الدولة عند ابن خلدون مفهومها ونشأتها

الأربعاء 26 تموز/يوليو 2017
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

خاص / كتبت – رشا العشري : 
ابن خلدون ذلك العالم العربي الذي أثرى بعلمه البشرية جمعاء، يعتبر مؤسّس علم الاجتماع وأوّل من وضعه على أسسه الحديثة، وقد توصل إلى نظريّات باهرة في هذا العلم حول قوانين العمران ونظرية العصبية، وبناء الدولة وأطوار عمارها وسقوطها. وقد سبقت آراؤه ونظرياته ما توصّل إليه لاحقًا بعدّة قرون عددًا من مشاهير العلماء كالعالم الفرنسي أوجست كونت.
فبمقارنته بسائر المؤرخين في الشرق والغرب، فإنه يعتبر بذلك مؤسس علم التاريخ في العالم كله، حتى إن الذين جاؤوا بعده من أمثال (جان بودان الفرنسي: ت 1596م = 1005هـ) و(جيوفاني باتيستا فيكو الإيطالي: ت 1744م = 1157هـ) من الذين يحب الغربيون أن يعزوا إليهم فضل تأسيس علم التاريخ، قد قصروا عنه تقصيراً عظيماً، هذا مع أن فيكو جاء بعد ابن خلدون بثلاثمئة عام تقريباً، ومع ذلك لم يستطع أن يتحرر من الخرافات والأوهام التي نبّه ابن خلدون عليها وحذّر من الوقوع فيها. أما (مونتسكيو: ت 1755م = 1169هـ) الذي جاء بعد ابن خلدون بثلاثمئة وخمسين عاماً فقد اشتهر بكتابه «روح القوانين» الذي يتناول «الدولة» بأوسع معانيها، ونظرية تأثير الأحوال الاقتصادية في الوقائع التاريخية، والذي يرى الغربيون أن مونتسكيو هو مبتدعها، ولكن البحث الحقيقي دل على أن ابن خلدون قد تحث عن تلك النظرية قبل مونتسكيو بثلاثة قرون ونصف القرن. كما سبق (جان جاك روسو) وفيكون ونيتشه وغيرهم من علماء ومفكري الغرب.
عدَّد المؤرخون لابن خلدون عددًا من المصنفات في التاريخ والحساب والمنطق غير أن من أشهر كتبه كتاب بعنوان: العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، وهو يقع في سبعة مجلدات وأولها المقدمة وهي المشهورة أيضا بمقدمة ابن خلدون، وتشغل من هذا الكتاب ثلثه، وهي عبارة عن مدخل موسع لهذا الكتاب وفيها يتحدث ابن خلدون ويؤصل لآرائه في الجغرافيا والعمران والفلك وأحوال البشر وطبائعهم والمؤثرات التي تميز بعضهم عن الآخر.كما كان ابن خلدون يكتب في السياسة بصفته مؤرخاً وسياسياً معاً, أي أنه كان مؤرخ في غمار السياسة, واختبرها بنفسه متقلباً ما بين تونس والجزائر والمغرب والأندلس.
يرى ابن خلدون في تفسيره للتاريخ أن التطور سنة من سنن الله في الحياة الاجتماعية ، ويقول: ” إنّ أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر ، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة ، وانتقال من حال إلى حال ، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول ” .
كــان ابــن خلــدون مفكر عملــي امتــاز بالواقعيــة والبســاطة والوضــوح بآرائــه وبأدواتــه الفكريــة المعتمدة في تحليل ظواهر المجتمـع ودراسـة التـاريخ، فمـن تأملاتـه وتجاربـه الخاصـة فـي إطـار القبيلـة، وفي حياة مجتمعه العربي المغربي القروأوسطي، انطلـق لدراسـة الدولـة، محتضـنا كوكبـة مـن الظـواهر الاجتماعيـة والسياسـية والاقتصـادية، عاكفـا بعـد ذاك علـى وضـع تحليـل أصـيل ومفصـل لنشـوء الدولـة وتطورهـا وتـدهورها.
وأهم ما يوجه التطور الاجتماعي والعمراني عند ابن خلدون هو نظريته في العصبية ، فهي بمثابة المحور الذي تدور حوله معظم المباحث الاجتماعية والتاريخية عنده ، وهو يتخذ من هذه الرابطة موضوعا لدراسةٍ شاملةٍ وعميقةٍ فيتكلم عن مصدر العصبية ، ويردّها إلى الطبيعة البشرية ” لأن صلة الرحم طبيعة في البشر إلا في الأقل ، ومن صفتها النعرة على ذوي القربى وأهل الأرحام إن ينالهم ضيم أو تصيبهم هلكة”.
بالتالي عرض ابن خلدون لنظريته في تطور الدول من جهة الأحوال العامه للدولة وشكل الدوله ومؤسساتها وأطوارها واختلاف أحوالها وخلق أهلها باختلاف الأطوار، كما وضع ابن خلدون نظريته في الدولة وتطورها وجاء فيها القوانين التي تحكم هذا التطور.
فقد قسم مراحل تطور الدولة إلى ثلاثة حقب، النمو والعمران والشيخوخة. حيث ترتبط الحقبة الأولى بالعصبية التي يصفها بقوله ” إن المغالبة والممانعة إنما تكون بالعصبية لما فيها من النعرة والتذامر واستماتة كل منهم دون صاحبه، ثم إن الملك منصب شريف ملذوذ يشتمل على جميع الخيرات الدنيوية والشهوات البدنية والملاذ النفسانية فيقع في التنافس غالبا، وقل أن يسلمه أحد لصاحبه إلا إذا غلب عليه، فتقع المنازعة وتفضي إلى الحرب والقتال والمغالبة، وشئ منها لا يقع إلا بالعصبية “.
يدور التساؤل الرئيسي للمضوع حول مفهوم الدولة وتطورها عند ابن خلدون، وهل اختلفت مراحل التطور أم هي متشابهة. حيث تقوم الدولة الخلدونية على جدلية التناقض بين الحاجة واللاَّقدرة فحاجة الإنسان إلى الغذاء تتناقض مع عدم قدرته على توفيره بمفرده مما يحتِّم ضرورة التعاون والاجتماع وهذا ما يتناقض مع طبيعة الظلم المتأصل في النفسية الإنسانية وبالتالي ضرورة قيام الدولة. يتبادر للذهن هنا سؤال مشروع مفادُه : هل يمكن أن تزول الدولة بزوال الحاجة إليها؟.
مفهوم الدولة عند ابن خلدون
الدولة ظاهرة سياسية قديمة، تناول موضوعها عدة مفكرين فدرسوا أسباب نشأة الدولة وظهورها ومفهومها وأشكالها وعديد من الجوانب الهامة فيها، فكلمــة “دولــة” تجــد جــذورها اللغويــة فــي تعبيــر”status “اللاتينــي القــديم، والحقيقــة إن هــذه الكلمـــة هـــي كلمــة محايـــدة تعنـــي حالـــة أو طريقـــة العــيش ” ولــذا فإنهــا لصـــيقة بمعـــاني الثبـــات والاستقرار” أما عنـد العـرب تعنـي معـان أخـرى ” بأنها “الفعل والانتقـال مـن حـال إلـى حال”.
إلا أنه في الفكر الغربي، يقول” ادمون ربـاط ” إن الدولـة ليس كما كـان يـراه الشـرقيين مـن التغيـر في الدول والأحوال لدرجـة أنهـم لـم يـروا فـي الحكـم إلا انـه كـان معرضـا للتبـدل، فـي حـين إن الغـربيين يشيرون إلـى أن الأمـر والحكـم لا يتبـدل ولا ينبغـي أن يتبـدل، بـل هـو دائـم وقـائم ومسـتتب، وفـي هـذا الاخـتلاف فـي كـل مـن العقليتـين، ظـاهرة لاشــك إنهــا مســتمدة مــن تــاريخ الشــرق والغــرب.
يُعرِّف ابن خلدون الدولة بأنَّها « كائن حي له طبيعته الخاصة به، ويحكمها قانون السببية ، وهي مؤسسة بشرية طبيعية وضرورية ، وهي أيضاً وحدة سياسية واجتماعية لا يمكن أن تقوم الحضارة إلاَّ بها». كما أنها ظـاهرة فـي كـل مـرة تنتهـي فيهـا الـدورة السياسـية فـي نظـره لا دائمـة ولا مسـتقرة. وينطلـق ابـن خلـدون فـي تفسـيره لظـاهرة عـدم اسـتقرار الدولـة، مـن فكـرة عزيزة عليه، فكرة أكثر شـمولية، وهـي عـدم إثبـات ظـواهر الاجتمـاع الإنسـاني علـى الإطـلاق عنـده، يقول كاتبنا في مقدمته:( إن أحوال العـالم والأمـم وعوائـدهم ونحلهـم لا تـدوم علـى وتيـرة واحـدة ومنهـاج مســتقر، إنمــا هــو اخــتلاف علــى الأيــام والأزمنــة وانتقــال مــن حــال إلــى حــال، وأن الدولة تبقى مؤسسة دائمة التعرض للتبدل والتغيير. بالتالي لم يَذكر ابن خلدون تعريف صريح عن “الدولة”, فكان يستخدم اللفظ لأكثر من معنى فمثلاً تعبيره عن الملك بلفظ الدولة, واستعمل لفظ الملك بعدة معاني, منها: الدولة, السلطة, الحاكم, الحكم، وغيرها من معاني.
توضـح لنـا أنه يسـتعمل أحيانـا غيـر قليلـة التعـابير نفسـها لمعـان مختلفـة أو يعطـي معنـى واحـد لتعـابير مختلفـة. ولكنـه وكمـا ذكرنـا سـابقا، يبقـى إبـداع ابـن خلـدون متجليـا فـي هـذا الميـدان باسـتعماله تعبيــر ( الدولــة) كمفهــوم سياســي فــي الوقــت الــذي كانــت فيــه هــذه الكلمــة (لا تجــد مكانهــا بــين المفردات السياسية القرو ـ أوسطية في الغرب.
يطرح ابن خلدون أيضاً عنصر ( الشعب)، كأحد العناصر الهامة للدولة، وهو لايكتفـي بـذلك بـل يؤكـد أولوية هذا العنصر على السـلطة بشـكل خـاص، أي أنـه لكـي تكـون هنالـك سـلطة فلابـد إذا مـن وجـود شعب، الذي يسبق بوجوده بكثير عملية تشكل الدولة وصيرورتها، كما يؤكد أنه لـم يهـتم فـي القسـم الأكبـر مـن مؤلفـه إلا بتلـك العصـبية المنشـأة للدولـة بشـكل خـاص الأمـر الـذي دفـع الكاتـب الفرنسـي( أيـف لاكوسـت) إلـى القـول بـأن ابـن خلـدون حينمـا” يذكر الشعب أو السكان ينبغي أن نفهم من ذلك انه يعني غالبا القبيلة القائـدة”.
نشأة الدولة عند ابن خلدون
هناك بعض النظريات التي حاولت تفسير نشأة الدولة عند ابن خلدون فمن بين تلك النظريات, نظرية التطور الاجتماعي، ونظرية القوة أو الغلبة ، والمجتمع المدني.
– نظرية التطور الاجتماعي:
نظرية التطور الاجتماعي أو قد تسمى بالنظرية التاريخية, ترى النظرية أن الدولة تنشأ من عدة عوامل من أهمها (علاقة الدم, الدين, الوعي السياسي). علاقة الدم أو ما تسمى بصلة الرحم فترى النظرية أن الأسرة لها نوع من السلطة السياسة وإن كانت محددة بالمحيط العائلي, فتتمثل السلطة في مكانة الأب والأم وسلطتهما على الأبناء, لذلك اعتبرت سلطة رب الأسرة أقرب إلى سلطة الدولة, وذلك لوجود عنصر الانقياد والخضوع, فالشعب يخضع لسلطة الحاكم السياسي, والأبناء يخضعون إلى سلطة رب الأسرة, الجدير بالذكر أن علاقات الدم وصلة الأرحام هي ما عبر عنها ابن خلدون باسم العصبية, وهي من أهم العوامل المكونة للدولة –كما سنوضح لاحقاً, وركزت النظرية كذلك على الدين لما لها من دور معنوي معزز, وكما تزود الدولة بالدعائم التي تساعد على قيامها, أيضاً ركزت النظرية على الوعي السياسي فكان المقصود منه هو الوعي بضرورة وجود نظام سياسي لحماية أنفسهم وممتلكاتهم, ووجود الأمن. سبب ذكري لهذه النظرية أن ابن خلدون كان من أشد أنصارها, وذلك لأن العوامل التي ذكرتها النظرية هي عوامل يرى ابن خلدون أنها مهمة لنشأة الدولة (العصبية, الوازع الديني).
– نظرية القوة أو الغلبة
تؤكد نظرية القوة والغلبة على أن الدولة نشأة نتيجة للعنف والقوة, وأنها أداة تستخدم داخل المجتمع مع الشعب للردع, وخارج المجتمع لفرض هيبة الدولة وحماية حدودها, والدفاع عنها. فتبرر النظرية أن استخدام القوة هو مبدأ طبيعي وضروري في الحياة, فالقوة بين جميع الكائنات الحية, والعشائر, وبين الدولة والأمم في حروبها, أيضاً لها استخدام إيجابي لفض النزاعات, أما عن الجانب السلبي في النظرية فقد أكدت أن كل الدول لا تقوم إلا على القوة والعنف, إلا أن هناك نظرية أخرى أتت بعكس ما قالته نظرية القوة والغلبة, وهي نظرية العقد الاجتماعي التي ترى بأن الدولة تنشأ على أساسين هما: الاتفاق الواقع بين المجتمع ويتلوه عقد أبرمه أعضاء من المجتمع على إنشاء دولة, وعلى الرغم من أن نظرية العقد الاجتماعي أتت بما لم تأتي به نظرية القوة والغلبة إلا أنها قامت على أساس الافتراض وليس الحقيقة, فيستحيل وجود مجتمع يتفق فيه جميع أعضائه على إبرام العقد لذا اعتبرت أنها تميل إلى المثالية, كما أن البعض يرى أن نظرية العقد الاجتماعي قائمة على فكرة التنازل, فموجبة يتنازل الأفراد عن جزء من حقوقهم مقابل التمتع بمميزات المجتمع السياسي.
– المجتمع المدني
نشأة الدولة عند ابن خلدون, ترجع إلى التجمع الحضري, أو كما يسميها المجتمع المدني, فلا تنشأ الدولة عند المجتمع الطبيعي أو التجمع البدوي؛ ويعلل سبب عدم نشأة الدولة في المجتمع البدوي لعدة أمور منها: أن الدولة تنشأ في التجمع السكاني لأفراد في مكان ثابت, فالمجتمع البدوي يتميز بالترحال وعدم الاستقرار, كما أن المجتمع البدوي يتميز بوجود عصبيات ولكن ما يعوق تلك العصبيات التي تُبطل شرط قيام الدولة هي أن تلك العصبيات في طور التكوين والنمو, ومتفاوتة القوى, كما أنها متفرقة بين الجماعات –جماعات البدو-, المميز أن هذه العصبية تنشأ في المجتمع البدوي, فعندما تصبح هذه العصبية ذات قوة كبيرة وموحدة يتم هنا يتم شرط العصبية في نشوء الدولة وعند انتقالها إلى المجتمع الحضري.
– العناصر الأساسية لنشأة الدولة عند ابن خلدون:
قسمت نظرية الدولة في الفكر الخلدوني منشأ الدولة إلى ثلاث عناصر أساسية:
يوضحها الشكل التالي

أولا: عناصر معنوية:
وهي عبارة عن ثلاث أقسام: العصبية يقصد بها حالة نفسية ذهنية تظهر في العلاقات والسلوكيات التي تتسم بها مجموعة من البشر في حالة البدو. كما تعتبر المحور الأساسي لقيام الدولة ونشأتها ويقصد بها رابطة تربط أعضاء الجماعة؛ فقد تكون صلة دم أو نسب أو حلف وولاء وانتماء, وكما ذكرنا سابقاً بأنها تنشأ قبل المدينة في طور البدوي, ولابد أن تكون العصبة كبرى جامعة لكل العصائب, وذكر في مقدمته أن الرئاسة في العصبية تكون من نفس أهل العصبية “أن الرئاسة على أهل العصبية لا تكون في غير نسبهم ذلك أن الرئاسة لا تكون إلا بالغلب والغلب إنما يكون بالعصبية كما قدمناه فلا بد في الرئاسة على القوم أن تكون من عصبية غالبة لعصبياتهم”, كما أكد على أهميتها لدعم العنصر الديني في مقدمته “أن الدعوة الدينية من غير عصيبة لا تتم”, وقد تعتبر أيضاً من العناصر العضوية لأنها تنشأ من صلة الرحم والنسب, وتعتبر معنوية لأنها أمر غير محسوس.
أما عن القسم الثاني فهو الإكراه والاقناع وقد شرح ذلك على أهل الحواضر وأهل البادية, فالملك أو الرئيس على اقليم ما يقوم باستدراج أهل البادية إلى طاعته اختياراً واقناعاً كأن يبذل لهم ما يحتاجونه من الضروريات التي تنقصهم, أو عن طريق الإكراه فيحاول التفريق بينهم حتى يحصل له جانب منهم. أما عن القسم الثالث الخاص بالعناصر المعنوية هو الوازع الديني؛ ويرى أن دوره معنوي في التأليف بين قلوب الشعب وجمع الأفراد وهذا يساعد العصبية في تأسيس الدولة, كما أشار ابن خلدون في مقدمته “أن الدولة عامة الاستيلاء العظيمة الملك أصلها الدين أما من نبوة أو دعوة حق، أيضاً وضح “أن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة العصبية التي كانت لها من عددها”.
ثانياً: العناصر المادية
تنقسم إلى ثلاث أقسام: منها التجمع والذي يقصد به جماعة من الناس أي التجمع الحضري, ويرى ابن خلدون أن التجمع الحضري في الطور الأول تكون في حالة من البداوة؛ وذلك لأسباب اقتصادية, أما عند توسع الدولة في الملك فأنها تنتقل إلى طور الترف والحضارة وتمتاز بكثرة نفقات الدولة, إلا أنه عند الاسراف في كثرة النفقات تدخل الدولة في طور الانحلال , ولذلك يفسر ابن خلدون هنا تفسيراً مادياً فالدولة تكون بدوية عند اعتمادها على الضروريات, ومتحضرة عند اعتمادها على الكماليات, وعند الاسراف تتلاشى, القسم الثاني هو الوازع الحاكم وهو شرط أساسي من شروط نشأة الدولة ويقصد بها الحاكم. أما القسم الثالث هو الإقليم فيقول ابن خلدون في المقدمة “إن كل دولة, لها حصة من الممالك, والأوطان, ولا تزيد عليها” ، كما أنه لا يتصور وجود جماعة بدون أرض أو إقليم.
ثالثاً: العناصر المشتركة
التي يقصد بها خليط بين ما هو معنوي وما هو مادي, وهي تنقسم إلى ثلاث أقسام منها: الجند؛ فلا توجد دولة بدون جند, ثانياً؛ المال فتحتاج الدولة للإنفاق على وجوه الدفاع المختلفة مثل الجند والأعوان والقادة، أيضاً المصالح العامة والمصالح الخاصة, والمال هو قوام أولئك الجند, وبالرغم من ذكره أهمية المال لإنشاء الدولة إلا أنه قد يكون سبب في اضمحلالها عند الانغماس في الترف وصرفه على الشهوات, فبين الأوقات التي تحتاج الدولة فيها إلى المال, فأكد أن المال ضرورة في مرحلة التأسيس –مرحلة البداوة-, ولأهمية العنصرين السابقين –الجند والمال- ووضح أن الخلل إذا طرق الدولة, طرقها من هذين الأساسين. ثالثاً تحقيق العدل؛ كما أشار إلى أنها من وظائفها الرئيسية وليس فقط من عناصر نشأتها, وأن العدل أداة لبناء العمران.
– أسس وضرورة الدولة عند ابن خلدون:
يرى ابن خلدون أنَّ حاجة الإنسان للغذاء والكساء والمأوى والدفاع عن النفس هي التي تدفعه إلى الانتظام في مجتمع إنساني، فالإنسان لا يستطيع أن يسد حاجته للغذاء بمفرده،لأنَّ ذلك يتطلب أعمالاً كثيرة لا يستطيع أن يقوم بها بمفرده ، فلابد من تعاونه مع رفاقه. والإنسان معرض للخطر ليس من جانب الحيوانات المفترسة فحسب، بل من جانب أخيه الإنسان ،لذا لابد من وجود سلطة تحول دون اعتداء الناس بعضهم على البعض الآخر،وهذا ما أسماه ابن خلدون بـ «الوازع»، أو «وازع حاكم»، وعبَّر عنها المستشرق «أرين روزنتال2» بـ «السلطة الرادعة» ، ولها القوة الرادعة في منع الناس من قتل أو إيذاء بعضهم البعض، حيث أنَّ العداوة والعنف سائدتان في طبيعتهم الحيوانية، وهذه السلطة تكون في يد الملك أو السلطان.
ويرى ابن خلدون أنَّ الدولة لا تقوم إلاَّ على أساسيْن:
أولهما: الشوكة والعصبية المعبر عنهما بالجند. وثانيهما: المال الذي هو قوام أولئك الجند، وإقامة ما يحتاج إليه الملك من الأحوال. فالدولة في أولها تكون بدوية، حيث يكون الإنفاق معقولاً، ولذا يكون هناك إمعان في الجباية والإسراف، وإذا عظم المال انتشر الترف الذي يؤدي إلى انهيار الدولة، فإنَّ نفقات السلطان وأصحاب الدولة تتضاعف، وينتشر الإسراف بين الرعايا، وتمتد أيديهم إلى أموال الدولة من جهة، ومن جهة أخرى يبدأ الجند في التجاسر على السلطة، فيضطر السلطان إلى مضاعفة الضرائب، فيختل اقتصاد البلاد، ولكن الجباية مقدارها محدود، كما لا يستطيع رفع الضرائب إلى ما لا نهاية، ولذا يضطر إلى الاستغناء عن عدد من الجند حتى يوفر مرتباتهم، فتضعف حمايته، وتتجاسر عليه الدول المجاورة أو القبائل التي ما تزال محتفظة بعصبيتها. تتضح تلك الرؤى في الحديث عن تطور الدولة عند هذا المفكر العربي الجليل ودوره في دراسة لعلاقة بينها وبين المكونات الاجتاعية الأخرى كالدين والاوضع الجتماعي وغيرها. لتوضيح أهمية إسهام ابن خلدون في السياسة من خلال حديثه عن الدولة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قائمة المراجع
أولاً: كتب
1. ابن خلدون، المقدمة ( بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط4 ، د. ت) ، ص28.

2. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ، مقدمة بن خلدون (بيروت : دار الكتب العلمية، ط.1 ، 1995 )، 220.

3. ادمون رباط، محاضرات في القانون الدستوري ( بيروت: مطبوعة بالرونيو، 1960 ) ، ص103.

4. إسماعيل سراج الدين ، ابن خلـــــــدون انجاز فكري متجدد ( الإسكندرية : مكتبة الإسكندرية، 2008)، ص96.

5. شعبان جمال, واخرون فكر ابن خلدون الحداثة والحضارة والهيمنة ( بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية ، 2010) .

6. علي سعد الله, نظرية الدولة في الفكر الخلدوني (عمان: دار مجدلاوي ، 2003).

7. د. محمد عابد الجابري ، فكر ابن خلدون .. العصبية والدولة ( بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ، 1994).

8. أ.د. محمود فهمي الكردي ، عبد الرحمن بن خلدون: قراءة معرفية ومنهجية (القاهرة: جامعة عين شمس، مركز الدراسات المعرفية، أغسطس 2000).

ثانياً: دوريات

1. أ.د. رياض عزيز هادي ، مفهوم الدولة ونشوءها عند ابن خلدون ، مجلة العلوم القانونية والسياسية (بغداد: مجلة العلوم السياسية، العدد 3، 1977 )، ص 78.

2. د. سهيلة زين العابدين ، نظرية الدولة عند ابن خلدون، مجلة المنار (الرياض : جامعة أم القري ، 1424هـ)،

3. د. محمد يسار عابدين، د.عماد المصري، الفكر التنموي في مقدمة ابن خلدون دراسة تحليلية مقارنة، مجلة جامعة دمشق ( دمشق : مجلة جامعة دمشق للعلوم الهندسية المجلد الخامس والعشرون- العدد الأول- ٢٠٠٩ م).

4. مجلة البحوث الإسلامية ، ابن خلدون وريادته لعلم تفسير التأريخ : قوانين ابن خلدون الحضارية وتقويمها، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والافتاء، من ربيع الأول إلى جمادى الثانية لسنة 1406هـ .

ثالثاً: شبكة المعلومات الدولية
1. د. عمار محمد النهار، الحقيقة المعتّم عليها بين ابن خلدون وعمالقة الغرب، موقع الباحثون، 13- 01- 2014.
http://albahethon.com/?page=show_det&id=1808
2. أسس نظرية التطور في مقدمة ابن خلدون . الدين قوة توحيد للدولة ، جريدة الحياه، 2001.
http://daharchives.alhayat.com/issue_archive/Hayat%20INT/2001/8/28/%D8%A7%D%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B5%D8%A8%D9%8A%D8%A9.html
3. العصبية : مفهومها – انواعها- أسبابها – أثارها السلبية، الفصل الأول، د.ت
http://libback.uqu.edu.sa/hipres/FUTXT/12666.pdf

4. بوشما حميد ، إشكالية الدولة عند ابن خلدون، ديوان العرب ، مارس .٢٠١١
http://www.diwanalarab.com/spip.php?page=article&id_article=27665\

5. موسوعة وكيبيديا عن ابن خلدون

11



الكلمات المفتاحية
ابن خلدون مقدمة ابن خلدون

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.