الأحد 27 نوفمبر 2022
22 C
بغداد

    الإسلام السياسي الشيعي المعاصر: جدلية الثورة والسلطة

    اعداد/ انمار نزار هاشم الدروبي
    الخلاصة باللغة العربية:
    إذا تفحصنا بدراسة تحليلية واجرينا مراجعة تاريخية لمسيرة حركات الإسلام السياسي الشيعي المعاصر فسوف نجد أنها ظاهرة ازداد نشاطها بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، من ثم تضخم نشاطها في السنوات القليلة الماضية وتحديدا بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، حيث استطاعت القوى الإسلامية الشيعية بعد تسلمها للسلطة فرض إرادتها السياسية على المجتمع وأطراف البنية السياسية التي تختلف معهم في الرؤية والمنهج بشكل عام. بالرغم من التخوفات الموضوعية التي يرى الباحث بانها إرثا شرعيا لا زال يواكب العديد من القوى الليبرالية والعلمانية وباقي حركات الإسلام السياسي ايضا حول نوايا قوى الاسـلام السياسي الشيعي المعاصر وقدرتها على بناء نموذج ديمقراطي في الحكم، من خلال استئثارها بالسلطة طوال الفترة الماضية والتي رسمت صورة نمطية لتلك القوى قائمة على السلبية والانتهازية وتسيس المقدس لخدمة اهدافها الحزبية من جهة، أو من خلال ممارسات تلك القوى ومواقفها وسلوكياتها واشهارها لأسلحتها الدينية في كثير من الأحيان أمام خصومها السياسيين لتحقيق اهداف دنيوية اسـتطاعت من خلالها تحقيق مكاسب سياسية كبيرة، إلا أن ذلك لا يلغي جدلية العلاقة بين حركات الإسلام السياسي الشيعي المعاصر والمشاركة السياسية، بمعنى أنه لم يلغي حقيقة أن حركات الإسلام السياسي الشيعي المعاصر في العالم العربي والإسـلامي استطاعت أن تفرض حضورا متجددا في ميدان العلاقات الاجتماعية والسياسية في البلاد العربية كفاعل كبير في صوغ مشهدها العام وفي توليد ديناميات جديدة فيها، بحيث لم يعد من الممكن التعبير الموضوعي عن حالة الحراك السياسي بمعزل عن قوى الإسلام السياسي الشيعي المعاصر.
    الخلاصة باللغة الإنكليزية:
    Summary
    Let’s examine with an analytical study and conduct a historical review of the movement of contemporary Shiee political Islam. We will find that it is a phenomenon whose activity increased after the success of the Islamic Revolution in Iran in 1979. Then its activity increased in the past few years, specifically after the American occupation of Iraq in 2003. The Islamic Shiee power imposed its political will on society and the parties of the political structure contradicted it in terms of vision and approach. Despite the objective concerns that the researcher sees as a legitimate legacy that still accompanies many liberal and secular forces and the rest of the political Islam movements as well about the intentions of the forces of contemporary Shiee political Islam and the ability to build a democratic model of governance, through the monopoly of power over the past period, which painted a stereotypical picture of that forces are based on passivity, opportunism, and politicizing the sacred to serve their partisan goals on the one hand or through the practices, stances, and behaviors of those forces and their often publicizing their religious weapons in front of their political opponents to achieve worldly goals through which they were able to achieve great political gains. However, this does not cancel the dialectic of the relationship between contemporary Shiee political Islam movements and political participation; in the sense that it did not cancel out the fact that contemporary Shiee political Islam movements in the Arab and Islamic world were able to impose a renewed presence in the field of social and political relations in the Arab countries as a major factor in shaping the public scene and generating new dynamics in them. It is not possible to objectively express the state of the political movement in isolation from the forces of contemporary Shiee political Islam
    مقدمة:
    في إطار دراستنا عن الإسلام السياسي الشيعي المعاصر بوصفه تعبيرا عن بُنية دينية يبرز مفهوم السلطة، والسلطة هي ولاية في الفكر الإسلامي السياسي الشيعي المعاصر بمعنى الإمامة، بالنتيجة هو بعد ديني في حركات الإسلام السياسي الشيعي. وقد سعينا في هذا العمل البحثي إلى توضيح مفهوم الإسلام السياسي الشيعي المعاصر وشرحه ومعالجة الإشكاليات المؤثرة في قضية المعارضة والسلطة، حيث أصبح هذا الموضوع يمثل إشكالية مهمة لا تزال تثير الكثير من الجدل الأكاديمي، من الناحيتين العلمية والعملية، لاسيما في ظل التطورات الإقليمية الراهنة وتوسع رقعة انتشار الإسلام السياسي الشيعي في المنطقة، الذي بات محور لاستقطاب الاهتمام العلمي في العالم الإسلامي بل في العالم أجمع، إثر التطورات التي حصلت في العالم الإسلامي، وتحديدا بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران وما تلاها من أحداث لها طابعها الفكري ولونها الثقافي الخاص. وعلى هذا الأساس، حاولنا الحديث عما نسميه فكرا إسلاميا سياسيا شيعيا معاصرا في نطاق فكرتين متناقضتين، فبعض من علماء الشيعة يؤمنون بنظرية الإمامة وولاية الأمة، على أنها إحدى شؤون إمامة الإمام المعصوم، وإن جميع الحكومات التي تشكلت متجاهلة هذا الحق الإلهي هي حكومات غاصبة وجائرة، ويجب أن يكون للأئمة منزلة أعمق وأكبر بكثير من وجود ولايتهم السياسية، في الوقت نفسه يعتبرون نظرية الإمام الغائب كانت السبب الرئيسي في ابتعاد الشيعة عن مسرح الحياة السياسية وذلك بتحريم العمل السياسي وإقامة الدولة بحسب رأيهم. وعليه كانت الإشكالية الكبرى التي سعى الفقه السياسي الشيعي لمعالجتها، هي في الأصل وليدة القرن الرابع الهجري وتحديدا منذ غياب الإمام الحجة (المهدي محمد بن الحسن) الإمام الثاني عشر للشيعة الإمامية في العام 329 للهجرة، وإن غيبة الإمام المعصوم صاحب الولاية المطلقة تركت فراغا في الموقع الشرعي للسلطة. أما الاتجاه الآخر يرى أن ظهور نظرية ولاية الفقيه يُمثل أبرز التطورات في الفقه السياسي الشيعي وبالتحديد في قضية السلطة، كون أن ظهور هذه النظرية مثلت انفصالا عمليا عن فكرة الإمام الغائب وممارسة السلطة بشكل آخر، مما أدى إلى أن بعض علماء الشيعة تخلوا وتراجعوا عن فكرة الإمامة الداعية إلى نظرية الانتظار.
    أولا: أهمية البحث:
    أثارت حركات الإسلام السياسي الشيعي في الفترة الأخيرة جدلا وفضولا واسع الاهتمام للباحثين والدارسين، وكثرة الابحاث العلمية والدراسات المتعلقة بالإسلام السياسي الشيعي المعاصر والتي تحاول تكشف جوانب متعددة منها، خاصة بعد تنامي دورها في الحياة السياسية في العالمين العربي والإسلامي سواء كان هذا الدور على الصعيد الرسمي أو الشعبي. سيما أن تزايد نشاط تيار الإسلام السياسي الشيعي المعاصر بكل تجلياته والوانه على ساحة الأحداث السياسية في عدد من الدول العربية يثير تساؤلات كثيرة عن حقيقته والأدوار التي يؤديها على الساحة العربية والإقليمية.
    ثانيا: أهداف البحث:
    يسعى البحث إلى توضيح حقيقة عمل قوى الإسلام السياسي الشيعي المعاصر في إيران والعراق والحركات التي تنضوي تحت إطاره أو تمثله على الساحة العربية، ويمكن أن نجمل الأهداف الرئيسية للبحث بما يلي:
    1. التعرف على أساليب التغيير السياسي التي انتهجتها حركـات الإسلام السياسي الشيعي المعاصر في العراق وتبيان اسس التوافق ما بين أساليب التغيير المختلفة والخطاب السياسي المعلن من قبل هذه القوى نحو إقامة دولة إسلامية وفق النموذج الإيراني (ولاية الفقيه).
    2. فرز وتصنيف القوى التي تمثل الإسلام السياسي الشيعي المعاصر وفق معيار عقائدها وطبيعة تنظيمها وتوجهاتها وأهدافها السياسية ما بين ولاية الفقيه المطلقة وبين ولاية الفقيه المقيدة.
    3. الوقوف على نشاط الإسلام السياسي الشيعي المعاصر ودوره ومدى انسجامه مع تطلعات الشعوب في التحرر والتقدم والبناء الحضاري.
    ثالثا: مشكلة البحث:
    تكمن مشكلة الدراسة في أن حركات الإسلام السياسي الشيعي المعاصر انتهجت خـلال سـعيها لإحداث التغيير الذي ترتئيه في المجتمع العراقي عـدد مـن الأسـاليب والآليـات المختلفـة والمتناقضة أحيانا، إلا أن المشكلة الرئيسية هي في آلية الاختيار بين تلك الأساليب وكيفية ممارستها، بمعنى أن مشكلة أيديولوجيات الإسلام السياسي الشيعي وتحديدا في العراق، بقيت مجرد شعارات تدعو إلى إقامة نظام حكم إسلامي، ولم تكن قادرة على التعاطي مع واقع المجتمع العراقي، وكذلك فشلها في الشراكة السياسية والقدرة على الاتفاق مع الآخرين على برنامج وطني واحد عند استلامها للسلطة، بل أثبتت عجزها مع واقع الدولة.
    رابعا: منهج البحث:
    لتحقيق أهداف البحث ارتأينا استخدام مناهج علمية متداخلة بين المنهج التاريخيّ والمنهج المقارن وذلك للمقارنة بين التجربتين العراقية والإيرانية.
    خامسا: الإطار النظري والدراسات السابقة:
    بعد الاطلاع على بعض الدراسات والمراجع في موضوع الإسلام السياسي الشيعي المعاصر، يرى الباحث أنها تعاني من مشكلة عدم الحياديـة، فقد كانت إما بمثابة مرافعات دفاعية عن قوى الإسلام السياسي الشيعي وتجميـل وتبريـر وتقديس لرموزها، وإما تهجم وتعرية لكل مسيرتها ورموزها ومواقفها. وعليه سنحاول أن يكون هذا البحث إضافة جديدة في موضوع الإسلام السياسي الشيعي المعاصر، وتحديدا ما بين الفكر الثوري وبين ممارسة السلطة، في الوقت نفسه الالتزام بأكبر قدر من الحيادية.
    ومن أهم الدراسات التي تناولت موضوع البحث وبطريقة مهنية وموضوعية هي:
    1. الدكتور (فاخر جاسم): تناول الدكتور فاخر جاسم دراستين مهمتين عن الإسلام السياسي الشيعي بالرصد والتحليل وهما بعنوان:
    أولا: دراسات في الفكر السياسي الإسلامي ().
    ثانيا: لمحات تاريخية من تطور الفكر السياسي الشيعي جدلية الثورة والسلطة ().
    هدفت هاتين الدراستين إلى تقديم صورة دقيقة ومفصلة بالرصد والتحليل عن تاريخ الإسلام السياسي الشيعي، لاسيما الفكر السياسي الشيعي المعاصر ومناقشة أهم المحطات الرئيسية، أبرزها، صراع الولاء بين الدولة والمرجعية، ونظرية ولاية الفقيه وظروف نشأتها وأسسها، مرورا بأهم أدبيات هذه القوى ولوائحها التاريخية وتطورهـا، وموقف قوى الإسلام السياسي الشيعي من السلطة، وعلاقات المد والجزر، الصدام والتهدئة مع أنظمة الحكم المتعاقبة، كذلك تتعرض الدراسة للعلاقة بين جيلين هما، الحـرس القديم والتيار الجديد، وصولا لأهم الأسئلة الحاكمة حول طبيعة العلاقة بين الـديني والسياسي.
    2. دراسات عادل رؤوف بعنوان: العمل الإسلامي في العراق بين المرجعية والحزبية ().
    هي دراسة تحليلية لإعطاء تصورات عن أزمة القيادة الإسلامية الشيعية بمفهومها العام في نقطة جغرافية محددة وفي زمن محدد.
    3. كتاب صلاح الخرسان بعنوان: حزب الدعوة الإسلامية حقائق ووثائق: فصول من تجربة الحركة الإسلامية في العراق خلال 40 عام ().
    تكمن أهمية كتاب صلاح الخرسان في تأسيس حزب الدعوة الاسلامية أواخر الخمسينات من القرن العشرين، وكيف أصبح الحزب نقطة تحول في تاريخ الحركة الاسلامية في العراق.
    4. دراسات الدكتور (على الفياض) بعنوان: نظريات السلطة في الفكر السياسي الشيعي المعاصر ().
    تحدثت الدراسة عن إشكاليات الفكر السياسي الشيعي المعاصر في نطاق (الدين والسلطة) ونظريات السلطة عند الإمام الخميني (ولاية الفقيه)، وكذلك نظرية السلطة عند العلامة شمس الدين، إضافة إلى نظرية السلطة عند محمد باقر الصدر.
    5. دراسة (صلاح جواد شبر) بعنوان: الحزبية والإسلام السياسي الشيعي ().
    هدفت الدراسة في مناقشة أهمية الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، ووصول الخميني للحكم، وتأثيرها على فكرة التحزب الشيعي، وفتح الباب في التفكير جديا في وصول الإسلاميين إلى الحكم ليس في العراق فقط بل في كل العالم.

    تعقيب على الدراسات السابقة وماهي الإضافة العلمية التي سيقدمها الباحث:
    يحاول الباحث في موضوع (الإسلام السياسي الشيعي المعاصر: جدلية الثورة والسلطة) إلى التوافق مع الدراسات السابقة المذكورة آنفا، حيث يهدف إلى دراسة حركات الإسلام السياسي الشيعي المعاصر وسلوكها في إدارة الحكم والمنظومة الفكرية والأيديولوجية للحكم، وضرورة وجود الشراكة وتقبل الآخر. لاسيما أن جوهر مشكلة حركات الإسلام السياسي الشيعي المعاصر تظهر في ابراز الشراكة السياسية مع باقي التيارات السياسية الأخرى بمفهومها الواسع وغير التقليدي في إدارة السلطة والعملية السياسية. في الوقت نفسه فإن البحث لا يختلف عن الدراسات المذكورة إلا في طبيعة الجدلية التي تناولها الباحث، في الفترة الزمنية والمقارنة بين التجربتين العراقية والإيرانية وما حملته من تداعيات على صعيد الإسلام السياسي الشيعي المعاصر.
    سادسا: تقسيم البحث
    تم تناول الموضوع من خلال مبحثين، المبحث الأول، نشوء الإسلام السياسي الشيعي المعاصر، وسيتضمن مطلبين، الأول، تيار ولاية الفقيه (ولاية الفقيه المطلقة ـ ولاية الفقيه المقيدة)، المطلب الثاني، التيار الليبرالي (الشيخ محمد مهدي شمس الدين ـ محمد حسين فضل الله ـ على شريعتي ـ محمد باقر الصدر ومفهومه لولاية الأمة). المبحث الثاني، تجريه الإسلام السياسي الشيعي في السلطة، وسيتضمن هذا المبحث مطلبين، الأول، التجربة الإيرانية، المطلب الثاني، التجربة العراقية

     

     

     

     

     

     

     

    المبحث الأول
    نشوء الإسلام السياسي الشيعي المعاصر
    في نطاق دراستنا للإسلام السياسي الشيعي المعاصر، يجب العودة قليلا إلى مراحل تطور الفقه السياسي عند الشيعة، حيث مر هذا الفكر بأربعة مراحل، المرحلة الأولى، وتسمى بمرحلة ازدهار الفقه الفردي وتمتد من بداية القرن الرابع الهجري إلى بداية القرن العاشر الهجري. المرحلة الثانية، وتسمى هذه المرحلة بالسلطنة والولاية وتمتد هذه المرحلة من القرن العاشر الهجري حتى القرن الثالث عشر الهجري وهي مرحلة تميزت بإعلان المذهب الشيعي الإمامي الاثني عشري مذهبا رسميا في إيران وسيطرة فقهاء الشيعة في العهدين الصفوي والقاجاري. المرحلة الثالثة، وتبدأ هذه المرحلة في بداية القرن الرابع عشر الهجري، حيث شهدت هذه الحقبة ظهور مفهوم الدستور ووضع مبادئ تقييد سلطة الملوك والحد من صلاحياتهم المطلقة، ومن أهم مميزات هذه المرحلة هي، الدعوة لتطبيق الحرية والعدالة والمساواة والحقوق العامة ومبدأ الفصل بين السلطات. المرحلة الرابعة، وهي مرحلة عصر الجمهورية الإسلامية وتبدأ هذه المرحلة في أواخر القرن الرابع عشر الهجري، ويعتبر (الخميني) أول فقيه في التاريخ الشيعي ينجح في تأسيس الدولة، حيث دعى إلى وجوب تأسيس الحكومة الإسلامية ().
    إن البيئة التي نشأ وتطور فيها الفكر السياسي الشيعي المعاصر لا تختلف عن الظروف السياسية والاجتماعية والفكرية التي أدت إلى نشوء تيار الإسلام السياسي المعاصر بشكل عام. ولكن حركية تنظيمات وجماعات الإسلام السياسي الشيعي المعاصر، السياسية والفكرية، في الظروف المعاصرة تؤشر إلى تميزه عن باقي حركات الإسلام السياسي، سواء من حيث الممارسة أو الفكر أو النفوذ الاجتماعي. حيث أستطاع هذا التيار الوصول إلى السلطة والتمسك بها في بلدين من أهم البلدان الإسلامية هما، إيران والعراق بالرغم من الاختلاف ما بين التجربتين في الممارسة. في الوقت نفسه نلحظ تزايد النفوذ السياسي لهذا التيار بالاستمرار والتوسع في العديد من البلدان الإسلامية مثل، لبنان، اليمن، سوريا، والجزائر والمغرب وأفغانستان ().
    فيما يتعلق بالإسلام السياسي الشيعي المعاصر في العراق، تعتبر الحركة الدستورية عام 1906 أول حركة سياسية معاصرة دخلت فيها المرجعية الدينية الشيعية النشاط السياسي على نطاق واسع، عندما انقسمت المرجعية في النجف إلى فريقين، الفريق الأول كان ضد الدستور أو الحياة البرلمانية والتي كانت تتعارض مع إمامة المهدي المنتظر وتخل بفكرة انتظاره، ذلك لإيمانهم بالحكم المطلق، حيث يرى أنصار هذا الاتجاه أن الحكم مغتصبا بغياب الإمام المهدي. بينما يرى الفريق الثاني أن حكم الاستبداد غير عادل ولابد من دستور يتقيد به الحاكم وقد أطلق على هذا الفريق (فريق المشروطية) لاشتراطهم تقييد الحكام بالدستور. من ثم تطور النشاط السياسي للشيعة بعد الاحتلال الإنكليزي للعراق، حيث بلغ النشاط السياسي أوجه في الفترة التي سبقت ثورة العشرين في العراق، بعدها نشبت ثورة النجف عام 1918 ضد الاحتلال الإنكليزي، وكانت هذه الثورة أحد المقدمات الهامة لثورة العشرين والتي لعبت فيها المرجعية الدينية الشيعية دور الزعامة الروحية لشيعة العراق، بعد أن أشاعت في الأوساط الشيعية فتوى الجهاد ضد الإنكليز للمرجع الأعلى آنذاك (محمد تقي الشيرازي)، وغيرها من الحوادث السياسية التي أثبتت تدخل المرجعية الدينية في السياسة العراقية، على سبيل المثال لا الحصر، دور الشيخ (محمد حسين كاشف الغطاء) أبرز رجال الدين الشيعة وعلماء المرجعية الدينية، في أحداث عام 1934، تلك الأحداث التي شهدت صراعا سياسيا بين وزارة جميل المدفعي وبين عشائر الفرات الأوسط، وصلت فيها الأمور إلى عصيان مسلح في تلك المناطق ().

    وسيتضمن هذا المبحث مطلبين: الأول، تيار ولاية الفقيه (ولاية الفقيه المطلقة ـ ولاية الفقيه المقيدة)
    المطلب الثاني: التيار الليبرالي (الشيخ محمد مهدي شمس الدين ـ محمد حسين فضل الله ـ على شريعتي
    ـ محمد باقر الصدر ومفهومه لولاية الأمة).

     

     

     

     

     

     

     

     

    المطلب الأول
    تيار ولاية الفقيه
    أولا: ولاية الفقيه المطلقة:
    لا شك أن التطورات السياسية والتجاذبات الفقهية التي شهدتها الجماعة الشيعية بدأت منذ العهد الصفوي ثم القاجاري وصولا إلى العهد البهلوي، وقد أثرت تلك التطورات السياسية كثيرا علـى العقـل الجمعي الشيعي. فعبر التاريخ اختار الشيعة في تفاعلهم مع البيئات السياسية مقاربات مختلفة. وبما أن الإمام الخميني كان يدرك بشكل واسع كل جوانب وتداعيات التاريخ السياسي الشيعي، بالتالي فإن ذلك التراث السياسي والفقهي لم يغب عن الثورة الإسلامية في إيران عام 1979. لقد مر الخميني بثلاث مراحل رئيسية في حياته الفكرية، حيث مثلت هذه المراحل أهم وأبرز المرتكزات الأساسية لفهم مآلات نظرية الفقه السياسي لدى النخب الإيرانية المعاصرة ().
    1. المرحلة الأولى: بدأ الإمام الخميني كفقيه شيعي تقليدي مؤمن بخط الانتظار الموروث عن الحوزة التقليدية، كسائر الفقهاء التقليديين، سيما أن بعض الدلالات تشير إلى أن هذه الفترة استمرت حتى الستينات من القرن العشرين، والتي أصر فيها الخميني على ضرورة الانتظار وحرمة إقامة الدولة في عصر الغيبة، أو إقامتها على أساس الشورى ().
    2. المرحلة الثانية: وتتمثل هذه المرحلة باقتراب الإمام الخميني من فكرة الدولة الدستورية، والتي دعى لها النائيني مُنظر الثورة الدستورية. حيث يقول الخميني بهذا الصدد” نحن لا نقول ولم نقل ان السلطان يجب أن يكون فقيها، السلطان يجب أن يكون عسكريا لكن لا يختلف عن الفقه القانون الرسمي للبلد، ولا يكفي للملك أن يكون عنده إطلاعات تاريخية وعسكرية، على الملك ألا يجعل السلطنة وسيلة لشهواته، ويجب أن تُدار الحكومة بشريعة الله، التي يتم فيها صلاح العباد والبلاد، ولا يتم هذا إلا بإشراف العلماء الأحرار وهم رجال الدين”().
    3. المرحلة الثالثة: وهي مرحلة كتابة الحكومة الإسلامية وتأسيسه لنظرية ولاية الفقيه، لكن الإمام الخميني لم يطرح الولاية المطلقة وإنما نَظَرَ في هذه المرحلة للولاية العامة، وبعد أعوام من نجاح الثورة الإسلامية أقر الخميني نظرية ولاية الفقيه المطلقة ().
    وبحسب رأي الإمام الخميني، أن أطروحة النيابة العامة للفقيه عن الإمام الغائب ليست كنظرية سياسية، بل هي جزء أساسي من الدين، فالحكومة في رأي المجتهد الحقيقي هي الفلسفة العملية لمجموع الفقه في نواحي الحياة البشرية. ذلك أن الحكومة هي التطبيق العملي الذي يجسد موقف الفقه تجاه المشكلات الاجتماعية، والسياسية، والعسكرية، والثقافية، سيما أن الفقه هو النظرية الواقعية الحقيقية الكاملة والشاملة لإدارة الانسان والمجتمع من المهد إلى اللحد ().
    على ما تقدم، لقد أعطى الخميني لموضوع الإمامة بعدها السياسي عبر تطويره لنظرية (ولاية الفقيه) ولم يكن أول من فعل ذلك في التاريخ الشيعي، ولكنه كان أشدهم وضوحا في هذه المسألة وأول من جسدها عمليا على أرض الواقع. وفي سياق طرحه لفكرة ولاية الفقيه يرد الخميني على الداعين لانتظار الإمام الغائب لإقامة حكومة إسلامية، بأن هذا الرأي يعطل أحكام الإسلام، حيث يوضح الخميني فلسفته في فكرة موضوع ولاية الفقيه، برغم من عدم وجود نص على شخص من ينوب عن الإمام حال غيبته، إلا أن خصائص الحاكم الشرعي لايزال يعتبر توافرها في أي شخص مؤهلا إياه ليحكم في الناس، وهذه الخصائص التي هي عبارة عن العلم بالقانون والعدالة هي موجودة لدى معظم فقهائنا في هذا العصر، فإذا أجمعوا أمرهم كان بإمكانهم تكوين حكومة عالمية منقطعة النظير. من خلال ما سبق يتوصل الخميني لطرح خلاصة فكرته بصيغة (ولاية الفقيه) فهو يرى انه إذا نهض بأمر تشكيل الحكومة فقيه عادل فإنه يلبي من أمور المجتمع ما كان يلبيه النبي صلى الله عليه وسلم منهم، ووجب على الناس أن يسمعوا له ويطيعوه. كذلك ينطلق الخميني من رفضه لفصل الدين عن السياسة باعتبار أن الدين سياسته عبادة وعبادته سياسة، حيث يرى أن الدخلاء استهدفوا ترويج مثل هذه المقولات من أجل القضاء على الإسلام وفعاليته ورغبتهم في السيطرة على البلاد الإسلامية، وأن الحكومة في رأيه هي الوسيلة لتنفيذ الأحكام وإقرار النظام الإسلامي العادل وليس غاية في ذاتها. لقد حدد الخميني منصب الإمام الفقيه كأعلى سلطة دستورية، ويحتم على رئيس الجمهورية أن يأخذ تزكية وموافقة من الإمام وإلا فلن يصبح شرعيا ().
    من خلال دراستنا لنظرية ولاية الفقيه وبصورة عامة لابد من رصد أهم الظروف الفكرية والاجتماعية لنشوء ولاية الفقيه المعاصرة وكما يلي:
    الظروف الفكرية:
    تعد نكسة حزيران عام 1967 وما آلت إليه من تأثيرات فكرية وسياسية على المثقفين الشباب وخاصة المنحدرين من الأصول الريفية من أهم العوامل الفكرية. وكذلك تصاعد النفوذ السياسي والفكري والاجتماعي لتيار العلمانية، بشقيه الماركسي والقومي في بداية النصف الثاني من القرن العشرين، مما ولد حالة صراع بين التيارات السياسية كرد فعل من جانب بعض طلاب المدارس الدينية في النجف، مع تمسك المرجعيات الشيعية بمبدأ عدم الاشتغال المباشر في السياسة كشرط لعودتهم من المنفى في إيران عام 1924. إضافة إلى ظهور تكتلات سياسية دينية بزعامة سياسيين ورجال دين من الطائفتين الشيعية والسُنية بعد ثورة 14 تموز 1958، في الوقت نفسه تولد شعور لدى كثير من رجال الدين الشباب بضعف دور المرجعية الدينية وعدم أهليتها لقيادة الطائفة الشيعية، وذلك بسبب نشوب الخلافات بين المراجع الشيعية الرئيسية مع بداية الستينات من القرن الماضي، وكذلك ظهور نزعة إقامة الدولة الإسلامية لدى تيار واسع من رجال الدين الشباب ().
    الظروف الاجتماعية:
    أما أبرز الظروف الاجتماعية لنشوء ولاية الفقيه المعاصرة فهي، انضمام الفئات الاجتماعية الكادحة والفقيرة إلى الأحزاب والحركات السياسية العلمانية، مما عمق المخاوف لرجال الدين الشباب. وكذلك انقطاع بعض مصادر المورد المالي للمرجعية الدينية بعد ثورة 14 تموز 1958، بسبب إصدار قانون الاصلاح الزراعي الذي أصدرته ثورة تموز. في السياق ذاته، فقد أدت الاجراءات الاجتماعية والاقتصادية التي نتجت عن الثورة البيضاء عام 1963 التي قام بها شاه إيران إلى معارضة واسعة من أغلب شرائح المجتمع الإيراني بما فيهم رجال الدين ().
    ثانيا: ولاية الفقيه المقيدة:
    اختلفت أقوال الفقهاء في ثبوت الولاية، وبعد أن تناولنا آنفاً موضوع الولاية المطلقة، سنأتي إلى الوسط والولاية المقيدة. فالرأي الوسط يرى أن مسؤولية الفقيه هي الإفتاء أو القضاء، كذلك التصدي لما يدخل في وظيفة الحاكم والولاة من الأمور النوعية الراجعة إلى تدبير الملك في الأمور السياسية. وفيما يخص الولاية المقيدة، يذهب أصحاب هذا الاتجاه بحصر مسؤولية الفقيه ومناصبه بالتصدي للأمور الحسبية والافتاء والقضاء فقط. فإن ثبوت الولاية لا يعني ذلك بوجوب تصدي الفقيه لجميع الأمور بنفسه بصورة مباشرة، بل يمكنه أن يفوض الأمور إلى باقي مؤسسات الدول كل بحسب اختصاصه، على أن يكون الولي الفقيه هو المشرف والمراقب على كل أمور الدولة بحسب رأيهم. ويرى السيستاني أن حكم المجتهد الجامع للشرائط المقبول لدى عامة الناس، نافذ مطلقا فيما يتوقف عليه نظام المجتمع، إلا إذا تبين خطأه وكان مخالفا لما قطع في الكتاب والسُنة ().

     

     

     

     

     

    المطلب الثاني
    التيار الليبرالي
    لقد أثمر التشيع السياسي الإسلامي ثلاث مدارس متمايزة، المدرسة اللبنانية الليبرالية، والمدرسة الإيرانية السلطوية، والمدرسة العراقية المعتدلة. ويمثل السيد محمد حسين فضل الله والراحل محمد مهدي شمس الدين التوجه الليبرالي في السياسة الشيعية. حيث تعتبر أفكار الشيخ شمس الدين حول النظام السياسي والإسلامي ودور الأمة في السلطة لتطوير نظرية النائيني السياسية، بناءً على قاعدة ولاية الأمة على نفسها، أي حق الأمة في اختيار أي فرد سواء كان فقيها أو غير فقيه. أما المدرسة العراقية فيعتبر الراحل محمد باقر الصدر من أهم وأبرز رموز هذه المدرسة والشخصيات الإسلامية الشيعية المعتدلة، بيد أن الإسلاميين الشيعة، والشخصيات الإسلامية المعتدلة، والمؤسسات الخيرية العراقية ليسوا متحدين في هذا الشأن، فهناك اتجاه يناصر المدرسة الخمينية، واتجاه آخر لا يناصر المدرسة الخمينية ().
    أولا: الشيخ محمد مهدي شمس الدين:
    يوضح الشيخ شمس الدين أن الحكومة الإسلامية، ضرورة في الدولة، لأن الدين الإسلامي ليس كغيره من الأديان التي لم تأت بالتشريع الكامل، وعليه فإن الحكومة الإسلامية تصبح ضرورة لما تقضى به الحقائق النفسية والاجتماعية وبحسب رأيه. أما في موضوع (الخليفة) يرى شمس الدين أنه ليس مبدأ من مبادئ الإسلام، إذ لم يكون هناك نص في التشريع يجب الوقوف عنده ولا يجوز التعدي عليه. وفي قضية نظام الحكم ونوعه، يذهب شمس الدين في رأيه، إلى أنه إذا اقتضت الضرورة بوجود حكومة إسلامية ترعى مصالح الإسلام، فلابد من وجود نظام للحكم يقوم بتعيين الحاكم الذي يجب أن تتوافر فيه صفات معينة وله صلاحيات تنظم علاقته بالمحكومين وعلاقة المحكومين به، وخلاف ذلك سيكون الآمر فوضى، وهذا مخالف لطبيعة المبادئ الإسلامية، بمعنى أن نظام الحكم في الإسلام يجب أن يكون خاضعا وبشكل صحيح للمبادئ الإسلامية، وألا يتعدى الحدود التي رسمت له، وعكس ذلك سوف تنقطع صلته بالدين الإسلامي. ويؤكد شمس الدين على ضرورة توافر العنصر الأخلاقي في الحكام، لاسيما أن الإسلام ومكارم الأخلاق واحد، وفي حالة انحراف هذا النظام عن المبادئ الإسلامية وعدم توافر العنصر الأخلاقي فيه كان خارجا عن الإسلام ولا يمكن اعتباره إسلاميا ().
    ثانيا: محمد حسين فضل الله:
    كان فضل الله مع الولاية العامة للفقيه، لكن ليس كما يراها البعض بأنها ولاية عامة وشمولية، وإنما ولاية الفقيه تتحرك فقهيا من خلال حفظ النظام بحسب رأيه، حيث يقول فضل الله” إن ولاية الفقيه تتحرك فقهيا من خلال حفظ النظام، بمعنى إذا توقف النظام الإسلامي على حكم الولي الفقيه، فللفقيه الولاية العامة في هذا المجال، أما خارج نطاق حركة النظام، وحاجة النظام إلى فقيه، كما في المناطق التي ليس فيها نظام إسلامي، فليس للفقيه ولاية في هذا المجال”().
    وفي قضية اللعبة الديمقراطية والانتخابات، يوضح الشيخ فضل الله أن من مصلحة الإسلام الدخول في اللعبة الديمقراطية، حيث يعتبر طريقة الحكم في العصور الحديثة هي الطريقة المثلى، لأنها ترتكز على المؤسسات الديمقراطية، ولا ترتكز بيد شخص واحد. ويستشهد فضل الله بالتجربة الماركسية وما وصلت إليه في أسلوبها الجديد والتي ترفض العنف كأساس للوصول إلى الحكم. لاسيما أن حركة الأحزاب الشيوعية في أوروبا تجاوزت النظرية الماركسية التقليدية، واختارت الأسلوب الديمقراطي الغربي في الوصول إلى الحكم. من هنا فإن فضل الله لا يجد أي مانع من الاعتماد على الأسلوب الأوروبي في الوصول إلى الحكم من ناحية المبدأ، كأحد الأساليب الواقعية في الوصول إلى النتيجة المطلوبة ().
    ثالثا: علي شريعتي:
    عَرَفَ شريعتي الإمامة على أنها لون من ألوان القيادة السياسية المطلقة للمجتمع، وإن شكل تعيين الإمام في الأمة إسلاميا مشابه للعناوين الأخرى مثل، السلطان، الخليفة، الامبراطور، الحاكم، الزعيم، البطل، رئيس الجمهورية، رئيس الدولة، المفكر، الشيخ، المرشد إلخ. من هنا يبين شريعتي القاعدة والأساس التي يتم عليه تعيين الحاكم من خلال الأسس الشائعة تاريخيا في مختلف النظم والسُنن الاجتماعية أو الدساتير التي لا تخرج عن الصور التالية في، الوراثة، الانتخاب، الغلبة، الثورة، الانقلاب العسكري، الترشيح. فالترشيح قائم على أساس الانتخاب، بمعنى أن المعين الأصلي هو الناس أو طبقات الأمة في الانتخاب العام. وفي ظل هذا النظام السياسي في الدولة تقترح الهيئات أو المجالس والأحزاب والأفراد مرشحيها على الجماهير ليتم انتخابهم من قبل الجماهير. ويؤكد شريعتي على أن الأسس المختلفة في تعيين الإمام والتي اعتمدتها المجتمعات البشرية والنظم السياسية المختلفة، التي لازالت تعتمدها لا يُصدق أي منهما على تعيين الإمام في الأمة، لأن الإمامة لا تتم بالتعيين، بمعنى أن الجماهير التي هي منشأ السلطة في النظام الديمقراطي ولا ترتبط بالإمام كارتباطها بالحكومة، بل ارتباطها به يمثل ارتباط الناس بالواقع فهي لا تعينه، بل تشخصه ().
    رابعا: محمد باقر الصدر ومفهومه لولاية الأمة:
    يرى الصدر أن الإمامة تمثل امتدادا روحيا وعقائديا للنبوة، والإنسان في حقيقته حر ولا سيادة عليه من إنسان آخر أو من قبل طبقة بشرية أو أية مجموعة بشرية تحاول التحكم في طبيعة الفرد، وإنما السيادة لله وحده. وفي مفهومه لولاية الأمة، يؤكد الصدر على أن الأمة هي صاحبة الحق في ممارسة كل السلطات في الدولة، على أن يتم اختيار رئيس السلطة التنفيذية من قبل الأمة بعد أن يتم ترشيحه من قبل المرجعية ومن ثم ينبثق عن الأمة مجلس أهل الحل والعقد بالانتخاب المباشر. يوضح الصدر أن دور المرجعية في الحياة السياسية، هي حقيقة اجتماعية موضوعية تقوم على أساس الموازين الشرعية العامة. أما موقف الصدر من الدولة يكون من خلال عدة محاور، فمن ناحية تكون الدولة ونشوئها هي ظاهرة نبوية وتصعيد للعمل النبوي التي بدأت في مرحلة معينة. لقد انطلق الصدر في مواقفه من الدولة من خلال النظرية الإسلامية التي ” ترفض الملكية أي النظام الملكي وترفض الحكومة الفردية بكل أشكالها وترفض الحكومة الأرستقراطية وتطرح شكل للحكم يحتوي على كل النقاط الإيجابية في النظام الديمقراطي مع فوارق تزيد الشكل موضوعية وضمانا لعدم الانحراف فالأمة هي مصدر السيادة في النظام الديمقراطي وهي محط الخلافة ومحط المسؤولية أمام الله في النظام الإسلامي”().
    في الوقت نفسه يرى الصدر أن الشريعة الإسلامية عبرت عن العدالة بكل وضوح والتي تمثلت في وضع مبدأ الملكية العامة وملكية الدولة، في السياق ذاته يرى الصدر أن السلطات في الدولة الإسلامية ذات النظام الرئاسي تختلف كثيرا عن الأنظمة الرئاسية في الدول الديمقراطية والرأسمالية التي تقوم على أساس الفصل بين السلطات، السلطة التنفيذية، السلطة التشريعية، السلطة القضائية ().

     

     

     

     

     

     

     

     

     

    المبحث الثاني
    تجريه الإسلام السياسي الشيعي في السلطة
    ابان العهد الصفوي تم إرساء الأسس لعقيدة سياسية شيعية جديدة، حيث يعتبر ذلك العهد جديدا من نوعه بعد أن انقطع خط الأئمة في عام 939م بغيبة الإمام الثاني عشر، حيث نحا المزاج الشيعي نحو التصلب، وقد أعتبر فقهاء الشيعة في حينها أن السلطة السياسية غير منزهة عن النقص طوال الفترة الماضية إلى أن تنتهي الغيبة، ولن يكون هناك حكم إسلامي صحيح بحسب رأي فقهاء الشيعة. في الوقت نفسه لم يعترف الشيعة بشرعية الحكم السُني لكنهم لم يعملوا على تحديه بصورة مباشرة. ومع انتشار التشيع وتمدده في الزمان والمكان، كان لابد من أن يشوبه الاختلاف والتنوع على الصعيد الثقافي، مما أغنى الحياة الشيعية والفكر الشيعي مع إضافة أبعاد جديدة إلى المسيرة التاريخية لتطور المذهب، بعد أن تعددت جذوره الضاربة في القلب الجغرافي العربي للإسلام. وبما أن الشيعة يُعدون خلافة الإمام علي المثل الأعلى للحكم الإسلامي الكامل بالرغم من قصر فترة خلافته، فإن النهج يُنظر للحكمة السياسية، والمقارنة بين بلاغة علي وأثره على النثر السياسي العربي. في السياق ذاته اعتبر الشيعة أن رسائل الإمام علي في نهج البلاغة وتوجيهاته التي أسداها إلى واليه على مصر (مالك الأشتر) وثيقة تأسيسية في النظرية السياسية الشيعية ().
    على الصعيد الفقهي سنجد ارتباطا وثيقا بين الإمامة والسلطة التي تمثل الجانب السياسي بمعنى السلطة السياسية، هذا الارتباط واضحا في معالجة الفقهاء للمسألة السياسية، سيما أن السلطة في الفقه الجعفري ” تقوم على قاعدتين، الأولى هي كون السلطة ضرورة للاجتماع الإنساني، والثانية كونها وسيلة لإصلاح هذا الاجتماع. ويتلازم مفعول القاعدتين بشدة، بحيث لا يجد الفقيه إمكانية للإقرار بالأولى مستقلة عن الثانية إلا في حالات استثنائية. وتميز الشيعة عن معظم المذاهب الأخرى بالقول إن الإمامة واجبة عقلا لا سمعا، وأن تعيين المعني بها واجب على الله وأنه لا يجوز أن تخلو الأرض من إمام وأنها من صول الاعتقاد لا الفروع” ().
    ومن خلال إيمان أئمة أهل البيت بحق الأمة والسلطان والشورى، ووفق هذه الرؤية يعتبر التشيع في العهد الأول سياسيا وليس دينيا وبهذا “يحق لجميع المسلمين في الترشيح للخلافة والانتخاب، حيث يقول الإمام علي أن الواجب في حكم الله وحكم الإسلام على المسلمين بعدما يموت إمامهم أو يُقتل، أن لا يعملوا عملا ولا يحدثوا حدثا ولا يقدموا يدا ولا رجلا ولا يبدأوا بشيء قبل أن يختاروا إماما عفيفا عالما ورعا عارفا بالقضاء والسُنة ويقول إن أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه وأعلمهم بأمر الله فيه ().

    وسيتضمن هذا المبحث مطلبين، المطلب الأول، التجربة الإيرانية والمطلب الثاني التجربة العراقية.

    المطلب الأول
    التجربة الإيرانية
    بعد أن غادر شاه إيران محمد رضا بهلوي إلى مصر عام 1979، انطلقت مئات الألوف من الإيرانيين إلى الشوارع للاحتفال بتلك المناسبة التاريخية والمطالبة بإزالة الملكية، وبعد أن أعلن آية الله الخميني عن قرب عودته إلى إيران، تأسست حكومة مؤقتة برئاسة مهدي بزركان من أجل التمهيد لإقامة الجمهورية الإسلامية في إيران، لتبدأ صفحة جديدة من تاريخ إيران السياسي المعاصر تمثلت بإعلان الجمهورية الإسلامية في شباط عام 1979. لقد رفض الخميني رأي النقاد الذي يقول بان رجال الدين ينبغي أن يبقوا بعيدا عن السياسة، مستشهدا بتجربة الرسالة المحمدية، بمعنى أن الرسول محمد عليه الصلاة والسلام لم يبتعد عن السياسة؟ لأن الله أمر الرسول بالجهاد في سبيله، فقام بتنظيم المجتمع وكان بمثابة الحاكم للجماعة فقاد الجيوش في المعارك وأرسل السفراء ووقع المعاهدات. وعليه فإن القول بإمكانية فصل الدين عن شؤون الدولة هو محض هراء بحسب رأي الخميني.
    كان لدى الإمام الخميني اعتقادا راسخا بأن واجب الثورة الأول هو تحطيم كل شيء يتصل بنظام الشاه، ويجب الإطاحة بكل مراكز السلطة القديمة دون أن يُقيم لها بديلا إلا بأوامره شخصيا، لكنه في الحقيقة لم يحدث شيء من هذا الأمر في الأيام الأولى للثورة. بصورة عامة كانت خطة الخميني لابد من إنهاء وتفكيك الجيش، ليس لأنه من صنع الشاه، ولكن لأنه يمثل التهديد الحقيقي للثورة بحسب رأيه. فقد كان الشاه المنفي والأمريكيون يضعون أعينهم على الجيش باعتباره نواة الثورة المضادة. في السياق ذاته كانت خطة الخميني تدمير وتصفية جهاز السافاك (الجهاز الأمني للشاه) بسبب أفعالهم الدموية. ومن ثم سعى الخميني إلى تأسيس قوات مسلحة جديدة وجهاز أمني جديد يشبه جهاز السافاك. كما سعى الخميني أيضا إلى تصفية البيروقراطية القديمة، وبالنسبة للطبقة المثقفة فلم تكن محل ثقة الخميني، أما البرجوازية التي تخلت أساسا عن الشاه في سنواته الأخيرة، فقد وجدت نفسها في عالم لايمكن التعاطف معه ولا يمكن التعاطف معها، فضربت الفوضى أطنابها في الشوارع والأسواق وتوقفت التجارة والمعاملات المالية ولم يعد هناك ما يمكن أن يفعلوه في الأيام الأولى للثورة ().
    أولا: شروط الحاكم الإسلامي:
    يرى الخميني أن الشروط التي ينبغي توفرها في الحاكم يجب أن تكون نابعة من طبيعة الحكومة الإسلامية، فبصرف النظر عن الشروط العامة كالعقل وحسن التدبير والبلوغ، هناك شرطان أساسيان مهمان هما العلم بالقانون الإسلامي والعدالة. كما يجب أن يكون الفقهاء حكام على الملوك، فإذا كان السلاطين على جانب من التدين فما عليهم إلا أن يصدروا في أعمالهم وأحكامهم عن الفقهاء، وفي هذه الحالة فالحكام الحقيقيون هم الفقهاء، ويكون السلاطين مجرد عمال لهم. يقول الخميني بهذا الصدد” إذا كنا نعتقد أن الأحكام التي تخص بناء الحكومة الإسلامية لاتزال مستمرة، وأن الشريعة تنبذ الفوضى كان لازما علينا تشكيل الحكومة في زمن الغيبة، خاصة إذا داهمنا العدو أو أعتدى علينا فلابد من الجهاد ودفع العدو”().
    بالتالي فإن الخميني يؤكد على أنه يجب أن ينهض فقيه عالم عادل بأمر تشكيل الحكومة ووجب على الناس أن يسمعوا له ويطيعوه، على أن يملك هذا الحاكم أمر الإدارة والرعاية السياسية للناس ما كان يملكه الرسول وأمير المؤمنين. لكن في الوقت نفسه، يرفض الخميني أن يُساء فهم ما قاله عن الفقيه، فيتصور أحد أن أهلية الفقيه للولاية ترفعه إلى منزلة النبوة أو إلى منزلة الأئمة، بل أن كلامه عن الفقيه لا يدور حول المنزلة أو المرتبة، وإنما يدور حول الوظيفة وتنفيذ أحكام الشرع، لهذا فإن الخميني يرى أن ولاية الفقيه أمر اعتباري أو (الولاية الاعتبارية) جعله الشرع قيمومة أي فقيه عالم عادل على الأمة في زمن الغيبة ().
    ثانيا: التجربة الإيرانية وخطاب الدفاع المقدس (الخطاب الأصولي):
    ترصد الأبحاث أن العمل السياسي في ظل التجربة الإيرانية بعد نجاح الثورة يتمثل في ثلاثة تيارات سياسية أيديولوجية وجدت على الساحة السياسية الإيرانية بشكل متزامن، وكان لها تعارضات فيما بينها وهذه التيارات الثلاثة هي، الليبرالية الوطنية، الإسلامية، الاشتراكية. مع بروز بعض القوى السياسية بتوجهات متنوعة على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ونتيجة لهذا التنوع الفكري والإيديولوجي كان سببا في اندلاع مواجهات سياسية بين المجموعات والأحزاب المتعددة من جهة وبين القوى الإسلامية من جهة أخر، من ثم تحولت هذه المواجهات إلى صدامات دموية غلبت عليها عمليات الاغتيال والتصفية الجسدية لكثير من السياسيين. حيث يرى بعض الباحثين أن مفهوم اليسار واليمين في إيران بعد وصول الخميني للحكم، كانت تيارات منفصلة عن الأرضية الماركسية والليبرالية، وأنها تستخدم فقط في التفريق بينها وبين الجماعات الإسلامية الإيرانية. لكن أيا كان الأمر، فإن الاتجاه الإسلامي في إيران يسجل تفوقه على منافسيه الآخرين منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979وما يزال، وأصبح الخطاب الإسلامي هو السائد في فضاء إيران الاجتماعي والسياسي، وهو الخطاب الذي انطلق وتشكل في فضاء ثوري، حيث كان لهذا الخطاب تأثيرا عميقا في بناء السلطة وهيكليتها في إيران، إضافة إلى ذلك فقد أستطاع الخطاب الإسلامي القضاء على القوى الليبرالية واليسارية وباقي القوى الأخرى، وتمكن الإسلاميون من إحكام سيطرتهم على المجتمع الإيراني.
    لقد اعتمد الخميني على (خطاب الدفاع المقدس) الذي ساد العقد الأول من عمر الجمهورية الإيرانية ومازال حتى اليوم لهذا الخطاب تأثيرا كبيرا في الوجدان الإيراني، وفي ضوء هذا الخطاب سادت ثقافة التدين، وتعظيم الجوانب الروحية، وطلب الشهادة. وعلى مدار أربعة عقود من عمر الثورة الإسلامية الإيرانية، يظهر الخطاب الأصولي كواحد من الخطابات الرئيسية في إيران، كما يمكن القول إن التجربة الإيرانية تُعرف عن خطابها الأصولي بأنه استراتيجيا وأيديولوجيا في نفس الوقت. لاسيما أن الخطاب الأصولي في التجربة الإيرانية يمثل نوع من المزاوجة والمزج بين أكثر من خطاب، فهو يستعير التقدم والازدهار من الناحية التنظيرية، ويسترشد بصورة أساسية بفكر الخميني الثوري، ويعيد انتاجه بينه وبين رؤية المرشد الأعلى للثورة الإسلامية على خامنئي، على الرغم من أن إرث الخميني الفكري تتنازع بشأنه جميع التيارات السياسية على الساحة الإيرانية، وكل منها يدعي أنه الأقرب في نهجه وسياسته إلى نهج الخميني ().

    ثالثا: التجربة الإيرانية وتأسيس الحرس كمؤسسة ثورية:
    بعد وفاة آية الله الخميني بقي نظام الحكم في إيران قويا ومتماسكا، ذلك بسبب قدرة الخميني على إقامة حكم المؤسسات لخدمة الثورة، ولا شك أن جهاز الحرس الثوري الإسلامي يعتبر من أهم المؤسسات الأيديولوجية التي انتجتها التجربة الإيرانية، والتي تروج لأهداف الخميني والثورة الإسلامية. وعليه” بحكم قدرة الحرس الثوري على التنظيم والدمج، وتوفير قناة مشاركة أمام القوى الاجتماعية الجديدة التي عبأتها الثورة فإنه لعب دورا شديد الأهمية في هزيمة أعداء إيران، فضلا عن تغلبه على عدد كبير من الأخطار الجسيمة التي هددت الثورة”().
    وتأسيسا لما تقدم، فقد وفر الحرس الثوري أسبقية المشاركة في النظام لفئة من غير رجال الدين، وهم الموالون الأشداء للخميني. في السياق ذاته استطاع الحرس الثوري وبتوجيه من الخميني استمالة العناصر من غير رجال الدين، وذلك لكيلا يُنظر إلى الثورة وكأنها عملية استيلاء على السلطة من قبل رجال الدين، لأنه لو تحقق هذا الافتراض لكانت الثورة ورجال الدين قد عجزوا عن مواجهة التحديات المسلحة الشرسة. لذا فإن الحرس الثوري الإيراني كان قادرا على استيعاب القوى الاجتماعية الإيرانية المعبأة حديثا، وخصوصا تلك العناصر التي حركتها أيديولوجيا الثورة ().
    لكن الجديد في التجرِبة الإيرانيّة المعاصرة هو تقريب صوت الشعب من صوت الله سواء بالعبادة أو بالقيادة، وأن سلوك الفقيه الحاكم يتصل بالإمام الغائب، ومنه بالله، وأن الجمهور لا ينتخب ولي الفقيه، بل يبايعه عبر رجال دين مدى الحياة، فهو يمثل المطلق المقدس معاً بحيث يكون للوليّ الفقيه ما يشبه حق الفيتو وحق الوصاية على رئيس الجمهورية وكل سلطة الدولة. ومن هذا المنطلق فإن الحكم الفعليّ والدائم هو للوليّ الفقيه لا لرئيس الجمهورية بالرغم من المظاهر الديمقراطيّة المستعارة ().

     

     

    المطلب الثاني
    التجربة العراقية
    شهد التغيير الذي حصل في العراق عام 2003، وصول الأحزاب الإسلامية إلى الحكم، وتمكن حزب الدعوة الإسلامية من السيطرة على رئاسة السلطة التنفيذية لأربع دورات نيابية، لأنه كيان تنظيمي عقائدي يمتلك رصيدا شعبيا قويا في المجتمع العراقي من خلال صراعه ومواجهته الدموية مع النظام السابق التي ابتدأت منذ تولي حزب البعث للسلطة في عام 1968، بيد أن الفترة التي اعقبت تأسيس حزب الدعوة، لم يتخذ الحزب موقفا معاديا من الدولة وتحديدا في فترة حكم عبد الكريم قاسم، نظرا لتقرب السلطة من الشيعة وابتعادها عن سياسة التمييز ضدهم. لاسيما أن حزب الدعوة استخدم الدين الإسلامي كغطاء سياسي ومادة أساسية للوصول إلى الشعور الديني والمذهبي لشريحة معينة من المواطنين ().
    بلا شك” كان للمرجعية الدور الأساس في تشكيل حزب الدعوة، حيث أكد الحزب على أن القيادة الحقيقة للأمة هي للمرجعية، وأن الحركات الإسلامية لا تنافس المرجعية على قيادة الدولة الإسلامية، ولذلك كان الحزب يستجيب وينصاع لقرارات المرجعية في العمل السياسي عن السلطة”().
    بالمقابل كانت الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية التي تصدرت المشهد السياسي العراقي لم تمتلك مشروعا للحكم، بسبب غياب المفاهيم الثيولوجية الفقهية التي تحكمها أدبيات التشيع. بالتالي فإن التجربة العراقية تفتقر إلى غياب الأطروحة النظرية لشكل الحكم سواء كان حكما فئويا أم إسلاميا أم ديمقراطيا، مما أدى بالإسلام السياسي الشيعي الذي يقوده حزب الدعوة إلى الدخول في معترك الاضطراب الشامل الذي أصاب العراق، سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، من ثم استقر البلد في قعر الدول المتخلفة في العالم من كل النواحي. لقد شهدت التجربة العراقية عجز التشكيلات الأيديولوجية الدينية في الحكم، ونتيجة لهذا العجز برزت ظاهرة المرض السياسي في خلق هجين يتشكل من (الدين، التحزب، القبلية، الحوزوية) بسبب سياسة المحاصصة التي عكست حالة الشلل الفكري لتيارات الإسلام السياسي الشيعي، نتيجة لغياب مفهوم النظرية للحكم من قبلهم وكما ذكرنا آنفا ().
    أولا: التجربة العراقية وموقف مرجعية النجف:
    كان موقف مرجعية النجف واضحا من التجربة العراقية بعد عام 2003، حيث لم يتعامل السيد السيستاني مع قوات الاحتلال وخصوصا الحاكم المدني (بريمر) بصورة مباشرة، وإنما كان يراقب الأحداث عن كثب، في الوقت نفسه دعى السيستاني إلى إعطاء دور كبير للأمم المتحدة في العراق لأنها تمثل الشرعية الدولية بحسب رأيه، وطالب السيستاني أيضا بإجراء انتخابات برلمانية، كما اعتبر أن المال العام في الدولة حرام ولا يجوز الاستيلاء عليه، موضحا بأن الفكر الشيعي فكرا ديمقراطيا، سيما أن الكثير من الفتاوى التي صدرت من المرجعية تتجلى في روح القانون وإعطاء الجهات القانونية ومؤسسات الدولة حق التصرف والحكم فيها، في السياق ذاته فقد أكدت مرجعية النجف على ضرورة إرساء نظام ديمقراطي ودستوري في البلد، فهو الضمانة الحقيقية للدولة والنظام القائم ().
    ثانيا: التجربة العراقية والإرهاب السياسيّ بعد عام 2003:
    إن قراءة الوضع السياسيّ في العراق بكل ما جرى وما يزال يجري من أعمال عنف وعمليات إرهابية، والبحث في الأسباب والتداعيات، يجب أن ينطلق من خلال وجود عَلاقة تأثير متبادلة بين البنى السياسيّة والعنف الحاصل في البلد. وبما أن النظام السياسيّ هو عبارة عن مجموعة من التداخلات والتفاعلات السياسيّة المستمرة في مجموعة سياسيّة، وأن النظام السياسيّ هو جزء من اجتماعيّ يدخل في عَلاقات معقدة مع البناء الاجتماعيّ الكامل، واستناداً إلى ذلك لا يمكن عزل ظاهرة العنف والإرهاب السياسيّ في العراق عن مجمل بنية النظام السياسيّ بعد عام 2003، لأن الدولة وبنيتها السياسيّة تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية عن الإرهاب السياسيّ، مثلما يتحمل مستخدمو العنف الذين يمارسونه ضد الدولة والمجتمع في آن واحد. لقد اشتركت في العملية السياسيّة في العراق بعد الاحتلال الأمريكيّ أحزاب الإسلام السياسيّ وحركات أصولية لعبت دوراً كبيراً في الحياة السياسيّة، لاسيما أن أغلب هذه الحركات والأحزاب قد اتسمت أيديولوجيتها بالطابع الدينيّ والمذهبيّ، وبالرغم من محاولة تلك الأحزاب التحول إلى أحزاب سياسيّة للمشاركة في العملية السياسيّة إلا أن الطابع المذهبيّ لا يزال يحكمها بشكل أثر في أدائها وسلوكها السياسيّ. في الوقت نفسه اتسمت هذه الأحزاب بالتعصب الأيديولوجيّ الذي يجعل الحزب أو الحركة تنظر إلى مَن يختلف معها نظرة عدائية بدلا من اعتباره حزباً يحمل وجهة نظر مغايرة، وأن صناديق الانتخابات هي التي تحكم بينهما. في المقابل دخلت الساحة العراقيّة تنظيماتٌ إرهابية مثل القاعدة وداعش، تحمل فكراً وأيديولوجيا التكفير كسلاح في مواجهة الخصوم، إذ إنها قد تغذت من الظروف التي نتجت عن الاحتلال الأمريكيّ للعراق، وواقع المأساة الطائفيّة للسلطة السياسيّة. هذا التناقض قد أنتج “عنفاً تبادليًّا، العنف والعنف مضاد. يؤدي إلى اضطراب الحركة الجدلية الثلاثة: (الدين، السياسة، العنف)، وتحولها من صورة الجدل إلى حالة الدوامة التي تختلط فيها الأدوار، وتتبدل المراكز، فيكون السياسيّ دينيًّا وعنيفاً، ويكون الدينيّ سياسيّا وعنيفاً، ويكون العنف دينيًّا وسياسيًّا”().
    لقد اعتمدت التجربة العراقية على السمات الطائفية في بناء النظام السياسيّ، حيث تشكلت السلطة السياسيّة بتصنيفات أدت إلى تقسيم الوطنيّة العراقيّة مثل: عرب سُنة، وشيعة وأكراد، وترتب على هذا الواقع عدة تداعيات أبرزها: تقديم الولاءات الفرعية الطائفيّة والأثنية والقبلية على حساب الهوية الوطنيّة والولاء الوطنيّ، الأمر الذي أدى إلى توليد شعور التهميش لدى جميع طوائف المجتمع العراقيّ، وهذا كان نتيجةً للأخطاء الكارثية التي وقعت فيها أحزاب السلطة، وهي أحزاب الإسلام السياسيّ بشقيه السُنيّ والشيعيّ، بعد أن استطاعت تلك الأحزاب والكتل السياسيّة ومن بينها (الحزب الإسلامي) وميليشياته، ممارسة أقسى أنواع العنف والإرهاب السياسيّ ضد الدولة والمجتمع بدون تمييز، ومن خلال عمليات الاغتيال والخطف وغيرها من أساليب العنف والإرهاب السياسيّ().
    الخاتمة
    في نطاق دراستنا للإسلام السياسي الشيعي المعاصر نصل إلى حقيقة مفادها، بأن السلطة هي الولاية، لاسيما أن الفكر السياسي الشيعي قليل الاهتمام بالدولة مقارنة بمفهوم السلطة. أن الإشكالية التي وقع فيها الفقه الشيعي تكمن في قضية غيبة الإمام الحجة (الإمام المعصوم) صاحب الولاية المطلقة، والتي تركت فراغا في السلطة. وعلى مدار سنين طويلة كانت النخب السُنية هي المتسلطة في عموم الشرق الأوسط، ولكن بعد التحولات التي شهدتها المنطقة يمكن أن نرى ولادة شرق أوسط جديد بهوية شيعية سُنية، بعد أن أصبح الإسلام السياسي الشيعي لا يقتصر على العالم الإسلامي فقط، بل توسع نفوذه إلى أبعد من العالم الإسلامي، وخصوصا بعد نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، وتأثيرها القوي على الإسلام السياسي الشيعي، إضافة إلى استقطاب العناصر الشيعية غير الإيرانية. في السياق ذاته يتمتع علماء الدين الشيعة بمكانة روحية امتيازيه، فبما إنهم فقهاء في الدين، فهم يتمتعون أيضا برؤى سياسية ويمتلكون سلطة قوية على الطائفة.
    أولا: أوجه الشبه والاختلاف بين التجربتين العراقية والإيرانية:
    الشبه:
    1. يُمثل المشروع الإسلامي الرابط الأساسي في أيديولوجيا التجربتين. (شكلت النظرية السياسية الشيعية عاملا مشتركا بين التجربتين).
    2. التجربة العراقية بصفتها تجسيدا لأطروحة ولاية الفقيه.
    3. الدفاع عن القضية الفلسطينية بخطاب إسلامي لا يتنافر مع الخطاب القومي.
    4. اتخذت التجربتين من الإثارة العاطفية المذهبية وإقامة الشعائر والمجالس والمآتم منهجا للهيمنة الروحية على المواطنين.
    الاختلاف:
    1. نص الدستور الإيراني في مادته الأولى على أن نظام الحكم في إيران جمهوري إسلامي، وفي المادة الخامسة من الدستور تكون ولاية الأمر وإمامة الأمة بيد الفقيه العادل. بينما نصت المادة الأولى للدستور العراقي على أن العراق دولة اتحادية نظام الحكم فيها جمهوري نيابي ديمقراطي.
    2. يرفض شيعة العراق التشيع الإيراني ذي النكهة القومية الفارسية، لاسيما أن بعض من فصائل المقاومة الشيعية قد أعلنت إيمانها بولاية الفقيه، لكنها لاقت رفضا شديدا من القاعدة العريضة للشيعة التي تأبى أن تدين بالولاء لإيران.
    3. أغلب القاعدة الشيعية العراقية تتبع مرجع التقليد السيد علي السيستاني الذي يعارض ولاية الفقيه.
    4. الربط بين فكرتي السياسة وعمل المقاومة، فالتجربة الإيرانية نجحت في توظيف الجانب السياسي في خدمة العمل المقاوماتي والميداني، وهذا خلاف ما جاءت به التجربة العراقية والتي سعت قيادتها في تسخير منهج المقاومة في خدمة عملها السياسي، حيث كانت ومازالت التجربة العراقية متخبطة بين عملها الميداني وبين عملها السياسي.

    ثانيا: النتائج:
    1. أدى نجاح الثورة الإيرانية في نهاية سبعينيات القرن الماضي عام 1979، إلى تأسيس دولة ذات طابع ديني، أو مُا يطلق عليه في أدبيات العلوم السياسية بالدولة (الثيوقراطية).
    2. ارتكزت التجربة الإسلامية الإيرانية المعاصرة على نظرية (ولاية الفقيه)، والتي تعتبر آخر النظريات التي طورها الإسلام السياسي الشيعي المعاصر الساعي للوصول إلى السلطة.
    3. وتأسيسا للفقرة (1و2) فإن نظرية ولاية الفقيه تتفق مع باقي تيارات الإسلام السياسيّ سواء كانت السُنية أو الشيعيّة على أرضية مشتركة مفادها أن الإسلام دين شامل يغطي الجوانب الدنيوية والدينيّة. كما تتفق نظرية ولاية الفقيه مع التيار العام للإسلام السياسيّ في أن للإسلام حقّ الحاكمية على الأرض مما يستلزم إقامة الحكومة الإسلاميّة.
    4. عكست الممارسات السياسية والدينية داخليا وخارجيا للجمهورية الإسلامية الإيرانية تأثيرات سلبية وخلقت تحديات فكرية وعملية له، بالنتيجة تعقدت التوازنات السياسية لدى شيعة الخارج، في لبنان والعراق واليمن على سبيل المثال. بالتالي، تبلورت اجتهادات مختلفة تجاه المواقف السياسية لجماهير الشيعة في داخل إيران وخارجها، تتناسب بالأساس مع المطالب السياسية والمصالح الوطنية، ولا تتبع بالضرورة إرشادات الولي الفقيه.

    المصادر والمراجع:
    أولا: الكتب:
    1. الخميني، الاجتهاد والتقليد، مقدمة التحقيق 16، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، 1997
    2. الخميني، كشف الأسرار، الناشر، مكتبة الفقيه، الكويت، 2000
    3. الخميني، الحكومة الإسلامية، إعداد، مركز نون للتأليف والترجمة، الناشر، جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، بيروت، 2011
    4. الخرسان، صلاح، حزب الدعوة الإسلامية حقائق ووثائق فصول من تجربة الحركة الإسلامية في العراق خلال 40 عام، الناشر، المؤسسة العربية والأبحاث الاستراتيجية، دمشق، 1999
    5. الخيون، رشيد، 100 عام من الإسلام السياسي في العراق: الشيعة، الناشر، مركز المسبار للدراسات والبحوث، الإمارات، 2011
    6. السيف، ‌توفيق، ‌نظرية‌ السلطة ‌في ‌الفقه ‌الشيعي، ‌الناشر، ‌المركز ‌الثقافي ‌العربي، ‌بيروت، ‌2002
    7. الصدر، محمد باقر، الإسلام يقود الحياة، الناشر، وزارة الإرشاد الإسلامي، طهران،1981
    8. الصمادي، فاطمة، التيارات السياسية في إيران، الناشر، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2012
    9. الصياد محمد، و، والوادعي، سليمان، اللاهوت السياسي الشيعي وأزمة الشرعية في إيران، الناشر، معهد الدراسات الإيرانية، الرياض، 2021
    10. العاني، إحسان شفيق، الأنظمة السياسيّة والدستورية المقارنة، الناشر، جامعة بغداد، كلية العلوم السياسيّة، سنة الطبع بلا
    11. الكاتب، ‌أحمد، ‌التشيع ‌السياسي ‌والتشيع‌ الديني، ‌الناشر، ‌مؤسسة الانتشار العربي، ‌بيروت، ‌2009
    12. الكاتب، أحمد، حوارات مع المراجع والعلماء والمفكرين، الناشر، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، 2011
    13. المياحي، محمد جميل، العراق والسيستاني، الناشر، دار انكي، بغداد، 2019
    14. جاسم، فاخر، لمحات تاريخية من تطور الفكر السياسي الشيعي جدلية الثورة والسلطة، الناشر، دار فكرة، مصر، 2022
    15. جاسم، فاخر، دراسات في الفكر السياسي الإسلامي، الناشر، الاكاديمية العربية في الدنمارك، كوبنهاكن، 2012
    16. خليل، خليل أحمد، سوسيولوجيا الجمهور السياسيّ الديني في الشرق الأوسط المعاصر، الناشر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2009
    17. رؤوف، عادل العمل السياسي في العراق بين المرجعية والحزبية: قراءة نقدية لمسيرة نصف قرن (1950-2000)، الناشر، المركز العراقي للإعلام والدراسات، دمشق، 2000
    18. زيدان، يوسف، اللاهوت وأصول العنف الديني، الناشر، دار الشروق، القاهرة، سنة الطبع، بلا
    19. ُشبر، صلاح جواد، الحزبية والإسلام السياسي الشيعي، الناشر، دار روافد، القاهرة، سنة الطبع، بلا
    20. شريعتي، علي، الأمة والإمامة، مراجعة، شعيب، حسين علي، الناشر، دار الأمير، بيروت، 2007
    21. شمس الدين، محمد المهدي، نظام الحكم والإدارة في الإسلام، الناشر، دار حمد، بيروت، سنة الطبع، بلا
    22.عبد الجبار، فالح، العمامة والأفندي سوسيولوجيا خطاب وحركات الاحتجاج الديني، ترجمة، حسين، أمجد، الناشر، دار الجمل، بيروت،2010
    23. فضل الله، محمد حسين، الحركة الإسلامية هموم وقضايا، الناشر، دار الملاك، بيروت، 2001
    24. فضل الله، محمد حسين، اتجاهات وأعلام حوارات فكرية في شؤون المرجعية والحركة الإسلامية، الناشر، دار الملاك، تاريخ النشر، بلا
    25. فياض، علي، نظريات السلطة في الفكر السياسيّ الشيعي المعاصر، الناشر، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، بيروت، 2010
    26. كاتزمان، كينيث، الحرس الثوري الإيراني نشأته وتكوينه ودوره، ترجمة ونشر، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 1998
    27. كديفر، محسن، نظريات الحكم في الفقه الشيعي، الناشر، دار الجديد، بيروت، 2000
    28. نصر، ولي، صحوة الشيعة: الصراعات داخل الإسلام وكيف سترسم مستقبل الشرق الأوسط، ترجمة، الكعكي، سامي، الناشر، دار الكتاب العربي، بيروت، 2007
    29. هيكل، محمد حسنين، مدافع آية الله قصة إيران والثورة، الناشر، دار الشروق، القاهرة، 2000
    30. يوسف، أحمد، الإخوان المسلمون والثورة في إيران جدلية الدولة والإمامة في فكر الإمامين البنا والخميني، تقديم، الهندي، محمد، الناشر، بيت الحكمة، القاهرة، 2010
    ثانيا: الرسائل الجامعية:
    الدروبي، أنمار نزار هاشم، موقف الإسلام السياسي من الدولة الوطنية، مشروع بحث استكمالا لمتطلبات الحصول على درجة الماجستير في العلوم السياسية، الناشر، الأكاديمية العربية المفتوحة في الدنمارك، كوبنهاكن، 2018
    ثالثا: المجلات:
    1. الباهدلي، محمد باقر، الولاية والسيادة بين جدلية المنظور الفقهي ودلالات البعد السياسي، مجلة الاكاديمية العربية في الدنمارك، العدد 25، السنة 13، 2020
    2. الزبيدي، رشيد عمارة، العنف السياسيّ في العراق، مجلة شؤون عراقية، المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، عمان، العدد صفر، 2009