السلم الاجتماعي وتوافق الحد الأدنى !

الجمعة 17 نيسان/أبريل 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

خاص : بقلم – أحمد عبدالعليم :

عندما أتحدث عن “جماعة من البشر” بأنها تُشكل “مجتمعًا إنسانيًا” فأنا أقصد بالطبع أنهم يعيشون معًا على مساحة من الأرض، وقد تمكنوا مع مرور السنوات المشتركة من وضع أطر ضمنية، ومعلنة، لعدد من القواعد الحاكمة للتعايش المشترك، ربما يأتي في مقدمتها الأمن والأمان بقصديتهما المادية والمعنوية، فلا يمكن لجماعة من البشر أن يتشاركوا الأرض والحياة في إطار من العنف المتبادل، أو في إطار سطوة مجموعة منهم على الأخرى، (في حالات المجتمع العبودي لم يكن العبيد جزءًا من المجتمع حسب رؤية القيم الحاكمة في حينها).

فالمجتمع يتشكل عبر مناخ من السلم الاجتماعي، الذي يوفر للفرد وللمجموع مساحات من الوقت والجهد التي تدفعهم  للإبداع، والإنتاج، الذي يضمن استمرار المجتمع، وتشكيل آلياته ومؤسساته الداعمة لوجوده، والتي تقوم في أساسها على مجموعة من القيم المشتركة التي تدعم بقاءه، وتضمن استمراره، كونها مؤسسات مجتمعية تدعم أعضاء المجتمع على المستوى الفردي، وكذلك على المستوى الجمعي، فحيادية المؤسسات تجاه أعضاء المجتمع تُشكل شرطًا أساسيًا لبقاء المجتمع ونموه وتطوره، وهو الأمر الذي يضمن ولاء الفرد للمجموع، ومن ثم قدرة الفرد على دعم المجتمع والمشاركة في تنميته وتطويره.

فاحتياج الفرد للمجتمع لا يقل عن احتياج المجتمع للفرد، وهو الأمر الذي تديره مؤسسات المجتمع الهادفة للحفاظ على بقائه وضمان استمراره، بحيث تضمن قدرة المجتمع على احتواء الفرد وتوفير احتياجاته المادية والمعنوية، ليدرك وجوده، ليس فقط بوصفه “ذات” متفردة، ولكن بوصفه “عضو” في مجتمع يُشبع احتياجه المادي والاجتماعي والعاطفي … إلخ، ومن ثم ينتمي الفرد للمجتمع، ويشارك في الحفاظ على بقائه وتطوره.

يقول “باتاي” أن هناك نزوعًا (تجانسيًا) لدى المجتمع، يتأسس على استبعاد “العنف”، ومن ثم إنشاء (نظام)، وفرضه، والسهر على استمراره، ورفض أية (تضحيات مجانية) لتغييره، بغرض إقامة “اقتصاد الربح والفائدة”. ومن هنا تبدو نزعة التجانس باعتبارها “توافق الحد الأدنى” الذي يلغي أي نوع من الخلافات لصالح نظام (ملتحم ومتراص). وتأتي المفارقة عندما يتحول هذا النظام/التجانس إلى إمتيازات لصالح طبقة/طائفة بعينها، أو لصالح (الدولة) التي تقوم بمصادرته واحتكار أدواته، وهو الأمر الذي يفقد “التجانس” ميزته الأصيلة، فلا يعود النظام متضمنًا للجميع، وفق الاتفاق المجتمعي/الضمني، حيث يقوم النظام بعمليات “إقصاء” متتالية لمجموعات من القوى/التيارات/الفئات المغايرة والمختلفة. فهذه العملية تصبح “دائمة الوقوع”. يقوم النظام بإقصاءات متتالية للقوى المغايرة، وهو الأمر الذي يؤدي إلى أن يتشكل النقيض الموضوعي/الوجودي لحالة التجانس ونطلق عليها: “التنافر”، ومع كل عملية إقصاء تحدث لفئة من الفئات يصيب (التجانس) بعضًا من الهشاشة، وهكذا دواليك تزداد هشاشة التجانس/النظام أكثر فأكثر، غير أنه يظل قائمًا نظرًا لكون عملية التنافر تتسم بالفردانية واللاعقلانية على ما يبدو.

إن عمليات الإقصاء لا يمكن أن تستمر للأبد، وهو الأمر الذي يستدعي القيام بمهام عاجلة لرأب الصدع، ومن ثم تسعى المجتمعات القوية إلى تقديم تنازلات مشتركة لإعادة صياغة حالة التجانس من جديد وإدماج الاختلافات ضمن قيم المجتمع في سياق عملية إنسانية تتسم بالحيوية والتطور، تجدد دماء المجتمع وتمنحه قدرًا من القوة تدفعه للاستمرار. أما المجتمعات الضعيفة فتُصر على القيام بعمليات الإقصاء المتوالية دون النظر لما يصيب التجانس/النظام من هشاشة، وهو الأمر الذي يُضعف المجتمع على المستوى الفردي والجمعي، ويتعرض لأزمات قد تودي به، من خلال انقسامات حادة تضرب عمق التوافق المجتمعي/الضمني الذي ينشأ عنه “التجانس”.

يحدث في بعض الأحيان صراعات اجتماعية على المستوى الفردي أو الجمعي، فالاجتماع الإنساني قد يؤدي إلى مثل هذه الصراعات، وعادة ما تتخذ صور متفاوتة العنف، ومختلفة التوجهات، فقد تتخذ شكل تمرد فردي أو جيلي على الثقافة السائدة، وربما تتخذ شكل رغبة في الاستحواذ على موارد، أو رغبة في تسييد ثقافة… إلخ. ولكن.. “المجتمع” المتعافي الذي يتسم بالقوة والحيوية يستطيع دائمًا احتواء مثل هذه الصراعات ودمجها في عناصر قوته، مثلما يضع القواعد التي تمكنه من ضبط إيقاع الصراع، لمنع إنفلات الأمور لصالح جماعة أو فرد. أما “المجتمع” الذي يفشل في احتواء مثل هذه الصراعات فيصبح مهددًا بالتفكك وربما التحلل والإنزواء، وربما يمر مجتمعنا بلحظة مشابهة.

من الطبيعي أن المجتمع يتشكل عبر عمليات ثقافية واجتماعية واقتصادية… إلخ وعبر مسافات زمنية تطول وتقصر حسب عمر وتاريخ المجتمع، وهو الأمر الذي ينطبق أيضًا على عمليات التفكك والتحلل التي قد تعتري مجتمع من المجتمعات في لحظة زمنية في مسار تاريخه الاجتماعي، وهذا البطء “العملياتي” الذي تحدث به مسارات تحلل أو إنهيار مجتمع ما، قد يمنح فرصة للمؤسسات القائمة على المجتمع لتدارك الأمر وإصلاح ما فسد، ومقاومة هذا التحلل، وتعديل مسار المجتمع وعلاج أمراضه، وقد تصبح مجرد لحظات انتظار تتسم بالقسوة والألم الذي يقع على “أفراد” المجتمع بنسب متفاوتة، وقد يتخذ شكل ظواهر وأعراض مرضية.



الانتقال السريع

النشرة البريدية