور كأنها ‘مشروع أمريكي’ يتم تنفيذه بصورة إجبارية في العراق.

ويلاحظ هنا أن التقرير يثير فكرتين:

أولا- استفادة النظم السياسية العربية من احتلال العراق بشكل غير مباشر، وأن الحرب عليها جاءت في مصلحة هذه النظم لتغير وجهة التركيز والضغوط الأمريكية إلي بؤرة اهتمام أخري، وبالتالي تتابع الدول العربية النهج نفسه المتبع دون الحاجة إلي إحداث تغييرات جوهرية وإصلاحات حقيقية. وإذا كان في ذلك شيء من الصحة فيما يتعلق بتباطؤ وتيرة الإصلاح، فإن الإدارة الأمريكية لم تدرك الصورة بالكامل، لأن الإصلاحات الحقيقية في الدول العربية لابد أن تنبع من الداخل العربي، وتعكس احتياجات ومطالب الشعوب، وأن الضغوط الخارجية، والإصلاحات المفروضة من الخارج وإن وجدت لها بعض الأصداء والأصوات في الداخل، فإنها تعتبر لدي الغالبية العظمي من الشعوب نوعا من أنواع الفرض والاستعلاء والمشروطية السياسية والاقتصادية المرفوضة عربيا. فإذا تصور الفكر الغربي أن الاحتلال جاء في صالح النخبة السياسية العربية الحاكمة ليؤخر عملية الإصلاح، فهو تفكير منقوص، لأن الإصلاح لا مفر منه، إن آجلا أم عاجلا سيتحقق بإرادة عربية وليس كفرض خارجي، حفاظا علي الاستقرار والأمن داخل الدول العربية.

ثانيا- أهمية عودة الضغوط الأمريكية علي هذه الأنظمة، كما كان الحال قبل احتلال العراق، من أجل تحقيق الإصلاح الداخلي وتفعيل الديمقراطية، لأن الاحتلال أفاد هذه النظم من حيث تكريس التسلطية وإقصاء أي معارضة بحجة حفظ السلم والأمن ومواجهة الإرهاب. وفي هذا اتفاق مع الاستراتيجية الأمريكية للأمن القومي لعام 2002، والتي ارتأت في غياب الديمقراطية وعدم احترام حقوق الإنسان في هذه الدول السبب الرئيسي وراء تفاقم ظاهرة الإرهاب التي أدت إلي وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر. ومن ثم، فإنه منعا لتكرار مثل هذه الكارثة، لابد من الضغط لدفع عجلة الإصلاح داخل هذه الدول.

توصيات التقرير :

قدم التقرير بعض التوصيات السياسية لتخفيف حدة التهديدات المتتابعة، ولتحسين وضع الولايات المتحدة، وهي كالتالي:

أولا- كان لدي حلفاء الولايات المتحدة، خاصة تركيا، دوافع لتوسيع وتوثيق روابطها بطهران في السنوات التالية للحرب علي العراق، لذلك ينبغي علي السياسة الأمريكية الابتعاد عن الجهود الرامية إلي تشكيل تحالف إقليمي مناهض لإيران من الدول العربية المعتدلة (مثل دول مجلس التعاون الخليجي، والأردن، ومصر) لمواجهة التأثير الإيراني، لأن مثل هذا التحالف لا يعتبر فقط غير واقعي، ولكن من الممكن أيضا أن يأتي بنتائج عكسية. وفي حين أنه ينبغي علي الولايات المتحدة أن تستمر في إظهار الدعم للحلفاء الإقليميين الرئيسيين، من خلال استمرار أنشطة التعاون الأمني، إلا أنه يجب أن يظل هذا التعاون علي مستوي محدد وثنائي لتجنب الانطباع الذي يمكن أن يؤخذ علي الولايات المتحدة بأنها تحاول إنشاء منظمة للأمن الجماعي ضد إيران، أي محاولة استيعاب إيران، وتشجيع سلوكيات إيرانية أكثر إيجابية، باستكشاف الإجراءات الأمنية متعددة الأطراف، وإجراءات بناء الثقة بين إيران وجيرانها.

ومن الملاحظ أن الإدارة الأمريكية قد أخذت في اعتبارها العديد من هذه التوصيات لدي إعداد استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة(4)، التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي باراك أوباما في السابع والعشرين من مايو 2009، حيث إن من أهم المبادئ الأساسية التي ارتكزت عليها الاستراتيجية لتنشيط الدور الأمريكي العالمي هي الضغط علي الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة الأخري للقيام بما عليها من مسئوليات، والتعاون مع الآخرين وليس ضدهم ضمن ترتيبات عالمية مشتركة. وكذلك فيما يتعلق بإيران، تهدف الاستراتيجية الأمريكية الجديدة للعمل علي تحويل السياسة الإيرانية بعيدا عن مسعاها لامتلاك السلاح النووي ودعم الإرهابيين وتهديد جيرانها. وحددت الاستراتيجية أن الخيار المتاح يتمثل في تنفيذ إيران لالتزاماتها الدولية فيما يخص برنامجها النووي، فبذلك يكون باستطاعتها المضي نحو مزيد من التفاعل والانخراط السياسي والاقتصادي مع المجتمع الدولي. أما في حال تجاهلها هذه الالتزامات، فستواجه المزيد من العزلة والعقوبات الدولية.

ثانيا- أشارت الاستراتيجية الأمنية الجديدة أيضا إلي أن الطفرة الاقتصادية العالمية التي سبقت الأزمة العالمية أدت لنمو الاقتصاد الأمريكي، لكنها في الوقت نفسه قادت لصعود دول، مثل الصين والهند والبرازيل، وأصبحت هذه الدول من اللاعبين الاقتصاديين الرئيسيين علي مستوي العالم، إلي جانب دول أخري برزت كقوي متوسطة، مثل المكسيك وإندونيسيا وتركيا. وفي هذا الإطار، جاءت التوصيات في التقرير متفقة مع الاستراتيجية الجديدة، حيث أكدت أهمية توطيد علاقات الولايات المتحدة مع تركيا، وتعزيز دورها الفريد كجسر جيوسياسي بين سوريا وإيران والعالم العربي. كما تعد مصالح تركيا والعلاقات الاقتصادية واسعة النطاق مع شمال العراق أيضا فرصة للمساعدة في جهود الولايات المتحدة لإعادة إعمار العراق. ويؤكد التقرير أنه علي عكس دول الجوار الأخري، أثبتت تركيا حتي الآن أنها الأكثر استعدادا للمساهمة في استقرار العراق وإعادة إعماره. لكن علي الرغم من ذلك، فهي مثل غيرها من دول الجوار تعارض الاحتلال. وكنتيجة لذلك، ينبغي علي القوات الجوية الأمريكية مواصلة تقديم المساعدة إلي القوات التركية في عمليات مكافحة الإرهاب في شمال العراق، وزيادة أنشطة التعاون الأمني، والتدريب مع السلاح الجو التركي.

ثالثا- أوصي التقرير بالاستمرار في سياسة تشجيع مشاركة الصين وروسيا إلي أقصي حد ممكن، وتسخير مصالح هاتين الدولتين لتعزيز النمو الاقتصادي والاستقرار في المنطقة. وفي ذلك أيضا اتفاق مع منظور الاستراتيجية الأمنية الجديدة التي أوضحت أن الأزمة المالية العالمية أظهرت الوزن النسبي المتنامي لاقتصادات الدول الصاعدة، والتي تقود الآن عملية انتعاش الاقتصاد العالمي. والنتيجة النهائية للتأثير العالمي المتزايد لهذه الأدوار هي انكماش مساحة التحرك المتاحة أمام الدور الأمريكي العالمي.

رابعا- تشجيع الأنظمة العربية علي اعتماد المزيد من سياسات الإصلاح كجزء من حملة طويلة المدي لمكافحة التطرف، وضمان فاعلية الشركاء الرئيسيين للولايات المتحدة. وينبغي أن تركز السياسة الأمريكية علي تأكيد عدم إساءة الأنظمة الحاكمة استخدام القوة للقضاء علي المعارضة الداخلية، واحترام حقوق الإنسان، وينبغي عليها اتخاذ التدابير اللازمة، حتي لا تتحول الدول الضعيفة إلي دول فاشلة. وهنا، يلاحظ علي التقرير استمرار وترسيخ فكرة الوصاية الأمريكية علي العالم وعلي منطقة الشرق الأوسط، واعتبار الولايات المتحدة بمثابة الرقيب والراعي لحقوق الإنسان، والمشرف علي عملية الإصلاح التي يجب أن تنبع بالأساس من الداخل العربي بما يتفق مع هويته وظروفه الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسة، والثقافية، الأمر الذي يتناقض مع مبادئ التعاون، والتسامح، والعلاقات التعاونية المتبادلة التي تنبني علي احترام الآخرين، وعدم التدخل في شئونهم، والتي حاول الرئيس أوباما إقناع العالم بأن إدارته الجديدة تسير وفق هذه الاستراتيجية.

خامسا- تقديم الولايات المتحدة مساعدات للاجئين العراقيين، وتشجيع المزيد من الدعم الإقليمي للتخفيف من العواقب المحتملة لعدم الاستقرار. حيث إن التداعيات السياسية طويلة الأجل لمجتمع اللاجئين العراقيين لا تزال غير واضحة.

سادسا- يوصي تقرير ‘راند’ بالعمل مع حلفاء واشنطن داخل الدول العربية لتحقيق مزيد من التشويه لسمعة الحركات الجهادية في نظر الجمهور العربي، وكذلك إقامة شبكة لتبادل المعلومات الاستخبارية، وتتبع ‘العائدون من العراق’، إضافة إلي إجراءات أخري تشمل تشجيع سياسة زيادة مشاركة المرأة في الأجهزة الأمنية الإقليمية لإجراء عمليات تفتيش النساء، في ضوء زيادة أعداد العمليات الانتحارية النسائية. ويلاحظ أن التقرير في تناوله لهذه النقطة اعتمد علي معطيات سابقة غير جديدة، من حيث الإشارة إلي تسلسل إدراك الرأي العام لتنظيم القاعدة، بداية بالتأييد ثم الرفض، نتيجة العنف في ظل قيادة ‘أبو مصعب الزرقاوي’، رغم أنه قتل منذ أربع سنوات. فالتقرير يحاول استثمار ذلك الوضع وإضفاء المصداقية علي الحرب علي الإرهاب من خلال التركيز علي ما يعتبره إنجازا أمريكيا في التخلص من إرهابي عتيد.

سابعا- إعداد القوات الجوية الأمريكية لتحمل مسئوليات جديدة في الولايات المتحدة، في ظل تتابع استراتيجية الولايات المتحدة لمرحلة ما بعد العراق. وسوف تتطلب التهديدات والفرص التي فرضتها الحرب علي العراق نطاقا واسعا من الخيارات الاستراتيجية التي سيتعين علي القوات الجوية التعاطي معها. فالتحدي الإيراني، علي سبيل المثال، سوف يستدعي اعتماد الولايات المتحدة سياسة توازن جديدة تمتد بين الردع، والتفاعل مع الحلفاء المحليين بمختلف الطرق، وإمكانية التدخل العسكري المحدود والإضافي والفعلي مع إيران. وقد أكدت استراتيجية الأمن القومي الجديدة أيضا ذلك النهج الجديد الذي يرتكز علي مزيج من استخدام النفوذ غير المباشر والقوة العسكرية، أي ‘القوة الذكية’، مما يوسع من مجالات التحرك المتاحة أمام الولايات المتحدة لزيادة نفوذها وتأثيرها واستعادة وضعها العالمي.

ختاما، تشير معظم الدراسات والتحليلات إلي أن الولايات المتحدة لن تستطيع في المستقبل القريب تغيير الرأي العام السلبي تجاهها. فبالرغم من أنها تنادي بالحوار والمرونة وتبادل الأفكار كوسيلة لمواجهة التطرف الفكري، فإنه يبدو أنها لا تستطيع تطبيق ما تنادي به من شعارات علي أرض الواقع، بسبب تعارض المصالح، مما يبرر استمرار عجزها عن تحقيق تغيير فعال علي أرض الواقع. لذلك، علي الولايات المتحدة محاولة التقريب بين الفكر والتطبيق في استراتيجيتها المستقبلية تجاه المنطقة والعالم، حتي تتمكن من تحقيق أهدافها وحماية مصالحها.

الهوامش :

1- شبلي تلحمي أستاذ في مركز أنور السادات للسلام والتنمية بجامعة ميريلاند، وزميل غير مقيم في مركز سابان بمعهد بروكينجز.

2- Edward P. Joseph ، Michael E. O’Hanlon The Case for Soft Partition in Iraq، The Case for Soft Partition in Iraq، Saban Center for Middle East Policy at the Brookings Institution:

http://www.brookings.edu/papers/06/2007iraq_joseph.aspx

3- Kenneth M. Pollack (& others)، Which Path to Persia? Options for a New American Strategy Toward Iran، Brookings Institutions، June 2009:

http://www.brookings.edu/papers/06/2009_iran_strategy.aspx?sc_lang=en

4- National security strategy، May 2010:

http://nationalstrategy.com/NationalStrategyForumReview/Winter2009Vol19No1USNSS2010/tabid/220/Default.aspx
تعريف الكاتب:
المصدر/ مجلة السياسية الدولية



الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.