الحروب واتفاقيات الحدود العراقية الإيرانية وأثرها في العلاقات بين البلدين

الأربعاء 12 نيسان/أبريل 2017
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

عرض: رشا العشري
“إن المعاهدات والاتفاقيات قد فتحت الطريق لعالم جديد يمكن أن يجد له في لغة الحوار حول الموائد، بارقة أمل لغدٍ تسوده روح الوئام والتفاهم، بدلاً من الحوار الساخن في سوح القتال، حيث تستمر نتائج الحروب ربحًا أو خسارة إلى ما لا نهاية، بسبب تصميم المقهورين على إزالة ما لحق بهم من حيف، فتعود عجلة الحرب بالدوارن من حيث انتهت، لذا فالتراضي بين الجماعات، والدول لا يمكن أن يصنعه السلاح فقط، مهما امتلك الأقوياء من قوة عسكرية، وقدرة على البطش والتدمير، بل يصنعه الحق والعدل والحوار المتكافئ، ومهما كان صوت المتحاورين فيه خافتًا، حتى وإن طال أمده فإنه قادر على تحويل آمال الشعوب بالسلام والطمأنينة، إلى واقع ملموس، شرط أن يستند على قوة الحق المدعومة بحق استخدام القوة المشروعة، إذا بقيت الرسائل السلمية غير مفهمومة من الطرف أو الأطراف الآخرى.
بهذه الكلمات لخص الكاتب كيفية إدارة العلاقات بين الدول وبعضها، والتي تتصارع حول الحدود فيما بينها، وخص بالذكر هنا علاقات الحدود بين كل من العراق وإيران، وأثار ذلك الصراع في العلاقات بين البلدين، من ثم، حاول المؤلف أن يقسم هذا الكتاب إلى أربعة فصول متتالية، تبدأ بماهية الحدود بين الدول من خلال معرفة الحدود بين الدول عبر العصور، والعلاقات بين الدول في الماضي، بالإضافة لمعرفة أركان الدولة.
واختتم المؤلف كتابه بتقديم مجموعة من الاستنتاجات، والتوصيات التي قد تشكل عونًا لمن يتصدى لحل هذه المعضلة التاريخية، وهذا ما سوف نحاول أن نوضحه فيما يلي:
الفصل الأول : ماهية الحدود
بدأ الكاتب هذا الفصل بتعريف الحدود وفقًا لمصطلحات القانون الدولي، على أنها الخط الفاصل الذي تنتهي عنده سيادة دولة لتبدأ سيادة دولة أخرى، ولفت إلى أن هذه الحدود إما فواصل طبيعية، أو صناعية، كما أشار إلى أن ترسيم الحدود بين الدول يتعين عبر عدة وسائل، إما بصورة منفردة لفصل إقليمها عن المجال الدولي خاصة في الحدود البحرية، أو عن طريق التحديد الاتفاقي من خلال التعاقد بين دول متحاورة، أو أن يتم عبر التحكيم الدولي، وتلجأ له الدول عندما تنتهي الاتفاقيات الودية إلى طريق مسدود، وهنا، لفت الكاتب إلى أن في حالة العراق بعد انتهاء حرب الخليج الثانية 1991، تم ترسيم الحدود بشكل قسري نتيجة لتدخل مجلس الأمن، لتقيم حدود جديدة بين العراق والكويت، وتلغي الحدود القديمة بينهم.
أما عن الحدود بين الدول فلم تكن للإمبراطوريات والدول في العصور القديمة حدود سياسية تفصل بينهم، فقد كانت ترسم الحدود بينهم المصالح المتباينة، والمتصادمة بين المجموعات السكانية من عشائر وقبائل، وقدرة كل طرف على التوسع في الأرض الواقعة تحت سيطرة الدول الأخرى، ولو كان ذلك باستخدام القوة، مع الدول المنافسة لها على الثروات الطبيعية.
أما اليوم فإن تطور السلاح والصواريخ العابرة للقارات، جعل من موضوع أمن الحدود مرتبط باتفاقيات دولية. لتنظم العلاقة بين الدول بعيدًا عن استخدام القوة، أو التهديد باستخدامها.
من هنا، تمثل الاتفاقية والمعاهدات، أنه اتفاق يعقد بين شخصين أو أكثر، من أشخاص القانون الدولي العام، وترمي إلى إحداث أثار قانونية معينة، كما أن هذه الاتفاقيات كما عرض الكاتب نحتاج لها في الوقت الحاضر فنتيجة للتفيت الاستعماري لقارات العالم إلى دوليات صغيرة، حتى وصلت إلى 193 دولة كاملة العضوية بمجلس الأمن ناهيك عن وجود عدد كبير من الدول ليس بمجلس الأمن وغير معترف بها كذلك، فهذا كله جعل من الضرورة ترسيم الحدود بين الدول وبعضها، بل أصبح عنصرًا مهمًا، من عناصر سيادة الدولة على إقليمها، لضمان حقوقها وأمنها، وتوفير مصادر الثروة لأبناءها، كما أن اكتشاف الإنسان لأسرار الذرة واختراعه للصواريخ، وقدرته كذلك على إفناء البشرية في لحظة واحدة، جعل هناك رغبة لدى الشعوب في تنظيم العلاقات بين الدول في إطار دولي ليجنبها الدمار الساحق إذا نشبت حرب.
ثم انتقل الكاتب بعد ذلك ليوضح العلاقات بين الدول، فأوضح أن العلاقات بين الدول في الماضي نشأت مع تزايد حالة الاحتكاك بين الشعوب وبعضها البعض، من خلال التبادلات التجارية، والتنافس على الثروات الطبيعية، سواء السطحية أو الباطنية، مما جعل تفكيرها يتجه نحو ترسيم الحدود فكانت المعاهدات الأولي في التاريخ، لتجنب الوقوع في ويلات الحرب، بين (لكش وأوما) عام 3100ق.م، لرسم الحدود بينهم، وتم كتابتها باللغة السومرية، وبالفعل نصت المعاهدة على ضرورة وجوب احترام الحدود بينهما، وحجر الحد الذي وضعه ملك كيش.
بالإضافة للاتفاقية الثانية وهي من أهم الاتفاقيات التي عرفها التاريخ وهي بين الملك رمسيس الثاني، والملك حاتيسار ملك الحيثيين عام 1292ق.م، وكتبت باللغة الأكدية البابلية حاليًا، لتنهي هذه الاتفاقية حروبًا كثيرة كانت بينهم، ومن بينهم معركة قادش، كذلك الأمر حدث في الهند والصين، ونتيجة لتطور العلاقات الدولية في أوربا خاصة في الألف الأخير قبل الميلاد عقدت مجموعة من الاتفاقيات والمعاهدات الثانية لحماية التجار الأجانب وأموالهم.
ثم تتطرق المؤلف بعد ذلك ليعرض العلاقات الدولية في عهد دولة الرسول صلي الله عليه وسلم،
مبينًا أن صلح الحديبية يعد أول اتفاقية وقعها الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم، في تاريخ الرسالة الإسلامية ، مع مشركي قريش، والتي مثلت أساسًا ناجحًا لتنظيم العلاقات بين الأطراف المختلفة، وتؤكد كذلك المنهاج الإسلامي في الذهاب إلى خيار الإسلام.
ونتيجة لانتشار الإسلام ووصوله إلى جنوبي فرنسا، جعل هناك تكاتف للأمم الأوربية تحت اللواء الروحي لبابا الفاتيكان، وهذا ما أدي إلى تصادم بين الكتلتان (الإسلام والمسيحية)، في حروب متعددة، وقُسم العالم إلى قسمين على هذا الأساس الديني.
ومع التطور الأوروبي في القرن السابع عشر وخاصة عصر النهضة الأوربية، والتي شهدت كثير من الحروب التي نشب نتيجة للخلافات الدينية ومحاولة سيطرة الكنيسة من خلال التوسع في السيطرة على أقاليم ما وراء البحار، تم توقيع معاهدة وستفاليا عام 1648م. والتي مثلت بداية عهد جديد في العلاقات بين الدول الأوروبية، ومنها إلى سائر دول العالم، حيث أن هذه المعاهدة نظمت أسس العلاقات الدولية.
الفصل الثاني
إشكالية الحدود بين العراق وإيران
يتناول الفصل الثاني إشكالية الحدود بين العراق وإيران، حيث يتناول المبحث الأول الحدود قبل الإسلام، وفي المبحث الثاني الحدود في عصر الدولة العربية الإسلامية، أما المبحث الثالث يتناول الحدود في العصر الحديث أي من قيام الدولة العثمانية (تأسست في 27 تموز 1299م وسقطت في 29 تشرين الاول 1923م) إلى توقيع اتفاقية الجزائر في 6 آذار عام 1975م، ثم نشوب حرب الثماني سنوات بين البلدين (1980- 1988).
الحدود قبل الإسلام:
1. في العهد السومري
واجه العراق عبر العصور تحديات كبيرة، كانت أخطر تلك التحديات هى التي كانت تأتي من جهة الشرق أي من إيران، فمنذ تولي سرجون الأكدي الدولة العراقية قديمًا، قد تغلب على دويلات سومر الصغيرة، وأسس منها وما جاورها امبراطورية موحدة وقوية تمتد من أرض العيلاميين في الشرق إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط في الغرب، توالى بعد ذلك الملوك والأمراء على الدولة العراقية، حتى سقطت الدولة الأكدية نتيجة وصول ملوك ضعاف بعد ابن نرام سين شاركليشاري، فضلاً عن نشاط الأقوام الجبلية مثل الكوتيين والولوبيين وهم من أخطر التحديات التي واجهت الأكديين، حيث تمكنوا من النزول من المرتفعات الجبلية إلى السهول والمراكز الحضارية ومنها العاصمة وامتدت دولهم من 2230 إلى 2120 ق.م، وخلال العهد الكوتي الذي تميز بالانحطاط والتخلف، توقف البناء والإعمار وغاب الانتاج الثقافي والفني والفكري، وما حصل مع الكوتيين حصل مع جميع الأقوام التي سكنت إلى الشرق من العراق، وتميزت بالتخلف وعانت كثيرًا من تأثير الحضارة العراقية، كالعيلاميين والكيشيين، فقد تأثرت هذه الأقوام بالحضارة العراقية، لكن لم يستمر بين هذه الأقوام سوى التقاتل ولن يتعلموا سوى هذه اللغة.
في العهد البابلي
كان العراق تحت حكم دول المدن قبل أن يصبح دولة واحدة أو في دولته المركزية، رمزًا للضعف والصرعات التي أثارت عليه طمع جيرانه، وجعلته هدفًا لغارات القبائل المتخلفة التي كانت تسكن إلى الشرق من حدوده وكانت أرضه السهلية الخصبة توفر المياه الوفيرة فيها للزراعة سببًا في شن تلك الغارات على أراضيه، وحاولت دول المدن درء الخطر عن نفسها بوسائل مختلفة، ولكن ثبت بالدليل الملموس أن النزاعات بين دول المدن وصراعها فيما بينها على الأراضي السهلية الأكثر خصوبة وعلى المراعي والمياه العزبة هو الذي أغرى الأقوام القادمة من شرقي العراق والذي يعرف اليوم باسم إيران، بشن هجماتها والتي كانت تحقق بعض النجاحات أحيانا وتخفق أحيانا أخرى، ولو كانت هناك سلطة قوية بصفة مستمرة وقادرة على الدفاع عن أرض العراق لما كررت الأقوام القادمة من الشرق، محاولاتها للعبث بما حققهه العراقيون من نجاحات وتقدم في معظم مناحي الحياة وخاصة في العلوم والفنون الآداب، وكما هو الحال في الوقت الحاضر فإن بلاد عيلام كانت تدعم بعض الممالك الصغيرة في بلاد الرافدين، واستمر الحال على هذا المنوال حتى جاء الملك البابلي الكبير حمورابي (1792- 1750 ق.م)، والذي حقق انتصارًا كبيرًا على أمراء المنطقة وضم مدنهم إلى مملكته المركزية، والتي مدت سيطرتها على الشرق الأدنى القديم بأسره، واستمر العهد البابلي القديم من 2003 ق.م إلى 1595 ق.م، حيث بذل العيلاميين كل ما بوسعهم من أجل إضعاف بلاد الرافدين وضرب ركائز وحدتها فقدموا السلاح لبعض دويلات المدن للانفصال عن الدولة الموحدة التي أقامها حمورابي، وما أشبه الليلة بالبارحة.
في العهد العربي قبل الإسلام
قامت في العراق ممالك عربية قبل الإسلام لعل أهمها مملكة الحيرة، والتي شغلت منذ نشأتها مكانة مهمة في تاريخ العرب قبل الإسلام، ولكنها كانت جزء من منظومة قوة الفرس الساسانيين والذين كانوا يفرضون على حكومة الحيرة سلطتهم وذلك بوضع قوات تحت تصرف ملوك الفرس كلما اقتضت الضرورات العسكرية لدولة فارس، إلا أن دولة الحيرة العربية كانت تتميز بالنزعة الاستقلالية حيث استطاع امرئ القيس بن عمرو (توفى 328م) السيطرة على معظم أنحاء الجزيرة العربية حتى وصلت جيوشه إلى أسوار نجران، واعترف له الفرس والروم بالسيادة على المنطقة، ربما تدخلت الحيرة في شأن داخلي للعائلة المالكة في بلاط كسرى، حيث توالت الأحداث بعد ذلك، وتم الانتصار على كسرى وجنوده من العرب، فقد كسر انتصار العرب العظيم معنويات الفرس، وحطم غطرستهم، وشجع القبائل العربية على الاستهانة بهم، والإغارة عليهم، بعد أن أصبحت الحدود مفتوحة أمامها لمد نفوذها وتحرير العراق من سيطرة الفرس، وكان يوم ذي قار اليوم الذي انتصفت فيه العرب من الفرس ومقدمة لعمليات تحرير العراق على يد جيوش الفتح العربي الإسلامي في معركة القادسية في 13 شعبان سنة 15ه بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ومن بعده سعد بن أبي وقاص، حتى كتب الله النصر لجيوش العرب المسلمين وقضوا على الدولة الفارسية الساسانية، وامتدت حدود الدولة العربية الإسلامية من جزيرة العرب جنوبًا إلى العراق وفارس شمالاً وشرقًا.
الحدود في عصر الدولة العربية الإسلامية
إن الدولة الإسلامية كما هو معروف إقليميًا وسياسيًا واحدًا يخضع لسلطان خليفة واحد، لذلك ظلت وحدة الأمة ووحدة قرارها زمن طويل،، فالحدود لا وجود لها كما هو الحال بين الدول القائمة حاليًا، والتي كانت جزءًا من دولة واحدة كالإمبراطورية الأموية والعباسية والعثمانية، وقد وصلت حدود الدولة العربية في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك إلى سور الصين العظيم شرقًا وإلى الأندلس وبلاد المغرب العربي غربًا، وكان الإنسان بصرف النظر عن أصله ودينه ولونه يتحرك في هذه الدولة المترامية الأطراف ويقيم في أرجائها حيثما شاء من دون أن يقدم أوراقًا ثبوتية أو طلبًا إلى أحد ولكن يمكن تسجيل استثنائيين مهميين في التاريخ العربي الإسلامي، مهد الطريق لاستثناءات لاحقة ووضعت حدًا لوحدة الدولة الإسلامية سياسيًا، وأسهمت في تفكيكها إلى دويلات وكيانات أخذت طابع الاستقلال عن مركز الخلافة ومع الوقت أصبحت دولاً لها حدودها المقدسة من وجهة نظرها، والتي تدافع عنها بل أنها كرست لنفسها هوية وطنية تتناقض مع الهوية القومية والدينية ودخلت في نزاعات على الحدود مع الدول، التي كانت معها جزء من إقليم دولة واحدة، وهذان الاستثناءان هما الدولة الأموية في الأندلس، والدولة الفارسية التي خرجت على الدولة العثمانية ودخلت معها في صراعات حادة لأسباب مذهبية وعرقية، إضافة إلى عوامل الصراع على النفوذ والتوسع في أراضي أقاليم الدولة العثمانية المترامية الأطراف.
الحدود في العصر الحديث
في العهد العثماني
الاتفاقيات والمعاهدات الموقعة بين بلاد فارس والدولة العثمانية
أصبح العراق ومنذ سقوط بغداد مركز للخلافة العربية الإسلامية عام 1258م سيرًا بيد قبائل همجية لا تحسن إلا القتل والتدمير على يد هولاكو حفيد جنكيز خان، في هذه المرحلة أصبح العراق ساحة لعمليات الغزو والانتهاكات التي قضت على تراثه الثقافي والفكري لمدة ثلاثة قرون، فضلاً عن كونه ساحة للحرب العثمانية الفارسية مع كل ما يحمله ذلك من تباين في اللغة والمذهب بينهما واختلافهما معًا عن العراقيين في اللغة، ظلت الحرب بين الطرفين إلى عام 1590م حيث تم توقيع معاهدة الصلح، وسميت بمعاهدة فرهاد باشا، وتم الاتفاق فيها على إضافة إقليم لورستان إلى العراق باعتباره جزء من الدولة العثمانية، وفي عام 1603 أرسل الفرس وفدًا لطلب الصلح وعقد معاهدة جديدة، لكن العثمانيين أرادوا معاهدة فرهاد باشا أساسًا للمعاهدة الجديدة حيث تم الاتفاق على إعادة تبريز، وشيروان للدولة الفارسية على أن يدفع الشاه للدولة العثمانية 200 حمل حرير سنويًا، ثم تم عقد معاهدة عام 1611 والتي سميت بمعاهدة نصوح باشا ولكنها لم تدم طويلاً، ثم تم عقد معاهدة أخرى عام 1613 والتي نصت على عدم التدخل من جانب الدولة الفارسية في شؤون العراق. ويمكن الاستدلال من كل هذه الحروب بين الدولتين العثمانية والفارسية أن معظمها كان يقع لانتزاع السيطرة على العراق من الطرف الأخر وضمها إلى ممتلكات الطرف البادئ بالحرب، وتم بيع كثيرًا من المدن والأراضي العراقية بصفقات مقابل ثمن بخس يحصل عليه السلطان العثماني مثل الحرير والذهب، وكم من مرة انتقلت السيادة على تبريز أو كرمنشاه أو همدان، مقابل أعطيات كان شاه بلاد فارس يدفعها للسلطان العثماني مما يؤكد أن بلاد فارس كانت على استعداد لدفع كل شئ من أجل السيطرة على الأراضي وضمها إلى ممتلكاتها.
العهد العراقي: معاهدة 1937م – ظروف البلدين الدافعة لتوقيع الاتفاقية
مع كثرة المعاهدات والبروتوكولات الموقعة بين بلاد فارس والدولة العثمانية نيابة عن العراق فإن الخلافات على الحدود ظلت قائمة وقد أصدرت الحكومة العراقية عام 1960 كتابًا باسم (حقائق عن الحدود العراقية الإيرانية) أوردت فيها نصوصًا لمعاهدة أرضروم وبروتكول عام 1913، وتثبيت الحدود عام 1914م، وشرحت الحكومة العراقية فيه التجاوزات الإيرانية لحدود العراق. في عام 1921م أي بعد استقلال العراق، وتأسيس الدولة العراقية الحديثة، ورث العراق عن الدولة العثمانية مشاكل الحدود المزمنة مع إيران، والتزم العراق بكافة المعاهدات، التي ورثها عن الدولة العثمانية، والتي عقدتها مع الدولة الفارسية، وذلك حسب اتفاقية لوزان عام 1923م؛ لم تتوقف الأطماع الفارسية بعد ذلك على الرغم من الامتيازات التي حصلت عليها إيران، وفي عام 1936م، وقع انقلاب بكر صدقى الذي أطاح بحكومة ياسين الهاشمي في العراق، حيث كان من نتائج الانقلاب أن انقطعت المفاوضات مع إيران، وأدى ذلك إلى توقيع اتفاقية عام 1937م، وبعد مفاوضات استمرت سنتين توصل العراق وإيران إلى تفاهم حول مشكلة الحدود، حيث اعترفت الحكومة الإيرانية فيها بشرعية بروتوكول الأستانة لسنة 1913م، في حين تنازلت الحكومة العراقية عن جزء صغير من ضفة شط العرب الشرقية أمام عبادان، وبناءًا على المعاهدة الموقعة 1937م أرسلت الحكومة العراقية مذكرة لعصبة الأمم بتاريخ 27/8/1937م تطالب فيها بسحب شكوى العراق على إيران من أعمال المجلس لأن المشكلة تمت تسويتها عبر التفاوض، إلا أن الوضع تغير بعد ذلك ودخلت العلاقات في نفق مظلم نتيجة التوسع الإيراني على حساب الأراضي العراقية.
ظروف العراق السياسية والعسكرية وتطور التمرد الكردي
بعد ثورة 17 تموز 1968م وجد حزب البعث العربي الاشتراكي أن القضية الكردية قضية معقدة وتحتاج إلى جهد كبير لإيجاد الحلول الواقعية لها بما يؤمن الاعتراف بالحقوق السياسة والثقافية للأكراد غير أن جهود الحزب كانت على الدوام تفتقد إلى من يمثله تمثيلاً حقيقيًا وكاملاً ومعترفًا به من قبل جميع الأطراف الأخرى، لذلك كان هناك المزيد من التوترات على الصعيد السياسي والاقتصادي بين الجانب الكردي والحكومة العراقية، فضلاً عن الأزمة الاقتصادية فيما يتعلق بالملف النفطي والقائم على التوتر بين الجانب العراقي والسوفيتي فيما يتعلق بملكية شركات النفط التي ترى روسيا أن لها الأحقية فيها، هنا لعبت تلك الشركات ومن ورائها بريطانيا والدول الغربية الأخرى دور المحرض لشاه إيران والحركة الكردية في محاولة منها لتشديد الضغوط على الحكومة العراقية ومنعها من المضي في برامجها السياسية والاقتصادية، ومع ذلك واصل العراق نهجه السياسي وبرنامجه الاقتصادي بعزم وإصرار ولم تنجح محاولات الحلف المعادي في تعطيل مسيرته أو وقف خطوات البناء الاقتصادي وخاصة في الاستثمار الوطنى المباشر للنفط والكبريت والفوسفات، وبمعونة اقتصادية فنية خارجية.
الفصل الثالث
اتفاقية الجزائر لعام 1975م
يتناول هذا الفصل اتفاقية الجزائر لعام 1975م بين العراق وإيران في مباحث ثلاثة، حيث يخلص المبحث الأول إلى أنها اتفاقية غير متكافئة عقدت في ظرف عراقي صعب سياسيًا وأمنيًا شابه إكراه، والمبحث الثاني يتناول المكاسب التي أضافتها الاتفاقية إلى إيران على حساب الحقوق العراقية، ويتناول المبحث الثالث مدى التزام إيران بالاتفاقية.
اتفاقية غير متكافئة
اتضح أن اتفاقية الجزائر لعام 1975م بين العراق وإيران باطلة لأن الحكومة الإيرانية استدرجت العراق إلى حرب استنزاف مع التمرد الكردي، الذي كان يحصل على دعم إيراني وأمريكي وإسرائيلي مفتوح، مع نقص في توريدات العتاد الحربي السوفيتي إليه، وغيرها الذي لن يكون ميسورًا إلا الذهاب إلى هذه الاتفاقية المجحفة وغير المتكافئة، فمن وجهة نظر القانون الدولي تعد هذه الاتفاقية باطلة نتيجة أن ميثاق الأمم المتحدة حرم اللجوء إلى استخدام القوة لتحقيق أهداف تتنافى مع الميثاق الدولي، حيث ابرمت الاتفاقية تحت ضغط سياسي وعسكري، لذلك فإن المعاهدات التي تستند على الإكراه تعد معاهدات غير متكافئة وهو حال اتفاقية الجزائر لعام 1975م بين العراق وإيران، حيث استقوت إيران بالدعم الأمريكي لانتزاع الحقوق التاريخية للعراق وقامت بفرض سياسة الأمر الواقع على إدارة شئون الملاحة في شط العرب، كما سارعت إيران إلى تنفيذ تجاوزات داخل الحدود البرية تمثلت بإقامة مخافر إيرانية داخل الأراضي العراقية، وشق الطرق بين المخافر الجديدة وفي عمق كبير داخل الأراضي العراقية لتسهيل حركة القطاعات الإيرانية، مع دعم التمرد الكردي، فضلاً عن العدوان المسلح على بعض المناطق الحدودية، وغيرها، نتيجة لذلك قدم العراق مذكرة احتجاج رسمية إلى الأمم المتحدة في نوفمبر 1974م للنظر في الاعتداءات الإيرانية على السيادة العراقية، حيث أقر المجلس توصية دعا فيها الأمين العام للأمم المتحدة تعيين ممثل شخصي له لزيارة المنطقة الحدودية وتقديم تقرير عنه، وبالرغم من إعلان مجلس الأمن الهدنة بين الطرفيين وعدم التعدي من قبل أي طرف على الأخر إلا أن إيران واصلت تحديها للعراق والمجتمع الدولي ممثلاً في مجلس الأمن، وذلك بدعم من الولايات المتحدة، وبالرغم من كل الفعاليات لمحاولة التوازن بين الطرين، فإنها لم تمنع شاه إيران من مواصلة تحرشات جيشه على طول الحدود البرية، وتحدي سلطاته البحرية لحقوق العراق في شط العرب.
اتفاقية أضافت مكاسب لإيران
اضطر العراق إلى توقيع معاهدة الجزائر لعام 1975م بعد أن وضع بين خيارين لا ثالث لهما، إما انفصال المنطقة الكردية من جسم الدولة العراقية نتيجة رمي إيران بكل ثقلها في دعم حركة التمرد الذي قاده الملا مصطفى البرزاني، أو التخلي عن جزء من الخط الملاحي في شط العرب، ومقابل ذلك تعيد إيران للعراق أراضٍ في قاطع محافظة واسط وهى منطقة ميمك (سيف سعد) وفي محافظة ديالى وهى منطقة زين القوس، وفي كل مراحل تنفيذ الاتفاقية وبروتوكولاتها شارك خبراء جزائريون في عمل اللجان المشتركة، وبالتبعية نكثت إيران بتعهداتها والتزاماتها التي فرضتها عليها اتفاقية عام 1975م ولم تُعِد للعراق الأراضي التي كان على إيران إعادتها إليه، كما أنه حقق هدفه في الحصول على خط التالوك، والحصول على نصف شط العرب من دون وجه حق معزز بالتاريخ أو الجغرافية، وهكذا حققت إيران مكسبًا فوريًا بمجرد دخول الاتفاقية حيز التنفيذ فقد أصبحت شريكًا في السيادة على الجزء الأكبر من مجرى شط العرب ابتداء من نقطة الحدود المشتركة وحتى مصبه في الخليج العربي، مع تثبيت الحدود البرية.
مدى التزام إيران باتفاقية الجزائر لعام 1975م
بالرغم من أن اتفاقية الجزائر لعام 1975م فرضت التزامات متقابلة على الطرفين، وبالرغم من أن إيران حصلت على ماكانت تطمح إليه من جعل حدودها المائية في شط العرب من أعمق نقطة في الممر الملاحي فيه، بدأت تشارك العراق حقوق السياة في النهرن والإشراف على الملاحة فيه، فإنها لم تتقدم خطوة واحدة على طريق تنفيذ ما ترتب عليه من التزامات بشان ما يجب أن تعيده من أراضٍ برية في ميمك وسيف وسعد مع أن اللجان المشتركة باشرت عملها لوضع الدعامات الحدودية.
الفصل الرابع
اتفاقية عام 1975م من وجهة نظر القانون الدولي
يتناول هذا الفصل اتفاقية عام 1975م من وجهة نظر القانون الدولي، حيث يعرض في المبحث الأول ظروف توقيع الاتفاقية ونهايتها، وفي المبحث الثاني يتناول موقف القانون الدولي من عدم اعتراف الحكم الجديد في إيران بالاتفاقية، أما في المبحث الثالث فقد تم تسليط الضوء على أثر الحرب العراقية الإيرانية عام 1980م على الاتفاقية.
نهاية الاتفاقية
تنتهي المعاهدات والاتفاقيات من تلقاء نفسها في حالات منها:
1. تنفيذ كل الالتزامات الواردة في بنودها
2. انتهاء الأجل المحدود لسريانها
3. يتحقق شرط فاسخ منصوص عليه في المعاهدة
وهذا ما حدث في اتفاقية الجزائر لعام 1975م، والتي نصت على إعادة المناطق البرية للعراق والتي احتلتها إيران في فترات سابقة مقابل ترسيم الحدود المائية في شط العرب على أساس خط التالوك، فقد حصلت إيران على ماأرادت وامتنعت عن تنفيذ ما وقع عليها من التزام بموجب اتفاقية الجزائر (والتي تنص على إجراء تخطيط نهائي لحدودهما البرية على بروتوكول القسطنطينية لسنة 1913م، ومحاضر لجنة تحديد الحدود لسنة 1914م، والتي أعادت أراضٍ عراقية في محافظات واسط وديالى، حيث ينص البند على الاتفاق بين الطرفين، وأن المساس بإحدى مقوماتها يتنافى مع روح الاتفاقية)، بالتالي فإن موقف إيران وحده هو الذي أدى إلى إلغاء الاتفاقية.
موقف القانون الدولي من عدم اعتراف الحكم الجديد في إيران بالاتفاقية
يمكن تلخيص موقف القانون الدولي من عدم اعتراف الحكم الجديد في إيران باتفاقية الجزائر لعام 1975م بأن موقف إيران خروج على الشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة والقوانين والقرارات الصادرة عنها خاصة وأن سجل إيران معروف على نحو لا يقبل التأويل، فهى وحدها التي كانت تلغى الاتفاقيات النافذة المفعولة مع العراق من جانب واحد، بالرغم من أن تلك الاتفاقيات قد أودعت لدى المنظمة الدولية وأنها وقعت بوساطة طرف ثالث أو أكثر، لقد حاولت الأمم المتحدة وخلال الفترة التي ألغت فيها إيران معاهدة عام 1937م التدخل لتقريب وجهات النظر بين البلدين ولم يكن العراق من وضع العراقيل أمام المساعي الدولية بل إيران وبحكم ماكانت تستشعره من مكانة خاصة لدى القوى الفاعلة في المجتمع الدولي والأمم المتحدة.
أثر الحرب العراقية الإيرانية من عام 1980 إلى عام 1988م على الاتفاقية
تعد الحرب من بين أسباب انقضاء المعاهدات والاتفاقيات التي كانت تنظم العلاقات بين الدول وقت السلم، لكن أثر الحرب على المعاهدات يختلف من واحدة إلى أخرى وفق الهدف الذي تم توقيع المعاهدة من أجله؛ حيث تمكن العراق من تحقيق انتصار عسكري حاسم على إيران في حرب طاحنة استمرت ثماني سنوات دون انقطاع وكان هذا النصر كفيلاً بأن يصنع على الأرض حقائق جديدة تعيد للعراق حقوقه، التي سلبت منه بالقضم الإيراني التدريجي، غير أن تضافر قوى إقليمية ودولية كانت تخشى من خروج العراق منتصرًا في حربه، سعت بكل ماتستطيع لتفريغ النصر العسكري من محتواه السياسي وذلك بشن حرب اقتصادية على العراق تمنعه من مواصلة برامج التنمية عن طريق اعتماد سياسة نفطية في مجالي الانتاج والتسعير تؤدي إلى وضع العراق في مواجهة أزمة اقتصادية خانقة.
يتضح مما سبق أن العلاقات العراقية الإيرانية التي لم تتمكن كل هذه المعاهدات والاتفاقيات من رسم مسارها الصحيح، لم يكن ممكنًا إيجاد صيغة مناسبة تقبل بها إيران لأنها أصلاً لا تعرف حدودًا لأطماعها في الأراضي العراقية، وحتى عندما كانت أطراف دولية تدخل للتوسط بين البلدين كانت الوساطات تصل على الدوام إلى نقطة محددة لا تستطيع تجاوزها أو عبورها أو القفز عليها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
معلومات عن الكتاب
تأليف: د. نزار السامرائي
(عمان: دار دجلة للنشر والتوزيع، ط1، 2015)



الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.