10 فبراير، 2024 3:19 م

اغتراب الكاتب/ة(7).. الكتابة غيمة حبلى تنتظر أن تنسكب على الورق

Facebook
Twitter
LinkedIn

خاص: إعداد- سماح عادل

من الأمور المثيرة للدهشة أن يجد الكاتب-ة الدعم والتشجيع من قبل أسرته الصغيرة، لكنه مع ذلك يشعر بالاغتراب، ويشعر باختلافه، مما يجعلنا نتسائل هل هناك علاقة قوية ما بين النزوع إلي الكتابة والشعور بالاغتراب.

هذا الملف عبارة عن آراء كاتبات وكتاب من مختلف البلدان وقد وجهت إليهم الأسئلة التالية:

  1. هل شعرت بأنك مختلف منذ فترة الطفولة وشعرت بأن ميلك إلى الكتابة هو سبب اختلافك؟
  2. هل عاملك الأهل داخل الأسرة كأنك غريب عنهم أو لا تشبههم، وكيف كان تقبلهم لميلك إلى القراءة والكتابة؟
  3. هل كنت تفضل الانعزال عن المحيطين من أفراد الأسرة وهل سبب لك ذلك الانعزال الشعور بالغربة عنهم؟
  4. هل كنت تتمني أن يتعامل معك الأهل والمحيطين بشكل مختلف؟ .
  5. هل أنت نادم علي شغفك بالكتابة والقراءة وهل كنت تتخيل حياتك بدون الكتابة؟

تحقيق الذات..

تقول “مليكة العمراني” شاعرة وكاتبة وناقدة من تونس: “نعم كثيرا ما راودني هذا الشعور بالاختلاف حيث أنني ولدت في عائلة فقيرة كثيرة العدد وكنت البنت الكبرى فيها، ونشأت في وسط اجتماعي محافظ يقمع شعور البنت ورغباتها ويلجم صوتها، ولهذا السبب انزويت في غرفتي وعكفت على كتبي أقرأ الروايات والقصص ودواوين الشعر، ثم انتقلت في مرحلة المراهقة إلى عملية الكتابة والنشر.

أما الجزء الثاني من سؤالك هل شعرت بأن ميلك للكتابة هو سبب اختلافك الأجدر أن أقول أن اختلافي هو سبب ميلي إلى الكتابة، لأنني شعرت أنه من واجبي أن أبين للمجتمع وللآخرين سبب اختلافي عن طريق موهبة الكتابة التي ساعدتني على تبيين هذا الاختلاف، وبسببها، أي الكتابة، وصلت إلى ما أنا عليه الآن وإلا لكنت مجرد ربة بيت عادية تربي الأطفال ويقولون لها كوني جميلة واصمتي.

أو لعلي ربما سلكت طريقا آخر غير الكتابة فالكتابة كانت متنفسا كبيرا بالنسبة إلي أثبت من خلاله ذاتي، وإن كنت أعترف بأنني قد دفعت ضريبته باهظا جدا لأن المجتمعات الذكورية تقتل المرأة المثقفة كمدا وتسجنها داخل خانة الثقافة فقط، ولم يعد مسموحا لها بأن تمارس حياتها بشكل طبيعي لأن أفراد المجتمع عندهم عقدة الدونية تجاه المرأة الشاعرة عموما والكاتبة بشكل عام”.

وعن معاملة الأهل داخل الأسرة كأنها غريبة عنهم أو لا تشبههم وكيف كان تقبلهم لميلها إلى القراءة والكتابة تقول: “في الحقيقة لم يعاملني أحد كأنني غريبة عنهم بل على العكس كان والداي يشجعانني كثيرا على التعلم والقراءة، وإخوتي وأخواتي كلهم متعلمون وجامعيون وأقاربي يحترمون موهبتي فقط، هم يستغربون لهذه  الأفكار الثورية الغريبة التي أحملها وهذه الحساسية المفرطة وهذا الإصرار المفرط على النجاح والبروز، وكذلك نشأ في داخلي شعور كبير بالحزن والتشاؤم والانطوائية أتعبني وأتعبهم في الآن نفسه”.

وعن تفضيل الانعزال عن المحيطين من أفراد الأسرة وهل سبب ذلك الانعزال الشعور بالغربة عنهم تقول: “في الحقيقة الانعزال هو سمة من سمات الشاعر عموما لأن الكتابة تتطلب عزلة أما الشعور بالغربة فهو نتيجة طبيعية لأن الشاعر هو غريب بأفكاره ومجنح دوما في الخيال ويرفض القوالب والأطر الضيقة والأعراف الاجتماعية والبسيكولوجية القامعة للروح، ولعل هذا الانعزال والغربة يتجلى أكثر في المناسبات الرسمية مثل حفلات الزفاف والمآتم، حيث أفضل ألا أحضر وألا أحتك بالفئات غير المثقفة، وأشعر بالحرج الكبير وما زلت إلى اليوم أعاني من هذه المسألة”.

وعن هل كانت تتمنى أن يتعامل معها الأهل والمحيطون بشكل مختلف تقول: “نوعا ما  تمنيت أن اتحمل مثلهم المسؤولية، لأن الكتابة جعلتني إنسانة مدللة في العائلة وبين أصدقائي، كما أن الكثيرات من بنات جنسي يشعرن بالدونية تجاهي وأنا أشعر أحيانا بصعوبة التعامل مع بعض الفئات الاجتماعية التي عادة لا تفهم الكاتب أو الشاعر فهما جيدا ولا تحب جرأتي وتلقائيتي”.

وعن هل هي نادمة على شغفها بالكتابة والقراءة وهل كانت تتخيل حياتها دون كتابة تقول: “في الحقيقة لست نادمة كثيرا ولكنها رحلة متعبة جدا ومثيرة للجدل واستهلكت مني عمرا بأكمله، لذلك تمنيت لو كانت حياتي أقل صعوبة لأن الكتابة كثيرا ما جعلتني أشعر باليتم وبالغربة في الزمان والمكان”.

غيمة حبلي تنسكب..

وتقول الكاتبة الليبية “أسماء القرنقي”: “شعرت بالاختلاف منذ طفولتي، كنت أحب الهدوء والعزلة والقراءة والكتابة بعيداً عن الآخرين، حتى أنني كنت اعتقد في بعض الأحيان أنني أعاني علة ما”.

وتضيف: “العائلة كانوا يستغربون ابتعاد طفلة مثلي عن اللعب واللهو والاختلاط بالأطفال الآخرين، كانوا يحثونني في كثير من الأحيان على الخروج وضرورة الابتعاد عن الكتب، لكنهم مع الوقت اعتادوا طباعي وربما يأسوا من محاولات تغييري”.

وواصل: “نعم أحب الانعزال عن الآخرين وربما سبب لي هذا في فترة من الفترات انقطاع تواصل مع بعض أفراد عائلتي، ممن لم يفهموا صمتي وميلي للهدوء وعشقي للبوح على الورق”.

وتؤكد: “نعم، تمنيت أن يفهم أهلي توجهي ويدعمونني منذ البداية”.

وعن الكتابة تقول: “لست نادمة على هذا الشغف والحياة الساحرة التي يوفرها لي الخيال ويرتبها ويصيغها القلم، القراءة والكتابة تمنحانني حياة أخرى بجانب حياتي،  وتجعلانني أعيش قصص ومشاعر من يعيشون حولي، أصبح كغيمة حبلى تنتظر ان تنسكب على الورق لترتاح من حملها”.

الاثراء بالمتعة والوعي..

ويقول الكاتب المصري “أحمد درويش”: “شعرت كثيرا بالاختلاف عن الآخرين، منذ صغري، كنت دائما الشخص الأكثر حالميّة بين أقراني، ولكني بدأت الانعزال عنهم في مرحلة المراهقة، حيث بدأ شغفي بالقراءة يزداد، وهجري للعب يزداد أيضا. أما الكتابة فكانت لاحقة للقراءة، كتبت أولا الشعر حتى مرحلة الجامعة، لكني أدركت أن الله لم يخلقني شاعراً، وفي المقابل حين بدأت كتابة القصة، أحسست بترحيب كبير من كل من حولي، واستحسان أساتذتي في دار العلوم، – وبعضهم من كبار نقاد الأدب العربي- لما أكتبه. لذا استمرت كتابتي للقصة حتى احترافها مؤخراً، حيث تغربت عن الكتابة عشرة سنين كاملة ألهث وراء الصحافة”.

يضيف: “أهلي كانوا داعمين لي بقوة منذ اليوم الأول، حيث بدأت القراءة مبكرا، وكان لوالدي رحمه الله، الفضل في ذلك، حيث كان مديرا عاما داخل وزارة الثقافة، وربطني مبكرا بأجواء القراءة والمسرح وندوات الشعر والمثقفين. وحين وجد مني تعلقا بهذا الأمر كان يفتخر بذلك أمام الجميع”.

ويتابع: “بالفعل انعزلت سنين طويلة وما زلت أشعر بالاغتراب وإن كان مؤخرا مجرد شعور أجوف لا دلائل مادية عليه، حيث سيطرت على ذلك الأمر، بتنظيم الانعزال وقت القراءة والكتابة ثم الانخراط حد الشبع من الاجتماعيات، ولكنني مررت بمراحل انعزال طويلة بالفعل، واعتقد أن كل كاتب/ مفكر/ باحث يحتاج للانعزال فعلا للسيطرة على التشوشات الخارجية، ولمنح نفسه مزيدا من التركيز”.

٤ويواصل: “في الحقيقة أنا من الكتاب الذين يستطيعون السيطرة وفرض حضورهم على غيرهم، ولست كائنا هشا ولا مغتربا الاغتراب المقيت الذي يصنع شخصيات كارتونية للكتاب، تسير سخرية الكثيرين، فأنا كاتب ومثقف وصحفي متحقق في مجال الصحافة وكنت مديرا لشركة علاقات عامة، أدير قرابة ٤٠ موظفا، وحققت نجاحات جيدة ترضيني على المستوى الشخصي وقد اكتفيت وفسخت عقود عملي في محاولة لتجربة تحدٍ جديد، ما أقصده هنا أنني لست من ذلك النوع الذي يتعذب في مرارات الوحدة والاغتراب عن مجتمعه، وإن كانت هناك مجرد أحاسيس بالاغتراب والوحدة سريعا ما أقض عليها، حتى لا تتعذب نفسي”.

ويؤكد: “أفضل ما حدث لي في حياتي هو تعلقي بالكتابة والقراءة، أنا أكتب وأقرأ لكنني مفتتن بالكتابة، أكثر من القراءة، وإن كانت قراءاتي جيدة لكنني لست من ذلك النوع الذي يسمونه “دودة قراءة” فقراءاتي انتقائية، كما أنني غير مقتنع بأن القراءة تصنع كاتبا متميزا، بالعكس الكتابة والتجريب هي من تصنع الكاتب، وبخاصة التجريب في الكتابة وممارسة التدريبات الأدبية، وهذا الأمر متعلق أيضا بالقراءة، إذ لابد من تنوع قراءة الأديب حتى يتعرف على مدارس الأدب، ولكن بشكل عام القراءة والكتابة متجانسان، ووجهان لعملة واحدة، وهي عملك الوعي، لذا افتخر بكوني واحدا ممن يحاولون إثراء حياة الناس بالمتعة والوعي”.

أخبار ذات صلة

أخر الاخبار

كتابات الثقافية

عطر الكتب