الثلاثاء 29 نوفمبر 2022
23 C
بغداد

    الأسس المعرفية لتجربة “صلاح عبدالصبور” في المسرح الشعري

    خاص : دراسة بقلم – محسن الميرغني :

    ( 1 )

    يمتد تاريخ فن المسرح العربي – بوصفه ظاهرة فنية واردة إلينا من الحضارة الأوروبية – عبر بُعّدين؛ الأول زمني ويرجع إلى أكثر من قرنٍ ونصف من الزمن تقريبًا، والثاني مكاني ينطلق من بلاد الشام – تحديدًا سوريا ولبنان – مرورًا بمصر ومن ثم باقي بلدان العالم العربي، بتحديد هذين البُعّدين يمكن اعتبار فن المسرح المصري واحدًا من أهم نتاجات حركة الحداثة العربية في مطلع القرن العشرين.

    بالرغم من قلة إنتاج الأعمال المسرحية التي تنتمي فنيًا للمسرح الشعري مقارنة بالنثري في مصر، إلا أن التطور الحادث في تجاربه عبر عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، مثّلت إضافة وتغّيرا ذا قيمة على مستوى الكيف، في تحديث مفاهيم وتصورات كُتّاب المسرح الشّعري المصري، وقد انعكس هذا بشكلٍ واضح في أعمال “صلاح عبدالصبور”.

    بالإضافة إلى أن التغّيروالتحول الحاصّل في شكل وبُنيّة المجتمع المصري على مدى السنوات والعقود التي لحقت الثمار الناضجة في تجربة المسرح الشّعري المصري، أسهم بشكلٍ مباشر في تحديد مدى قابلية هذا النوع المسرحي للتطور ونكوصه المرتبط بتفاعله مع جمهور المسرح، الذي تبدت فيه رغُمًا عنه، كافة مساويء وعيوب تلك التغيرات الحاصلة في المجتمع، من تدنٍ واضح في مستويات الذوق العام، والتعليم، وتراجع الاقتصاد، وهو ما أدى لانحسار الظاهرة المسرحية المصرية الجادة، في مقابل صعود الظاهرة المسرحية الزائفة، التي لا تحمل من المسرح غير شكله الخارجي.

    تاريخيًا يبدأ فن المسرح الشّعري في مصر من تجربة الشاعر “أحمد شوقي” (1868 – 1932م)؛ وهي التجربة التي سعى “شوقي” من خلالها لكتابة نصوص مسرحية بالشعر المُلتّزم بالبّحور الشّعرية العربية القديمة، وهنا يستخدم المؤلف المسرحي، مادة الشّعر وسيلة وآداة يُعبر بها في قالب درامي عن صراع مسرحي، يدور بين شخصيات، يختار المؤلف صورتها الدرامية، وموضوع مأساتها وحبّكتها، وينسّج تفاصيل أحداثها وفقًا لما ترتضيه ذائقته وطريقته في التعبير والإبداع شعرًا.

    وقد ظهرت محاولات “أحمد شوقي” في المسرح الشعري قرابة عام 1927م، واتسمت مسرحيات “شوقي” بمجموعة سمات رئيسة يمكن إيجازها في: اختيار موضوعات الأعمال من التاريخ الواقعي أو الشعبي (العربي أو المصري القديم والحديث)، ثم تقليد النموذج الكلاسيكي الغربي للبناء المسرحي، واستخدامه للشعر في صياغة لغة الحوار بين الشخصيات أبطال المسرحيات، وقد قدم “شوقي” للمسرح الشّعري سبع مسرحيات شّعرية هي: “مصرع كليوباترا” و”قمبيز وعنترة” و”مجنون ليلى” و”علي بك الكبير” ثم مسرحيتيه “البخيلة” و”الست هدى”.

    ولا تخلو أعماله من وجود آثار لمؤثرات غربيةٍ واضحه. وهو ما أشار له “محمد مندور” في دراسته عن مسرحيات “شوقي” بأنها تختص بالبناء الدرامي أو الشكل، دون المضمون الذي حاول “شوقي” أن يكون مصريًا أو عربيًا خالصًا. وقد انتهى “مندور” إلى أن “شوقي” استمد بناءه الفني وهيكله من النمط الغربي، ولكنه تناول الموضوعات والأفكار والشخصيات من التاريخ والموضوعات المصرية والعربية بحس فنانٍ روحه شرقية عربية.

    تأتي محاولة “عزيز أباظة” (1898 – 1969م)؛ في الكتابة للمسرح الشّعري، التي قدم من خلالها عشر مسرحيات اشترك في تأليف إحداها مع كاتب آخر هو “عبدالله البشير”. لتسقط في نهج التكرار الذي اعتبره بعض النقاد، ومنهم “أحمد شمس الدين الحجاجي”، لا يتعدى مرحلة الانتكاسة والتبعية، لأنها لم تُضّف إلى هذا الفن إلا بمقدار ما أضاف مؤلفها إلى تراث الشعر العربي من تأخر ونكوص عن التطور، من حيث الإصرار على استخدام لغة غريبة مهجورة دون فن حقيقي. فلا هو طور في آداته المتمثلة في اللغة الشّعرية، ولا أحسن اختيار موضوعاته لتجاوز المألوف فكرًا، وقد استقى موضوعاته كلها من ذات النبع الذي استقى منه “شوقي” موضوعاته أي التاريخ، إلا أن كتابته كانت مجرد تقليد واتباع لتجربة “شوقي” لا إبداع فيها. بل إنه لم يُضاهي “شوقي” أبدًا في عذوبة شعره وفنه المبثوث بين سطور قصائده الغنائية التي تُسّرب شيء منها إلى سطور مسرحياته الشعرية.

    لكن وعلى النقيض تُعد تجربة “عبدالرحمن الشرقاوي” (1920 – 1987م)؛ خطوة أبعد في الكتابة لفن المسرح الشّعري، إذ زودته برافد فكري جديد تمثل في تبني المؤلف للواقعية الاشتراكية، وقد أجمع غالبية نقاد المسرح ممن تناولوا مسرحيات “الشرقاوي” على أن أفكارها كانت انعكاسًا فنيًا لفكر المؤلف المسرحي، فكان وهو يكتب حوار شخصياته شعرًا، ينساب وراء نفسه الشّعري، ويقول ما يُريده، دون أي اعتناء بالبناء الفني، فخرجت مسرحياته ببناء يشوبه كثير من العوار والنقص فني، لاعتماده علي المونولوج الدرامي الطويل، الذي يُجريه على ألسنة أبطاله، وهنا غلب الآداة/اللغة الشعرية على المادة والموضوع والبناء الفني، قدم “الشرقاوي” مسرحيات “مأساة جميلة” و”ثأر الله” و”وطني عكا” و”الفتى مهران”؛ ثم ثلاثيته “صلاح الدين النسر الأحمر”، ويرى بعض النقاد أن أعماله تلك أقرب تصنيفيًا إلى الشعر المسرحي منها للمسرح الشّعري.

    ( 2 )

    يُعد “صلاح عبدالصبور” (1931 – 1981م) صاحب أوضح الخطوات الفنية في تاريخ المسرح الشّعري المصري، بما أضفاه من تجديد وتطور فني على عنصري الآداة والمادة للبناء المسرحي الشّعري، فهو بصفته واحدًا من بين رواد حركة الشعر الجديد، التي ظهرت في أواسط خمسينيات القرن العشرين في مصر، ثورة وتمردًا على منظومة الشعر القديم شكلاً ومضمونًا، وبنشره ديوانه الأول “الناس في بلادي”؛ عام 1957م. الذي أسس به مفاهيم شّعرية جديدة لم تكن حاضرة في الوجدان الشّعري المصري آنذاك من حيث الموضوعات واللغة والبناء الفني للقصيدة، وقد تطور هذا التأسيس فيما بعد ليظهر أثره في كتابته لمسرحياته الشّعرية، التي بدأها بمسرحية “مأساة الحلاج”؛ في عام 1964م، وهو نفس العام الذي أصدر فيه ديوانه الثالث “أحلام الفارس القديم”؛ أي بعد أن خضع له الشعر الغنائي وأقر له الكثيرون جمهورًا ونقادًا بالتميز والريادة. وتأتي بعدها مسرحيته الثانية “مسافر ليل”؛ 1968م، والثالثة “الأميرة تنتظر”؛ 1969م، ثم “ليلى والمجنون”؛ في عام 1971م، فمسرحيته الخامسة “بعد أن يموت الملك”؛ التي ظهرت في عام 1975م.

    لقد أنتج تزامن الإبداعين الشّعري الغنّائي والمسرحي الدرامي تداخلاً بين مستويات الكتابة الغنائية والدرامية في إنتاجه، حيث نجد كثير من صياغاته الشّعرية متكررة، في مسرحياته وهو ما يراه “أحمد شمس الدين الحجاجي” في دراسته: “المسرحية الشعرية في الأدب العربي الحديث.. ظاهرة مميزه لمسرح صلاح الشّعري”: “تُعد الغنائية إحدي الظواهر الأساسية في مسرح صلاح عبدالصبور لم تخل مسرحية منها”.

    ويرصد “وليد منير” في دراسته لمسرح صلاح عبدالصبور الشعري، نوعًا من التمهيد لحالة إمتزاج وذوبان بين العالمين الدرامي والغنائي، ويُدلل على ذلك بملاحظة “بدر الديب” في المقدمة التي كتبها لديوان “الناس في بلادي”؛ من تنامي خاصيتي: “مسرحة المشاعر والمواقف” لدى الشاعر، وكذلك: “زيادة الاهتمام بالتفاصيل الجزئية”، وهو ما اعتبره نوعًا من: “الولع المتنامي بالحكي والرواية” في قصائده.

    لكن هذا لا ينفي أنه كان على وعيٍ تام بالحدود الفاصلة بين الأنواع الفنية والأدبية، من قصيد غنائي ومسرح شعري، بل إن هذا التداخل المشار إليه سابقًا، ما هو إلا من قبيل التضافر بين مكونات وعناصر البنية الواحدة، التي تتبدى تنويعاتها وتجلياتها في مجمل إنتاجات الشاعر وتطوراتها. وهو ما يطلق عليه “أحمد عبدالواحد”: “الهم الشعري الواحد”؛ في تفسيره لتلك الصياغات المتكررة: “… منذ طفولته الشعرية حتى ذروة نضجه كان يقول أشياء، ثم يشعر بعد حين أن هذه الأشياء مازالت تُحاصره وتُلح عليه، فيصوغها ثانية بتشكيل آخر في تجربة أخرى، ثم يكتشف في مرحلة ثالثة من حياته أن نفس الفكرة قد كبرت معه، فهي تسري منه مسرى الدم، وأن رؤيته لها قد كبرت ونضجت مع الزمن، فيقولها ثالثة بطريقة مغايرة.. وهكذا.”

    من ثم يمكننا قراءة مسرحيات “صلاح عبدالصبور” ببصيرة أكبر، إذا ما جمعنا ما بين عالمي شعره الغنائي ومسرحياته الدرامية، بما يسهل علينا تقصي أوجه التطور والتبدل التي شكلت رؤيته للعالم كشاعر معاصر، عبر استخدامه لشخصيات أبطال مسرحياته، كقناع درامي فني يُفصح من وراءه عن رؤياه ورؤيته الشعرية التي سبكتها روحه في مواجهتها لهذا العالم الواقعي الذي يعيش فيه، والعالم المثالي الذي يفتقده ويطلبه ويتمناه.

    جذور المفهوم الدرامي المؤسس لتجربة المسرح الشعري: –

    في قراءة تجربة “صلاح عبدالصبور” الإبداعية (شعرًا ومسرحًا)، بالإضافة إلى مقالاته النثرية التي تحمل بين سطورها كثير من أفكاره وآراءه. وهو ما يمكن أن نُعبر عنه بتراكم الخبرات الفنية، بما يؤدي إلى حدوث تغير كيفي يطبع كتاباته كلها بالأصالة الأدبية، وهوما يدفع ناقدًا مثل “علي الراعي” لأن يُصرح: “أما الميلاد الحقيقي للمسرح الشعري، فإننا خليقون بأن نجده لو رحنا نتفحص أعمال صلاح عبدالصبور للمسرح.”

    هذه المحاولة ستُحاول رصد الجذور المفاهيمية أو المكونات التي أسس عليها “صلاح عبدالصبور” بناءه المسرحي، وهي محاولة لا تسعى لأن تكون نهائية أو شاملة، لكنها خطوة أولية لاكتشاف هذا البنيان الفني، ومن ثم يمكن إيجاز هذه المكونات في ثلاث نقاط أولى هي:

    1 – وجود الحس الدرامي في قصيدته الغنائية.

    2 – ثقافته الموسوعية.

    3 – تأثره بنموذج (إليوت) ووعيه بهذا التأثر.

    هذه النقاط تُشكل مدخلاً نقديًا أوليًا، نسعى من خلاله لتتبع المراحل اللاحقة، التي قد تكون أكثر تعقيدًا عند محاولة القيام بقراءة نقدية لمشروع “صلاح عبدالصبور” الإبداعي فكريًا وجماليًا.

    أولاً: الحس الدرامي في القصيدة الغنائية: –

    منذ قصائده الأولى والروح الدرامية المولعة بالحكي موجودة في أشعار “صلاح عبدالصبور”، وإذا رجعنا لما كتبه “إليوت” عن أصوات الشعر الثلاثة وعن تحديده للصوت الثالث الذي يُمثل صوت الشاعر، الذي يُحاول خلق “شخصية درامية تتحدث بالنظم” وتعريفه لهذا الصوت الثالث تحديدًا بقوله: “أما الثالث فهو صوت الشاعر وهو يُحاول خلق شخصية درامية تتحدث بالنظم، صوته لا عندما يقول ما يستطيع هو شخصيًا أن يقول، بل ما يستطيع فحسب أن يقول في حدود شخصية وهمية تُخاطب أخري وهمية”.

    وبمطالعتنا لقصائد ديوان “الناس في بلادي”؛ يمكننا التعرف على هذا الحِس الدرامي، ويبدو واضحًا في قصيدته الأولى: “رحلة في الليل”؛ إذ يبدأ الشاعر القصيدة بحكيه لصديقته عن يومه الذي قضاه بين أصدقاءه، وكيف يدخل الليل عليه بين أصوات رفاقه وكلماتهم:

    “الليل يا صديقتي ينفضني بلا ضمير

    …………………..

    فحين يُقبل المساء يقفر الطريق،

    والظلام محنة الغريب

    يهب ثلة الرفاق، فض مجلس السمر

    “إلى اللقاء” – وافترقنا – “نلتقي مساء غد”

    “الرخ مات – فاحترس. الشاه مات”

    “لم ينجه التدبير، إني لاعب خطير”

    “إلى اللقاء” – وافترقنا – “نلتقي مساء غد””

    هذه الأصوات المختلفة، في نص قصيدته تُنذر بروح درامية؛ وهو ما يتكرر لديه عندما يقول:

    “مازال في عرض الطريق

    تائهون يظلعون..

    ثلاثة أصواتهم تنداح في دوامة السكون

    كأنهم يبكون..

    – “لا شيء في الدنيا جميل كالنساء في الشتاء”

    –  “الخمر تهتك السرار”

    – “وتفضح الإزار”

    – “والشعار… والدثار”

    ويضحكون ضحكة بلا تخوم…

    ويقفر الطريق من ثغاء هؤلاء”

    لم تكن هذه هي القصيدة الأولى في حياة الشاعر، لكننا نعلم من سيرته المكتوبة، أن سنوات صباه الباكرة اتسمت بذاتية صارخة ورومانتيكية اشتهرت بها تجارب نجوم شعراء ذلك الوقت ممن قرأهم “صلاح” وتأثر بهم من أمثال “محمود حسن إسماعيل” و”علي محمود طه” و”إبراهيم ناجي” وغيرهم.

    يمكننا أيضًا تتبع الحِس الدرامي المتنامي بشكلٍ واضح في بقية قصائد الديوان الأول؛ مثل قصائد “السلام” و”الحزن” و”المُلك لك” و”أناشيد الغرام” و”رسالة إلى صديقة”، ثم في قصائد الديوان الثاني: (أقول لكم)؛ مثل قصائد: “الظل والصليب” و”أقول لكم”، والتي اعتبرها كثيرون من النقاد البذرة الأولى لشخصية “الحلاج” المسرحية.

    وحالة التنامي للحِس الدرامي تلك التي تبدأ من قصائده الغنائية، تُصبح بناءًا مكتملاً من المشاعر والأحاسيس والخلجات الدرامية التي تسّري على ألسنة شخصياته في مسرحياته الشعرية، تُعد في رأينا نوعًا من التطور الفني الناتج عن تمثله لمراحل سابقة، واجتيازه كثير من المحاولات، التي كان يُجّرب فيها السعي لتحقيق تلك الدرامية التي اكتملت وتشكلت في أبنية مسرحياته وشخصياتها.

    وتمّثلات الصور التي نجدها متسربة في أشعار “صلاح عبدالصبور” الغنائية، هي التي دفعته مع تطوره الفني وامتلاكه لآداة الشعر بصدور ديوانه الثالث: (أحلام الفارس القديم)، لاستخدام وسيلة فنية هي قصيدة “القناع” التي جسد من خلالها فهمه لفكرة المُعادل الموضوعي التي أشار إليها “إليوت”.

    أخذ “صلاح” عن “إليوت” فكرة المُعّادل الموضوعي بوصفه وسيلة وآداة فنية يستطيع من خلالها الشاعر أن يُعبر عما يجول في خاطره وعقله من تجسدات لصور فنية، يرى فيها مشاهد وشخصيات امتلأت بها أشعاره، وقد آن لها أن تظهر في الوجود الفني بشكلٍ فني أكثر تطورًا، فخلجات الشاعر تظهر في شخصيات لها ما للبشر من صفات وملامح، وهو ما يؤكد – في رأينا – وعيه بالنوع الفني المسرح، ووظيفته في خلق الجدل وتبادل الحواس ما بين شخصية درامية وأخرى، وبين هذا الصراع الدائر على خشبة المسرح والمتلقي الجالس على مقعد المتفرج، ولكن بأثر أكثر بلوغًا وتحققًا من ذلك الأثر الذي تُحدثه القصيدة الغنائية، والتي يمكن ألا تصل إلى قطاعٍ عريض من القراء بعكس المسرحية.

    وقد تمثل هذا جليًا في اكتمال أولى المسرحيات: (مأساة الحلاج) وصدورها في ذات العام الذي صُدر فيه الديوان الثالث: (أحلام الفارس القديم)، ولا نغفل حقيقة يذكرها “صلاح” نفسه، هي أن تجربته في الكتابة للمسرح لم تكن (مأساة الحلاج) هي أول محاولاتها، بل سبقتها أكثر من تجربة غير مكتملة: “ظل المسرح الشّعري طموحًا يُخايلني سنوات حتى كتبت مسرحيتي (مأساة الحلاج)؛ وكانت لي قبلها تجربة لم تتم في كتابة مسرحية عن (حرب الجزائر)… وخطرت لي فكرة ثانية هي كتابة قصة المهلهل بن ربيعة..”.

    لقد أقدم “صلاح” إذاً على كتابة المسرح الشّعري نتيجة لإكتمال مفهوم ما عن المسرح الشّعري لديه، عبر عملية متتالية من التمثلات لمفاهيم ومؤثرات وروافد، مر بها خلال تجربته الشعرية والفنية.

    ثانيًا: ثقافته الموسوعية:-

    يكتب “صلاح عبدالصبور” قائلاً: “الثقافة إذاً تراث حي متصل بين الماضي والحاضر متجهة إلى المستقبل وليست دراسة مواطن نشوئها إلا لونًا من إلقاء الأضواء عليها بغية مزيد من الفهم والإستنارة… وقد درجت في السنوات الأخيرة على أن أوطن نفسي على الإحساس بقرابتي إلى الشعراء في كل صقع من أصقاع العالم وفي كل فترة من تاريخه، بحيث انتظم موروثي الأدبي أبا العلاء وشيكسبير، وأبا نواس وبودلير، وابن الرومي وإليوت، والشعر الجاهلي ولوركا، فضلاً عن عديد من الشعراء والقصائد المتفرقة، والأفكار والخواطر الشعرية.”

    يُدرك من يُطالع كتابات “صلاح عبدالصبور” النثرية؛ قبل أعماله الشعرية ومسرحياته، إلى أي مدى كانت تتسع معارفه وثقافته إلى الحد الذي أوصله من مجرد مدرس للغة العربية في بداية حياته، إلى شاعر ومفكر وناقد موسوعي من أهم رواد القرن العشرين في مصر. ودون أن نعول على هذا الأمر كثيرًا في تحديد قيمة ونضج أعماله المسرحية، يمكننا البدء بما أورده “أحمد عبدالحي” عن تعدد منابع ثقافته، والتي يُرجعها لرافدين رئيسين؛ هما وعيه بالتراث واستيعاب الحداثة الشعرية المعاصرة، وهو ذات ما كتب عنه “صلاح” نفسه في: (مسرحنا المصري.. إلى أين ؟)؛ والتي لخص فيها رأيه عن أن ما يحتاجه المسرح المصري لينهض؛ هو الجمع بين هذين الرافدين: “وفي ظني أن مسرحنا المصري ليس في حاجة إلى التوفيق بين الأصالة والمعاصرة؛ ولكنه في حاجة إلى الجمع بين الكلمتين في أقنوم جديد هو أصالة المعاصرة.”

    لقد كان وعي “صلاح عبدالصبور” مؤسسًا على الرجوع لمنابع كبرى في الثقافتين العربية والغربية، فقام بإنجاز مشروع قراءة كبرى في بدايات الثلاثينيات من عمره، لتحديد مواقفه واختياراته منهما والتثبت من أهدافه التي تمثلت فيما بعد في إنتاجه الشعري والمسرحي: “إننا نتألم لأننا نُحس بمسؤوليتنا، ونعرف أن هذا الكون هو قدرنا، لقد كنت مرة أقرأ بيت المعري العظيم:

    وهل يأبق الإنسان من ملك ربه

    ويخرج من أرض له وسماء

    لقد أرتعدت حينما قرأته، لم تكن تلك قراءاتي الأولى له، ولكنها قراءة ما، قد تكون الثانية أو العشرين أو المئة، فتحت فجأة أمام نفسي طريقًا طويلاً مخيفًا، وأحسست كأني أصبت بالحمى، وأدركت فجأة ما دار في خلد هذا الفنان النبيل الأعمى – الذي حمل وحده في تراثنا العربي كله عبء الإنسان على كتفيه العجوزين الناحلين”.

    نحن إذاً أمام قراءة واعية تتأمل فيما تطالعه وتستلهمه بوعي الناقد المفكر، وليست مجرد قراءة وظيفية أو قراءة عابرة، إنه يقرأ تراثه ليتأمله، ثم هو يتمثل ما يقرأه ليُعيد إنتاجه مرة أخرى بصورة أكثر نضجًا وجمالاً، ولعل هذا التأمل القلِق، كان هو السبب الرئيس في تسرب الحزن والولع به في مجمل أشعاره.

    وتبدو أوجه تأثرات أخرى بـ”المتنبي”؛ بالإضافة إلى تأثره بشعراء معاصرين مثل “محمود حسن إسماعيل” و”علي محمود طه” و”إبراهيم ناجي” و”إيليا أبي ماضي” وقد تأثر “صلاح”؛ بـ”جبران خليل جبران”، كواحد من الذين تشربتهم روح الشاعر في بدايات تأثراته الفنية والفكرية، وبقي هذا الأثر ممتدًا حتى النهاية، ثم يأتي تأثره بالكتاب المقدس والذي يظهر جليًا في (مأساة الحلاج) كما تأثر فكره أيضًا بقراءاته لكبار الفلاسفة والشعراء الغربيين مثل: “نيتشه” و”بريخت” و”وليم بليك” و”لوركا” و”شيكسبير” و”فرانز كافكا”.

    لقد تشكلت تجربة المسرح الشعري إذاً عبر مراحل متتالية من التلقي والتمثل والتأمل وإعادة صياغة كل هذه الروافد الفنية والفكرية مرة أخرى بما يمس الإنسان محليًا وعالميًا، وهو ما صبغ إنتاجه المسرحي والدرامي بتلك الصبغة الإنسانية.

    ثالثًا: تأثره بـ (إليوت):-

    عرف “صلاح عبدالصبور”؛ “إليوت”، أول ما عرفه وسمع عنه في سنوات دراسته بالجامعة المصرية – وقت أن كان طالبًا بكلية الآداب قسم اللغة العربية بين عامي: 1947 و1951م –:

    “كان صديقي القديم وزميلي في الجامعة؛ عبدالغفار مكاوي، قد قدم إلي بعض قصائد إليوت ورلكه مع شعره الرومانتيكي الصافي وقرأنا وتناقشنا وتبادلنا قصائدنا”.

    وقد كانت هذه الفترة مرحلة تبدل وتحول في حسه الفني والشعري من الذاتية الصبيانية وفورة المراهقة الأولى، إلى حال النضج الفكري وبدايات تطوره الفني، بعد أن تأكد له وعيه بكونه شاعرًا اختار الشعر كوسيلة أدبية وفنية للتعبير عن ذاته: “.. كنت قد عبّرت بطريقتي الساذجة عن هموم حياتي كلها من حب وإخفاق ومخاوف وأحسست أني أكرر نفسي في كل ما أحاول أن أكتب كما أن قراءاتي وسماعاتي من الأصدقاء كانت قد زلزلت نفسي زلزالاً كبيرًا لقد بدأت الأسماء الغريبة تقرع آذاننا بعنف عنيف، إليوت، أندريه بريتون، بودلير، فليري، رلكه، شللي، وردزورث..”.

    كان تعرفه بـ”إليوت” في تلك المرحلة إذًا بمثابة نقطة تحول، وموقف فصل بين عالمين ومرحلتين؛ الأولى هي مرحلة الصبا والمراهقة الأولى، والثانية مرحلة التكون والنضج الفكري، التي مر فيها بتحولاته الجوهرية، وتنوعت خلالها ميوله الفنية والأدبية، ما بين محاولات لكتابة القصة القصيرة ثم معاودته لكتابة الشعر، التي يُحدد لها تاريخًا في أوائل عام 1951م، لتنتهي تلك المرحلة بتشكل وعيه لاتخاذ موقف من الحياة التي يعيشها، متمثلاً لموقف نابع من يقينه وإيمانه بضرورة وأهمية أن يكون لما يقوله ويفعله جدوى: “ما جدوى الحياة ؟ ما جدوى الحب ؟ ما جدوى الفن ؟.”

    لقد كان تأثر “صلاح”؛ بـ”إليوت”، سببًا رئيسًا من أسباب انجذابه نحو مفاهيم الحداثة الشعرية واختراقه لحجب الثقافة المحلية: “إن تأثر صلاح بإليوت كان بالدرجة الأولى تأثرًا مضمونيًا، قبل أن يكون مجرد استعارة تعبير أو صورة أو تكنيك فني، أو حتى الإعجاب بأسلوبه الجسور في التعامل مع اللغة.”

    وهو ما رآه “ماهر شفيق فريد” تأثرًا يتجاوز الأسلوب أو التقنيات الفنية، ليمتد إلى حساسية الشاعر، وأسلوب استجابته للمواقف والأشخاص والأفكار، وأحواله النفسية.

    وسنجد في كلامه وآرائه النقدية والقيمية صدى واضحًا لمقولات وآراء وكلمات “إليوت” النقدية، ويمكننا أن نقف عند أمثلة كثيرة، منها على سبيل المثال، عندما يتحدث “إليوت” في مقالته عن الموهبة الفردية وعلاقتها بالتقاليد فيكتب: “والواقع أن خير ما في عمل الشاعر وأكثر أجزاء هذا العمل فردية، هي تلك التي يُثبت فيها أجداده الشعراء الموتى خلودهم… وأنا لا أتكلم عن فترة المراهقة الإنطباعية للشاعر، وإنما عن فترة النضوج الكامل.”

    أو عندما يكتب : “ومعنى الشاعر أو معنى الفنان في أي فن كان، لا يستمد منه وحده، فتقديره إنما هو تقدير للعلاقة التي تربطه بالشعراء والفنانين الموتى، وأنت لا تستطيع أن تُقيمه على حدة وإنما يتحتم عليك أن تضعه جنبًا إلى جنب مع الموتى، لتجري المقارنة والمفارقة وليس هذا من مباديء النقد التاريخي فحسب، بل من مباديء النقد الجمالي أيضًا.”

    ولنقرأ كلام “صلاح عبدالصبور” عن الشاعر المعاصر وضرورة وعيه ومعرفته بآباءه الفنيين فنجده: “إن الفنان يولد في الفن، ويعيش فيه، ويتنفس من خلاله، وكل فنان لا يُحس بانتماءه إلى التراث العالمي ولا يُحاول جاهدًا أن يقف على إحدى مرتفعاته فنانٍ ضال، وكل فنان لا يعرف آبائه الفنيين إلى تاسع جد لا يستطيع أن يكون جزءًا من التراث الإنساني، وهو في الوقت ذاته لا يستطيع أن يُحقق دوره كإنسان مسؤول في هذا الكون.”

    وما كلام “صلاح” عن عمليتي التشكيل والتلوين في القصيدة ثم عمليتي التلوين والتمكين وبحثه في قاموس الصوفية عن تعبيرات ومصطلحات فنية يستطيع أن يُفسر من خلالها مراحل تكون القصيدة في روح ووجدان ونفسية الشاعر وعقله، سوى بحث منه عن مدخل فكري وثقافي يقترب به من المضمون الذي قال به “إليوت” عن عملية تكون القصيدة والشعر عامة، في روح ووجدان ونفسية الشاعر، عبر تشبيهه لهذه العملية بالمعادلة الكيميائية وكل منهما – صلاح وإليوت – اختار ما تُعينه عليه مكونات ثقافته من أمثلة.

    وليس أكثر من ترجمته لمقالة (الشعر والمسرح) لـ”إليوت” في مقدمة ترجمته لمسرحية (جريمة قتل في الكاتدرائية) من دليل نسوقه على استقاء “صلاح عبدالصبور” لمفهومه عن المسرح الشعري من خلال تمثله لآراء “إليوت” النقدية وإعادة إفرازها بما يتناسب وواقع المجتمع المصري والعربي الذي يعيش فيه “صلاح” أولاً ويقدم له منتجه الفني وإبداعه المسرحي ثانيًا.

    *نشرت الدراسة لأول مرة في كتاب (مرايا 24).