السينما الفرنسية (1).. جو هامان تأثر بالأجواء الأمريكية

الثلاثاء 29 كانون أول/ديسمبر 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

 

خاص: قراءة – سماح عادل

دائما ما تسحرنا السينما الفرنسية بإيقاعها المختلف عن إيقاع السينما الأمريكية، وتناولها لموضوعات إنسانية بعمق، وابتعادها عن الإثارة والإبهار، على مستوى المشاهد العادي يمكن بالشعور بالاختلاف الكبير، لذا كان الشغف بضرورة اكتشاف عالم السينما، ليس فقط السينما الأمريكية المتوفرة والمتاحة والمفروضة علينا، بل اكتشاف عوالم جديدة لم نعرفها إلا قليلا.

قرن من السينما الفرنسية..

في كتاب (قرن من السينما الفرنسية.. من خلال اعترافات مخرجيها)، تأليف “إيريك لوغيب”، ترجمة “محمد علي اليوسفي” يقول الكاتب في المقدمة أنه لا خلاف في أن السينما الفرنسية هي من أغنى السينماءات، وأعرقها، وأكثرها تنوّعًا، في التاريخ العالمي لها. فهي تعود إلى جذور نشأة هذه الظاهرة على أيدي الأخوين “لوميار” و”جورج ميلياس”. غير أنها تبقى الأصعب، أيضًا، في ضبطها ضبطًا شاملاً، وفي تاريخها وآفاقها. إنها سينما تتعدد تحديداتها وأوصافها بتعدّد مخرجيها.

ويؤكد أنه لا وجود لـ”هوليود” فرنسية تشكل القاسم المشترك. فالأمر يتعلّق بتعاقب موجات جديدة  لاتتعادل في استقطاب الجمهور، ولا في طريقة استقبال النقد لها. حيث لم تشهد فرنسا تيّارات سينمائية، أو مدارس، أو اندفاعات قابلة للمقارنة من حيث استمراريتها، بموجة الواقعية الجديدة أو كوميديا النقد الاجتماعي، في إيطاليا.

المخرجين الفرنسيين يتحركون وينتجون ضمن الزمن الذي يأسرهم من دون أن يندمجوا في ديمومة واحدة. فهم يشكلون كلاًّ متكاملاً بلا ريب، لكنهم لا يتجمّعون في تكتّل واحد. بل نجدهم يذهبون بالعكس؛ إذ يسعى كلٌّ بمفرده، بموهبة ومثابرة وعناد، إلى العمل على تفجير مجرّة السينما، انطلاقًا من العمل المتفرّد.

ويوضح أن السينما في فرنسا، منذ نشأتها، كانت سينما مؤلف بالدرجة الأولى. يقول “مارسيل آشار”: “في أمريكا يمكن للمخرج أن يأمل في الحصول على جائزة الأوسكار؛  أما في فرنسا فتُفتح أمامه أبواب الأكاديمية الفرنسية. ومن المؤكّد أن هناك فرقًا بين الحصول على ذلك التمثال ذي الالتواءات الرياضية والمُسمّى “أوسكار” عندهم، وبين أن تتحوّل شخصيًّا إلى تمثال كما يجري عندنا؛ أي أن تصبح من المخلَّدين في الأكاديمية الفرنسية.

ويبين الكاتب الهدف من الكتاب وهو الكشف عن ما تحلم به الشاشة الفرنسية؟ من خلال حوارات أجراها مع أشهر المخرجين الفرنسيين. مؤكدا على أن كل مخرج فرنسي هو فارس متوحد. ومع ذلك، مازالوا، الواحد تلو الآخر، ومنذ مائة سنة، يعزِّزون ذبذبة الموجة الأعلى.

جو هامان.. 

يبدأ الكتاب بحوار مع “جو هامان”، الذي ولد في باريس سنة 1885 وتوفي في 1974.عاش في أمريكا منذ الصغر؛ لذلك ما إن عاد إلى فرنسا حتى كان من روّاد فيلم الوسترن. أخرج أول أفلامه بعنوان Le Desesperado . ثم ابتكر شخصية “أريزونا بيل” الذي تحوّل إلى أسطورة واشتهر حتى في الرسوم المتحركة. اغتنت سيرته، كمخرج وممثل، بعناوين كثيرة تحيل على الحلم والحنين: “مغامرات كاوبوي في باريس، صُوِّر في انجلترا، في الأدغال، سكة الموت، عملية شنق في جفرسون سيتي، مائة دولار حيًّا أو ميتًا، السهل يحترق، الدرب الفضي، شرف الرجل الأحمر، ضمير [ الهندي الملقَّب بـ] الحصان الأحمر، الشياطين الحمر، طائر الرُّوَا، جزيرة الهلع، المطاردة الجهنمية، الحارس، المغامرة الغريبة، رولتابي عند البوهيميين، دماغ الإله، الطفل الملك، ملك الأولن”. أما أعماله الأدبية فهي تتضمّن العناوين التالية: اقتفاء أثر ثيران البيسون الأمريكية، على دروب الغرب الأميركي، من الغرب الأميركي إلى مونمارتر.

يقول “جو هامان”، عن نشأة ميله إلى السينما: “حدث ذلك في 1895، كنت في الثانية عشرة من عمري. تمثلت إحدى علامات القدر في تمكّني من دخول “الصالون الهندي” الملحق بمقهى “الغران كافيه ” حيث كان يُقدّم عمل للسينمائي لوميار، مقابل فرنك واحد لم يكن من السهل توفيره وقتها. وكانت أسماء مثل روبير هودان وجورج ميلياس تخفق في مخيلتي كأسماء سحرية. بدأ كل شيء مع العروض المتنقّلة ليشمل المتاجر الكبرى. وفي أحدها وهو متجر دوفاييل الذي مازلت أذكر اسمه، شاهدت شريطًا عن عملية إعدام في الصين. أعتقد أن الأمر كان يتعلق بصين الأباطرة سنة 1906. هناك بدأت ميولي السينمائية. مارست الرسم والزخرفة والتمثيل والإخراج. لقد شعرت بأن السينما فن كسائر الفنون الأخرى التي تخاطب العيون. فصمّمت على تقديم إسهامي الشخصي فيها.

ويواصل: “كنت قد بلغت الثالثة والعشرين عندما عدت إلى فرنسا مغتنيًا بتجربتي في الغرب الأميركي وبصحبة بوفالو بيل الذي ينبغي التذكير بأنه كان أول بطل وسترن في الأفلام التي كانت تصوّر على الطبيعة، أي من داخل الملحمة التي لم تنته بعد. في ذلك الوقت كنا لا نزال نتمتع بذلك الامتياز في أمريكا. كنا نصوّر التاريخ وهو يحدث. أما أنا فقد توجبت عليّ العودة إلى فرنسا. كنت مسكونًا بملحمة الغرب الأميركي، ومقتنعًا بأنها سوف تكون أجمل صفحة تفتحها السينما في تاريخها. وهكذا أخرجت، سنة 1906، وبمساعدة مدير تصوير يُدعى مورو، شريطًا قصيرًا ذا عنوان يجمع بين التواضع والطموح في آن: كاوبوي. بعد ذلك بقليل ظهر فيلم آخر  للمخرج دلمر ديفز يحمل العنوان الموجز نفسه، وقد أثار إعجابي لأنه استطاع قول كل شيء. كان شريطي، كما أعتقد، أول وسترن روائي من نوعه، لا في أوروبا وحدها حيث صُوِّر الفيلم، بل قبل تحول هذا النوع إلى احتكار لدى استوديوهات هوليود”.

وعن كونه أول مخرج للوسترن خارج أمريكا يقول: ” هذا لا يعني أنني موافق على ما حصل في إيطاليا بعد مرور نصف قرن.  لقد اطلعت  لسوء حظي على بضعة أفلام من تلك التي أُطْلِقَ عليها في الستينات اسم “وسترن السباغيتي”. كانت في منتهى الرداءة. لأنها ستتسبّب في موت النوع. وكانت تكتفي بظهور نوع من زورو؛ ذلك الكاوبوي المزيف والمسلح كما اتفق: بسوط أو سيف أومسدس. لم يكن لذلك أية علاقة بالوسترن أو بما كان يجري في المكسيك بل مجرّد تقليد على الطريقة الإسبانية، بعد نقلها إلى صحراء كاليفورنيا. لذلك اكتفيت ببضع صور من فيلم “من أجل حفنة من الدولارات “المزيّفة”.

“عند تصوير أفلام الغرب الأمريكي كنا نجهد أنفسنا كي نظل أقرب ما يمكن من العقلية والديكور المناسبين للغرب الأمريكي. وكانت نوايانا في منتهى الوضوح. فعندما أخرجنا “الحارس” لم يكن يحمل عنوان “الكاوبوي”، وعندما كنا نخرج “ميراي” المقتبس عن فريدريك ميسترال، لم نزعم أننا نستلهم جيمس فينيمور كوبر. لم نقل قط: “إن الكامارغ هي السهوب.”

وعن بدايته: “بدأت بأمل إيجاد موقع لي في السينما عبر كتابة سيناريوهات فانتازية. ويمكن الحكم انطلاقًا من العناوين: “اليد المقطوعة، المدينة الغريبة، وادي الموت”. ومع ذلك ظل الغرب الأمريكي يشدني من كتفيَّ وكأنه يرسم مصيري. بدأ ذلك بفيلم    Le Desesperado  لينتهي بسلسلة مغامرات أريزونا بيل التي اشترتها أمريكا وأدخلت في الرِّكاب أقدام ممثلين مثل توم ميكس وهوبالونغ كاسيدي، فضلا عن رُويْ روجرز وجان أوتري… كان الأمر طريفًا؛ إذ كنا نصور أفلام الغرب الأمريكي في سهول نانتير، وغابة مودون، وفوق الحصون، وفي حديقة التويليري ومناجم رومانفيل؛ وكل ذلك بعناوين تعبق برائحة الغرب الأمريكي: عملية شنق في جفرسون سيتي، وادي الموت، كالينو راعي البقر… وكان هنالك أيضا: السهل يحترق. أما الدولارات فقد استخدمناها قبل سرجيو ليوني بكثير في “مائة دولار حيًّا أو ميتًا”، لكننا كنا نكتبها بحرف D كبير”.

وعن التقنيات يقول: “كانت ماتزال بدائية وتشكل جزء من المغامرة. لكنها لم تعد تعنيني عندما أفرطتْ في التعقيد. كنا نصوّر المشهد لنغذّي أحلامنا، ولم نكن لنفكّر مسبقًا في نيل إعجاب المثقفين والمنظّرين والعقائديين الذين لم يوجدوا بعد في تلك الأزمنة المباركة. وعن أساتذته في مهنة السينما ذكر: “ساشا غيتري الذي مارست معه المهنة وبوفالو بيل الذي عشت معه المغامرة”.



الانتقال السريع

النشرة البريدية