السينما الفرنسية (3): مارسيل ليربييه: هدفي مواساة الإنسانية في آلامها

الأربعاء 13 كانون ثاني/يناير 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

 

خاص: قراءة – سماح عادل

نواصل قراءة كتاب (قرن من السينما الفرنسية.. من خلال اعترافات مخرجيها)، تأليف “إيريك لوغيب”، ترجمة “محمد علي اليوسفي”، حيث يحتوي على عرض حوارات أبرز المخرجين في السينما الفرنسية. لنتعرف من خلال تلك الحوارات على السينما الفرنسية ورموزها واتجاهاتها.


جان كوكتو Jean COCTEAU
المخرج “جان كوكتو” ولد سنة 1889 وتوفي سنة 1963، وهو عضو الأكاديمية الفرنسية. من أفلامه (دم الشاعر1931، النسر ذو الرأسين1947، الوالدان المزعجان 1949، وصيّة أورفيوس 1960).
واضح أن الكاتب جمع أقوال ل”جان كوكتو” ولم يتسن له محاورته، وقد ضمن أقواله عن أشياء عدة، عن الإلهام يقول”جان كوكتو”: “الصلات بين الشعر والسينما وثيقة جدًّا، فكلاهما يقدمان صوَرًا تخرج من ذاكرة واحدة لتصير ذاكرة الآخرين”.

وعن التقنية: “هي بالنسبة للشاشة مثل الإطار بالنسبة للحجر الكريم”. وعن الألوان: “في زمن طفولتنا، كانت توجد سبّورات سوداء، ولا نستطيع الكتابة عليها إلا بالطباشير، أي بالأبيض. أما اليوم فالشاشة بيضاء ونكتب عليها بكل الألوان. الشاشة واللوح لم يتغيَّرَا، وحدها شبكية العين باتت تدرك قوس قزح جديدًا، وهذا ليس اكتشافًا جديدًا، فمنذ آلاف السنين كان الإنسان يحلم سواء بالأبيض والأسود أم بالألوان.. “. وعن الجمهور: “عرض الفيلم يشبه السيكلوب، ذلك العملاق ذا العين الواحدة، وهو يلقي بنظراته إلى أرغوس ذي العيون المتعددة؛ أي المتفرجين”. وعن التلفاز: “علاقات التقدير والاستخدام نفسها التي بين قلم حبر ناشف وريشة ذهبية، من دون ذكر ريشة الإوزّة”.
وعن الممثلون: “ملائكة ينبغي جعلهم يطيرون داخل أقفاص”. وعن الإخراج: “لا وجود لعصا سحرية. ولا بد من لمسة قلم بارعة، أو شعاع ضوء، يُسلَط على الظلال التي هي الشخصيات”. وعن الإبداع السينمائي: “التعوّد على رؤية العالم من زاوية نظر أخرى، على طريقة الخفافيش، تلك الفئران الطائرة التي نسيت أن تكون رمادية اللون وتنام متربّصة ورؤوسها إلى الأسفل. الإبداع في السينما هو معرفة طريقة الذهاب، مع أطياف فضية، لاكتشاف مناجم ذهب. كذلك من أجل تصوير فيلم ينبغي معرفة التحرّك داخل اللامرئي، تمامًا مثل الخفافيش في حلكة الليل”.
وعن الإعجاب: “بأولئك الذين يستطيعون الإضافة إلى ذكرياتي. أولئك الذين يضيفون، من خلال الصور التي يبتكرونها، نسْغًا إلى جذور الشجرة التي هي أنا، فيُثْقلون أوراقها ويكثِّفون ظلالها”. وعن السينما: “جعل اللامرئي يرتدي الضوء”.

مارسيل ليربييه HERBIER’ L Marcel
والمخرج “مارسيل ليربييه” ولد في باريس سنة 1890 وتوفي سنة 1979. كان شاعرًا، صدر له (في حديقة الألعاب السرية)، ومؤلف مسرحيًّ بعنوان (مخاض الميت). عمل مديرًا فنيًّا في المصلحة السينماتوغرافية التابعة للجيش خلال الحرب العالمية الأولى. ثم انتقل للعمل مع التلفزيون منذ العام 1954.
وله أعمال (كرنفال الحقائق1920، رجل البحار1920، إلدورادو 1922، دون جوان وفاوست 1922، المرأة اللاإنسانية 1923، المرحوم ماتياس باسكال 1925، الدوار 1926، الشيطان في القلب 1927، المال 1928، ليالي أمير 1929، عطر السيدة مرتدية الأسود، لغز الغرفة الصفراء 1931، ليلة الأسلحة 1936، قلعة الصمت 1937، كوميديا السعادة 1939، الليلة العجيبة 1942، كاترين المحترمة 1943، آخر أيام بومباي 1948، والد الآنسة 1954).
يقول “مارسيل ليربييه” عن كيف أصبح مخرجًا: “لم يكن ذلك بسبب الاستعداد المسبق بقدر ما جاء نتيجة ظروف معينة. ففي العام 1917 جُنّدت في سلاح المدفعية، ثم جرى نقلي إلى القسم السينماتوغرافي التابع للجيش. وهناك وجدت نفسي، لأول مرة، في مواجهة آلة السينما الحقيقية، وسيطًا بين الذين عايشوا الأحداث والذين سوف يتفرجون عليها. وبقيت متعلقًا بتلك المصلحة حتى نهاية الحرب. وبعد انتهاء الخدمة عدت إلى الحياة المدنية ولا رصيد لي سوى سيناريوهين. وحالفني الحظ في تصوير أحدهما؛ وهكذا عُرض شريطي الأول في سيني- أوبرا.
وبالنظر إلى بعض النجاح الذي حقّقته تجربتي الأولى، فقد واصلت الكتابة، وشملت الكتب والمقالات والمسرحيات. وذات يوم وافقت دار “مركور دي فرانس” على أن تنشر لي دراسة حول السينما بعنوان “هرمس والصمت”، وهكذا صار الأمر فصرت سيناريست، مع أنه كان في إمكاني، منذ البداية، أن أتخصص في الإخراج. فكتبت سيناريو فيلم من صنف البروباغندا والدعاية بعنوان “وردة فرنسا” انطلاقًا من أشعار شارل دورليان. بل وكنت منتجَهُ أيضًا. لم يعرض إلا في قاعات قليلة. وفي الحقيقة لم يكن شريطًا سينمائيًّا بقدر ما كان قصيدًا سينمائيًّا، الأمر الذي يعدّ عملاً ثوريا جدًّا في ذلك الوقت. وككل مبتدئ حكمت على كل ما أُنجز قبلي بأنه خال من أية قيمة. في ذلك الوقت كان المرء يسعى إلى شق طريقه في مجال الفن بعناد داخل أجواء لاتخلو من سوء الفهم، كان اهتمامي الأساسي ينصبّ على عدم فقدان الوجهة بأكبر قدر ممكن. آه! في هذا السياق ليس بوسع أحد الادعاء بأنني قدمت شريطًا استقطابيًّا طيلة ممارستي للمهنة”.
السينما الناطقة..
وعن رؤيته حول وضع السينما الفرنسية: “يبدو لي أن السينما تعود، تستعيد الطريق التي فتحناها لها، والتي أخرجتْها عن الدروب المطروقة. فنحن نعود إلى سينما المؤلف. ومن المؤسف أن العملية تأتي مقلوبة نوعًا ما، في مجال العلاقات بين الموزع والمؤلف. السينما الحقيقية، سينما البدايات، فسدت مع مجيء السينما الناطقة. لا يعني ذلك أنني أعارض إضافة الكلمة إلى الصورة، غير أن هذه الإضافة قلبت ظروف العمل وتسببت في نوع من الخراب من زاوية النظر التقنية. ما إن فرضت السينما الناطقة نفسها حتى بات من المستحيل علينا الدفاع عن استقلاليتنا. وهذا ما أجبرنا على الكفاح. دامت المعركة خمسة وعشرين عامًا حتى بلوغ الحل الذي مكّننا مجدَّدًا من تقديم أفلام شخصية. أعني بفضل قانون المساعدة، الموجَّه إلى مكافأة القيمة، وكنت قد نجحت في تمريره. وإثر ذلك ظهرت موجة السينما الجديدة التي فرضت نفسها مع العودة إلى رفع شعاراتنا ومطالبنا العائدة إلى العام 1910، لكن من دون فهمها جيدًا في الغالب. قبل ذلك، ظهرت أفلام جيدة بين 1930 و 1958 ومنها أفلامي التي أعتقد بأنها أفلام جديرة بالاحترام. فمن أجل إنجازها، احتجت، في الواقع، إلى الكثير من الشجاعة إزاء المنتجين الذين كانت لديهم دائمًا فكرتهم الخاصة عن السيناريو.
طيلة الفترة التي مارست فيها مهنتي، حصلت على عدد من العقود الكافية لإخراج ثمانين شريطًا. وكان هناك عشرون عقدًا خاصًّا ، تخص الأفلام العشرين المفضلة لديّ، لكنها لم تر النور مع الأسف! إذن، وبعد تدقيق الحساب، لم أُخرج عمليًّا سوى أربعة وخمسين شريطًا. وهكذا فإن ثلث مشاريعي لم يتحقق. في ذلك الوقت كان الدفع يتم بدفعة قيمتها خمسة آلاف فرنك قديم كل تسعين يومًا!
دماء شعبية..
ويجيب عن سؤال هل كافحت باستمرار من أجل الدفاع عن السينما الفرنسية ونشرها: “في العام 1939 عُيِّن السيد جان جيرودو مديرًا للسينما. عندئذ أسست، مع رينيه كلير وجاك فيدر، وجان رينوار، وآبل غانس، لجنة الدفاع عن السينما الفرنسية. ولم نحصل من جان جيرودو إلا على عبارات المواساة والتشجيع. كنا أبرز المخرجين في ذلك الوقت، فقدمنا تصورنا المشترك. ومع أننا كنا مرتبطين بعقود ذات نسبة مئوية، لم يحصل أي واحد منا، أكرر، لم يحصل أي واحد منا على سنتيم واحد. مع حلول الحرب اختفى المنتجون. ولم تترتب الأوضاع إلا سنة 1958. ومنذ ذلك التاريخ توصلنا إلى سينما معافاة أكثر. ومهما يكن فالسينمائيون في حاجة إلى الحصول على قليل من المال! في البداية كنت أمول نفسي بنفسي، تمامًا مثل كلود شابرول في زمانه على سبيل المثال. لم تكن الأمور سهلة قط. فمنذ البداية كانت عائلتي متحفظة أكثر من تحفظ المنتجين.. وأصر والدي على جعلي أتابع دراسة جدية على أمل أن أصير محاميًا أو دبلوماسيًّا، المهم ألا أكون فنان معارض متنقّلة.
أنا، مع آبل غانس، واحدٌ من قدامى، حتى لا أقول من أسلاف، السينما. لقد بحثنا عن طريق التقدم. فكل الذين عملوا، في بدايات السينما، كانوا حتى ذلك الوقت، يقبلون من صفوف العاملين في الأسواق والمعارض الشعبية المتنقلة، في فرنسا كما في أمريكا. فما هي المهن السابقة التي مارسها روّاد السينما في الولايات المتحدة الأمريكية، من مخرجين ونجوم: من تجار بضاعة مستعملة، إلى خيّاطين متدربين، إلى باعة درّاجات… والحال أنهم، هم الذين أسسوا هوليود في الولايات المتحدة الأمريكية، وشركة باتيه في فرنسا؛ امبراطوريتين للسينما! وهذا دليل على أن دماء شعبية تسري في شرايين هذه المهنة ولهذا السبب أردت المساهمة فيها”.
وعن موقفه من الجمهور يقول: “كنت أتمنى جر الجمهور من أنفه، وليس ذلك من أجل إجباره على رؤية أعمالي، بل لكي يساعدني على شق طريقي عبر روحه وتأملاته ووعيه، وأيضا من أجل إجباره على رفع رأسه نحو السماء، وليس على تمريغه بالتراب. لقد سعيت دائمًا إلى توجيهه بطريقة مشرّفة وجديرة بالإنسان، نحو إضفاء الجمال على أفكاره. وهذا مثال على ذلك في ما أنجزت: يروي شريط “أدريان مسقِّف السطوح” حكاية إنقاذ رجل في حالة ضياع. اعتمدت في ذلك على نسيج ميلودرامي. وقد ساعدتني إيفون برانتون في جعله حكاية حب رائعة. وفي “كوميديا السعادة” تمكن الممثلون من جعل الفرح يتدفق من وصف كل أنواع الانحطاط التي يعالجها موضوع الفيلم. ظل هدفي الدائم هو مواساة الإنسانية في آلامها. ولو قدمت للجمهور، بعد ذلك، شريطًا مخيّبًا للآمال، لما تخلصتُ من الإحساس بالذنب. وفي الحقيقة لا أشعر بالذنب حاليًّا إلا لأنني لم أُنجز أجمل أفلامي!”.
وعن اكتراثه للنقد السينمائي يضيف: “نعم، أقرأ دائمًا ما يُكتب عن أعمالي حتى اليوم لدى العودة إلى تقديمها. وهكذا عندما أقرأ اليوم ما يقال عن تقنية شريط “المال” بأنها كانت ثورية وخلاقة، مع ملاحظات أخرى حول تحريك الكاميرا، أدرك أنني نجحت في فرض ما أردت أن يشعر به الجمهور، وربما بإفراط”.
وعن التقنية: “أنت تدرك جيداً أن التقنية لا يستهان بها. في فيلم “إلدورادو” (موطن الذهب والثروة) استخدمت تقنية كان لها فعل الثورة، ليس بسبب استخدام التحريف فقط (فهذا الأسلوب استُخدم منذ 1914 وكانت هناك ابتكارات آبل غانس الجنونية) بل لأنني عمدت إلى استخدامها، ولأول مرة، من أجل تشويه الصورة، لغاية ليست هزلية. وهكذا توصلت إلى إظهار الاستبطان النفسي من خلال الصورة المشوهة.
وينصح السينمائي الشاب: “ما من نصيحة في مجال السينماتوغرافيا حصراً. وعلى الشباب أن يذهبوا إلى معهد الدراسات العليا السينماتوغرافية (I.D.H.E.C.) الذي أسسته رغم وجود مدرسة شارع فوجيرار، لأنني كنت مصمماً على تأسيس مدرسة متخصصة في الدراسات العليا. وهكذا صار المعهد عالمًا قائمًا بذاته. وكان الطلاب أنفسهم هم الذين ألحوا على إدراج الدراسات التطبيقية. وفي رأيي لابد أن تكون البداية دائمًا بمحاولة تقديم أفلام قصيرة. ويلي ذلك التفكير في ظاهرة السينما في إطار دروس علم الجمال، والدراسات المقارنة. وهذا من شأنه أن يسمح للطلاب بالعودة إلى المعهد حتى بعد حصولهم على شهادات. فلا شيء أسوأ من مؤسسة تعطي لمن يغادرها، بعد التخرج، انطباعًا بأنه بات يعرف كل شيء. وهناك من يصرف النظر عن الدراسة في هذا المعهد، وهو طريق ممكن”.
وعن طريقته في تحريك الممثلين: “اعتقد، في ما يخص الممثلين، أن هناك عودة اليوم إلى ما كنا نفعل.. أيام السينما الصامتة، كان ينبغي على الممثلين أن “يجسدوا” الشخصية بكثافة وعمق. ولم يكن ثمة ما يشينهم في وصفهم بالممثلين الثانويين. لابد من الاعتناء بكل التفاصيل. هنا تكمن عبقرية السينما. وأنت تعرف أنني شغّلت ممثلين مبتدئين مثل شارل بواييه وميشال سيمون وجان ماريه… وهذا الأخير كان، سنة 1933، مساعدي الثالث! عندما جاءت السينما الناطقة، شن المسرح هجومًا على السينما. وهذا ما دعا إلى ضرورة البحث عن ممثلين حقيقيين من خارج المسرح. كان لابد من أصوات سينمائية.


واليوم عاد بريسون إلى الفكرة التي كانت تلازمني منذ العام 1918 مع تحويرها! قال إنه لا يريد سوى ممثلي أدوار ثانوية مبتدئين. لكن السينما الناطقة تحتاج إلى ممثلين، وليس إلى ممثلي أدوار ثانوية فقط. النوايا حسنة، لكن يتعذر اليوم إنجاز أفلام من دون ممثلين حقيقيين. ومن المبالغة في الفسخ والمحو والإلغاء لن يبقى إلا الهيكل، إن لم نقل مجرد ثقب. المشكلة الحقيقية تكمن في أن كل مخرج يحتاج إلى ممثلين ليبرزوا الموضوع، ويزيدوا في تكثيف الفيلم. وأنا أدْرَى بالممثلين وبمشاكلهم. فليس من باب المصادفة وحدها، وهذا ما أتمناه، أن لجأتْ موسوعة الـ Universelle Encyclopédie إلى تكليفي بتحرير مقالتها المخصصة لممثلي السينما”.
وفي النهاية يقول: “لقد كرّستُ خمسين عامًا من النشاط للسينما. وهذا ما يخوّل لي القول، بشكل حاسم، إنني ضد السياسة السينماتوغرافية الراهنة التي تعطي الأولوية، في الغالب الأعم، إلى السينما الأجنبية، على حساب السينما الفرنسية. لقد ناضلت دائمًا ضد إلحاق السينما بفن القرون الماضية، ومن أجل أن تكون فنًّا مستقلاًّ حقًّا، في آن.
سينما أو تلفزيون، إنهما المهنة نفسها: الصورة. تمامًا مثلما ينتمي البيانو والأوركسترا إلى الفن ذاته: الموسيقى. اجتماع البيانو والأوركسترا يتيح إنجاز السمفونيات. أما التوليف ما بين الشاشة الكبيرة والشاشة الصغيرة، فمن شأنه، وهذا ما آمله، أن يؤدي إلى الفن الشامل”.

 



الانتقال السريع

النشرة البريدية