الثورة الإسلامية والاقتصاد، صراع النخب حول استقلال الاقتصاد الإيراني

الاثنين 27 شباط/فبراير 2017
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

عرض/ إبراهيم غرايبة
يحلل هذا الكتاب عمليات التفاوض المعقدة حول السياسة الاقتصادية التي جرت خلال عهد ما بعد الثورة بين الفصائل المختلفة للنخبة الحاكمة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ويركز على الإطار الدستوري الذي تم تأسيسه بعد الثورة. تعمل المؤلفة اواليلى بيساران أستاذة السياسة ومديرة الدرسات السياسية في كلية موراي بجامعة كامبردج، وهي مهتمة بشكل خاص بعمليات التحرير الاقتصادي والسياسي في العالم النامي وبخاصة في إيران.

تعتبر المؤلفة أن تحرير الأسواق وتدفق الاستثمارات الأجنبية هو معيار الإصلاح في حين يُعتبر معارضو هذه السياسة مناهضين للإصلاح، وعلى هذا الأساس تقوم بعملية تتبع للمسار التشريعي والسياسي للاقتصاد الإيراني بعد الثورة الإسلامية.

وتلاحظ أن الثورة ظلت بعد أكثر من ثلاثين سنة من قيامها محتفظة بشعاراتها الاقتصادية القائمة على الاستقلال الاقتصادي عن الغرب، وهي فترة طويلة وأطول بكثير من التوقعات حول الثورات التي تسلك طريقها عادة في مسار دائري لتعود إلى النقطة التي كانت عليها قبل الثورة، ولكن حصلت تطورات كثيرة في إيران، وهي بالتأكيد اليوم ليست ما كانت عليه في الثمانينيات!

الإصلاح ومناهضة الإصلاح

تسلط المؤلفة الضوء على الخبرة الثورية في المقاومة المتواصلة والمستمرة للتهديدات؛ والمجادلة ضد وجهة النظر القائلة بأن عمليات التطبيع ترد الأهداف العليا الثورية بحيث تصبح غير ذات صلة بمنشئها.
فقد جاءت الثورة الإيرانية بوعود الاستقلال الاقتصادي، وكانت شعاراتها تقوم على حماية الاقتصاد الإيراني من التهديدات الإمبريالية والعولمة، وبدأت هذه الشعارات -كما هو شأن الثورات- تخمد مع إدراك أن الاندماج في الاقتصاد العالمي أمر حاسم لتحقيق النمو الاقتصادي والتنمية، وبدأت إيران وبخاصة بعد الخميني تتجه وجهة واقعية في إدارة الاقتصاد، وتتحول من التزاماتها الأيديولوجية إلى السياسات البراغماتية.

وأدى النزاع بين النخب الحاكمة إلى تغيرات سياسية باتجاه الديمقراطية.. وحتى الآن أثبت نظام الحكم في إيران أنه مرن أمام الضغوط الخارجية والداخلية، وربما بسبب تداخل الدولة مع المجموعات الاجتماعية؛ فقد وفر ذلك أساسًا لئلّا يكون هناك شخص بمفرده أو مؤسسة منفردة مصدرًا مستهدفًا لتعبير الرأي العام عن غضبه.

وفي إيران الإسلامية اليوم ليس هناك فاعل منفرد قادر على تحديد السياسة، ولكن هناك عدد من المؤسسات تكوّن فيما بينها النظام السياسي الإيراني المعاصر، وضمن هذه الشبكة فإن قدرة النواب المنتخبين على تشكيل السياسة الاقتصادية الوطنية تعتبر محدودة، فهناك أيضًا مؤسسات فاعلة ومؤثرة غير منتخبة مثل مجلس صيانة الدستور، والحرس الثوري، وغيرها.

ويُعد المرشد أعلى سلطة في الجمهورية الإسلامية، وهو يحدد السياسات العامة للنظام ويشرف على سلامة تنفيذها، والقائد الأعلى للقوات المسلحة، ويعين العلماء والخبراء ويفصلهم في مجلس صيانة الدستور وأعضاء مجلس تشخيص مصلحة النظام، ورئيس السلطة القضائية، ورئيس شبكة الإذاعة والتليفزيون وقادة القوات المسلحة.

الاستقلال الاقتصادي بعد الثورة

قامت الثورة عام 1979 على أساس الاستقلال الاقتصادي لإيران، وكان ذلك ردًا على طبيعة العلاقة بالغرب والرأسمالية على مدى مائة سنة سابقة، وكان خطاب الثورة مزيجًا من الماركسية والدين؛ أو أسلمة للخطاب الماركسي، وكانت الجماعات المشكّلة للثورة الدينية منها أو العلمانية من وجهة نظر اقتصادية تُعد يسارية متطرفة.

وعندما أُعيدت صياغة الدستور عام 1979 أُسند إلى الدولة دور اقتصادي كبير، ونصت المادة 44 من الدستور على ملكية الدولة لـ “كل الصناعات الكبيرة والتجارة الخارجية والمعادن الرئيسية والمصارف وتوليد الطاقة والسدود وشبكات الري ذات النطاق الضخم والإذاعة والتلفزيون والبريد والتلغراف والخدمات التلفونية والطيران والشحن البحري والطرق والسكك الحديدية وما يشابهها”(58). ولكن الدستور أيضًا حمى الملكية الخاصة، ونصت المادتان 46، 47 على أن كل شخص “يعد مالكًا لثمار نشاطه المشروع وثمار عمله”، واحترام الملكية الخاصة المتحصل عليها بطريقة مشروعة.

تبنت الثورة في بدايتها نهجًا متشددًا تجاه الرأسمالية، وتضمّن الدستور مواد عدة لمواجهة الهيمنة الاقتصادية الأجنبية على اقتصاد البلاد (المادة 43)، وحظر الدستور (مادة 81) منح امتيازات للأجانب من أجل تكوين الشركات أو المؤسسات التي تتعامل في التجارة والصناعة والزراعة والمناجم والخدمات، ومنع الاحتكار واشترط لمنح الامتيازات من قبل الحكومة موافقة البرلمان.

وفي الواقع كان هناك القليل جدًا من الاستثمارات الأجنبية، سواء كان الإيرانيون يرغبون في ذلك أم غير راغبين، فقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات على إيران في أعقاب اقتحام سفارتها في طهران في نوفمبر/تشرين الثاني 1979؛ إضافة إلى البيئة الاستثمارية غير المستقرة التي أنشأتها الحرب، فلم يكن هناك سوى قليل جدًا من المستثمرين الذين هم على استعداد أو يملكون القدرة على الاسثمار في إيران في ذلك الوقت.

ولكن الاستقلال الاقتصادي المفروض أو المرغوب لم يحقق اكتفاء ذاتيًا؛ فقد زادت نسبة الواردات إلى إجمالي الناتج المحلي، وظل الاقتصاد يعتمد على النفط، وبدأت الأصوات تعلو منذ منتصف الثمانينيات في مديح اقتصاد السوق، وكانت حكومة ما بعد الحرب عام 1988 أكثر اهتمامًا بانشغالات النخب التجارية.

إعادة تعريف الأهداف الثورية

يقول إدوارد هيلموت كار: إن القوى الاقتصادية هي قوى سياسية، فعلم الاقتصاد يمكن معاملته على أنه عبارة عن ملحق دراسي ثانوي لعلم التاريخ، أو على أنه علم مستقل يمكن على ضوئه تأويل التاريخ، وبرغم أن النظرية الليبرالية اقتضت ضمنًا تواجد نظامين منفصلين جنبًا إلى جنب، فإن وهم الفصل بين علم السياسة وعلم الاقتصاد قد توقف عن أن يتطابق مع أي وجه من وجوه الواقع الحالي، وبالطبع فإن الأمر نفسه ينطبق على إيران، ففي أثناء الحرب العراقية-الإيرانية كان مهمًا لإيران أن تحافظ على مواردها الخاصة وأن تقف في وجه العالم الخارجي كلاعب مستقل.

ولكن بعد الحرب كانت هناك مجموعة من المشكلات الاقتصادية التي واجهتها الجمهورية الإسلامية، وكانت هناك حاجة للبحث عن حلول لهذه المشكلات، وخلال العقد الأول بعد الثورة شهدت كل النشاطات الاقتصادية الرئيسية في البلاد تباطؤًا ملموسًا.

وبعد الحرب أصبح أصحاب المصالح التجارية أحرارًا في المطالبة بنهج أكثر تساهلاً في التعاملات الاقتصادية الإيرانية، ولكن هدف الاستقلال الاقتصادي لم يكن قد اختفى بين عشية أو ضحاها، وإنما سعت حكومة رفسنجاني إلى إعادة تعريف الهدف بدلاً من التخلي عنه.

وقد استندت النخب التجارية إلى المجادلة بضرورة تخفيف سيطرة الدولة على الاقتصاد وإعادة استئناف العلاقات الاقتصادية مع بعض دول معينة “صديقة”؛ وهي مهمة تتطلب صياغة أجندة جديدة من أجل المرحلة الثانية من التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي في البلاد ما بعد الثورة.

وتشكّل تياران اقتصاديان سياسيان: التجاري والدولتي، وبمجرد انتخاب رفسنجاني رئيسًا للبلاد بدأت حركة جدية تجاه إعادة الروابط بالعالم الخارجي، مع التأكيد على الاستقلال الاقتصادي، وقد عرضت حكومة رفسنجاني (1989) المشكلات الرئيسية التي تأمل أن تواجهها خطة الحكومة، وهي: الانخفاض البالغ في الناتج المحلي الإجمالي، والاعتماد على النفط، والبطالة، وعجز الموازنة، وعدم المساواة بين الأقاليم والقطاعات، والنمو السكاني المتسارع، والخبرات الإدارية المتواضعة.

واقترحت الخطة منح تصاريح لاستخدام الاستثمار والائتمان الأجنبي للمشروعات المختلفة التي تعد حيوية في جهود إعادة الإعمار، ومنحت شركة النفط الوطنية تصريحًا للتوقيع على اتفاقيات مع الشركات الأجنبية المناسبة، ومنحت الحكومة تصريحًا لتأمين ائتمان أجنبي لبناء سدود.
وفي مقابل ذلك أُثيرت مخاوف من التأثير الثقافي لهذه السياسات الاقتصادية الجديدة (ص124)، وتعرضت السياسات الاقتصادية الجديدة إلى معارضة نيابية وسياسية وبخاصة في جوانبها الاجتماعية والثقافية.

وفي تلك الأثناء كان الصعود الريغاني في الثمانينيات والانهيار السوفيتي؛ ما جعل الليبرالية الاقتصادية موجة سائدة منتصرة (ص131)، وتحسن الموقف الإيراني عقب الغزو العراقي للكويت عام 1990، وارتفعت أسعار النفط، ولكن ظل تدفق الاستثمار الأجنبي في حدوده الدنيا في أوائل التسعينيات، واستمرت العقوبات الأميركية على إيران.

وعندما أُعيد انتخاب رفسنجاني عام 1993 كان الاقتصاد يعاني من ضيق شديد، وكان العديد من الأهداف التي وُضعت في الخطة الخمسية الأولى بعيدًا عن التحقق، فارتفعت الواردات من 24% إلى 38% وبلغ عجز الحساب الجاري لميزان المدفوعات: 9.5 بليون دولار.

وتعرضت الحكومة لنقد شديد جعلها تتراجع في سياسات التحرير الاقتصادي، وفقدت منظمات التمويل اهتمامها بإيران (ص142)، وحينما تقدم رفسنجاني بقانون حكومته للخطة الخمسية الثانية ركز على خفض الديون، ولكن الحكومة منحت تصريحًا بالحصول على تمويل أجنبي.

لقد توقع عدد من المراقبين للجمهورية الإسلامية الإيرانية ومنهم البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أن نهاية الحرب مع العراق ووفاة الخميني سوف يؤديان إلى تطبيع سريع للثورة من خلال التبنى الزائد للسياسات البراغماتية، ولكن الأحداث بينت أن الانفتاح الإيراني والتوجه نحو تحرير الاقتصاد لم يتم على النحو المتوقع.

وعزز انتخاب هاشمي رفسنجاني رئيسًا لإيران في عام 1989 إضافة إلى ارتفاع أسعار النفط هذه التوقعات، وأن ذلك سوف يؤدي إلى إنشاء ظروف مثالية للتحرر الاقتصادي، وأن القطاع الخاص والاستثمارات الخارجية ستأخذ مكانًا مهمًا في الاقتصاد الإيراني، ولكن البنك الدولي أدرك في عام 1994 أن كل هذا غير محتمل حدوثه في أي وقت قريب، وفي ظل الضغوط التي مارستها حكومة الولايات المتحدة سحب البنك عرضه بالمساعدة المالية، واستمرت السياسات الاقتصادية تجري في مسار متقلب بدون بلوغها غاية يمكن التنبؤ بها.

وواجهت عمليات التحرر الاقتصادي في إيران تحديات متعددة سواء فيما يتعلق بالميراث الإجمالي للثورة، أو فيما يتعلق باختلاف تأويلات هذا الميراث، وبينما كانت تبدو هناك احتمالية لظهور مسار مستقيم للتحرر الاقتصادي عند بداية فترة هاشمي رفسنجاني سمحت ظروف أوائل التسعينيات بظهور دورة جديدة من التحولات المستمرة في السياسات، وكانت الحكومة بشكل عام مؤيدة للمصالح التجارية وانضم إليها في البداية مجلس صيانة الدستور ثم لاحقًا مجلس النواب، ولكن ومنذ عام 1994 تصاعدت معارضة المحافظين في المجلس للعديد من سياسات الحكومة البراغماتية. وباختصار؛ أدت المساومات المعقدة حول الميراث الثوري من قبل الفصائل المتنافسة الموجودة في أجزاء مخلفة من شبكة دولة الجمهورية الإسلامية إلى مواقف متقلبة في السياسات.

التحرك نحو الإصلاح

يقول ماركس: “يصنع الناس تاريخهم، ولكنهم لا يصنعونه على النحو الذي يروق لهم، أو في ظل ظروف يختارونها بأنفسهم، بل عوضًا عن ذلك فإنهم يصنعونه في ظل الظروف التي يواجهونها، وهي ظروف معطاة وموروثة عن الماضي. إن تقاليد الأجيال الماضية تجثم كالكابوس على عقول الأحياء”. وقد أوضح انتخاب خاتمي لرئاسة الجمهورية الإسلامية مدى عدم القدرة على التنبؤ بالسياسة الإيرانية.

وعلقت صحيفة نيويورك تايمز قائلة: إن التحالف الذي أيد السيد خاتمي كان عريضًا إلى حد أنه كان متعارضًا مع بعضه البعض، وهو ما يجعل التنبؤ بالاتجاه الذي سيمضي فيه أمرًا شاقًا، فقد جمع هذا التحالف معًا اليساريين القدامى مع مناصريهم من أصحاب الاقتصاد المخطط مركزيًا، والتجار من بازار طهران مع جذورهم العميقة في النظام الإيراني القائم، والتكنوقراط الذين يرغبون في حريات أكبر للقطاع الخاص الصغير والعديد من الناس من الماضي الذين كانوا قد امتنعوا عن التعاطي مع السياسة، والكثير من المواطنين الشباب الذين لم تُتح لهم الفرصة قط من قبل للتصويت.

وبدءًا منذ ذلك التاريخ (1997) كانت الجماعات التي تمتعت بنفوذ واسع في عملية تشكيل السياسة الاقتصادية في إيران في الأجهزة المنتخبة إما نخبًا تجارية تحولت إلى براغماتية، أو نخبًا دولتية تحولت إلى إصلاحيين، ومن محصلة تجميع وجهات نظرهم ومثلهم المتعارضة تم إقرار السياسات في ذلك الوقت، ووضع الإصلاحيون أنفسهم في منزلة وسطى بين الدولتيين والتجاريين.

وأعاد الموقف الأميركي العدائي تعزيز وجهات النظر المعادية لأميركا وتقويتها داخل الأجهزة المعينة في إيران وربما أكثر من السابق، وفي ظل هذا المناخ بدا أنه من غير المحتمل أن يتشجع الكثير من المستثمرين الأجانب على القدوم إلى إيران، وذلك حتى على الرغم من صدور قانون جديد للاستثمار الأجنبي.

وفي ظل تأثير الأغلبية الدولتية بعد انتخاب نجاد رئيسًا لإيران سمحت الخطة الخمسية الرابعة بانخراط أجنبي متزايد في الاقتصاد الإيراني، ومُنحت شركة جنوب إفريقية عقدًا للمساعدة على تطوير شبكة التليفون المحمول.

وقد اعترض الإحيائيون الدولتيون على أنماط معينة من الاستثمار الأجنبي، وبدأ يتشكل جدال حول خدمة وتحقيق أهداف الثورة الإيرانية، وكان انتخاب نجاد محاولة للجمع بين الثورة والانفتاح الاقتصادي والعولمة الاقتصادية.

لقد ظلت المراهنة على الاستجابة الإيرانية للعولمة قائمة، وأن تتحول إيران إلى سياسات واقعية وتصفي خلافاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا من أجل فتح الباب أمام منافسة من كل الدول للاستثمار في إيران وبخاصة في صناعات النفط والغاز والتي تعدّ قاطرة النمو في البلاد، ولكن في ظل هيمنة التيار المحافظ في إيران والذي كان يعتقد أن المحافظة على الثورة الإيرانية يعتمد على مواجهة التمويل والاستثمار الأجنبي، اقترحت مع الوقت عدة استراتيجيات للانخراط في الاقتصاد العالمي بطريقة تجنب إلحاق الضرر بالنظام بسبب تعديات خارجية غير مرغوب فيها، وظلت الاتجاهات الإصلاحية والمحافظة متفقة على هدف الاستقلال الاقتصادي.

كانت الثورة الإيرانية سائلة غير متماسكة، حيث كان يتم تشكيل موقف جديد عند كل خطوة على الطريق، وذلك استجابة للتغير المستمر للأفكار المهيمنة ما بين الجماعات الفرعية المتعددة للنخبة الحاكمة. وباختصار كان يتم التوفيق بين الأهداف الثورية الموروثة من الماضي وبين الاحتياجات الطارئة لحاضر جمهورية إيران الإسلامية من خلال ممارسة طائفة من الخيارات السياسية، بحيث يتم تحديد كل عنصر من عناصر هذه الطائفة متضمنًا تركيزًا خاصًا على بعض الأوجه التي تحمل في طياتها بعض الشعارات التي كانت قد سهلت خلق الدولة الجديدة.

وبينما كان هناك اتفاق عريض بين كافة الثوار على ضرورة وقف الاستغلال الغربي لموارد إيران، لم يكن هناك أية استراتيجية مفصلة تحدد على وجه الدقة كيف يمكن تنفيذ هذه المهمة الصعبة!

تتفق المؤلفة في عرضها للخريطة السياسية في إيران مع دراسة فاطمة الصمادي “التيارات السياسية في إيران” ودراسات أخرى في هذا المجال، مثل ويلفرد بختا “من يحكم إيران” الصادر عن مركز الإمارات، والتيارات السياسية في إيران لسعيد برزين، والصادر أيضًا عن مركز الإمارات.

تردّ فاطمة الصمادي السياسات الاقتصادية الإيرانية إلى رؤية أيديولوجية صاغها حزب الجمهورية الإسلامي الذي حكم إيران بعد الثورة؛ حيث تبنى الحزب سياسة تضمن القبول بمسؤولية الدولة في جميع الميادين الاقتصادية، وبالحد من الملكية الخاصة، وحظر الاستثمار الأجنبي، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وعارض أنصار هذا الحزب نقل المراكز الاقتصادية المهمة إلى القطاع الخاص (ص45-46). وهي رؤية اقتصادية اجتماعية قريبة من الاشتراكية وإن كانت مختلفة عنها (ص86).

وبدأ موسوي رئيس الحكومة في بدايات الثورة محاولة تطبيق الحكومة الاجتماعية، والقضاء على الفقر، والدفاع عن القيم الثقافية للإسلام والثورة، ولكن الحرب والعقوبات الاقتصادية وغير ذلك من العوامل خفض كثيرًا من عائدات البلد من النفط؛ ما أدى إلى الحد من قدرة الحكومة على تنفيذ برامجها في تحقيق التنمية الاقتصادية (ص47).

وبخلاف بيسران فإن الصمادي تلاحظ في مجيء خاتمي إلى السلطة بداية مرحلة من الإصلاح السياسي العام، وأن خاتمي دشن العقد الثالث من الثورة ليجعله عقد خطاب الإصلاح على أساس التنمية السياسية والمشاركة العامة والانفتاح في السياسة الخارجية والتوسع في المؤسسات الديمقراطية (ص55).

وأجرى اليسار في سياق عقد الإصلاحات تحولاً مهمًا في السياسة الاقتصادية من الدفاع عن دور الدولة والتحذير من الخصخصة إلى الدفاع عن اقتصاد السوق ومخالفة حصر الاقتصاد بيد الدولة (ص161).

ويصف بوختا مراكز السلطة في إيران بأنها متاهة؛ فالرئيس المنتخب يمثل القوة الثانية في مركز السلطة، ويعتبر المرشد الأعلى هو القوة الرئيسية الأولى، ثم هناك -كما يصف بوختا- أربع حلقات في بنية السلطة: الآباء، وكبار موظفي الدولة وعمد المدن الكبرى والتكنوقراط، وقاعدة السلطة للنظام من القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والمليشيات ووسائل الإعلام، والمعارضة.

وتدير السياسة الإيرانية مجموعة من المؤسسات بالإضافة إلى المرشد الأعلى والرئيس والبرلمان ومجلس الوزراء بعضها ليس مألوفًا، مثل مجلس الخبراء ومجلس تشخيص مصلحة النظام ومجلس صيانة الدستور، وهناك أيضًا شبكة من المؤسسات غير الرسمية، والتي تملك موارد هائلة وتدير أنشطة وبرامج عملاقة تقدر بمئات البلايين.

وسواء كان الانفتاح الاقتصادي على العولمة إصلاحًا اقتصاديًا أم العكس؛ فقد استطاعت إيران أن تبني اقتصادًا قويًا؛ فتشير البيانات الأساسية عن الاقتصاد الإيراني إلى صناعات قوية ومزدهرة في السجاد وصناعة السيارات والآلات الثقيلة والجرارات والتعدين والنسيج والصناعات الغذائية والبتروكيماويات، هذا بالطبع عدا قطاع النفط والغاز والطاقة؛ حيث تعد إيران في مقدمة دول العالم في هذا المجال، وقد بلغ الناتج المحلي عام 2011 أكثر من 824 بليون دولار.

وبالطبع هناك مشكلات اقتصادية كثيرة، ولكن معظمها يُرد إلى سياسات الحصار على إيران أكثر من اتجاهات الدولة والتيارات السياسية المؤثرة.
___________________________________
* باحث متخصص في العلوم الاجتماعية
المصدر/ مركز الجزيرة للدراسات



الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.