السينما الفرنسية (6): أندريه هينيبال: الارتجال يخبئ مفاجآت سارة

الجمعة 29 كانون ثاني/يناير 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

خاص: قراءة – سماح عادل

يحتفي المخرج الفرنسي “أندريه هينيبال” بالارتجال الذي يقوم به الممثلون، مقتنعا أنه ينتج عنه مفاجآت سارة، ويؤكد على كون الكوميديا تنبع من المفارقة فهي تولد من المواقف الصارمة، مؤكدا على استمتاعه الدائم بالسينما التي يعتبرها لعبة، كما يوضح أنه يستطيع دوما الاحتفاظ بنظرة المتفرج.

نواصل قراءة كتاب (قرن من السينما الفرنسية.. من خلال اعترافات مخرجيها)، تأليف “إيريك لوغيب”، ترجمة “محمد علي اليوسفي”، حيث يحتوي على عرض حوارات أبرز المخرجين في السينما الفرنسية. لنتعرف من خلال تلك الحوارات على السينما الفرنسية ورموزها واتجاهاتها.

أندريه هينيبال   André HUNEBELLE

“أندريه هينيبال” مخرج سينمائي، ولد سنة 1896 وتوفي سنة 1985. كان يعمل صانع أوانٍ زجاجية. أبرز أفلامه: (مهنة مجانين 1948؛ مهمة في طنجة 1949؛ مليونير ليوم واحد 1949؛ احذر الشقراوات 1950؛ زوجتي رائعة 1951؛ مذبحة في الدانتيلا 1951؛ السيد تاكسي 1952؛ الفرسان الثلاثة 1953؛ ضابط الصف روسيل 1954؛ بيبليه السيد المستحيل 1955؛ كازينو باريس 1957؛ تاكسي وعربة نقاّلة وصراع ثيران 1958؛ الأحدب 1959؛ الكابتن 1960؛ معجزة الذئاب 1961؛ ألغاز باريس 1962؛ أُو. أسْ. أسْ. 117 يهتاج 1963؛ مقامرة في بانكوك 1964؛ فانتوماس 1964؛ تحت علامة مونتي كريستو 1968؛ فرسان شارلو  1973؛ “تيلت” اللعبة تتوقف1978.

السينما خلاص..

يقول “أندريه هينيبال” عن كيفية تعامله مع الممثّلين: “عندما يتعلق الأمر بممثلين مقتدرين لا اُضطر طبعًا إلى أن أُمليَ عليهم ما يفعلون. أدلهم على جوهر المشهد. وبعد التمارين، أُجري بعض التعديلات. حتى الممثلون الذين ليس لهم ماض مرموق في الأداء ينزعجون كثيرًا من الملاحظات. وعندما تكون أمام ظاهرة موهبة فكاهية مثل لويس دي فونيس ينبغي إسلاس القيد له. تُنجز المشاهد أولاً بأول، وقت التصوير. ما أحرص عليه في المجال الأول هو أن تسود أجواء من الراحة والتفاهم فتسمح لكل ممثل بتقديم ملاحظاته عن أداء زميله بلا حرج. وأكون أول من يستغل تلك الأجواء فأقول عند الضرورة: “اسمعوا، ربما كنت مخطئًا، لكنني أجد هذا رديئًا ولا يتماشى مع ما أريد. ألا تعتقدون أن بإمكاننا البحث معًا عن حل مناسب؟” وهكذا نتوصل إلى الحل الأمثل. وبهذه الطريقة لم أجد أية مشكلة مع لويس دي فونيس. فقد صارت له طباع خنزير منذ أن أصبح نجمًا كبيرًا. في ثالث شريط عن “فونتوماس” كان لطيفًا كما في الفيلم الأول”.

وعن رأيه في للسينما يقول: “السينما مهنة أحبها كثيرًا، وقد مارستها في ظروف رائعة جدًّا. فمن النادر أن يعمل المرء متحمِّلاً وراضيًا بالمشاكل المترتبة على عمله. وهناك متعة في البحث الدائم عن أفكار طريفة ومسلية، بل أجد فيه نوعًا من الخلاص. والإضحاك ليس سهلاً دائمًا، نظرا لاختلاف معنى الفكاهة عند الناس. غير أن المكافأة تكون كبيرة عندما نحققها لنسبة عالية من الجمهور”.

الارتجال يخبئ مفاجآت..

ويواصل: “حتى هذه اللحظة ليست لديّ سوى رغبة واحدة: أن أكون على البلاتوه (حلبة التمثيل) مع ممثلين أحبهم. أحب مواصلة ممارسة هذه المهنة التي يمكنني القول الآن إنها صارت لعبة بالنسبة لي. مع التجربة صارت الأفكار تأتي أثناء التصوير. لذلك أترك دائمًا مجالاً للارتجال لأنه كثيرًا ما يأتي بمفاجآت سارة. الضحك الناجح هو ذلك الذي ينجح عن أمر في منتهى الصرامة”.

وعن التقنية كوسيلة تعبير يوضح: “أرى أنها أكمل وسيلة تعبير فني وجدت حتى الآن. في البداية كان هناك خوف من الجمهور الذي لا يتجاوب سريعًا، أما الآن فقد أدت “الموجة الجديدة” وأعمال المخرجين الشباب إلى التخلص من التقنية القديمة. أنا أيضًا عملت على ذلك؛ لابد من الاعتماد على التلميح والإيحاء. ولا شك أن هناك أساليب متعددة للتعبير، فعلى سبيل المثال، لا يكون من المحبذ اختيار إخراج وسرد يركزان كثيرًا على الصورة في حد ذاتها إذا روينا حكاية كلاسيكية”.

وعن المفضلين بالنسبة له في صناعة السينما يقول: “هنا أتذكر ويليم ويلر، وبيلي وايلدر. خصوصًا ويلر، صديقي الذي أخرج أفلاما كبيرة رائعة، وعددًا من الأفلام الكوميدية المدهشة بشكل خاص. ولقد راقبت طريقتيهما في العمل. ثمة أفلام تطول من دون فائدة ولا تشد المتفرج. لا بد أن نقدم لهذا المتفرج صورًا تدخل في إطار مخيَّلته، لا في إطار الشاشة. وإذا أراد المخرج أن يكون مقنعًا بحكايته، عليه أن يقدم الحكاية ويعرضها كما لو كانت لا مرئية، وكما لو تمكن المتفرجون من التسلل إلى الشخصيات والتجسس عليها من وراء ستارة”.

خدمة حكايته..

وعن تصوره لما هو  هدف الفيلم يؤكد: “لا يوجد مبدأ مطلق في السينما. وعلى المخرج أن يكون في خدمة حكايته ليس من أجل نخبة قادرة على فهمه فقط، بل من أجل جمهور أوسع. ولقد توصلت من خلال تجربتي إلى أن ما يمتعني ويضحكني يكون كذلك بالنسبة للجمهور. وأنا متأكد تمامًا أن نجاح شارلي شابلن يعود إلى أن ما يعجبه يسلّي المتفرج ويضحكه أيضًا”.

وعن كونه متفرج جيد يقول: “قد أفاجئك إذا قلت لك إنني لم أجد الممثل الكوميدي ليندر مضحكًا. وأنا الذي عايشت مرحلته كمتفرج. بعده جاء برينس وريغادن وكانا على درجة من السذاجة الطفولية. وبما أن ماكس ليندر كان الكوميدي الفرنسي الوحيد فإنه يقدَّم اليوم في الأنطولوجيات السينمائية بوصفه معادلاً لممثل كوميدي آخر هو بوستر كيتون، والحال أن هذا الأخير كان عبقريًّا. وفي المرحلة نفسها كان هناك هارولد لويد الذي قدم عدة أعمال رائعة، مثل “طلسم جدتي”. أما أفلام ليندر فهي تعطي الانطباع بغياب السيناريو. غير أن العمل الوحيد الذي يمكن تحمُّله، وأتحدّث دائمًا كمتفرج في ذلك الوقت، هو “الفرسان الثلاثة”. ومع ذلك لم يكن بقيمة ما قدمته لنا السينما الأمريكية مع شارلي شابلن، في سلسلة “شارلو الخيميائي” و “شارلو الحاج” و “حياة كلب”. وما يميز شابلن هو ذلك الجانب المؤلم والمضحك في آن: كما هو الإنسان”.

وعن طموحه كمخرج يقول: “بدل البحث عن النجاح من خلال الصدمات والفضائح،  اخترت أن أكون قائد أوركسترا ينكب على إسماع الموسيقى الجيدة. لقد نذرت نفسي لكي أكون سينمائيَّ تسلية راغبا في إخراج أفلام تنال إعجاب الجمهور الواسع وكذلك المثقفين”.

وعن حبه للسينما يقول: “عندما أدخل قاعة السينما أكف عن كوني سينمائيًّا. لقد حافظت على روح المتفرج النضرة. أعتقد أنني لم أفقد ميزة القدرة على الضحك شخصيًّا، تمامًا كما أنا قادر في ظروف أخرى على إضحاك الآخرين. عندما أزاول الإخراج، أرفض أي تشويش على سيرورة خط الحكاية. وفي هذا المجال لا أخفي إعجابي بشخصية فايدو الذي يظل، في نظري، هو الأفضل في ابتكار المواقف”.



الانتقال السريع

النشرة البريدية