السينما الفرنسية (5) مارسيل بانيول: جمال الفيلم أن يلتهمه المتفرج بشراهة

الجمعة 22 كانون ثاني/يناير 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

خاص: قراءة – سماح عادل

في حوار أجرى معه في أواخر الستينات من القرن العشرين يتحدث المخرج الفرنسي “مارسيل بانيول” مشيدا بالسينما الناطقة، وبالتطور الدائم الذي يحدث للسينما، وبالألوان التي اعتبرت صيحة مذهلة في ذلك الوقت، كما يتحسر على موت كثير من الممثلين العظام. حيث نواصل قراءة كتاب (قرن من السينما الفرنسية.. من خلال اعترافات مخرجيها)، تأليف “إيريك لوغيب”، ترجمة “محمد علي اليوسفي”، حيث يحتوي على عرض حوارات أبرز المخرجين في السينما الفرنسية. لنتعرف من خلال تلك الحوارات على السينما الفرنسية ورموزها واتجاهاتها.
مارسيل بانيول Marcel PAGNOL
هو مخرج ولد سنة 1895 وتوفي سنة 1974، وكان عضو الأكاديمية الفرنسية، مؤلف كتاب “سينماتورجيا باريس”، أُخرج أفلامه الكلاسيكية الكبرى قبل الحرب: (ماريوس، فاني، مرلوس). ثم أعقبتها أفلام (جوفروا، آنجيل، سيغالون، قيصر، العودة، الشبونتز، زوجة الخبّاز، ابنة حفّار الآبار). وبعد ذلك توالت أفلامه (الأجدّ: ناييس1946؛ الطحّانة الجميلة 1948 ؛ توباز 1951 ؛ مانون الينابيع 1952 ؛ رسائل طاحونتي 1954).


أرقى من المسرح..
يقول “مارسيل بانيول” في حواره عن تصوره عن السينما: “السينما شكل من أشكال الفن الدرامي، لكنها أرقى من الفن الدرامي المجرد. هي وسيلة تعبير أغنى، وأبسط، وأكثر ديمومة من المسرح. لقد شاهدت سارة برنار على خشبة المسرح، ماذا عساي أقول عنها؟ كانت رائعة. هذا كل ما في الأمر. عليك أن تتذكّر الممثل “ريمو” بالأحرى. لقد صار أكثر حضورا بفضل الشاشة. شريط “ماريوس” عرض على شاشات العالم كله، وحدث ذلك بعد موته أكثر مما في حياته. أضف إلى ذلك أن السينما وسيلة تعبير رائعة للممثل. وفي الحقيقة لا يقوم الممثل بأداء دوره، وقت التصوير، إلا أمام شخص واحد، هو المخرج. ولا يربكه حضور الجمهور.
وإذا استطاع المخرج استغلاله بشكل جيد يظل محافظًا على ما حققه من نجاح طيلة استمرار عروض الفيلم. أما في المسرح فيمكن للممثل أن يُجيد في عرض ويفشل في آخر. ويتوجب عليه أن يفكر في الجميع، من الأوركسترا إلى أبعد المتفرجين. في السينما يمكن أن يصوَّر المشهد مهموسا ثم يجري تضخيم الصوت لاحقا، في حين يُضطر الممثل في المسرح إلى رفع صوته، وربما تشويهه. وفي هذا تفوقٌ جليّ للسينما”.
وعن من لعب دورًا حاسمًا في عمله كسينمائي يحكي: “طبعُا هناك، لكنني لن أذكر لك أسماء سينمائيين، بل اسم كاتب أكثر موهبة، في مجال الصورة، من العديدين الذين يدّعون أنهم رجال صورة. إنه أستاذي ألفونس دوديه. ويعود الفضل إلى كتابه “رسائل طاحونتي” في اكتسابي هذا الأسلوب الذي يميزني في الأدب كما في السينما”.
وعن مجيئه في لحظة التقاء السينما الصامتة والناطقة يوضح: “لقد آمنت كثيرا بالسينما الناطقة، وفي هذا السياق يمكنك الاستشهاد ببعض ما ورد في دراستي “سينماتورجيا باريس”: ” كان الفيلم الصامت، ذلك المعوق، يستمد كل قوته من إعاقته، كان عالميًّا، مثل لغة الإشارة، وكانت سوقه تشمل العالم بأسره. وهكذا أدى النوع الكوميدي المثير للشفقة لدى شارلي شابلن إلى جعل هذا الأخير أشهر إنسان في كل تاريخ البشرية، خلال حياته… أما الفيلم الناطق فقد استدعى إنشاء استوديوهات جديدة تكون (ويالها من مفارقة!) معزولة عن الأصوات..”لقد آمنت دائمًا بالسينما الناطقة ودافعت عنها في مجلة “دفاتر الفيلم” التي أسستها”.
انتشار الأفلام الملونة..
وعن رؤيته لمستقبل السينما يقول: “تتمتع السينما بتقنيات تزداد إتقانا، بحيث تزداد معها طردا صعوبة إنجاز فيلم سيء. وأعتقد من جهة أخرى، أن المستقبل القريب سوف يشهد انتشار الأفلام الملونة. أما الأسود والأبيض فسوف يشكل نوعا من الحنين المزيف، كما كانت حال الفيلم الصامت في بدايات السينما الناطقة. ولا يمكن للتلفزيون أن يصمد من دون أن تسنده الألوان”.
وعن موقفه من التلفاز يواصل: “عندما يعرض فيه فيلم سينمائي رديء، لا يصير الناس غير راغبين في الذهاب إلى السينما فحسب، بل يضغطون على الزر للانتقال من قناة تبث فيلما سينمائيا إلى أخرى تبث برنامج منوّعات أو تحقيقا. أما أنا فلا أحتاج إلى الشكوى من التلفاز؛ لقد أدى بث شريطي “ماريوس” في إحدى قنواته، إلى تهاطل العقود عليّ من أجل إعادة توزيع أفلامي لعرضها في أكثر من مائة قاعة معتمة”.
ويجيب عن سؤال ما رأيك في الاحتياطي الحالي من الممثلين بالنسبة للسينما الفرنسية: “لم يبق إلا ميشال سيمون. لقد توفي الآخرون ولا يوجد أحد لتعويض أمثال هاري بور وريمو… بين هؤلاء والجيل الجديد توجد هوة تقدَّر بجيلين. ربما يعود السبب في ذلك إلى الحرب العالمية الثانية. وفي كل الأحوال لا وجود لمن قد يعادل جول بري وشارل بواييه وبيار فريني، في جيل الشباب”.
وبعد تمكن السينمائيون من احتلال مكانتهم داخل الأكاديمية الفرنسية: جان كوكتو، مارسيل آشار، رينيه كلير، وهو نفسه، وعن الجدير من السينمائيين بدخول مجمع الخالدين يؤكد: “حاليًّا لا أرى إلا شخصا واحدا: إنه فرنسوا تروفو الذي يعتبر مخرجا كبيرا. وفي هذا السياق، أشعر بفرح عارم وفخر كبير لإدراكي أن كل السينمائيين الشباب قد اصطفوا إلى جانبي، وانضموا إلى رؤيتي السينمائية”.
وعن المطلوب من المخرج يقول: “ينبغي أن يعمل بإخلاص، من دون توقف، وحتى من دون الإحساس بالضربات التي يتلقّاها. لا ينبغي التزحزح عن القناعات، وعن اليقين. لقد عانيت الأمرّيْن من ذلك، في حياتي، وهو ما لن يراه المتفرجون في أفلامي”.
وعن إيمانه برمزية الصورة السينماتوغرافية، أو برمزية الصورة الفوتوغرافية يقول: “هيّا، هيّا.. لنحافظ على الجدّ. لا يمكن لصورة، بل لألف صورة، مهما كانت ناجحة، مشذّبة، مدروسة، مؤثّرة، عدوانية، أو متهافتة بشكل شاعري، أن تعادل أبسط لوحة لرسّام مجهول. لا أصدق، كنموذج، النقطة الحمراء المتجولة داخل مربع أسود؛ إنها فن العاجزين. ومن المؤسف أن عدوى الرمزية وصلت حتى إلى السينما. لا يمكن أن يؤدي تغييب “الإنسان” و “الكلمة” إلا إلى عملية رصف مجانية للصور من أجل تقديم كعكة لا يأكلها أحد إلا صاحبها. أما أنا فما يعجبني في الفيلم هو أن يلتهمه المتفرج بكل شراهة”.
وسيلة تعبيرية..
وعن تعريفه للسينما يقول:”أولا وقبل كل شيء، لقد ناضلت باستمرار من أجل تطور هذه الوسيلة التعبيرية. وفي مرحلة السينما الصامتة، أعلنت عن حلول عهد السينما الناطقة، رغم ما تعرضت له من هجوم وشتائم. أعتقد أن الزواج بين الصوت والصورة قد أدى إلى السينما الناطقة كأرقى أشكال الكتابة. ولا شك أن قيمة الفيلم ونوعيته تتوقفان على الكاتب المسرحي المسئول عن السيناريو والحوار. غير أن المخرج السينمائي الذي يأتي بعده، يستطيع إبراز كل الجماليات، فيخدم المؤلف كما خدم روبنشتاين (جاري في باريس) فريدريك شوبان، وكما خدم شاليابين موسرغسكي، وكما خدمت راشيل راسين. وتبرهن التجربة أن مخرجا كبيرا لا يستطيع إنقاذ عمل درامي بلا قيمة، في حين يمكن لمخرج دون المتوسط، وبالتالي مدع، أن يخرب عملا رائعا”.
ويجيب عن سؤال هل ما زالت لديك مشاريع سينمائية للعام 1969: “في السينما تكون دائما هناك مشاريع، وإلا فإنه الموت، تماما كما في الأدب. ولا بد من توافر الكثير منها حتى يتحقق القليل. تعرف أن كل أصدقائي، أو كلهم تقريبا، في مجال السينما، قد توفوا. وما أنجزناه معا مرت عليه ثلاثون سنة، بحيث لم أعد أذكر هل أخرجتُ “ماريوس” قبل “آنجيل”، أم العكس. لهذا لم أعد قادرا على البقاء بلا نشاط وبلا مشاريع. وأشعر بالسعادة كذلك إزاء مشروع إضافة الألوان إلى أفلامي.
أكبر صعوبة تعترضني تكمن في العثور على ممثلين في مستوى من عرفت في الماضي كأصدقاء. لم يبق إلا فرنانديل. مات ميشال سيمون، وهاري بور، وريمو، وشاربن، وجول بري، وبوبار. ولهذا السبب لا أستطيع العودة إلى مشاهدة أفلامي القديمة. إنها مثار حسرة.


لديّ مشروع آخر، أقرب. إنه يتعلق بتصوير شريط ” قلعة أمي”. ويتحدث عن ذكريات الطفولة. وسوف يكون بالألوان طبعا. هناك عدد كبير من المشترين، سواء من القنوات التلفزية الفرنسية أو الأجنبية. إذا تفاديتُ تكرار نفسي فإن التلفزيون هو أفضل محك لأي فيلم”.
وعن أجمل ذكرياته كمخرج: “نعم. في ما يخص الممثلين. بالنسبة للنساء، لم تكن هناك ممثلة أفضل من غابي مورلي. وبالنسبة للرجال، هناك فرنانديل الذي كان يفضل لعبة الكرات الحديدية على الوقوف أمام الكاميرا”.
وعن موقفه من التقنية السينمائية: “أكبر خصومة هي تلك القائمة بين تقنيي الصوت والصورة. ويمكنني القول أيضا إن التصوير في الماضي كان يتطلب تقنيَيْ إضاءة اثنين، أما اليوم فإن ثلاثة منهم قد يغطيان الحاجة بالضبط! وإذا عدت إلى اللون، فإني أقول إنه كان فظيعا في البداية، أما الآن فقد سهّل كل شيء”.
وعن توقعاته للسينما يقول: “بلا ريب السينما لها مستقبل. وهذا المستقبل سوف يكون ذا علاقة بإبراز الأبعاد. وكان ذلك هو الشغل الشاغل، حتى منذ البدايات، لدى لويس لوميار الذي كنت أقابله أسبوعيًّا. ولن يتأخر الأمر كثيرًا. كان لوميار يجهد نفسه من أجل إنجاز رائعة فنية، لكن سدى. كان إنسانا طيبا ومحبوبا. وهو الذي اخترع السينما. تعرّفت على كارنيه أيضًا: كان يُنادى السيد القسيس. وللاسم الذي يحمله الشخص تأثير في شخصيته”.

 

 



الانتقال السريع

النشرة البريدية