الأنثروبولوجيا و دورها في أجيال الـحــروب الـحـديـثة

الثلاثاء 30 تموز/يوليو 2019
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

إعداد/ إسلام عيسى احمد
ظهر في الآونة الأخيرة مصطلح الاجيال الحديثة في الحروب وكانت أغلب التعريفات والتفسيرات للمصطلح ترمى إلى أنماط واستراتيجيات حربية جديدة تم استحداثها لتواكب حالة التطور التكنولوجي التي نالت العالم اجمع ،فالمصطلح في ظاهره يُفسَّر على كونه أساليب حربية جديدة، ولكن بالتمعن نجد أنه يتعدى كونه متعلقاً بفن إدارة الحرب وقيادتها إلى كونه يهدف إلى فن إدارة ما قبل الحرب.
وأهم نماذج هذه الأجيال هو الجيل الرابع الذي تم تناوله في الإعلام المصري والعربي في الفترة الأخيرة، و نذهب هنا الى تفسير تلك الحروب من خلال تناول الأساس العلمي الذي تقوم عليه فلسفتها، وإظهار أهمية علم الأنثروبولوجيا من خلال دوره فيها وكيف أن لهذا العلم أثراً في نجاح الحرب وفشلها و مواجهتها.
وفي سبيل ذلك، نعتمد على المنهج الوصفي التحليلي والمنهج التاريخي بدراسة حالة قوامها مشروع برنارد لويس وعلاقته بثورات الربيع العربي وذلك للوصول إلى العلاقة بين علم الانثروبولوجيا واستخداماته في الحروب الحديثة ثم دراسة فترة ثورات الربيع العربي وتتبع بعض أحداثها محل علاقة وذلك كما يلي:

أولاً- ماهية ارتباط الأنثروبولوجيا بالحروب الحديثة

1- مفهوم علم الأنثروبولوجيا والحروب الحديثة
أ- مفهوم الأنثرولوبوجيا
هو علم اجتماعي شمولي (الشماس:2013)، يتناول دراسة الانسان بشكل شامل باعتباره كائن طبيعي اجتماعي له سلوكيات ناتجه عن شخصيته التي تفسرها الثقافة وقد تكون مرتبطة بتكوينه البيولوجي، وهو علم الإنسان والحضارات والمجتمعات البشريّة، وسلوكيّات الإنسان وأعماله، فعلم الأنثروبولوجيا يتعدى كونه علماً يدرس سلوك أو ظاهرة فهو يتسم بالشمولية والتعدد في مداخل دراساته حيث يدرس التجمعات البشرية في الحاضر والماضي وأحياناً المستقبل بهدف تفسير الظاهرة سواء كان مدخل هذا التفسير البيولوجيا أو الثقافة أو الإيكولوجيا ولذلك ينقسم علم الانثروبولوجيا إلى الأنثروبولوجيا الطبيعية والثقافية والاجتماعية والتطبيقية، فالطبيعية تدرس الإنسان بوصفه كائن فيزيقي(راشد:2018)، والثقافية تهتم بدراسة الثقافة بشقيها المادي والمعنوي والاجتماعية تعتنى بدراسة الحياة الاجتماعية ومكوناتها وعلاقة الإنسان بغيره في مجتمعه والضوابط والقواعد الحاكمة والمنظمة لذلك، ولذلك نجده يرتبط بمجموعة من العلوم وهى علم الوراثة والاجتماع والآثار وعلم الجغرافيا والأثنوجرافيا والإثنولوجيا واللغة، ويرتبط مفهوم العلم بالاشتقاق اللغوي لكلمة انثروبولوجيا من الأصل اليوناني، حيث تتألف الكلمة من مقطعين : (انثروبوس) أي الإنسان، و (لوجوس) أي الموضوع والدراسة(شاهين:2017)، وهكذا يتحدد معنى الانثروبولوجيا بدراسة الإنسان في أصوله التاريخية التي تمس جوانبه العضوية والاجتماعية والحضارية، وتطور تلك الجوانب عبر الزمان والمكان، وما تفرزه نشاطات الإنسان من أنماط وتراكيب ووظائف وعلاقات اجتماعية متباينة. فيتعدى اهتمام الانثروبولوجيا نطاق الوصف للجوانب البيولوجية والحضارية والاجتماعية إلى محاولة استخلاص القوانين والقواعد التي تتحكم في تكوين المجتمعات ونموها وتطورها .

ب- مدلول الحروب الحديثة

تتطور الحروب وفنونها شأنها شأن كافة جوانب الحياة باعتبارها علم حيوي محل تجديد وتطوير وإضافات وتعديل في نظرياته بما يخدم الهدف من الحرب، و يقسم العسكريين والباحثين في المجال العسكري الحروب إلى أجيال الأول منها يتسم بالبساطة وهي الحرب التقليدية بين جيشين نظاميين، ثم الجيل الثاني مثل حرب العصابات التي دارت في أمريكا اللاتينية، ثم الجيل الثالث والتي تتسم بالاستباقية وتعرف بالحرب الوقائية مثل الحرب على العراق (سيف النصر:2016)، وصولاً للجيل الرابع من الحروب الذي بات اشهرها وأكثرها تداولاً في الاعلام بمختلف وسائله. و تعود جذور ذلك النوع من الحروب إلى الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، حيث استخدما أساليب حديثة في القتال تعتمد الحروب السرية عبر الأفراد والجماعات المدربة لإحداث اضطرابات في الدول والقيام بعمليات إرهابية، فلقد قامت الولايات المتحدة بدعم تنظيم القاعدة ضد الاتحاد السوفيتي في أفغانستان.

فبينما نجد في الحروب القديمة من الاول الي الثالث صراع مسلح بين جيوش او قوى لفرض وبسط نفوذ او سيادة في مكان ما نجده غير ذلك في الجيل الرابع حيث نرى أثر الاستخدام النفسي واستغلال أبناء المجتمع واستخدام ثقافات المجتمع كثغرة لإدارة الحرب لإثارة القلاقل وخلخلة أنظمة الدولة وجعلها هشة يسهل السيطرة عليها او بإشغالها بعمليات ارهابية مسلحة تستنزف قدراتها مع توجيه الرأي العام وإثارته على مؤسسات الدولة (أبو الضياء:2016) .

ولقد اتفق الخبراء العسكريون بأن حرب الجيل الرابع هي حرب أمريكية صرفة طورت من قبل الجيش الأمريكي (عزالدين:2017).

وتعتمد هذه الحروب على وسائل الإعلام الجديد والتقليدي ومنظمات المجتمع المدني والمعارضة والعمليات الاستخبارية، فالحرب الجديدة كما عرفها الأمريكي – ماكس مايوراينج – في محاضرة علنية منشورة على اليوتيوب وكانت بمعهد الامن القومي الإسرائيلي هي الحرب بالإكراه، إفشال الدولة، زعزعة استقرار الدولة ثم فرض واقع جديد يراعي المصالح الأمريكية.

و من ثَم نجد حالة من الارتباط بين علم الانثروبولوجيا الذي يعتبر الأساس العلمي للحروب الحديثة من خلال دراساته لمجتمعات بشرية معينه والتوصل الي سماتها مما يسهل السيطرة على عقول أفرادها وتوجيههم الي ما يخدم مصالح العدو من خلال اثارة الفوضى والدعوة إلى التظاهرات الفئوية والشعبية المناهضة لاستقرار الدولة وامنها بدافع ظاهري يتمثل في تحسين الأوضاع المعيشية والاجتماعية وذلك رمياً إلى هدف خبيث يتمثل في زعزعة الدولة وإفشالها وفي ذلك يقول المفكر الصيني صن تزو من الصعب أن تدخل في حروب ضد قوة عسكرية أقوى بنفس الأسلحة المتناظرة، ومن ثم يجب البحث عن أساليب مختلفة لاستخدامها بهدف إلحاق الخسائر بالقوة الكبرى، وفي رأيه يتمثل هذا الأسلوب في استهداف وحدة المجتمع حيث عندما يتم تحطيم التماسك الاجتماعي سيؤدي إلى تحطيم القوة العسكرية.

ولا تهدف تلك الحروب إلى تحطيم المؤسسة العسكرية أو القضاء على قدرة الدولة ولكن تهدف إلى إنهاك قوة الدولة المعادية والتآكل البطيء في إرادتها من أجل إجبارها على تنفيذ ما تريده القوة التي تستخدم هذا النوع من الحروب(العامرى:2013).

كذلك ظهر “الجيل الخامس” وهو جيل من الحروب التآمرية يستهدف تشكيل “حكومات ظل” يعهد إليها تولي مسئولية الكيانات الصغيرة التي تتشكل من الدولة الفاشلة والتي تستهدف الدولة القوية إيجادها. وتعمل هذه الحكومات غير الشرعية من خلال تشكيلات عصابية وتنظيمات إرهابية تهدف إلى هدم التعليم في الجامعات وإشاعة الفوضى وارتكاب أفعال إجرامية للتشكيك في قدرة الدولة على السيطرة الأمنية وفبركة الحقائق وترويع المواطنين، وبديهي أن هذا الجيل يرتكز بشكل أساسي على إمكانات التقدم المعلوماتي والاتصالي المذهل والمتسارع. (عبدالوهاب:2015).

وهناك كذلك “الجيل السادس من الحروب” والذي “تدار معاركه عن بعد” بشكل شبه تام من خلال استخدام أحدث الأسلحة الذكية عالية الدقة (كأدوات التجسس والحيوانات بكل أنواعها وغيرها من الأساليب التكنولوجية…. إلخ) والتي تهدف إلى تحريض المجتمع، عبر التجنيد الكامل لشبكات الإنترنت وعملاؤها .

2- دراسة الإنسان ودورها في الحروب الحديثة

من تعريف علم الانثروبولوجيا سابقاً، والربط بين التعريف و بين مدلول الحروب الحديثة وخاصة حروب الجيل الرابع نجد أن الأساس العلمي لهذه الحروب يقوم على ذات الموضوعات التي يعنى بها علم الانثروبولوجيا والتي يطلق البعض عليها مسمى الحرب الهجينة، فهذه الحروب عبارة عن نوع من القتال يعجز فيه الجيش النظامي- مالم يكن محترفاً- على الإطاحة بالخصم الذى يشن حرباً غير نظامية بأفكار مبتكرة تعد خليطاً من مفهوم الحرب الشعبية والحرب الثورية وأسلوب حرب العصابات ووسائل الحرب الحديثة التي تتمتع بتكنولوجيا فائقة لا تخضع لشكل معين وقواعد ثابتة ً منذ بدايتها و قد تصبح مجالاً مفتوحاً لصراع ينشأ دون قيود أخلاقية وتستخدم فيه جميع وسائل القوة المتوفرة المسلحة وغير المسلحة لإجبار الدول على الخضوع لإرادة العدو حتى وإن تضمن ذلك سقوط الضحايا المدنيين بأعداد كبيرة. (منصور:2016)

ذلك يتيح القول أن هذه الحروب تقوم على دراسات أنثروبولوجية تتناول سمات الشعب المستهدف بما في ذلك خصائصه الاجتماعية والاقتصادية والسلوكية وحضاراته وثقافاته، فهذه الحروب تعتمد في المقام الأول على المواجهة الخفية مع أفراد المجتمع عن طريق استغلال ما يتم التوصل إليه من معلومات بما يخدم زعزعة الثقة بين المجتمع و مؤسساته ثم تأتى المرحلة التالية وهى نشر الفوضى وإنهاك قوى الدولة. وبالتالي فإن علم الانثروبولوجيا يمثل أداة هذه الحروب من خلال المراحل التالية:

1- جمع المعلومات: حيث يتم دراسة المجتمع و طوائفه وخصائصه وذلك بفحص ثقافة الشعب وتحري البيانات والمعلومات والسمات الرئيسية له في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .

2- الحرب النفسية: وتكون باستخدام وسائل التكنولوجيا والاعلام والهدف منها تشويش عقول افراد المجتمع مما يحقق حالة من الاستجابة التلقائية لما يتلقونه من معلومات وافكار والتي تكون مناهضه للدولة ومؤسساتها، ففي هذه المرحلة يتم خلق حالة من الاستياء المجتمعي تجاه الدولة بما يخدم مصالح العدو(عبدالفتاح:2013) .

3- التوجيه: وهنا نجد دور منظمات مشبوهة تتخفي في ستار الحقوق والحريات و تدعى كونها منظمات مجتمعيه لإخفاء دورها الاستخباري وتتلقي تمويلها خارجياً، حيث تسعى هذه المنظمات الي تسليط الضوء على السلبيات دون الإيجابيات، مهما صَغُر حجم السلبيات او كانت طبيعتها، حيث انه تقوم على تضخيم الاحداث وتهويلها حتى وان كانت هذه السلبيات سمة أية تجمعات بشرية .

4- الفوضى: وتعتمد على محاولة إشغال الدولة بثورات خبيثة او عمليات ارهابية معادية وتعتبر أخطر مراحل الحروب الحديثة وفيها تتوالي الاحداث بصورة متسارعة يصعب السيطرة عليها مالم توجد خبرات وطنية مخلصه .

ولقد لعبت العولمة دور كبير في التأثير على تلك الحروب وتطويرها حيث ساعدت في انتشار الجماعات الارهابية على نطاق واسع ،حيث استفادت من توظيف الأدوات التي نتجت عن العولمة وخاصة في مجال التقدم التكنولوجي (موسي:2015)، حيث تقوم باستخدام وسائل الاعلام المختلفة للترويج إلى أفكارها و شن حروب نفسية على المجتمعات، وتستخدم هذه الحروب مجموعة أدوات لتحقيق أغراضها منها: الإرهاب والتظاهرات بحجة السلمية، الاعتداءات على منشآت عامة وخاصة، التمويل غير المباشر لإنشاء قاعدة إرهابية غير وطنية داخل الدولة بحجج دينية أو عرقية، التهيئة من خلال الإعلام والتلاعب اللفظي و استخدام محطات فضائية تعمل على تزوير الحقائق وتدليسها.

ما سبق ينقلنا الي حالة من الوضوح حول أهمية علم الانثروبولوجيا في الحروب الحديثة، فلا يمكن تصور حالة من توجيه الرأي العام بدون وجود دراسة حول طبائع المجتمع المستهدف وهذا لا يعد صعباً في ضوء التطور التكنولوجي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، فهي تهدف الي تدهور فكرة الدولة وتعاظم حالة من الولاء لثقافات بعينها في العالم أسره وهذا يؤدي إلى إضعاف التجانس المجتمعي. ويتم استغلال المسؤولية السياسية للدول تجاه مواطنيها لإجبار الدولة على انتهاج سلوك سياسي معين وتشجيع ظهور كيانات من غير الدول مثل: القبائل أو الجماعات العرقية أو الدينية أو المذهبية.

فعلم الانثروبولوجيا هو علم ادارة الحروب الحديثة و نستطيع القول انه علم مواجهتها والدفاع عن الدولة والمجتمع .

ويمكن الخلاصة إلى أن دراسة مجتمع ما تتيح الاطلاع على خصائصه وتكوينه و السيطرة عليه و ذلك من خلال إثارة بعض المشكلات الاجتماعية والطائفية وتسليط الضوء عليها بمعاونة ما يعرف بالطابور الخامس يعمل على تنفيذ تكليفات وخرائط اعمال خارجيه تهدف الي احراج الدولة وتشوية صورتها الخارجية و نشر روح اليأس والفوضى في المجتمع بواسطة اعلام مسخر مرئياً أو مسموعاً او من خلال تكنولوجي والى جانب ذلك قد تتواجد بعض العمليات الاستخباراتية المتمثلة في الصورة التقليدية او في الصورة الحديثة مثال تلك المواقع الاجتماعية التي تجتذب فرائسها بإغراءات غالباً ما تكون مالية.

ثانياً- مشروع برنارد لويس

برنارد لويس بريطاني أمريكي من أصل يهودي، وهو استاذ لدراسات الشرق الأوسط في جامعة برنستون، أثناء الحرب العالمية الثانية خدم في الجيش البريطاني، ثم اعير إلى وزارة الخارجية، وبعد الحرب عين استاذا لكرسي الشرق الأدنى والأوسط، وله كتب ومقالات صحفية متخصصه في الشأن العربي والإسلامي، ولقد وضع “برنارد لويس” مشروعه بتفكيك الدول العربية والإسلامية، وتحويلها إلي مجموعة من الكانتونات والدويلات العرقية والمذهبية والطائفية، وتناول ذلك بالخرائط التي وضح فيها التجمعات العرقية والمذهبية والدينية وسلم المشروع إلى بريجنسكي مستشار الأمن القومي في عهد جيمي كارتر، ولقد وافق الكونجرس الأمريكي بالإجماع في جلسة سرية عام 1983م علي مشروع برنارد لويس، وتمَّ اعتماده ضمن ملفات السياسة الأمريكية المستقبلية وهى الاستراتيجية التي يتم تنفيذها وبدقة واصرار شديدين ولعل ما يحدث في المنطقة من حروب وفتن يدلل على هذا الأمر(عاشور:2016).

وكان مبرر لويس أن العرب والمسلمين مفسدون فوضويون، لا يمكن تحضرهم، وإذا تُرِكوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمِّر الحضارات، ولذلك فإن الحلَّ السليم للقضاء على فوضاهم هو إعادة احتلالهم، وتدمير ثقافتهم، وفي حال قيام أمريكا بهذا الدور فإن عليها أن تستفيد من التجربة البريطانية والفرنسية في استعمار المنطقة مما يمكنها من تجنب مساوئ تجاربهما ،فهو يري من الضروري تقسيم الأقطار العربية إلي وحدات عشائرية وطائفية، ويجب أن يكون شعار أمريكا في ذلك، إما أن نضعهم تحت سيادتنا، أو ندعهم ليدمروا حضارتنا، ولا مانع عند إعادة احتلالهم أن تكون المهمة المعلنة هي تدريب شعوب المنطقة علي الحياة الديمقراطية، وخلال هذا الاستعمار الجديد يجب تضييق الخناق علي هذه الشعوب ومحاصرتها، واستثمار التناقضات الثقافية، فهو يري أن عملية التقسيم لن تحدث الا عن طريق الطائفية والفئوية واستخدام الديمقراطية .

1- الأساس العلمي للمشروع

تدور فكرة مشروع برنارد لويس حول تقسيم الوطن العربي بما يخدم مصالح امريكا و حليفتها إسرائيل التي تعتبر أنه لا أمن لها وسط تكتل قوى يتمثل في الدول العربية، فإسرائيل منذ بدايتها تسعى لتفتيت دول المنطقة، أي أن تنوع السكان في الدول العربية الى جانب اختلاف الديانات في الدول العربية، بل اختلاف المذاهب في الدين الواحد هي حجر الزاوية في مشروع برنارد لويس.

كما إن دراسات برنارد لويس لثقافات المجتمعات العربية وحضاراتها دفعته إلى أن يري أن طبيعة الوطن العربي وخاصة العالم الإسلامي تتسم بالهمجية والوحشية، فذهب إلى القول بأن السبيل إلى القضاء على الوطن العربي هو تفتيته الى دويلات متشاحنة، فهو يسعى إلي استغلال النزعة الدينية الفطرية لخدمة التقسيم وهنا تتعدد وسائل زراعة الفتنة والتنفيذ و ذلك من خلال منظمات مشبوهة وجماعات متطرفة (عاشور: المرجع السابق) .

2- ثورات الربيع العربي

وشهدت المنطقة العربية في أواخر عام 2010م وبداية 2011م ثورات في عدد من الدول مثل تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا وأطلق عليها ” الربيع العربي ” ونتج عنها الإطاحة ببعض النظم السياسية والتي وإن كانت مهدت الطريق إلى الديموقراطية الا انها أتت بجماعات الاسلام السياسي الى سدة الحكم مثال تنظيم الاخوان المسلمين الإرهابي.

إلا أنه في بعض البلدان التي شهدت تلك الثورات تحولت فيها الثورات إلى صراعات وحروب أهلية مثل سوريا وليبيا، ومن ثم انهارت بعض الانظمة السياسية وانتشرت الجماعات والتنظيمات الارهابية – تحت مسميات عديدة – مستغلة حالة الفوضى في المنطقة العربية والتي تؤثر على الامن القومي للدول العربية، ولقد نالت هذه الاحتجاجات والتظاهرات العديد من بلدان الوطن العربي مثل عمان والكويت والجزائر والاردن و السعودية وموريتانيا .

والمتتبع لهذه الاحداث يجدها تتسم بعدة سمات مشتركة لعل اهمها ظهورها في توقيت متقارب وسرعة انتشارها وظهور تأثير غير طبيعي لعنصر الشباب فيها ،إلى جانب تسميتها بأسماء تهدف الى استقطاب نفسي ،فمثلا في تونس ثورة الأحرار والتي اندلعت يوم الجمعة 17 ديسمبر 2010 تضامناً مع بوعزيزي الذي قام بإضرام النار في جسده، أدى ذلك إلى اندلاع المظاهرات في يوم 18 ديسمبر 2010 وخروج آلاف التونسيين الرافضين لأوضاع البطالة وتفاقم الفساد داخل النظام الحاكم ولقد انتهت الى اقالة النظام الحاكم برئاسة الرئيس السابق زين العابدين .

وفي مصر سميت بثورة الغضب و اندلعت يوم الثلاثاء 25 يناير2011 م وكان اليوم المحدد من قبل عدة جهات وأشخاص أبرزهم وائل غنيم وحركة 6 أبريل ويلاحظ انه يوافق يوم عيد الشرطة المصرية وجاءت بدعوات لحقوق الإنسان وتحسين الاوضاع الاجتماعية ،ثم حدثت الفوضى من اقتحام للسجون وأعمال شغب. وتوالت احداثها الي ان جاء قرار الرئيس السابق محمد حسنى مبارك بالتخلى عن منصبه وتكليف المجلس الاعلى للقوات المسلحة بإدارة شئون البلاد والتي عهدت على نفسها عدم مساس ابناء الشعب بمكروه وضبط النفس تجاه التجاوزات التي كانت مستحدثة على الشعب المصري، وتعهدت بإجراء الإصلاحات اللازمة وتلبية كافة المطالب الشعبية وتنفيذ الاستحقاقات الدستورية، وذلك بالرغم من وجود حالة من تزايد المطالب الفئوية والاحتجاجات دون اية دوافع حقيقية، إلي أن ظهرت جماعات الإسلام السياسي التى كانت مطامعها مكشوفة من أول وهلة سعياً للسلطة .

وفي ليبيا جاءت بمسمى ثورة الغضب- أي أنه ذات الاسم للثورة المصرية- ونادت بتحسين الأوضاع المعيشية وتطورت الي حالات اشتباك للمتظاهرين مع الشرطة وهاجموا المكاتب الحكومية و تحولت إلى حرب مسلحة، و ظهور الجماعات الإرهابية المسلحة (داعش) .

وفي اليمن اندلعت الثورة يوم الجمعة 11 فبراير عام 2011 م الذي أطلق عليه اسم “جمعة الغضب” للمطالبة بتغيير نظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح، والقيام بإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية.

ولا يخفي على أحد دور مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت مثل فيسبوك في الحشد لذلك، حيث ظهرت المجموعات المناهضة لأنظمة الدول وبدأت بمطالب إصلاحية ثم ارتفع سقف المطالب إلى إسقاط الأنظمة.

3- آليات مواجهة الحروب الحديثة

كما رأينا فإن الأجيال الحديثة من الحروب لا ترمى الى ميادين قتال ،فهنا حرب لا يستخدم فيها النيران بل تعتمد على تنفيذ خطة معدة مسبقاً تهدف الي تنفيذ مصالحه من خلال برامج معينه أهمها إعداد دراسات وافية عن المجتمع المستهدف وهذا اصبح سهلاً في ظل التطور التكنولوجي والتوسع في قواعد المعلومات الرقمية ثم تعمل على تطويع هذه الدراسات من خلال اجندات اعمال يتم تكليف عملاء بتنفيذها وتتنوع هذه الاعمال بين اثارة الرأي العام و زرع الفتن والقيام بأعمال تخريب وفوضي ونشاطات ارهابية .

لذلك فإن مواجهة هذه الحروب والدفاع عن الوطن فيها مهمة مجتمع بأكمله من خلال توفير حالة من اليقظة تحقق ظهيراً شعبياً لمؤسسات الدولة في تنفيذ مهامها الاقتصادية والسياسية والامنية داخلياً وخارجياً(المشاط:1993).

فهذه الحروب يسعى عملاؤها إلى وقف وتقليل قيمة أية حالة من التطور في شتى الجوانب الحياتية وإثارة الرأي العام، ولذلك يجب على المجتمعات أن تفطن لذلك .

وكذلك بات على المؤسسات تحقيق حالة نموذجية من التعاون وتنفيذ برامج التنمية كلٌ في مجاله مما يؤثر بالإيجاب على معدلات التنمية الشاملة خاصة الاقتصادية والتي بدورها تحقق تنمية فكرية و بشرية وذلك كما يلي:

أ- اليقظة الشعبية

تعتمد هذه الآلية على ايقاظ روح الوطنية والتكاتف في المجتمع من خلال إثارة روح حب الوطن والدفاع عنه، ويعتمد التوجيه الشعبي على اساس علمي من خلال كوادر متخصصه مشهود لها بالإخلاص، ويجب ان تتناول هذه الآلية كافة ابناء المجتمع صغاراً وكباراً بما يكفل تنشئة اجيال وطنية تعرف ما لها وما عليها.

ب- التحليل العلمي

إن عملية التحليل العلمي للأحداث دائماً ما تجنى ثمارها في أي مجال وخاصة في مجالات العلوم الاجتماعية سواء كانت سياسية او اقتصادية فهي تحقق حالة من وضوح الرؤي والمعطيات بما يضمن الجاهزية لأى من سيناريوهات هذه الحروب .

ج – الإعلام الفعال

الإعلام لم يعد كالسابق وسيلة للترفيه خاصةً بعد تنوع ادواته، وفي ظل هذا التطور تظهر وسائل الاعلام الهدامة التي تعمل على بث السموم ومناهضة أي إنجاز بما يرتب حالة من الإحباط وتلاشي روح التفاؤل، لذلك يتحتم مواجهتها بواسطة كوادر اعلامية وطنية متخصصه تتولى مهام إعلام وطني حقيقي .

ولقد انتهجت بريطانيا هذه الآلية فشرعت في إنشاء وحدة عمليات لمواجهة الإعلام المضاد لبريطانيا وتحليل مضمونه و تفنيده والرد عليه ؛ ولقد تقرر أن تتبع جهاز الاستخبارات الملكي وتكون من مهامها منع نشر الأخبار الزائفة والتي تمس مصالحها، وقرر مجلس الأمن القومي البريطاني إطلاق مسمى (وحدة اتصالات الأمن القومي) على الوحدة المخابراتية الجديدة والتي تعمل على الرصد والتصدي السريع لأية أخبار مغلوطة تمس بريطانيا .

كذلك قامت الولايات المتحدة الامريكية في ديسمبر من العام 2016 على يد أوباما قانونا بتخصيص 160 مليون دولار أمريكي لإنشاء وحدة تتبع البنتاجون والخارجية تعمل على رصد وتحليل ومواجهة الدعاية الإعلامية الخارجية المضادة لها. (بوابة اليوم السابع الاليكترونية: 2018).

د- الربط بين المؤسسات المتخصصة

وهنا يجب وضع برامج يتولى تنفيذها الأجهزة المتخصصة في الدولة و يعاونها فيها جهات وطنية بحثية تتولى إعداد تقارير وافية تتسم بالدقة الكاملة والالمام التام بالتفاصيل لتوفير قاعدة بيانات تستطيع الدولة على اساسها التعامل في أرض الواقع ،على ان تتسم هذه الجهات البحثية بالشمول الميداني وكذلك بتبعيتها الكاملة للدولة واحتوائها على كوادر وطنية ذات قدر عالٍ من المسئولية والتخصص .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعريف الباحث/ محام مصري، باحث دكتوراة بجامعة حلوان، حاصل على ماجستير العلوم الاقتصادية والمالية، حاصل على دبلوم الأنثروبولوجيا كلية الدراسات الإفريقية العليا.
البريد الالكتروني: [email protected] .com
قائمة المراجع
– أبوالضياء،حنان . (2016) . جواسيس حروب الجيل الرابع . القاهرة . دار كنوز للنشر.

– راشد،تامر جاد .(2018) . محاضرات مسموعة في الانثروبولوجيا الطبيعية.القاهرة . معهد الدراسات والبحوث الافريقية .

– سيف النصر،شريف . (2016) .حروب الجيل الرابع بين الرواية الامريكية والرواية المصرية .القاهرة . دار البشير للنشر .

– الشماس، عيسي . (2003) . مدخل الي علم الانسان :الانثروبولوجيا .دمشق.اتحاد الكتاب العرب .

– شاهين ،عبدالعزيز راغب . (2017) . الانثروبولوجيا :اتجاهات نظرية وعلمية وتطبيقية .القاهرة . معهد الدراسات والبحوث الافريقية .

– عزالدين ،زينب حسنى .(2017) .حروب الجيل الرابع وآثرها على الامن القومى . المركز العربي الديمقراطى .

– عبدالوهاب،شادى . (2015). الحروب غير المتماثلة وآثرها على الاستراتيجية العسكرية . القاهرة.مجلة السياسة الدولية . العدد( 200)

– المشاط ،عبدالمنعم .(1993) . الامن القومى العربي: ابعادة ومتطلباته . القاهرة .معهد الدراسات والبحوث العربية .

– موسي ،محمدفريد ابراهيم .(2015) . حروب الجيل الرابع في الاستراتيجية الامريكية بالشرق الاوسط بالتطبيق على مصر .رسالة ماجستير. جامعة القاهرة .كلية الاقتصاد والعلوم السياسية .

– http://m.youm7.com . عاشور، صفاء .(2016). تقسيم الشرق الاوسط من سايكس بيكو الي برنارد لويس.

– http://m.youm7.com (2018) ،انشاء وحدة مخابرات في بريطانيا لمواجهة الاعلام

المضاد .

-http://m.youtube.com محاضرة مرئية لماكس مايوراينج عن حروب الجيل الرابع .

– www.alialamri.wordpress.com العامرى، على .(2016) حروب الجيل الرابع .

-www.ahram.org.eg . منصور، سماح . (2014) .حروب الجيل الرابع :خطر قادم .

– http://m.elwatannews.com . عبدالفتاح،معتزبالله (2013) .مصروقعت في فخ الجيل الرابع .

المصدر/ المركز العربي للبحوث والدراسات



الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.