الأثر الإسباني في الشعر العراقي الحديث .. البياتي أنموذجًا

    الباحث محمد مختار

    العلاقة بين إسبانيا والأدب العربي وبخاصة الأدب العراقي علاقة قديمة تعود لعدة قرون مضت ومستمرة لليوم، الحضور الإسباني نراه مستمرًا في الشعر العربي الحديث خاصة في الشعر العراقي، اتخذ شاعروا العراق المحدثين رموز إسبانية لتكون دلالة على النضال  والرغبة في التقدم ولتعكس نفوسهم الثورية التي تتوق للتغير.

    لنستطيع فهم التقدم الذي حدث للشعر العربي على مدار القرون يجب أن نلقي نظرة على الشعر القديم، فمنذ الحقبة الجاهلية لليوم حدثت تغييرات جذرية بالقافية والوزن حتى بالموضوعات التي يتناولها الشعر، فكان الشعر الجاهلي القديم يعتمد على تكرار القافية وكان شعراء العصر يستخدمون الشعر ليقصوا قصص رحلاتهم والطبيعة من حولهم، ثم تبعها شعر صدر الإسلام حينها كان الشعراء المسلمون ينصرون الدين وينشرون تعاليمه عن طريق الشعر، وتنوعت الموضوعات الشعرية بالعصر الأموي فأضاف الشعراء مجالات جديدة بالشعر وازدهر شعر الغزل العذري بتلك الفترة.

    الحركات الشعرية الحديثة بالعراق

    كثرت الألوان الإبداعية بالعصر العباسي وعكس الشعراء مظاهر نهضة العصر، تلتها الحقبة الأندلسية وهي فترة الانفتاح  والاختلاط الحضاري حيث اجتمعت الديانات السماوية الثلاث وتعد من أكثر العصور  القديمة التي شهدت ازدهارًا معرفيًا وحضاريًا، وتلى ذلك الازدهار انحدار شديد بالحقبة العثمانية نتيجة لما عانته البلاد من مشكلات سياسية داخلية وخارجية، وشهدت نهاية القرن التاسع عشر ولادة الشعر الحديث المتحرر بنسبة كبيرة من قيود القافية والوزن التي أحكمت قبضتها على شعراء العصور السابقة.

    ومن أهم الحركات الشعرية الحديثة تلك التي رأينها بالعراق، حيث بدئت مدرسة الشعر العراقي الحديث مع نازك الملائكة حيث تعتبر الشاعرة من أولى مؤسسي المدرسة الشعرية الحديثة بالعراق وتبعها بدر شاكر سياب والبياتي وتلاهم الكثير من الشعراء، ونرى بشعر هؤلاء الكثير من مظاهر النضال والدفاع المستميت عن الحريات  واستلهموا العديد من إبداعاتهم من الأحداث حولهم.

    ومن الرموز الظاهرة بالشعر العراقي الرموز الإسبانية، ونرى حضورًا قويًا لها بشعر البياتي،  الشاعر العراقي الذي يعد أحد مؤسسي مدرسة الشعر الحديث بالعراق والذي لم يخلوا شعره من الرموز الإسبانية فاستخدم مدن كمدريد ومناضلين وشعراء مثل الشاعر جارسيا لوركا الذي تحول من شاعر إلى أحد الرموز بأشعار البياتي.

    إسبانيا والحرف العربي: ليس من العجيب أن نرى الأثر الإسباني يظلل الحرف العربي، فالصلة بين الحضارتين الإسبانية والعربية قديمة قِدم الشعر، وطيلة ثماني قرون كان هناك تواجد لكلٍ من الحضارتين في ثقافة الأخر، وقد اشتركت الأندلس “إسبانيا المستعربة” مع الحرف العربي في كثير من منابع الأدب.

    فعند البحث والتقصي في أصول الشعر نجد أن بعض ألوان الشعر العربي بدأت بالأندلس، فعلى سبيل المثال الموشح الذي يعد لونًا من ألوان الشعر العربي وهو كما وصفه الباحثين في أصول الشعر أنه أندلسي النشأة ولكن عربي الأصل،  رأى بعض الباحثين الإسبان أن الخرجات الأعجمية التي نراها ذيلت بعض الموشحات دليل على أنها بقايا أغان إسبانية المصدر، ولكن لم يستطع أحد تأكيد هذا الزعم وذلك لأن الموشحين قديمًا كانوا يستخدمون الحرف الأعجمي كما العربي ولذلك يظل هذا زعمًا لا أكثر.

    وكذلك الزجل وهو اللون الشعري الذي تلى الموشح، بالرغم من أن اختلاف البعض على أسبقية الموشح للزجل ولكن استقر الجمهور على أن الزجل تلى الموشح، ويُعد الزجل أيضًا أندلسي المنشأ، وكان هذا اللون الشعري يسمى عن المغاربة بالشعر المُلحن، ومر الزجل كذلك بعدة أطوار وكان أولها الفصحى التي لم تعرب، وكان به تداخل للهجات كتلك التي نظمها “بن قزمان” حيث حرص على تداخل اللهجة العربية مع الأعجمية والأندلسية المحلية، مما أعطى انطباعًا بأن كاتبي الأزجال استعانوا ببعض أجزاء من أغان أعجمية المصدر لتكون حجر أساسٍ ليقيموا عليه أزجالهم وهو ما يظل كذلك زعمًا فقط دون إثبات (عباسة، 2002).

    وكانت حضارة العراق معروفة منذ القدم بتقدم أشكال الأدب بها، فالعراق هي بلاد ما بين النهرين “بلاد الرافدين” حيث عرفنا أثارً عظيمة لبلاد مثل بابل وأشور حيث كان ملتقى ثقافات العالم القديم، وكان لموقع هذه البلاد بجوار نهري دجلة والفرات أثر عظيم ليس فقط لاعتمادهم على الزراعة ولكن كان موقعها الغني أحد أسباب كونها أحد أعظم بلاد العالم القديم حيث كان تجتمع الحضارات للتجارة وتبادل الثقافات، فعرف العراق من قديم الأزل بنبوغ شعراءه وتقدمه بجميع المجالات وخير دليل على هذا مكتبة بغداد التي لازال العالم يئن على فِراقها لليوم (الجنابي، 2011).

    وقد مر الشعر العربي بالعديد من المراحل ليصل إلى الشعر الحديث الي نعرفه اليوم، فكان الشعراء قديمًا شديدي الحرص على القافية والأوزان، وكان الشعر يتكون من أبياتٍ واشطار، فأنقسم البيت إلى شطرين الأول يسمى صدرًا والثاني عجزًا، وكان الشعر الذي يخلوا من هذه الشروط  لا يعتبر شعرًا بل كان ينتمي إلى فن الخطابة أو ربما فصاحة الحديث.

    وخير مثال على ذلك الشعر الجاهلي، فكانت القافية حينها تُلزم تكرار أخر حرف من أخر كل بيت، ولهذا عُرف شعر هذه الحقبة بالشعر الكلاسيكي، وكان الشعراء الجاهليون يعتمدون على وصف رحلاتهم وأسلوب الحياة العربي في ذلك الوقت، ولهذا كان تسمى أشعارهم (بديوان العرب) وأشهر شعراء ذلك العصر هم أصحاب المعلقات العشرة ومنهم النابغة الذبياني، وعنترة ابن شداد، وامرؤ القيس (العنبكي، 2017).

    وتلت تلك الحقبة حقبة الشعر الإسلامي الذي ظهر مع نزول رسالة الحق من السماء على سيدنا محمد ﷺ، ونرى الشعراء يستخدمون شعرهم في نصرة الدين وتدوين وتسجيل الغزوات وهجاء قريش، وكانت كلماتهم كسيوفٍ من نار لنصرة الدين الإسلامي ونرى ابتعاد الشعراء عن الغزل الصريح وشعر الخمر وتمجيد الأصنام الذي عُرف بالجاهلية، وكانت اللغة سهلة وبعدية عن الغموض ومن خيرة هؤلاء الشعراء حسان بن ثابت شاعر الرسول ﷺ، كعب بن مالك، عبيد الله بن رواحة، وكعب بن زهير.

    كثرت المواضيع الشعرية وتنوعت مع بداية العصر الأموي، فلم يكتفي الشعراء بتوسيع مواضيع من العصور الشعرية السابقة ولكن وسعوا المجالات وأضافوا ما يناسب متطلبات العصر كالمدح والنقائض، من أشهر شعراء العصر الأموي الأخضل، ومن شعراء الغزل العذري قيس ليلى، ومن شعراء النقائض بشار بن برد.

    وكان لاختلاف وتطور الحياة واختلاط الثقافات كل الأثر في توسع مجالات الشعر بالعصر العباسي، وكان الشعراء يعكسون الفنون والثقافة في أشعارهم فنسمع النغمات الموسيقية التي تحرك المشاعر كثرت بأشعارهم، كذلك نرى كثرة استخدام المحسنات البديعية والتي مالت إلى الدقة في التصوير، حتى بالحواشي السفلية نرى جمال الزخرفة بالكلمات ومالت اللغة إلى سهولة اللفظ، ومن أشهر شعراء العصر المتنبي (محمد، 2017).

    الموضوعات الشعريةللشعر الحديث

    كانت الحقبة الأندلسية تختلف عن غيرها، فلقد كانت موقع لتجمع عدد لابأس به من الحضارات والأديان واختلفت بها الثقافات تميزت الحقبة بالتطور الحضاري والذي نراه كذلك بالأدب والشعر، ولم يخالف الأندلسيون الأغراض الشعرية لأهل المشرق فرأينا بهذه الحقية أيضًا الشكوى ورثاء الممالك والاستنجاد، وكثر الوصف بتلك الحقبة بجميع ألوانها الشعرية فنرى وصفًا دقيقًا للولائم الملكية والسواقي وعجائب العمارة والموسيقى ونرى بتلك الأشعار أيضًا اللهو والمجون، من أشهر شعراء العصر والوشاحين ولّادة بنت المستكفي.

    التدهور كان سمة الحقبة العثمانية، وكان للأدب والشعر نصيب لا بأس به من الانحدار فلقد نتج عن مشكلات العصر الأمنية والسياسية إهمال المدارس والتغافل عن المواهب والنوابغ والعمل على قمعها والتغاضي عن الجانب الفكري الثقافي والتشجيع على الانخراط بالجيش والمناصب الأمنية لما تواجه حال البلاد في ذلك الوقت من أخطار داخلية وخارجية، ونتيجة لذلك اتجه أغلب الشعراء للشعر الصوفي ونرى وفرة كذلك بأشعار المدائح النبوية والقصص الشعرية ضعيفة الحبكة والألفاظ والرثاء، ومن أشهر شعراء العصر ابن معتوق.

    ويعد ظهور الشاعر والناقد “أُودنيس” الذي ولد عام 1930 كان تواجده علامة بدء عصر الشعر الحديث التي وضعها الباحثين وذلك لأنه استطاع الجمع بين الثقافات العربية  من الكلاسيكية إلى المعاصرة، هو شاعر سوري الجنسية واسمه الحقيقي “على أحمد سعيد” وأما عن لقبه فلقد حصل عليه أو كنى به نفسه نسبة لأسطورة أُودنيس إله الخصوبة والربيع وكان يتم تصويره على أنه شاب رائع الجمال وقُصّ بالأساطير أنه معشوق عشتار وأفروديت (العواودة، 2001).

    كانت نهاية القرن التاسع عشر هي البداية التي بدء عندها الشعر بالتغير ليصبح كما نعرفه اليوم، بالرغم من عدم اختلاف القالب الشعري كثيرًا عن العصور السابقة إلا أن  الموضوعات الشعرية للعصر الحديث تنوعت وأختلف فنرى الشعراء الثوريين يدافعون عن حقوق بلادهم وقاطنيها يقفون إما بسبب الثورات الداخلية والحالة السياسية والاقتصادية لبلادهم أو في مواجهة استعمار، وتعد هذه الفترة أيضًا هي بداية ألوان شعرية كالشعر الحر.

    ويسمى الشعر الحر هكذا لتحرره من وحدة اللحن والقافية وتغير شكله ليتكون من شطر واحد فقط، كان ظهور الشعر الحر أمرًا لا مفر منه بعد الحرب العالمية والحال المتدهور للبلاد وحاجة العصر للسان مناسب يعبر عنه وعن ما يقاسيه، ونرى التقدم الشعري بالعراق قويًا حيث بدأت حركة الشعر الحر بالعراق بالربع الأخير من القرن العشرين وتعد تلك الحركة الشعرية هي من أولى الحوافز التي وجهت الشعر للشكل الذي أصبح عليه اليوم.

    بدأت حركة الشعر العراقي الحديث بالعراق مع نازك الملائكة وقصيدة “الكوليرا” والتي كانت تعد الأولى من نوعها، وتلاها بدر شاكر سياب بقصيدة “هل كان حبًا” وقيل أن الشاعر شاذل طاقة كان ثالث مؤسسي مدرسة الشعر العربي الحديث بالعراق، والرابع هو عبد الوهاب البياتي فكانوا المؤسسيين على التوالي (ابراهيم، 2015).

    واستلهم هؤلاء الشعراء المحدثين أشعارهم من أرض الواقع، رموز النضال، وحتى من الأساطير والبلدان وخير مثال نجده في أشعار البياتي حيث نرى جوهر الشعر الحديث، وكان لإسبانيا وبلاد الأندلس مكان ومكانة في أبيات الشعراء العرب المحدثين، فكانت إسبانيا موطنًا لكبار الشعراء مثل “بابلو نيرودا” و”لوركا” وموطنًا لرموز النضال الحديث فكان العالم يتابع ما يحدث بإسبانيا على قلب رجلٍ واحد، ونرى كل هذا منعكسًا بشكل واضح في أشعار البياتي، ولذلك تم اختيار أشعار البياتي لتكون النموذج الذي نقيس عليه تواجد الأثر الإسباني بالشعر الحديث.

    أولاً عن البياتي: عبد الوهاب البياتي شاعر من أصل عراقي يعد أهم الأدباء في الربع الأخير من القرن العشرين، وهو أحد المؤسسين الأربع لمدرسة الشعر الحديث في العراق، عُرف البياتي بحداثة شعره وعدم رضوخه للتقاليد وتأثره الكبير بالحضارة الأندلسية والإسبانية وأمريكا اللاتينية، وطالما أعقد ألسنة النقاد بشخصيته كما بشعره، وهو من الشعراء الذين ارتدوا عن المدرسة الرومانسية وفضل المدرسة الواقعية مجاريًا بقلمه الأحداث من حوله.

    بعد تخرجه من الجامعة عمل البياتي في التدريس لمدة ثلاث سنوات قبل أن يتجه أخيرًا إلى عمله بالصحافة مع مجلة “الثقافة” التي أغلقت بعدها وأُعتقل البياتي لأرائيه ومواقفه السياسية مما أرغمه على ترك بلاده التي نادرًا ما عاد إليها بين الثورات، وتم إسقاط الجنسية العراقية عنه عام 1963، ربما كانت هذه هي نقطة تحول البياتي إلى “شاعر المنفى” كما لقبه الكثيرون فبعد أن سافر البياتي خارج حدود العراق ساح في الأرض وسافر إلى بيروت وسوريا والقاهرة إلى أن وصل لإسبانيا بعد عامه الرابع بعد الخمسين.

    البياتي والرموز الإسبانية: إسبانيا تعد من أهم البلاد التي توقف عندها البياتي، نرى الاهتمام بالأدب الإسباني وحضراتها في فترة مبكرة في حياة البياتي فقد كان ينفعل بكل ما كان يحدث بأمريكا اللاتينية حتى أنه آمن في فترة ما بحياته أن هناك يكمن منبع الثورة الحقيقية، استلهم العديد من إبداعاته من رموز أمريكا اللاتينية كالشاعر التشيلي “بابلو نيرودا”، ورئيس تشيلي المغدور “سلفادور الليندي”.

    والفنان التشكيلي “روبرتو ماتا”، و”بابلو بيكاسوا” الفنان التشكيلي والرسام والنحات الإسباني الذي يُنسب إلية الفن التكعيبي ذكره البياتي أول مرة في قصيدة “إلى بابلو بيكاسوا” في ديوان النار والكلمات، ثم مرة أخرى في ديوان الكتابة على الطين في قصيدة “حجر السقوط” وكان هذا بعد زيارة باريس المكان الذي كان يعيش به بيكاسوا، وكان البياتي يظهر بيكاسوا ليس فقط بطريق مباشر ولكن أيضًا بتلاعبه بالألوان فبعد أن زار البياتي متحف اللوفر تأثر بلوحة المهرج وأظهر ذلك بعدها في قصيدة “قصائد حب على بوابات العالم السبع” ثم مرة أخرى في قصيدة “الكابوس”، والشاعر المكسيكي “أوكتابيوباث”، والكوبي “فيدل كاستروا”، والثائر الأسطوري “تشي جيفارا” الذي أُعدم غدرًا على يد أعداءه وخصه البياتي في قصيدة (عن موت طائر البحر ) قائلاً:

    (في زمن المنشورات السرية

    في مدن الثورات المغدورة

    جيفارا العاشق في صفحات الكتب المشبوهة

    يثوى مغمورًا بالثلج وبالأزهار الورقية)

    وحصلت بعض المدن التي لها مدلول شعري خاص على نصيب في أشعار البياتي كذلك مثل قُرطبة التي وظفها البياتي في قصيدتين الأولى “عن الموت والثورة” والقصيدة المهداة إلى الشاعر المغربي عبداللطيف اللعبي “الزلزال”، ويتعمد البياتي الخلط بين قرطبة وغرناطة ليشير إلى حدائق الحمراء، ويلبس الواقع مع الخيال والماضي مع الحاضر:

    “في قرطبة يغيب في البحر

    حيث الشاعر الأندلسي في سجون العالم الجديد

    في زنزانة الخليفة الأخير في قرطبة يموت”

    ، ومدريد في ديوان كلمات لا تموت لتشاركها موسكو في القصيدة المهداة إلى “مكسيم غوركي” وأحيانًا أخرى كان يظهر البياتي غضب اتجاه مدريد كما في قصيدة “الوريث” التي أتهم فيها مدريد بأنها لم تحرك ساكنةً عند موت غارسيا لوركا وأكتفت بمشاهدة حفيد هوميروس كما وصفه يقتل غدرًا:

    “حفيد هوميروس في مدريد

    يعدم رميًا بالرصاص، إرم العماد

    تغرق في ذاكرة الأحفاد”

    ويرى بعض الدارسين أن ذكر إرم ذات العماد مع مدريد ما هو إلا دليل على الكراهية العابرة التي شعر بها البياتي اتجاه ذلك البلد، ولكن هذا لا يمنع أن مدريد ولوركا أصبحا رمزين في شعر البياتي ولم تقترن مدريد بالثورة والحرية فقط، فجمعها البياتي مع حقائب السفر والغجر في القصيدة المهداة إلى بيكاسوا، وفي قصيدة “الموت في الحب” من ديوان “الموت في الحياة” اقترنت صورة مدريد بسنابل القمح رمز الخير والحياة، واستمر تواجد مدريد في أشعار البياتي وبأشعاره الأخيرة اقترنت بموضوع مصارعة الثيران، واستخدام البياتي في أشعاره كان قبل زمن من ذهابه إليها فلقد اجتمعت مع شيكاغو، وطهران في أول ديوان أتمه البياتي بعد نفيه “رِفاق الشمس”:

    “وعلى أبواب مدريد انتظرناك طويلاً

    ولعينيك، رفيق الشمس، خضبنا الحقولا

    وافترشنا الأرض في أسواق طهران القديمة

    وأكلنا الشوك والصبار في أحياء شيكاغو الدميمة”

    وخص مرة أخرى غرناطة في قصيدته “الموت في غرناطة”:

    “وطائر ظمأن

    ينوح في البستان

    اه جناحي كسرته الرياح

    وصاح في غِرناطة

    معلم الصبيان”

    وكذلك حضور رموز الفِكر الإسباني في شعر البياتي نجده قويًا واضحًا، فقد ذكر أشخاص مثل “رفائيل ألبرتي”  الشاعر الإسباني الذي ينتمي لجيل السبعة والعشرين ذلك الشاعر الذي ذاق طعم المنفى هو الأخر لما لا يقل عن أربعة عقود وتنقل بين الأرجنتين وشمال إفريقيا روما وباريس وتقابل الشاعران في منتصف الستينيات في مدينة ستالينغراد وتلك الصدفة العابرة أدت إلى صداقة قوية بين الكاتبين وذكره البياتي في ديوان “قمر شيراز” في قصيدة “إلى رفائيل ألبرتي”:

    ” وقفنا تحت عمود النور، رأينا: نار الشعراء

    الإسبان المنفيين الموتى: لوركا- ماتشادو… ناديتك ألبرتي!

    فأجاب: الشعرُ

    وآخر طفل في المنفى يبكي الوطن الأم

    ويبكي مدريد”

    ومن بين الشخصيات الأخرى التي ذكرها البياتي نرى “أنطونيو ماتشادو” الشاعر الإسباني الذي عانى بسبب الثورات ومات في المنفى بسبب الحرب الأهلية في جنوب فرنسا، والشاعر الإسباني “غارسيا لوركا”  هو كاتب مسرحي، وعازف، ورسام، وشاعر إسباني من جيل السبعة والعشرين، ويعد ديوان “شاعر في نيويورك” الذي تم نشره أربعة أعوام بعد وفاته الأكثر شهرة في كتاباته الشعرية، مات لوركا مغدورًا في عمر الثامنة والثلاثين في بداية الحرب الأهلية الإسبانية في 19 أغسطس 1936 بين قرى فيثنار وألفاكار، وكما تنبأ الشاعر في أبياته لم يتم العثور على جسده قط:

    “وعرفت أنني قتلت

    وبحثوا عن جثتي في المقاهي والمدافن والكنائس

    فتحوا البراميل والخزائن

    سرقوا ثلاث جثثٍ

    ونزعوا أسنانها الذهبية

    ولكنهم لم يجدوني قط”

    لم يكن لوركا علامة من علامات الثورة في إسبانيا فقط بل تحول إلى رمز في أبيات البياتي وأستحضره في أذهان كل من يقرأ شعره بِصورة “الشاعر القتيل” ويكرر ذكره ويعيد استحضاره كلما ذكر أحد المناضلين في أشعاره أو المبدعين وكأن لوركا الشاعر تكيف بحبر البياتي ليصبح رمز الحرية والنضال ويكأن الصورة الشعرية على ورق البياتي لن تكتمل بِدونه فأصبح الموت الذي نصر الحياة.

    لم نرى حضورًا ظاهرًا بشكل مباشر أو غير مباشر للشاعر لوركا في أشعار البياتي قبل عام 1961، كان الظهور الأول  في ديوان “النار والكلمات” في قصيدته “إلى أرنست همنغواي” :

    “لوركا صامتٌ

    و الدم في آنية الورود

    و ليل غرناطة تحت قبعات الحرس الأسود و الحديد

    يموتُ , و الأطفال في المهود

    يبكونَ

    لوركا صامتٌ

    و أنت في مدريد”

    ربما همنغواي هنا هو الشاهد الصامت على ما حدث في إسبانيا و إلى لوركا وذُكر هنا الشاعر الإسباني بشكل صريح على غِرار قصيدتي “الوريث” و”خيط النور” في ديوان (الذي يأتي ولا يأتي)، وفي قصيدتي “ديك الجن” ،”و عن الموت والثورة” من ديوان (الموت في الحياة) كذلك ذُكر بشكل ضمني وفي نفس الديوان قصيدة “مراثي لوركا”، وفي ديوان (سيرة ذاتية لسارق النار) كان له ذكر من نوع خاص في قصيدة “السيمفونية”.

    لم يكتف البياتي بتصوير “لوركا” بصورة الشاعر القتيل والمدافع عن الحريات، وربطه مع رموز كالقمر وبلاد كغرناطة ومدريد، ولكنه أهتم أيضًا بالرسام الذي إعتاد على صخب الألوان بلوحاته كما بشعره، فنرى البياتي يتأثر بأسلوب لوركا الشعري وأكثر من الألوان القوية والنعوت في أبياته مثل في قصيدة “الزنبق والحرية”:

    “في ليلي الأسود

    قمرًا أخضر

    والعصفور الأزرق

    في قفص الزنبق

    مكسور القلب يغني

    يا قمري

    يا ولدي الأصغر”

    وترجم البياتي حوالي سبعة من قصائد لوركا ونشرها في كتاب “رسالة إلى ناظم حكمت وقصائد أخرى” ولوركا يعد من القلة الذين ترجم لهم البياتي قصائد أو غيرها من الأعمال الأدبية وعلل البياتي اهتمامه بغارسيا لوركا عند التحدث عن كتابه “تجربتي الشعرية” فقد خص لوركا وألبرتي بذكر خاص وقال عن أشعارهما أنها تحمل بداخلها وفي طياتها ما قد يكون الروح الحقيقية للشعر وتستطيع أشعراهم بموسيقاها وألوانها التغلغل بسهوله داخل الروح، كما اننا نرى بسهولة خصائص بلادهم معكوسة في أشعارهم.

    إسبانيا البياتي: بالرغم من الظهور الطاغي للحضارة الإسبانية في شعر البياتي قبل أن ذهابه إليها بزمن طويل إلا أن تواجده داخل الأراضي الإسبانية بعد أن وصل نضوجه الشعري إلى أعلى مستوياته كان له تأثير خاص وذلك التأثير لم يكن مقتصرًا على شعر البياتي فقط، فبعد تواجده بإسبانيا لمدة تقارب العقد من الزمان تم ترجمة جميع أعماله إلى اللغة الإسبانية وتجمعت حوله حاشية من كبار المفكرين الإسبان والمستعربين وقيل أن تلك التجمعات كان تحدث في مقهى يسمى “فويما” الذي تم تسميته لاحقًا بمقهى البياتي وكان لتواجده في ذلك الوقت أثر على الجو الأدبي الإسباني فأصبح أحد أعلامها ولذلك من العدل أن نقول أن البياتي بدوره ترك أثره على الأدب الإسباني فكما كان ينقل للعالم بأشعاره صورة إسبانيا المناضلة المعاصرة ترك بداخلها كذلك الأثر العربي لمدرسة الشعر الحديث ولازالت دواوينه وأعماله تُدرس لليوم وليس بإسبانيا فقط ولكن حول العالم (سالم، 2013).

    كون البياتي العديد من الصداقات في تلك الفترة الإسبانية من حياته من كبار الشعراء والمفكرين وحتى السياسيين من إسبانيا وأمريكا اللاتينية والمكسيك ومستعربين، مثل رفائيل ألبرتي الشاعر الإسباني الذي خصة البياتي بقصيدة “إلى رفائيل ألبرتي” وهو صديق الشاعر لوركا الذي ذكره البياتي مرات لا تحصى بشكل مباشر أو غير مباشر، وأنطونيو غاك، وبدرو مونابيث الذي كان وراء ولادة حركة الاستعراب المعاصرة بجامعة أوتونوما بمدريد، وفدريكو أربوس، وكارمن برابو، وحتى الناقد الدكتور خالد سلامة وهو مصري الجنسية كان من ضمن دائرته من المقربين في تلك الفترة، خلد البياتي صورة إسبانيا المناضلة بنفوسنا تلك البلاد التي أحبها واستلهم منها أشعاره وقضى فيها مدة تقارب العقد من الزمان، كما خُلدت أشعاره لتكون منارة للكثير من الشعراء المتحررين الذين جاءوا من بعده.

    المراجع

    تغريد إدريس محمد. (5 11, 2017). سمات الشعر العربي في العصرين الأموي والعباسي: دراسة أدبية نقدية. تاريخ الاسترداد 20 1, 2021، من DSpace Repository: http://repo.uofg.edu.sd/handle/123456789/1312

    خالد سالم. (28 3, 2013). عبد الوهاب البياتي محلقًا عبر أشعاره وحيواته في العالم الناطق بالإسبانية. الحوار المتمدن.

    زين العابدين العواودة. (2001). أدونيس نافدًا حداثيًا للتراث الشعري العربي مختارات’ ديوان الشعر العربي’. Bethlehem University Journal، 47-109.

    سعيد حسون العنبكي. (2017). المثيلات في أدب العراق القديم والشعر الجاهلي دراسة في الموضوعات والأفكار. Journal of the College of Languages، 68-97.

    قيس حاتم هاني الجنابي. (6 10, 2011). كلية التربية الأساسي جامعة بابل العراق. تاريخ الاسترداد 20 1, 2021، من كلية التربية الأساسية جامعة بابل العراق: http://www.uobabylon.edu.iq/uobcoleges/service_showarticle.aspx?fid=11&Pubid=1848

    م. هيام عبد الكاظم ابراهيم. (2015). بواكير حركة الشعر عند الرواد ين التأثر والتأثير ( نازك الملائكة والسياب ) انموذجاً. Journal of College of Education، 213-258.

    محمد عباسة. (2002). اللهجات في الموشحات و الأزجال الأندلسية. المجلة الجزائرية في الأنثروبولوجيا والعلوم الأجتماعية، 29-19.